Ibn 'UthayminAz‑Zumar · 39:69–70

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:69–70

39:69Page 466

وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٩

And the earth will shine with the light of its Lord, and the record [of deeds] will be placed, and the prophets and the witnesses will be brought, and it will be judged between them in truth, and they will not be wronged.

يقول: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر ٦٩] جيء بالنبيين، من جاء بهم؟ الله عز وجل؛ لأن الملك في ذلك الوقت لله، له التصرف، فيؤتى بالنبيين، و(النبيين) هنا يشمل النبيين الذين أرسلوا والنبيين الذين لم يرسلوا، فهو عام، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ الشهداء جمع شهيد، وهل المراد بالشهداء الذين قتلوا في سبيل الله؟ أو المراد بالشهداء الذين يستشهدون يوم القيامة؟ الثاني هو المراد، فمن الشهداء؟

قال المؤلف رحمه الله: (أي: بمحمد ﷺ وأمته يشهدون للرسل بالبلاغ).

أما قوله: (أي: بمحمد) فظاهره أنه يريد أن يفسر النبيين بمحمد، فيكون على تفسيره عامًّا أريد به الخاص، وهذا غير مسلم، بل الصواب أنه عام باقٍ على عمومه، أي: يُؤتَى بالنبيين كلهم يشهدون على أممهم بأنهم بلغوهم.

أما قوله: الشهداء فهو من باب عطف العام على الخاص، والمراد بهم الذين يشهدون على الأمم وللرسل، وهم هذه الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة ١٤٣] محمد ﷺ شهيدًا عليكم، فالرسل شهداء على أممهم، يقولون: يا ربنا نشهد أنك أرسلتنا إلى أقوامنا وأننا بلغناهم، ولا يمكن أن يقول أحد في ذلك اليوم: هذه دعوى، فأين البينة؟ يعني لو قال مثل هذا القول من يشهد؟ أعضاؤك تشهد، والله يشهد قبل كل شيء، أما الشهداء فنعم، نقول: هم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله ﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، وهذه الأمة ولله الحمد تشهد على الناس في الدنيا وفي الآخرة، نحن الآن نشهد أن الله أرسل نوحًا إلى قومه، ونشهد أن قومه أبلغوا على الوجه الأكمل، ونشهد أنه بقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، كل هذا نشهد به بما علمنا الله عز وجل في كتابه، فيوم القيامة تكون الشهادة لنا على الأمم.

وقول المؤلف رحمه الله: (يشهدون للرسل بالبلاغ)، لو قال: وعلى الأمم بإقامة الحجة، لكان هذا خيرًا، كذلك أيضًا نحن نشهد على أمم بأنهم بلغوا، وأُقيمت عليهم الحجة، فلنا شهادتان: شهادة للرسل وشهادة على الأمم.

قال: (﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر ٦٩] أي العدل) قضي بينهم، من القاضي؟ الله عز وجل، لكن أبهمه للتعظيم، وهو معلوم، يعني ليس هناك ضرورة إلى التعيين؛ لأنه معلوم أن القاضي هو الله رب العالمين.

﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي بين الناس (﴿بِالْحَقِّ﴾ أي العدل ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر ٦٩] شيئًا) يُقضَى بين الناس يوم القيامة بالعدل، بل ليس القضاء بين الناس بالعدل، بل بين البهائم بالعدل، حتى إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أخبر «بأنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٢/ ٢٠) من حديث أبي هريرة.]] سبحان الله! ثم بعد ذلك تكون ترابًا؛ لأنها ليس لها جنة ولا نار، لكن إظهارًا للعدل، وشفاء لما في الصدور؛ لأن الشاة الجلحاء إذا نطحتها الشاة القرناء صار في قلبها شيء، لكنها لا تستطيع أن تقتص؛ لأن هذه لها قرون وهذه ليس لها قرون، لكن يوم القيامة يعطي الله سبحانه وتعالى الشاة الجلحاء قدرة حتى تقتص، أو يُريها الله عز وجل كيف يقتص لها من الشاة القرناء، ولهذا قضي بينهم بالحق، يقول المؤلف: (أي: العدل)، لماذا فسر الحق هنا بالعدل، ولم يفسره بالصدق؟

لأن المقام مقام حكم وقضاء، والمناسب فيه العدل، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر ٦٩]، (هم) الضمير يعود على الناس، لا يظلمون شيئًا أي: لا ينقصون من حقوقهم شيئًا، بل يُعطَى كل إنسان حقه على وجه الكمال. والله أعلم.

نأخذ الفوائد: قال الله عز وجل: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر ٦٩] في هذا، فوائدها:

* منها: إثبات النور صفة لله؛ لقوله: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر ٦٩].

* ومنها، فوائد الآية: إثبات الربوبية الخاصة لله في ذلك اليوم، حيث أضاف الربوبية إلى الأرض، مع أنه رب كل شيء. وإضافة ربوبية الله تعالى إلى شيء معين تقتضي تعظيم هذا الشيء ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٩١]، لما كان قوله: ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ قد يوهم أنه رب لهذه البلدة دون غيرها، قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الكتاب الذي كُتبت فيه الأعمال؛ لقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر ٦٩].

* ومن فوائدها: إثبات الشهداء على الناس بما عملوا؛ لقوله: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر ٦٩].

* ومن فوائدها: أنه يقضى بين الأنبياء وبين من كذبوهم؛ لقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر ٦٩].

* ومن فوائدها: أنه يُقضَى بين العالم وأمته؛ لقوله: ﴿بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾، والعلماء شهداء لا شك، بل هم رؤوس الشهداء بعد الأنبياء ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ فالعالم مبلغ عن الرسل، فيقضى بينه وبين من بلغته الرسالة بواسطته.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات القضاء بين الخلق في ذلك اليوم؛ لقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أن القضاء لا حيف فيه ولا جور؛ لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ فيعطى الإنسان حقه كاملًا.

* ومن فوائدها أيضًا: انتفاء الظلم في ذلك اليوم؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر ٦٩]، وانتفاء الظلم هنا ليس المراد به نفي الظلم فقط، بل المراد به إثبات كمال العدل الذي ليس فيه ظلم بوجه من الوجوه؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر ٦٩].

* طالب: (...).

* الشيخ: سمعتم السؤال؟ يقول: لماذا قلنا: ننزه الله عن كل نقص وعن المماثلة، أليست المماثلة نقصًا؟ بلى نقص، وأشرنا إلى هذا، لكنك أحيانًا تسهو.

* طالب: ألا يكون (...) الكفار أن يأخذوا كتابهم بيسراهم من وراء ظهورهم.

* الشيخ: لا، جواب السؤال، نقول: إن النقص شيء والمماثلة شيء آخر، مثلًا لله قدرة، نقول: ليست كقدرة المخلوق، لكن هل يمكن أن يلحقها النقص؟ إذن لا بد أن نقول: عن كل نقص، ما يكفي نفي المماثلة، نعم ربما يكفي (عن كل نقص) عن نفي المماثلة؛ لأن المماثلة نقص، ولكن نقول: إذا كان الله قد نص على ذلك فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] فينبغي أن ننبه عليه.

* طالب: ألا يكون وجيهًا أن يكون اتصاف الكفار المعرضين عن كتاب الله تبارك وتعالى وآياته أن يأخذوا كتابهم بيسراهم من وراء ظهورهم ولا يستووا مع المؤمنين العصاة الذين يأخذنا كتابهم بيسراهم (...)؟

* الشيخ: بس من يقول هذا؟ يعني من يقول: إن عصاة المؤمنين يأخذون كتبهم بشمالهم؟

* طالب: قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩] ما تأتي من هذا (...).

* الشيخ: لا، ما تأتي من هذا، نعم لو ثبت أن عصاة المؤمنين يأخذون بالشمال، لكان لا بأس، لكن الآية تدل: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة ٢٥ - ٣٣] وهذا كافر.

* طالب: ذكرتم أن الأرواح تكون داخل الصور في النفخة الأخرى، ولذلك بعد النفخ تُبعث الأجساد وتبعث كل روح في الجسد، وهذا لا شك من الأمور الغيبية، فما حجتهم على هذا؟

* الشيخ: هذا حديث الصور الطويل، وهذا حديث فيه أشياء منكرة، لكن فيه أشياء تشهد لها النصوص الأخرى الصحيحة، وفيه أشياء ليست منكرة، وليس فيها ما يشهد لها الأحاديث الصحيحة، لكن العلماء تلقوه بالقبول.

* طالب: إحنا قلنا: إذا الفجائية (...) تعقب (...) حديث أبي هريرة يا شيخ يقول: إن بينهما أربعين، كيف نجمع بين أنها مباشرة وأنها..؟

* الشيخ: أتدري ما تقول الآن؟ عِ ما تقول لأجل أن نجيب، ذكرنا أن قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨] للمفاجأة، والمفاجأة تدل على وقوع الشيء مباشرة، فأنت الآن أوردت علينا حديث أبي هريرة، حديث أبي هريرة: «بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤١) من حديث أبي هريرة. ]]، لكن الآية في النفخة الثانية، أيش؟ واضح؟

* طالب: بارك الله فيكم، ذكرت (...) أن النفخ في الصور مرتين (...) ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ﴾ إلى آخر الآيات [الزمر: ٦٨] فهل يعني (...)؟

* الشيخ: ويش تقول في هذا السؤال؟

* طالب: (...).

* الشيخ: بيَّنا هذا، هو لو جاء ذكر النفخ في الصور بصعق فإذا هم قيام، لكن جاء بثلاثة تعبيرات ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ﴾ [النمل ٨٧] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ [الزمر ٦٨]، فقيل: إن الفزع نفخة أولى، ثم الصعق الثانية، ثم البعث الثالثة.

وقيل: إن الفزع والصعق نفخة واحدة، ينفخ فيه فيفزع الناس: ما الذي حصل؟ ما الذي حصل؟ ثم يطول النفخ فيصعق الناس، وعلى هذا تكون النفخة واحدة، لكنها تمتد، أولها فزع وآخرها صعق، عرفت؟ وعلى هذا فقول المؤلف: (النفخة الأولى) لأنه يرى أن نفخة الفزع هي نفخة الصعق.* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.

* الشيخ: ما فيه بسملة، ما كملنا السورة.

* الطالب: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر ٦٩ - ٧٣].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨]، أخذنا مناقشة فيها؟ طيب من هو النافخ في السور؟

* طالب: إسرافيل عليه السلام.

* الشيخ: نعم، ولماذا عبر بالماضي وهو لم يأتِ بعد؟

* طالب: لتحقق (...).

* الشيخ: لتحقق وقوعه، هل لك أن تأتي بمثال؟

* الطالب: قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١].

* الشيخ: مثل قوله الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ مع أنه لم يأتِ بعد.

* الشيخ: ما هو الصور؟

* طالب: الصور هو (...).

* الشيخ: بيت يعني حجرة.

* الطالب: لا (...) البوق.

* الشيخ: قرن عظيم يشبه البوق من بعض الوجوه، لكنه دائرته كما بين السماء والأرض.

قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ [الزمر ٦٨] أي نفخة هذه؟

* طالب: نفخة الفزع.

* الشيخ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾.

* الطالب: نفخة الصور.

* الشيخ: أي نفخة الصور، لكن أي نفخة؟ الثالثة أو الرابعة؟

* الطالب: الأولى.

* الشيخ: الأولى.

* الطالب: بدليل قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر ٦٨].

* الشيخ: بدليل قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾.

هل هناك خلاف؟

* طالب: فيه خلاف، قالوا: ﴿يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل ٨٧].

* الشيخ: أيش؟ ما هو الخلاف؟

* الطالب: قالوا: إن فيه نفخة ثالثة.

* الشيخ: فيه نفخة ثالثة وهي؟

* الطالب: نفخة الفزع.

* الشيخ: الفزع.

* الطالب: ونفخة الصعق.

* الشيخ: ونفخة الصعق.

* الطالب: ونفخة البعث.

* الشيخ: البعث.

وما هو الراجح: ثنتان أو ثلاثة؟

* الطالب: ثنتان.

* الشيخ: كيف تجيب عن قوله: ﴿فَفَزِعَ﴾ [النمل ٨٧]؟

* الطالب: تشمل الصعق والفزع، أولًا يكون الفزع ثم تستمر حتى يصعق (...).

* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.

قوله الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨] ﴿فَإِذَا﴾ ما معناها؟

* الطالب: إذا الفجائية.

* الشيخ: الفجائية، أيش معنى الفجائية؟

* الطالب: تشديد الهول؛ لأنهم في غفلة عن هذا الأمر..

* الشيخ: لا، ما هم في غفلة؛ لأنهم أموات.

* طالب: أي أن القيام حصل..

* الشيخ: فجائية؛ لأن ما بعدها يأتي مفاجأة؟

* الطالب: لما قبلها.

* الشيخ: لما قبلها، نعم.

* الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر ٦٩] ما معنى أشرقت؟

* طالب: أشرقت أي: أضاءت.

* الشيخ: أي: أضاءت.

﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر ٦٩] هل هو نور المخلوق أو نور الله؟

* الطالب: نور الله (...).

* الشيخ: نعم، لو قال لك: إنه نور مخلوق، فأضافه الله إلى نفسه إضافة مخلوق إلى خالقه؛ كقوله: ناقة الله وبيت الله؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: لكن لو قال لك هكذا؟ لو قال إنسان: إضافة مخلوق إلى خالقه، مثل: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس ١٣] هو ما له ناقة؟

* الطالب: (...) غير مخلوق.

* الشيخ: لكن لو ادعى واحد، لو ادعى إنسان أن نور مخلوق يخلقه الله عز وجل في الجو؟

* طالب: إن ثبت هذا باللفظ الصحيح فلا مانع.

* الشيخ: ما أجبت.

* طالب: الشيء الذي (...).

* الشيخ: لكن لو قال لك قائل: هذه الآية إضافة مخلوق إلى خالقه، ما هو الجواب؟

* طالب: أنه ثبت أن لله ملكًا.

* طالب آخر: (...).

* الشيخ: لا.

* طالب: أن (...).

* الشيخ: خلاص (...).

* طالب: (...) الأصل أن يكون إضافة صفة إلى موصوف إذا كان..

* طالب آخر: (...).

* الشيخ: لأنه خلاف الظاهر يا إخواني ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر ٦٩]، إذا قال قائل: نور خلقه الله، قلنا: هذا خلاف الظاهر الله، يقول: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾، والله له نور ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور ٣٥]، كل إنسان يحرف الكلم عن ظاهره نجيبه بهذا، نقول: هذا غير مقبول؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، فإن أتيت بدليل يخرجه عن ظاهره فعلى العين والرأس، وإن لم تأتِ بدليل صحيح يخرجه عن ظاهره فعلى العين والرأس، وإلا فقولك مردود، أعرفتم يا جماعة؟

* الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر ٦٩] ما المراد بالكتاب؟

* طالب: (...).

* الشيخ: كتاب أعمال التي يعملونها، صح؟

﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر ٦٩] من الشهداء؟

* طالب: الشهداء، النبي ﷺ يشهد على الأمم.

* الشيخ: السابقة.

* الطالب: السابقة (...).

* طالب آخر: (...).

* الشيخ: أنه أعم من أمة محمد، طيب الأنبياء والعلماء وغيرهم، ما هو الدليل على أن هذه الأمة شهداء؟

طالب: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ﴾ [البقرة ١٤٣]

* الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣] نعم.

قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر ٦٩] ما معنى قضي بينهم بالحق؟

* طالب: يعني فصل بينهم بالعدل.

* الشيخ: حكم بينهم بالعدل، أحسنت.

﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر ٦٩]؟

* الطالب: أي: وهم لا يظلمون شيئًا.

* الشيخ: محل الجملة من الإعراب؟

* الطالب: حالية.

* الشيخ: حالية، يعني والحال أنهم لا يظلمون شيئًا.

* * *

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر ٧٠] وفيت: أي أعطيت وفاء، كما تقول: وفيته حقه، أي: أعطيته إياه وفاءً.

﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ [الزمر ٧٠] ﴿كُلُّ﴾ بالضم على أنها نائب فاعل.

﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر ٧٠] أي: الذي عملت، فـ (ما) هنا اسم موصول، وهو مفعول ثان لوفيت، والمفعول الأول هو (كل)، وإن كانت بالضم، لكن نائب الفاعل ينوب مناب المفعول، فلهذا صارت (كل) في محل المفعول الأول و(ما عملت) في محل المفعول الثاني.

قال المفسر: (أي جزاءه) حمله على هذا التأويل أن العمل قد مضى في الدنيا، والذي توفى النفس هو الجزاء؛ كما قال الله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة ٢٤].

فإذا قال قائل: الأمر واضح كما قال المفسر، لكن الحكمة في أن الله عز وجل عبر بالعمل عن جزاء العمل؟ الحكمة في ذلك إشارة إلى أن الجزاء لا يتجاوز العمل، ولا ينقص عن العمل، فكأنه هو العمل، إذا كان لا يتجاوزه ولا ينقص عنه، فكأنه هو العمل، وهذا هو كمال العدل، وكما تدين تدان.

﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر ٧٠] (هو) الضمير يعود على الله عز وجل، يعني كأن قائلًا يقول: كيف يعلم ما عملت النفس وقد مضت دهور ودهور؟ وفي العمل الدقيق والجليل؟ فقال: ﴿وَهُوَ﴾ [الزمر ٧٠] أي الله ﴿أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر ٧٠] يعني: لا يخفى عليه شيء، وهو سبحانه وتعالى لا يضل ولا ينسى، فلا يمكن أن يفوت شيء من عمل الإنسان.

وقول المفسر: (أي عالم ﴿بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ) تفسيره (أعلم) بـ(عالم) يعتبر تفسيرًا قاصرًا؛ لأن (أعلم) أعلى درجة من (عالم)، فإنك تقول: زيد عالم وعمرو عالم، فيتساويان في العلم، وتقول: زيد أعلم من عمرو، فيكون زيد أعلم وأعلى درجة من عمرو، المؤلف الآن إذا قال: (﴿أَعْلَمُ﴾ أي عالم) نقص من علم الله؛ لأن كلمة عالم لا تمنع المشاركة، لكن أعلم تمنع المشاركة؛ لأنه لا يستوي الأفضل والمفضول.

والعجب أننا لو سألنا سائل: لماذا عدل المؤلف عن اسم التفضيل إلى اسم الفاعل؟ قال: لأنه لا ينبغي أن يكون هناك تناسب أو مفاضلة بين الخالق والمخلوق، إذا قلت: أعلم، معناها أنك فضلت الخالق على المخلوق، فنقول له: سبحان الله، وإذا قلت: عالم فقد سويت الخالق بالمخلوق، فانظر كيف عدل عن ظاهر اللفظ إلى فساد المعنى، فجنى جنايتين، عفا الله عنه، الأولى: مخالفة ظاهر اللفظ، الثاني: تنقيص الخالق في علمه، فنحن نقول: إن الله أعلم وأرحم، في القرآن الكريم: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف ١٥١] وأحكم ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨]، بل أبلغ من ذلك أن الله قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩] مع العلم بأنه لا أحد يظن أو يقدر أن الأصنام مثل الخالق، لكن قال هذا من أجل إفحام الخصم، وبيان ضلاله، أن نقول له: آلله خير أم الذي تشرك به؟ فالحاصل أن الواجب علينا أن نجري ﴿أَعْلَمُ﴾ على أيش؟ على ظاهرها من أن المراد بها تفضيل الله في علمه على عباده، فهو أعلم بما يفعلون.

فإن قال قائل: إن المؤلف عدل عن (أعلم) إلى (عالم)؛ لأن الناس لا يعلمون ما يفعلون، فالعلم منتفٍ، وحينئذ لا يكون تفسيره (أعلم) بـ(عالم) لا يكون ضارًّا، قلنا: هذا خطأ أيضًا، بل العالم يعلمون ما يفعلون، كل إنسان يعلم ما فعل، وكل من شاهد غيره أنه يفعل علم ما فعل.

وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر ٧٠] تارة تأتي يفعلون، وتارة تأتي يعملون، وتارة تأتي يكسبون، فهل بينها فرق؟ نقول: لا، ليس بينها فرق؛ لأن مؤداها واحد، لكن إذا قيل: قول وفعل، صار القول باللسان والفعل بالجوارح، وإذا قيل: عمل صار شاملًا للقول والفعل، وإذا قيل: قول فإنه يكون شاملًا للقول والفعل، ومنه -أي من إطلاق القول على الفعل- قول الرسول عليه الصلاة والسلام لعمار بن ياسر: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا» ثم ضرب يده بالأرض»[[أخرجه مسلم (٣٦٨ / ١١٠) من حديث عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر.]]، ومعلوم أن هذا ليس قولًا بل هو فعل.

﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر ٧٠] قال: (فلا يحتاج إلى شاهد) نعم لا يحتاج إلى شاهد، كفى بالله شهيدًا، لكنه سبحانه وتعالى يقيم الشهود إظهارًا للعدل وتوبيخًا للفاعل، أعرفتم؟ لأنه إذا أقيم عليه الشهود بعد أن أنكر صار ذلك أشد توبيخًا.

ثم قال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧١].

نعم الفوائد.

39:70Page 466

وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٧٠

And every soul will be fully compensated [for] what it did; and He is most knowing1 of what they do.

قال الله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ إلى آخره [الزمر: ٧٠].

* من فوائد هذه الآية: أن الناس يستوفون أعمالهم يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر ٧٠] بعد أن قال: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ إلى آخره [الزمر: ٦٩].

ويدل لهذا -أن استيفاء العمل يكون يوم القيامة- قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران ١٨٥]، أما في الدنيا فإن الإنسان قد يوفى عمله وقد لا يوفاه، فالكافر مثلًا لا يمكن أن يوفى جزاء عمله في الآخرة، وأريد جزاء عمله الصالح، يعني لو أن الكافر تصدق أو أصلح شيئًا ينفع المسلمين، أو فعل أي شيء يتعدى نفعه، فإنه لن يُجازَى عليه في الآخرة، ولكن يطعم به في الدنيا، يجازى عليه في الدنيا، ثم قد يجازى وقد لا يجازى، قد يجازى عليه في الدنيا ويطعم إياه، وقد لا يجازى، أما المؤمن فإنه وإن جُوزي في الدنيا على عمله الصالح فإنه لن يُحرَم الجزاء في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧]، هذا جزاء دنيوي ولَّا أخروي؟ دنيوي، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧] هذا أخروي، المهم أن منتهى الجزاء هو يوم القيامة ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر ٧٠].

* ومن فوائد هذه الآية: العدل، عدل الله تعالى في جزائه لقوله: ﴿مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر ٧٠] لا زيادة ولا نقص. ويؤكد ذلك قوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر ٧٠] فإذا كان أعلم بما يفعلون، وهو حكم عدل، علم أنه لن ينقص الإنسان من أجره شيئًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلم لله؛ لقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ﴾ [الزمر ٧٠].

* ومن فوائدها: أن الله يعلم أعمال العباد كما يعلم أعمال نفسه؛ لقوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر ٧٠].

* ومن فوائدها: احتراز الإنسان من العمل بما لا يرضي الله، وأنه يجب عليه أن يحذر منه، لماذا؟ لأن الله يعلم ذلك، والإنسان الحي القلب لا شك أنه سيخجل إذا علم أن الله يعلم عمله فعمل ما لا يرضيه.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧١] (سيق) فعل ماضٍ مبني للمجهول أو لا؟ هل الأولى أن نقول: مبني للمجهول أو مبني لما لم يسمَّ فاعله، نعم؟ قالوا: إنه الثاني؛ لأنه قد يكون الفاعل معلومًا لكن حُذف لغرض آخر، ولهذا كان تعبير المحققين من النحويين أن يقولوا: ما لم يسمَّ فاعله. وفي هذا الفعل يقول: مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، إذن من السائق؟ الظاهر أن السائق الملائكة، يسوقونهم إهانة.

وقول المفسر: (بعنف) دليله قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣] معنى الدع الدفع بشدة وقوة، فهذا كيفية سوق الذين كفروا.

وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الزمر ٧١] حذف المفعول ليعم كل ما يكفر به مما يجب الإيمان به، فإذا كفروا بالملائكة فهم داخلون في هذا؛ بالنبيين، بالكتاب، باليوم الآخر، بالقدر، فهم داخلون في هذه الآية، وكذلك إذا استكبروا عما يجب عليهم الإذعان به فإنهم يكفرون؛ لأن الكفر نوعان:

كفر جحود وكفر استكبار، فالتكذيب كفر جحود، وترك العمل كفر استكبار، والآية تشمل هذا وهذا.

(﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعنف ﴿إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧١]) جهنم سبق الكلام عليها، وأن العلماء اختلفوا فيها هل هي معربة أو عربية أصلية؟

وقوله: ﴿زُمَرًا﴾ قال: (جماعات متفرقة) وما وجه التفريق في هذه الجماعات؟ هل هي باعتبار الأمم أو باعتبار الأعمال، بحيث تكون الزمرة الأولى هي الكافرة المشركة، والثانية ما دونها، والثالثة فما دونها، وهكذا؟

فيه احتمال، فإن قلنا بالأول، أي أن هذه الزمر باعتبار الأمم، فإن دليله قوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف ٣٨] فإن هذا يدل على أنهم يُذهَب بهم إلى النار أممًا، وإن قلنا بالثاني فدليله ما يُصنع بأهل الجنة أن أول زمرة تدخل الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر، أو على صورة القمر ليلة البدر، فإن هذا يقتضي أن يكون الزمر باعتبار العمل، فالله أعلم، المهم أن نعرف أنهم يُساقون زمرًا.

يقول: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧١] جواب ﴿إِذَا﴾، وأين شرطها؟ شرطها ﴿جَاءُوهَا﴾، وجوابها ﴿فُتِحَتْ﴾، يعني من حين أن يصلوا إليها تفتح، وفتحها أكره شيء إليهم، نسأل الله العافية؛ لأنهم يودون أن يقفوا ولو على شفيرها دون أن يدخلوا فيها، ولكنهم يفاجؤون بفتحها من أجل مبادرتهم بالعذاب والعياذ بالله.

﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر ٧١]، وقوله: ﴿أَبْوَابُهَا﴾ جمع باب، وقد بيَّن الله تعالى في كتابه أن أبوابها سبعة، فقال: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر ٤٣، ٤٤] حسب عمله.

﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الزمر ٧١] خزنتها أي: القائمون عليها، الموكلون بها، وهم ملائكة غلاظ شداد، غلاظ الطباع، شداد الأجسا،م هؤلاء هم خزنة النار، فيهم رحمة ولَّا ما فيهم رحمة؟ ما فيهم رحمة إلا امتثال أمر الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى في يوم القيامة لا يرحم الكافر، بل يقول جل وعلا: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨] فهم أبعد الناس عن رحمة الله، ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الزمر ٧١] موبخين ومقررين: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر ٧١]، والاستفهام هنا لأيش؟

* طلبة: للتقرير.

* الشيخ: أنا قلت لكم الآن: موبخين ومقررين، للتوبيخ والتقرير، يعني يقررون إتيان الرسل، ويوبخون هؤلاء على الكفر بهم، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر ٧١] يعني لا من غيركم، لو أرسل الله إلى البشر ملائكة لكانوا ينفرون ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ [الإسراء ٩٥] لما قالوا: أين الملائكة؟ قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٥] لكن ليس من الحكمة أن ينزل للبشر ملك، ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ [الأنعام ٩]، لو أنزل الله ملك، لو فرض أن الله يرسل للبشر ملكًا ﴿لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام ٩] أي: على صورة الرجل، حتى لا ينفروا منه.

وهنا يقول: ﴿يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر ٧١]، وهذا أبلغ من أنفسكم ﴿مِنْكُمْ﴾، فمحمد عليه الصلاة والسلام ممن؟ من قريش من بني هاشم يعرفونه ويعرفون أباه، ويعرفون أجداده، ويصفونه بالأمين، ويثقون به، وحكموه حين اختصموا في وضع الحجر في مكانه بالكعبة، حتى حكم فيهم ذلك الحكم العدل، ولما جاءهم بالبينات قالوا: هذا الساحر، هذا الكذاب، هذا المجنون، هذا الكاهن، هذا الشاعر، سبحان الله! فهو رجل منهم يعرفونه، لكن الاستكبار يأبى أن يقول الحق ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر ٧١] أعوذ بالله! نؤجل الكلام عليها إن شاء الله في الدرس القادم.

* طالب: بارك الله فيكم، الفعل المبنى للمجهول هل الأولى دائمًا أن نقول: مبني لما لم يُسمَّ فاعله، أم في هذا السياق؟

* الشيخ: لا، دائمًا يكون الأولى: لما لم يسم فاعله، وأنت إذا قلت: لما لم يسم سواء كان مجهولًا أو غير مجهول، ثم إن الفعل المبني لما لم يسم فاعله إذا كان الله هو الذي تكلم به هل يصح أن نقول: إن هذا مجهول لله؟ لا يمكن، يعني في القرآن لا يمكن أن تقول: مبني للمجهول؛ لأن الله لا يجهل ذلك، في غيره ربما يقول القائل مثلًا لما أصبح صاح، ويش بلاك؟ قال: سرق متاعي، هذا أيش؟ مبني للمجهول، ولا يريد الستر على السارق؟

* الطالب: احتمال.

* الشيخ: لا، ما فيه احتمال أبدًا، جعله يصيح، ولهذا قلنا لكم: يصيح؟

* طالب: ألا يمنع من كون المعنى زمرًا أن يكون جماعات باعتبار العمل؛ لقول النبي ﷺ: «أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ ثَلَاثَةٌ» »[[أخرجه الترمذي (٢٣٨٢) من حديث أبي هريرة.]]؟

* الشيخ: نعم هذا يؤيد أن المراد باعتبار العمل.

* طالب: (...).

* الشيخ: أي نعم؛ لأن هؤلاء الثلاثة يكون في الأمم من قبلنا وفينا.

* طالب: الآية ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر ٧٣] والحديث في صحيح البخاري، ذكرنا أنه« تُصوَّر لهم النار كأنها سراب فيأتون مسرعين»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]] كيف (...) بين السوق وبين الذهاب (...)؟

* الشيخ: أيش تقولون؟ يقول: جاء في البخاري وغير البخاري أن النار تمثل وكأنها السراب لأهلها، وهم عطاش، فيتسابقون إليها، فما هو الجمع بين قول: سيق وكونهم هم يتبادرونها؟

الجمع من أحد وجهين: إما أنهم يُجمع لهم بين السوق وبين انطلاقهم ولا مانع، لا مانع من أن الإنسان يركض وفيه واحد وراه يدفعه، ما فيه مانع، أو يقال: إنهم إذا وصلوا إلى حولها ورأى المجرمون النار هابوا ووقفوا، وعلموا أنها ليست بماء، فسوف ينكصون، وحينئذ أيش؟ يساقون ويدعون إلى جهنم دعًّا.

* طالب: هذا الحديث أليس هو (...) المسيح الدجال.

* الشيخ: أيهم؟

* الطالب: الكفار حينما يرون المسيح الدجال يصور لهم النار على..

* الشيخ: لا.

* طالب: (...) الأشاعرة (...)؟

* الشيخ: أنهم لا يرون أن الكسب عمل، هم في الحقيقة كمذهب الجبرية تمامًا، لكنهم يضيفون العمل للإنسان على أنه كسب.

* طالب: هل يُعذَّب الجن كما يعذب الإنسان في جهنم.

* الشيخ: إي نعم.

طالب: عذابهم سواء؟

* الشيخ: هو الظاهر أن الجن يعذَّبون كما يعذب الإنس، اقرأ الآية: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨].

* طالب: شيخ بارك الله فيكم ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ إلى آخر الآيات [عبس: ٣٤ - ٣٦] فهل في هذا الموقف العظيم هل يمكن للإنسان أن يتنازل بشيء من الحسنات لأمه أو أبيه؟

* الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر أنه لا يمكن.

* الطالب: (...).

* الشيخ: لأن العمل انتهى وقته.

* الطالب: ورد الحديث في هذا الباب.

* الشيخ: ما أعرف إن ورد حديث صحيح أخذنا به.

طالب: هل يُعذَّب الجن كما يُعذَّب الإنسان في جهنم؟

* الشيخ: إي نعم.

* الطالب: سواء بسواء؟

* الشيخ: هو الظاهر أن الجن يعذَّبون كما يعذَّب الإنس، اقرأ الآية: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨].

* طالب: شيخ بارك الله فيك، (...) فهل في هذا الموقف العظيم يمكن للإنسان أن يتنازل بشيء من الحسنات لأمه أو أبيه؟

* الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر أنه لا يمكن؛ لأن العمل انتهى وقته.

* الطالب: ما ورد حديث في هذا الباب؟

* الشيخ: ما أعرف، إن ورد حديث صحيح أخذنا به. (...).

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.

* الشيخ: لا تقل بسم الله الرحمن الرحيم إلا في أول السورة؛ لأن الله قال في القرآن: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل ٩٨]، ولم يقل: وبَسْمِل.

* الطالب: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤) تَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر ٧٢ - ٧٥].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском