Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:8–9, continued
* الشيخ: الإنكار والنَّفْي.
﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ يعني: ساعات الليل؛ لأَنَّه أحيانًا يُطْلَب مِن الإنسان أن يقوم كل الليل، كما في عشر رمضان الأخيرة؛ فإن السنة أن يُحْيِيَ الليل كله.
فلو قال: (في) لتعين أن يكون هناك متَّسَع، فإذا قال: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ شمل هذه وهذا.
* طالب: ما نقول: إنه من باب الاستعداد للعبادة لو نام بنية قيام الليل وهو يتوَضَّأ ويصلي (...)؟
* الشيخ: ربما يكون، لكن في بعض الأحيان قد لا يكون عملُه هذا اسْتَعْدَادًا للعبادة، قد يعمل أعمالًا لا يستعد للعبادة، ولهذا ليس من المشروع أن الإنسان يقوم الليل كله في كل أحيانه، لكن أحيانًا.
* طالب: يا شيخ، ذكر أي لا يستويان العالم (...)؟
* الشيخ: يعني كأنَّ هذه الجملة صارت كالدليل لِمَا سبقها؛ يعني كما أنه من المعلوم أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فإنه لا يستوي القانت والعاصي.
ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (إنما) أداة حصر، والحصر هو إثبات الحكم بالمحصور فيه ونفيُه عما سواه، فإذا قيل: إنما القائم زيد فهو كقولنا: لا قائم إلا زيد.
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ يقول المؤلف: (يَتَّعِظ، ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أصحاب العقول)
(أصحاب) تفسير لـ﴿أُولُو﴾، و(العقول) تفسير لـ﴿الْأَلْبَابِ﴾ جمع لُبٍّ وهو العقل؛ لأن الإنسان بلا عَقْل قشور، ولا يكون إنسانًا حقيقةً إلا بالعقل، وعلى هذا فالكفار بجميع أنواعهم قشور لا خيرَ فيهم؛ لأنهم ليسوا بعقلاء، كما قال الله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، والعقل الذي يُحمَد فاعله هو عقْل الرُّشْد؛ أي الذي يحجِزُك عما يضرُّك، أما عقل الإدراك فإنه يستوي فيه المحمود والمذموم، عقل الإدراك الذي يترَتَّب عليه التكليف، وهو الذي يأتي في كلام الفقهاء يقولون: مِن شروط العبادة العَقْل، يعني عقل أيش؟ يعني عقْل الإدراك، أما عقل الرُّشْد الذي يحجِز صاحبه عما يضُرُّه فهذا لا علاقة للتكليف به، بل إنما يقال: مَن حجَزَه عقلُه عما يضُرُّه فهو العاقل حقًّا، ومَن لا فلا.
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: ما يتذَكَّر إلَّا هؤلاء.
* نأخذ فوائد الآية: من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ﴾ إلى آخره [الزمر: ٨].
* من فوائد هذه الآية: أن الكافر لا يعرف ربَّه إلا عند الضرورة؛ لقوله: إِذَا مَسَّه ضُرٌّ ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ﴾ إلى آخره.
* ومن فوائدها: أن عبادة الضرورة لا تنفع غالبًا؛ أي أن الإنسان إذا عرف ربه عند الضرورة فقط فالغالب أنه لا ينتفع بهذه العبادة؛ لأنها ليست عبادةً عن رغبة ولكنها عبادة من أجل إنجاء الإنسان من الهَلَكة وإن كان أحيانًا ينتفع، ربما يكون هذا سببًا لفتح الله عليه، كما يوجد الآن من الناس -مثلًا- مَن يصاب بمرض شديد ويخاف منه الهلاك، فيُنِيب إلى الله عز وجل ويدعو الله سبحانه وتعالى، ثم يمُنُّ الله عليه بالاستمرار، لكن الغالب أن التعبُّدَ ضرورةً لا يفيد.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الكافر يؤمن بالله، وأن إيمانه بالله لا يخرجه من الكفر؛ لقوله: ﴿دَعَا رَبَّهُ﴾، فالإيمان بالله وبربوبيته لا يكفي ولا يُخرِج الإنسان من الكفر.
ودليل ذلك أن المشركين الذين بُعِث فيهم رسول الله ﷺ كانوا يُقِرُّون بالله؛ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩] يعني: يقرُّون بأن الذي خلق هو الله ويصفونه بالصفات الكاملة ومع ذلك فهم كفار استباح النبي ﷺ دماءهم ونساءهم وأموالهم وذريتهم.
وبه نعرف أن مَن قال عن النصارى: إنهم مؤمنون فهو جاهل، بل إن كان عالِمًا بما يدل عليه الشرع مِن كفرهم فهو مرتدٌّ؛ لأنَّ مَن حكم بالإيمان لِمَن كفَّره الله فإنه مرْتَدٌّ مكَذِّب لله عز وجل، وكذلك مَن قال عن اليهود: إنهم مؤمنون بالله فإن هذا الكلام صادر إما عن جهل، وإما عن ردة والعياذُ بالله.
فإذا قال: إنهم يؤمنون بالله، يقولون لك: الله عز وجل هو الكاشف للضر، وهو المدبر للأُمور؟
قلنا: هذا لا ينفعهم، ولهذا تجد عند العامة لما التبس على بعضهم هذا الأمر تجدهم إذا قيل لهم: إن تارك الصلاة كافر، قالوا: كيف يكون كافرًا وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ أين الكفر؟ فيقال: ليس كل مَن شَهِدَ بهذا يكون مؤمنًا؛ المنافقون يأتون إلى رسول الله ﷺ يقولون: نشهد إنك لرسول الله ويؤكدون هذا، فيؤكد الله عز وجل كذبَهم فيقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون ١]، وإن شهدوا بألسنتهم فهم كاذبون بقلوبهم.
على كل حال هذه الآية تدل على أن مجرد اعتراف الإنسان بالرب لا يخرجه عن الكفر.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرًا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ﴾ [الزمر ٨].
فإن قال قائل: كيف يجيب الله دعوتَه وهو كافر؟
قلنا: هذا من آثار سبْقِ رحمتِه لغضبِه؛ فإنَّ رحمتَه سبقت غضبَه، فالكفر موجِبٌ للغضب والضرورة موجِبَةٌ للرحمة، فتسبق الرحمةُ الغضبَ، فيجيبُه الله عز وجل، وهذا كإجابة المظلوم ولو كان كافرًا، المظلوم تجاب دعوته ولو كان كافرًا؛ إقامةً للعدل وانتصارًا للحَق، قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس.]].
إذن فهذان شخصان تُجابُ دعوتهما مع الكفر؛ هما: المظلوم، ومَن وقع في ضرورة إذا دعا الله.
لماذا؟ لا بد أن نعَلِّل كيف يخرج هذا عن القاعدة بأن الكافر مغضوبٌ عليه؟
نقول: أما إجابة المظلوم فمِن أجل العدل والانتصار للحق، وأما إجابة المضطر فلِأَن المضطر اجتمع في حقِّه سببان: سببٌ موجِبٌ للرحمة وهو الضرورة، وسبب موجِب للغَضَب والانتقام وهو الكفر، ورحمةُ الله تعالى قد سبقت غضبَه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النعمة محْضُ فضْلٍ مِن الله؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً﴾، فالنعمة محْضُ فضْلٍ مِن الله عز وجل؛ لأنها لا يمكن أن تكون مكافَأَةً عن عمل، فإن الإنسان لو حُوسِب على عملِه محاسبةً دقيقة لكان عملُه لا يقابِل واحِد بالملايين منين؟ مِن نِعَم الله عز وجل، فيخرُج مغلوبًا.
بل أن بعض العلماء رحمهم الله يقولون: إن العمل الصالح مِن نعمة الله؛ نفْس العمل من النعمة، فإذا شكَرَ العمل صار الشكرُ نعمةً، وإن شكرَ الشكرَ صَار نعمةً أخرى، وعلى هذا قولُ الشاعر:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالِتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
صحيح هذه ولَّا لا؟ صحيح.
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالِتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
لأنك إذا أنعم الله عليك نعمة ثم شكرْته فشكرُك إياه نعمة، ثم إن شكرْتَه على الشكر فهو نعمةٌ أخرى، وهلم جرًّا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر -وإن شئت فقل: الإنسان- ينسى النعمة، إذا أنعم الله عليه نعمةً بعد ضرورة نسِي، ثم عاد إلى غيِّه.
وهذا خطير جدًّا على الإنسان، هذا هو واقع الإنسان؛ واقع الإنسان أن الله إذا أنعَم عليه نعمة بإنجائه من ضرورة نسِي ذلك ثم عاد إلى غيِّه، وهذا يقع؛ نجد الأحداث الآن تمُر بالناس، يمكن في حال حُلُول هذه الأحداث يمكن أن يكون لهم رجعة بعض الشيء، ولكن إذا زالت الضرورة عادوا إلى ما كانوا عليه من قبل، بل ربما يحملُهم الأشر والبطر على أن يزيدوا في غيِّهم، وهذا له خطورته؛ فإنَّ الله تعالى ذكَرَ في القرآن أن الإنسان إذا عاد إلى غيِّه بعد إنقاذه من الهلاك فإن الله يصيبُه بعذابٍ أشَدَّ من الأول.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكافر يعود إلى كفره ولا يذكُر ما دعا اللهَ إليه من قبل وهو إنقاذه من الضرورة؛ لقوله تعالى: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [الزمر ٨]
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لا نِدَّ له؛ لأن الله أنكر على من جعل له أندادًا، فيكون في هذا رَدٌّ على أهل التمثيل الذين أثبتوا لله الصفات مع التَّمثيل، فقالوا: إن الله تعالى له وجه كوجوهنا، ويد كأيدينا، وعين كأعيننا، وساق كسُوقِنا، وهكذا، نقول: كلامكم هذا كذب، وأنتم وأهل التعطيل سواء؛ لأنكم أنتم عطلْتُم النص عن مدلوله الصحيح؛ إذ إن مدلول النصوص في صفات الله صفاتٌ لائقة بالله عز وجل، فإذا جعلتموها للتمثيل حَرَّفتموها.
وعلى هذا فيكون في الآية ردٌّ على من؟ على أهل التمثيل الذين أثبتوا الصفات لله عز وجل مع التمثيل، نقول: هذا الفعل منكم تعطِيل في الحقيقة، تعطيل لماذا؟ لمدلول النص الصحيح؛ لأن مدلول النص فيما يتعلق بالصفات صفاتٌ لائقة بالله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار يحرصون على أن يَضِلَّ الناس بفعلهم؛ لقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (لِيُضِلَّ) على قراءة الضم، ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه كما يكون الاقتداء بالقول يكون الاقتداء بالفعل. كيف ذلك؟ لأن هذا الكافر جعل لله أندادًا، وكان جعلُه الأنداد سببًا لضلَالِ غيرِه.
* ويتفرع على هذا فائدة: وهي تحذير الإنسان -ولا سيما القدوة- من المخالَفَة؛ لأن الناس سوف يقتدون به ويحتَجُّون بفعلِه.
فمثلًا: طالبُ العلم إذا قام إلى الصلاة يكثر الحركة؛ مرة يحُك رأسه، ومرة يحك ظهره، ومرة يحك بطنه، ومرة يعرِك عينه، ومرة ينظُر ساعتَه، ومرة يكتب ما تذَكَّر في صلاتِه، إذا كان هذا طالب العلم يفعَل هذا الشيء فإن الناس سوف يقتَدُون به، لو أُنْكِر على واحدٍ من الناس كثرةُ الحركة لقال: فلان يفعَل.
ولهذا أحيانًا نُنْكر على بعض الناس المعاملات الرِّبوية التَّحَيُّلِيَّة، فيقولون: فلان يفعل كذا مِن الناس ممن هو من طلبة العلم، فالناس يحتجُّون، وهذه الآية تدل على أن الاقتداء يكون بالفعل؛ لقوله: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ولم يقل: ودعا الناس ليَضِلُّوا عن سبيله، بل جعلَ فعلَه سببًا لِضَلال الناس، وهذا يدل على الاقتداء بالفعل كالقول.
وأما على قراءة الفتح* فيُؤْخذ منه فائدة، وهي: أن جَعْلَ الأنداد لله ضلال؛ لقولِه: ﴿لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ .
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء الكفار الذين اتخذوا من دون الله أندادًا، تؤخذ من قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾، وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى صفةَ هذا التمتع فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ البهائم، ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الدنيا مهما طالت فهي قليلة ولا تُنْسَب للآخرة، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ٤] يقول للرسول ﷺ، ويقول للعموم: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]، وقال النبي ﷺ: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي.]]، موضِع السوط، السوط عصا قصيرة خيرٌ من الدنيا وما فيها، «مِنَ الدُّنْيَا» أيُّ دنيا؟ كلها منذ نشأَتْ إلى قيام الساعة بما فيها من الزَّخارف واللهو والزينة، «خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، ولهذا قال: ﴿تَمَتَّعْ قَلِيلًا﴾، فهذه المتعة للكافر وإن كان ينالُ شهوتَه هي قليلة زمنًا، وقليلة كَمِّيَّة، وقليلة كيفية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار ملازمون للنار لا يخرجون منها؛ لقوله: ﴿أَصْحَابِ النَّارِ﴾؛ لأن الصاحِب هو الملازِم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مخاطبة الإنسان بما يليق بحاله، فهذا الكافر المعانِد الذي بدَّل نعمةَ الله كفرًا يخاطب بهذا الخطاب القاسي وهو ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، بينما لو كانت المسألة مسألة دعوة ما قابلناه هذه المقابلة، لا نقول لمن ندعوه للإسلام: تمتع بكفرك قليلًا إنك من أصحاب النار، لكن نقوله لِمَن عانَدَ وكابَر وبدَّل نعمة الله كفرًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾.
ويجب علينا في إثبات النار شيئان:
الأول: إثباتُ وجودِها الآن وأنها موجودة؛ فإن النبي ﷺ عُرِضَت عليه الجنة وعُرِضت عليه النار في صلاة الكسوف وشاهدَها، ورأى مَن يُعَذَّبُ فيها؛ رأى فيها امرأةً تعذَّب بهرةٍ حبستها حتى ماتت، ورأى فيها صاحبَ الِمحْجَن يُعذَّب[[أخرجه مسلم (٩٠٤ / ١٠) من حديث جابر بن عبد الله.]]، صاحب المحجن رجل معه مِحْجَن، والمحجَن تعرفونه؟
* الطلبة: عصا.
* الشيخ: هو عندنا في اللغة العامية مِحْجَان، مِحْجَن: عصا محنِيَّة الرأس، هذا الرجل يمُر بالحجاج فيشبِك المتاع -متاع الحاج- برأس المحجن، فإن تَفَطَّنَ له صاحب المتاع قال: والله هذا المحجن، المحجَن أمسك به، سامحني، يمكن يقول: سامحني أو ما يقولها، لكن يمكن بعض الناس يقول هكذا، وإن لم يَتَفَطَّن له أخذَه، فرآه النبي عليه الصلاة والسلام يعذَّب في النار بمحجنه وهو يصلِّي صلاة الكسوف، ثم تأَخَّر النبي عليه الصلاة والسلام؛ تأَخَّر مخافةَ أن يصِيبَه من لَفْح النار، إذن فرؤيتُه إياها حِسِّيَّة. طيب هذا واحد.
الشيء الثاني: يجب أن نؤمن بأنَّ النار مؤَبَّدَة أبد الآبدين، يعذَّب فيها أهلُها ما هم عنها بمخرجين، وهي مؤبَّدَة دائمًا؛ لأن الله تعالى ذكَر تأبيدَها في ثلاثة مواضع مِن القرآن: الموضع الأول في سورة النساء، والموضع الثاني في سورة الأحزاب، والموضع الثالث في سورة الجن. والأخ يبين لنا الموضع الأول في سورة الأحزاب.
* طالب: الآية..
* الشيخ: في سورة النساء قصدي؟
* الطالب: حق أيش؟
* الشيخ: أن الله ذكر أن النار مؤبدة.
* الطالب: ما أدري.
* طالب آخر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ﴾ [الأحزاب ٦٤]
* الشيخ: لا، في سورة النساء.
* طالب: بعد آية التيمم.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ [النساء ١٤].
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].
* الشيخ: أحسنت، تمام، هذه صريحة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
الموضع الثاني في سورة الاحزاب، مَن؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥].
* الشيخ: نعم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
الموضع الثالث في سورة الجن؟
* طالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: وين التأبيد؟
* الطالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾..
* الشيخ: ﴿فَإِنَّ لَهُ﴾..
* الطالب: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾..
* الشيخ: نعم، وين التأبيد؟
* الطالب: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
* الشيخ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ تمام.
بعد هذا لا يمكن أن نقبل قولًا من أيِّ عالم قال بأن النار غير مؤبدة، ولا نقابل هذا النص الصَّرِيح بقياسات؛ لأن قولَه تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١ / ١٥) واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة.]]، هذا صحيح نصٌّ محكَمٌ وخبرٌ صادِق، لكن الخبر يجوز تخصيصه فنقول: أهل النار ليسوا أهلًا للرحمة، وعقوبة الله إيَّاهم على التأبيد هي من كمال عدلِه وحكمتِه، فكما أمضَوا أعمارهم بالكفر؛ كل الدنيا أفنوها بالكفر، فالآخرة أيضًا تذهب عليهم بالجزاء والعقوبة، هذا هو العدل وهذه الحكمة، أليس كذلك؟
نقول: عمرك في الدنيا كله مضى في الكفر، إذن حياتك في الآخرة تمضِي بالجزاء والعقوبة، لا حياةَ لك في الآخرة كما أنه لم يكن لك حياةٌ في الدنيا بطاعة الله.
ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ إلى آخره [الزمر: ٩].
* من فوائد هذه الآية: أن القرآن الكريم يفتَح للإنسان الاستدْلَال العقلي؛ يعني بأنَّه يعرض الأشياء عرضًا عقلِيًّا، وذلك بطلب التَّدَبُّر والتفهم.
فمثلًا مَن هو قانت ومَن هو عاصٍ، بكل بساطة إذا عُرِضَت حالُ هذا وحالُ هذا على العاقل ماذا يقول؟ يقول: لا يستويان؛ مَن هو قانت آناء الليل ليس كمن هو عاصٍ.
وهذه من الطرق التي ينبغي لطالب العلم عند المناظرة أن يتخذها سبيلًا إلى إفحام الخصم؛ لأنَّ كثيرًا من الخصوم قد لا يقتنعون بمجرد الدليل الأَثَرِي فنسوق إليهم الدليل النظري، ولا سِيَّما في الوقت الحاضر؛ حيث اتخذ كثيرٌ من الناس -إن لم أقل أكثرهم- طريق إبليسَ سبيلًا، وهو معارضَةُ السمْع بِمَا يظنُّه عقلًا؛ يعني معارضة النصوص بما يظنُّون أنه عقل، ونحن نعلم علم اليقين أنه ليس في النصوص ما يخالف العقل الصريح أبدًا، بل في النصوص ما يؤيدُه العقل الصريح ويكون هذا شاهدًا لهذا، كلٌّ منهما يقوى بالآخر.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في النونية أن لدينا أربعة أدلة كلها يشهد بعضُها لبعض؛ هي: الكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة. هذه الأدلة الأربعة لا يمكن أن تتناقض أو تتنافى، بل بعضُها يؤيد بعضًا ويشهَد له، والله أعلم.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان ٤٤] هل يدل على (...)؟
* الشيخ: لا، فيه مَن سمع وعقل، ولَّا كل كافر لا يسمع ولا يعقل.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: بعض الناس اللي مَنَّ الله عليهم بالهداية، إذا مَنَّ الله عليه بالهداية خرجوا عن الكفر.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، يعني في المستقبل؛ يعني ﴿يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان ٤٤] في المستقبل، قد يكون يَمُن الله عليهم، لكن ما داموا في هذه الحال فإنهم لا يسمعون ولا يعقلون، ولهذا قال: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤٤]، فالآية التي ذكرْت موافقة للآية هذه؛ أن الكافر ليس عنده سمْع ولا عقل.
* طالب: ما قيل عن شيخ الإسلام أنه قال بفناء النار؟
* الشيخ: ما هو صحيح، ولنفرِض أن الذي قال بفناء النار -وحاشَاه من ذلك- أبو بكر أفضَل مِن شيخ الاسلام ألف مرة، هل نقبله مع وجود الآيات؟ لا نقبله، الحقيقة إذا وجدْنَا قولًا مخالفًا للكتاب والسنة من أي قائلٍ به فإن موقِفَنا أن نعتَذِر عنه لا أن نجعَل قولَه حجَّة على كلام الله ورسوله مهما كان؛ يعني ما فيه أحد معصوم، ليس فيه أحد معصوم من الخطأ أبدًا إلا مَن عصمه الله عز وجل؛ كالرسل.
* طالب: يمكن نقول: إن قراءة ﴿لِيُضِلَّ﴾ أبلغ من قراءة ﴿لِيَضِلَّ﴾ ؟
* الشيخ: لا، لكن يمكن أن نقول: إنه أضَلَّ؛ لأنه ضَلَّ.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذا متعَدٍّ لا شك، (يُضِل) متعدٍّ ضررُه للغير، لكن إذا قلنا: إنه ضَلَّ أوَّلًا فأَضَلَّ ثانيًا يكون مجموع القراءتين فيهما فائدة ما تحصل بانفراد أحدهما (...).
* * *
* طالب: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٠ - ١٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال الله عز وجل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٩] إلى آخره.
* في هذه الآية بيانُ الفَرْق بين الناس في عبادة الله عز وجل، وأنه لا سواء بين مَن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا إلى آخره ومَن هو عاص بعيدٌ عن الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية: أن ظاهرها دوام الطاعة؛ آناءَ الليل في السُّجود، والقيام أي في الصلاة، ولكن السنة بيَّنَت ذلك وأن الأفضل في قيام الليل أن ينام نصفه ويقوم ثلثه وينامَ سُدُسَه، وهذا من تقييد القرآن بالسنة.
* ومن فوائد الآية: فضيلة صلاة الليل؛ لقوله: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾، وقد دَلَّت على ذلك السنة، فقال النبي ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ»[[أخرجه مسلم (١١٦٣ / ٢٠٢) من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد هذه الآية: فضيلَةُ القيام والسجود من بين أركان الصلاة، وقد بَيَّنا وجْهَ ذلك أثناءَ التفسير أن القيامَ شرِيفٌ بذِكْرِه والسُّجُودَ شريفٌ بهيئَتِه.
* ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يكون في سيرِه إلى الله جامِعًا بين الخوف والرَّجاء؛ لقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾.
ولكن هل يكونان سواءً أو يُغَلِّبُ جانب الرجاء أو يغَلِّب جانب الخوف؟
في هذا أقوال لأرباب السلوك؛ فمنهم من قال: ينبغي أن يكون رجاؤه وخوفه واحدًا؛ كجناحي الطير إذا مال أحدهما اختل طيرانه، قال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا فأيهما غَلَبَ هلَكَ صاحبُه؛ لأنه إن غلَّبَ جانب الخوف أدخله في اليأس والقنوط، وإن غَلَّب جانب الرجاء أدخلَه في الأمْن مِن مكر الله.
وقال بعض أرباب السلوك: ينبغي أن يُغَلِّب جانب الرجاء؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي؛ فَإِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ بِي شَرًّا فَلَهُ»[[أخرجه أحمد في المسند (٩٠٧٦) من حديث أبي هريرة، وأصله في الصحيحين.]]، وعلى هذا فيُغَلِّب جانب الرجاء.
وقال بعض العلماء: يُغَلِّب عند فعلِ الطاعات جانب الرجاء، فإذا فعَلَ طاعة فلْيُغَلِّب جانب القبول دون جانِبِ الرد، أما في فعل المعصية فإن الأَولى أن يُغَلِّب جَانِب الخوف؛ لئلا يقَع في المعصية.
وقال بعضهم: في حال المرض يغلِّب جانب الرجاء، وفي حال الصِّحة يغلب جانب الخوف؛ لأن النبي ﷺ قال: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨١) من حديث جابر بن عبد الله.]]، والمريض قد وُجِد فيه سببُ الموت؛ وهو المرَض، فيُغَلِّب جانب الرجاء؛ لِيَمُوت وهو يحسن الظَّن بالله.
ولو قال قائل: إنه يُرجَع في ذلك إلى نفس الإنسان، والإنسان هو طَبِيبُ نفسِه؛ إن رأَي مِن نفسه جُنُوحًا إلى انتهاك المعاصي والمحرمات فليُعِدْها بل فليَتَوَعَّدها بالعذاب حتى يرْتَدِع، وإن رأى مِن نفسه قوَّة على طاعة الله ومثابَرَةً عليها وقيامًا بها فليغَلِّب جانب الرجاء حتى يُحْسِنَ الظن بالله، وهذا يرجع إلى الإنسان نفسه، والإنسان في بعض الأحيان يكون يغلب هذا وفي بعض الأحيان يغَلِّب هذا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، يعني لو قيل بهذا لكان أحسن.
* من فوائد الآيات: إثبات عذاب الآخرة؛ لقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾، ولا يُحذَر الشيءُ إلا بثبوتِه، أما ما ليس بثابت فلا يُحذَر.
* ومن فوائد الآية: أنه في باب الجزاء والأَحكام يُغَلَّب جانِبُ الربوبية؛ لقوله: ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، لأن الربوبية هي التي بها التَّصَرُّف والسلطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يستوون الذين يعلمون والذين لا يعلمون؛ لقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن هذا النفي أمر معْتَرَفٌ به؛ لأنه جاء بصيغة الاستفهام، ونحن ذكرنا أنه إذا جاء الاستفهامُ مُرَادًا به النفي صارَ مُشْرَبًا معنى التَّحَدِّي.
* ومن فوائد الآية: فضيلة العلم.
ولكن يجب أن نعلم أن العلم يشرف بشرف موضوعه، وعلى هذا فأفضل العلوم العِلم بأسماء الله وصفاته؛ لأن هذا أشرف موضوعات العلم، ثم العلم بأحكامه «مَنْ يُرِدْ بِهِ اللَّهُ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧ / ٩٨) من حديث معاوية.]]، ثم تتلو العلوم حسب مراتبها، وأخس العلوم ما يَصُدُّ عن سبيل الله وعن طريق السلف الصالح؛ مثل علم الفلسفة علم الكلام وما أشبهها، إلا إذا تعلمَه الإنسان من أجل أن يرُدَّ به على أهله فهنا قد يكون تعلُّمُه واجبًا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام زيدَ بن ثابت رضي الله عنه أن يتعَلَّم لغة اليهود[[أخرجه البخاري (٧١٩٥) من حديث زيد بن ثابت.]]، مع أن تعلم اللغات الأجنبية ليس محمودًا ولا مأمُورًا به، لكن لَمَّا كان وسيلة إلى معرفة ما يأتي من الكتابات من اليهود والرَّدِّ عليهم بِلُغَتِهم أَمره النبي ﷺ أن يتعَلَّم لغة اليهود، وتعلَّم لغة اليهود في خلال ستة عشر يومًا؛ لأن زَيْدَ بن ثابت رضي الله عنه من الأذكياء فتعَلَّمَها، ثم إن اللغة العِبْرِيَّة قريبة من اللغة العربية فسَهُلَ تعلُّمُها.
* من فوائد الآية الكريمة: أن أصحاب العقول هم أهلُ الاتِّعَاظ؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
* ومن فوائدها: أن من لا يتذكر فهو ناقص العقل؛ لأنه إذا كان لا يتذكر إلا أصحاب العقول فمَن لا يتذكر يكون ناقِصَ العقل ولا شك، ونُقْصَانُ عقلِه بحسب نقصِه في التَّذَكُّر.
ووجْه ذلك من الناحية العقلية النظرية أن الإنسان العاقل لا يمكن أن يختَارَ لنفسه إلا ما فيه النجاة، ولا نجاة مِن عذاب الله إلا بالتذكر والاتِّعاظ، فلهذا كان العقل السليم يستلزم أن يتَذَكَّر الإنسان ويتَّعِظ من أجل طلب ما هو أحَظ للنفس وأنفع، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ٤].
* ومن فوائد الآية: الثناء على ذوي العقول؛ حيث جعلَهم هم المتذكرِين المتَّعِظِين المنتفعين بما يسمعون.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences