Ibn 'UthayminAn‑Nisa · 4:103–104

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:103–104

4:103Page 95

فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا ١٠٣

And when you have completed the prayer, remember Allāh standing, sitting, or [lying] on your sides. But when you become secure, re-establish [regular] prayer. Indeed, prayer has been decreed upon the believers a decree of specified times.

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٠٣].

﴿قَضَيْتُمُ﴾ القضاء يراد به الإتمام في اللغة العربية؛ أي: فإذا أتممتم، ويأتي القضاء بمعنى الإتمام في عدة مواضع من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت ١٢]؛ أي: أتمهن؛ أي: فإذا أتممتم الصلاة وأنهيتموها فاذكروا الله قيامًا وقعودًا، إلى آخره.

نأخذ الإعراب قبل، كما هو الذي نريد أن نتبعه إن شاء الله، ﴿إِذَا﴾ أداة الشرط، وفعل الشرط (قضى)، وجواب الشرط ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، وقُرِن بالفاء؛ لأنه طلب، والجملة الطلبية إذا وقعت جوابًا للشرط وجب اقترانها بأيش؟ بالفاء.

وقوله: ﴿قِيَامًا﴾ حال من الفاعل في ﴿اذْكُرُوا﴾ يعني: حال كونكم قيامًا وقعودًا، الواو هنا هل هي بمعنى (أو)، يعني: قيامًا أو قعودًا؟ أو هي لمطلق الجمع، أي: اذكروا الله في حال قيامكم وفي حال قعودكم؟

* طلبة: الثاني.

* الشيخ: الثاني أحسن.

﴿وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ معطوفة على الحال ﴿قِيَامًا﴾، وعلى هذا فيكون الجار والمجرور في موضع نصب على الحال.

﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، يقال في جملة: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ما قيل في قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ موضع الجملة مما قبلها أنها تعليل.

وقوله: ﴿كِتَابًا﴾ خبر (كان)، و﴿مَوْقُوتًا﴾ خبر ثانٍ، ولا يصح أن تكون صفة.

يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ أي: فرغتم منها، والصلاة هنا (أل) فيها للعهد وليست للجنس، وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لا يُشرع الذكر دُبُر كل صلاة، إنما يكون دبر الصلوات المكتوبة، وعلى هذا فـ(أل) للعهد الذهني، وإن شئت فقل: الذِّكْري؛ لأن الله قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾.

وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا﴾ أمَر الله تعالى بذكره، وهذا مجمَل، لم يُبَيَّن كيف يذكر ولا في ماذا يذكر، ولكن السنة بَيَّنت ذلك، فهو كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ولم يبيّن، والسنة بيّنت ذلك.

وقوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ هل المراد: اذكروه باللسان، أو بالقلب واللسان، أو بالقلب فقط؟

* طلبة: بالقلب واللسان.

* الشيخ: بالقلب واللسان، هذا هو المطلوب، لكن مَن ذكر بلسانه حصل المقصود إلا أنه ناقص؛ لأن الذكر ذِكر القلب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف ٢٨].

وقوله: ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ بيان للحال التي يذكر الإنسان فيها ربه بعد الصلاة أنه على أي حال فليذكُر الله.

وقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ فِعل مِن الطمأنينة، والطمأنينة هي زوال القلق، والمراد بالطمأنينة هنا زوال الخوف والعدوّ.

وقوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: أدّوها تامة كما تؤدونها قبل الخوف.

ثم قال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ﴾ إلى آخره؛ يعني من جملة إقامة الصلاة أن تؤدَّى في وقتها، بدليل الجملة التعليلية بعد ذلك؛ وهي قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.

* أفادت الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: الأمر بذكر الله بعد انتهاء الصلاة؛ لقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.

فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين آية الجمعة، حيث قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة ١٠]؟

قلنا: الجواب هو أن لكل مقام مقالًا؛ ففي سورة الجمعة منعهم الله من البيع بعد نداء الجمعة حتى يصلّوا، فكأن الناس محبوسون عن البيع والشراء مدة الصلاة، فكان أهم ما يكون أو من أهم ما يكون عندهم أن يُطلَق حسبهم، ولهذا قال: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، والأمر في قوله: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ليس للوجوب ولا للاستحباب، ولكنه للإباحة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، أما هنا فليس هناك أمر بالحضور إلى الصلاة وترك البيع والشراء، فلهذا بدأ بالذِّكر.

* من فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُشرع الدعاء بعد التسليم، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿إِذَا قَضَيْتُمُ﴾ ﴿فَاذْكُرُوا﴾، ولم يقل: فادعو الله.

فإن قال قائل: أليس من المشهود أن الإنسان إذا سلّم استغفر ثلاثًا؟

قلنا: بلى، لكن هذا الاستغفار استغفار لمحوّ ما عسى أن يكون في الصلاة من تفريط أو إخلال، فهو -في الحقيقة- تابع لها، ولهذا كان من الأفضل أن يبادر به الإنسان قبل الذكر حتى يزيل ما في الصلاة من إخلال وتقصير.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذكر بعد الصلاة لا يُشترط أن يجلس الإنسان حتى ينهيه، بل له أن يذكر ولو كان قد انصرف؛ لقوله: ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾؛ على أي حال.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذكر لا ينقص إذا قعد الإنسان من قيام، أو قام من قعود، أو اضطجع.

* طالب: (...).

* الشيخ: وهذا هو الأصل، أنه لا ينقص بكون الإنسان قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، اللهم إلا أن يترتب على ذلك أنه إذا كان قائمًا فهو أنشط له، لكن الغالب أن القاعد أخشع؛ لأن القائم ليس يقوم ويقف، سوف يمشي.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواجب إذا زال الخوف أن تُعاد إقامة الصلاة على ما كانت عليه حين الأمن؛ لقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصلاة فرض؛ لقوله: ﴿كِتَابًا﴾؛ لأن كتابًا بمعنى: فرضًا.

فإن قال قائل: الآية الكريمة فيها: ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهل ظاهره أن غير المؤمنين لا تجب عليهم الصلاة؟

قلنا: نعم، غير المؤمنين لا تجب عليهم الصلاة؛ بمعنى أنهم لا يطالَبون بها، بل يقال: أيش؟ أسلِموا ثم صلّوا، ولهذا لو صلّى وهو باقٍ على كفره لم تقبل منه.

فإن قال قائل: هل في هذه الآية دليل على من قال: إن الكفار لا يُخاطَبون بفروع الإسلام؟

نقول: نعم، استدلوا بها، لكن استدلالهم لا يتعين؛ لقوله تعالى في سورة المدثر: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر ٣٩-٤٢]، يعني: أي شيء أدخلكم في النار؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر ٤٣]، فدل ذا على أن الكفّار مُخاطَبون بفروع الإسلام، وهذا هو الحق، لكنهم لا يُلزَمون بها على كفرهم، بل يقال: أسلموا، ثم صلّوا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصلاة موقّتة؛ لقوله: ﴿مَوْقُوتًا﴾، وهذا مما يوجب أن يجتمع الناس عليها؛ لأنها لو كانت غير موقّتة لاختلف الناس؛ هذا يصلي في الصباح، وهذا في الظهر، وهذا في العصر، ويصلّون سبع عشرة ركعة في أي وقت شاؤوا، لكن من أجل أن يكون الناس متحدّين في وقت واحد حُدِّدت الأوقات، وهذه الآية -كما ترون- مطلقة لم يبيّن فيها الوقت لكن بيّنته السنة تفصيلًا وبيّنه القرآن بنوع من الإجمال في موضع آخر، مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء ٧٨]، فإن هذه الآية انتظمت أوقات الصلوات الخمس.

﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى﴾ هذه قال بعض المعربين: إن اللام في قوله: ﴿لِدُلُوكِ﴾ بمعنى (مِن) بدليل الغاية، فيكون معنى الآية: من دلوك الشمس إلى غسق الليل، ودلوك الشمس هو زوالها، وغسق الليل شدة ظلامه، وأشد ما يكون الليل ظلامًا؟

* طالب: أشد ما يكون الليل ظلامًا ثلثه (...).

* الشيخ: لا.

* طالب: (...).

* الشيخ: منتصف الليل؛ لأن منتصف الليل أبعد ما تكون الشمس عن الأرض، إذن في الآية الكريمة حددت الوقت من زوال الشمس إلى غسق الليل، لكن الله جعله وقتًا واحدًا؛ لأن هذه الأوقات الأربعة كلها متوالية، يدخل وقت العصر بخروج وقت الظهر، ووقت المغرب بخروج وقت العصر، ووقت العشاء بخروج وقت المغرب، إلى منتصف الليل، فما بعد منتصف الليل ليس وقتًا، من نصف الليل إلى طلوع الفجر ليس وقتًا، ولهذا لو أن المرأة طهرت بعد نصف الليل لم يلزمها صلاة العشاء ولا صلاة المغرب بالأوْلى.

لكن السُّنة فسّرت أيضًا تفسيرًا زائدًا على هذا؛ وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال، والعصر إلى اصفرار الشمس، والضرورة إلى الغروب، والمغرب إلى مغرب الشفق الأحمر، والعشاء إلى نصف الليل، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الوقت مُقدّم على جميع الشروط، وجهه أن الله تعالى لما ذكر صلاة الخوف، ثم صلاة الأمن بيّن أن هذا من أجل مراعاة الوقت، والأمر كذلك؛ أي أن الوقت مقدّم على جميع الشروط؛ ولهذا إذا لم تجد ماء ماذا تصنع؟ تيمّم حتى تصلي في الوقت، إذا لم تجد ماءً ولا ترابًا صلِّ على حسب حالك، إذا لم تجد ثوبًا تستر به العورة صلّ على حسب حالك، ولا تنتظر حتى تحصل على ثوب؛ لأن الوقت مقدّم على كل شيء.

* يستفاد من هذه الآية أيضًا: أن الإنسان لو قدّم الصلاة كلها أو جزءًا منها -ولو يسيرًا- على الوقت فإنها لا تصح، ولهذا لو كبّر لصلاة المغرب قبل مغيب الشمس بمقدار التكبيرة فإنها لا تصح، إن أخّر الصلاة عن وقتها فإن كان لعذر صحّت، ودليل هذا قوله ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤/٣١٤)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده (٥/٤٠٩)، واللفظ له، من حديث أنس بن مالك.]]، وإن كان لغير عذر فقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فجمهورهم على أنه يلزمه أن يصلي.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: لا يلزمه أن يصلّي، بل ولا تصح الصلاة منه.

وما ذهب إليه الشيخ هو الصواب، ولكننا نقول له: لا تصلِّ، لا تخفيفًا عليه، ولكن عقوبة له؛ لأنه غير مقبول منه؛ إذ لو قُبِلت الصلاة بعد وقتها ممن أخّرها عن وقتها عمدًا لم يكن للتهديد فائدة، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨/١٨)، واللفظ لمسلم من حديث عائشة.]].

وعليه فإذا جاءنا رجلان بعد طلوع الشمس أحدهما ترك صلاة الفجر عمدًا، والثاني تركها نومًا لعدم من يوقظه، فيَسألان: أنصلي صلاة الفجر بعد طلوع الشمس أو لا؟ ماذا نقول؟

نقول: أما مَن غلبه النوم فيصلي، وأما الثاني فلا يصلي، كيف تسهّلون على المتعمد وتؤاخِذون النائم؟!

نعم، نحن لم نتساهل معه، ولم نيسّر له، بل هذا عقوبة له، أن الله لا يقبل منه لو صلّى ألف مرة؛ لأنه متعدٍّ لحدود الله.

* طالب: قلنا: يؤخذ من الآية أن الإنسان يذكر الله عز وجل أذكار الصلاة يعني في أي مكان، لكن ما هو الأولى يا شيخ في ذكر الصلاة ووجه ذلك؟

* الشيخ: نعم، الأوْلى أن يذكر الله تعالى في مكانه؛ لأن هذا أقرب إلى القيام بهذا الذكر؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا مشى وانصرف إما أن ينسى أو يلهيه أحد أو ما أشبه ذلك، لكن في مكانه هذا أفضل لا شك.

* طالب: رأينا أشخاصًا من الصوفية يتراقصون ويذكرون (...).

* الشيخ: إي نعم، لكن الآية.. جاءت الأحوال هذه على حسب حال الإنسان، والواو لمطلق الجمع، وقد ذكرت لكم أنه يحتمل أن تكون الواو بمعنى (أو)، وليس المعنى أنك تقول: سبحان الله وأنت واقف، والحمد لله وأنت جالس، والله أكبر وأنت مضطجع، ما أحد يقول بهذا، السنة تبيّن وتفسّر.

* طالب: هل يقدّم الوقت على الخشوع في الصلاة؟

* الشيخ: إي نعم، يقدم الوقت على الخشوع في الصلاة، ولهذا لو أن الإنسان وُضِع بين يديه طعام، والوقت ضيّق، فهو إما أن يأكل من الطعام ويترك الوقت، وإما أن يصلّي مع اشتغال قلبه، نقول: صَلِّ.

* طالب: أحسن الله إليكم، (...) تعمد (...)؟

* الشيخ: هذا حسب حاله، بعض الناس يقول: نعم، ما دام ما أذّن الفجر أبغي أتمغّط شوي، فيُنظر إذا كان ممن يغلبه النوم فلا يفعل. (...)

4:104Page 95

وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ١٠٤

And do not weaken in pursuit of the enemy. If you should be suffering - so are they suffering as you are suffering, but you expect from Allāh that which they expect not. And Allāh is ever Knowing and Wise.

طالب: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء ١٠٤].

* الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ لما ذكر صلاة الخوف وما يترتّب عليها، ووجوب أخذ الحذر من أعدائنا، وأن أعداءنا لنا أعداء عداوتهم بيّنة، وذكر ما يتعلّق بذلك في قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ قال: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾.

﴿لَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعفوا، و﴿لَا﴾ ناهية، وحُذفت النون من أجل النهي.

وقوله: ﴿فِي ابْتِغَاءِ﴾ أي: في طلب القوم، والقوم هم أعداء المسلمين، ثم بيّن سبحانه وتعالى أنه لا وجه للوهن والضعف في طلبهم فقال: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ يعني هم يطلبونكم ويريدون إيلامكم، وإذا تألمتم منهم فإنهم هم أيضًا يتألّمون منكم كما تتألمون منهم، وهذا فيه التسلية للمجاهدين المقاتلين، ولكن الفرق بيننا وبينهم فرق كبير أبعد مما بين السماء والأرض: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء ١٠٤]؛ أنتم ترجون من الله النصر الذي وُعِدْتُم به إذا اتقيتم الله عز وجل، وترجون ثواب الآخرة، هم لا يرجون ثواب الآخرة قطّ، والنصر قد يرجونه، وقد لا يرجونه، وإذا رجوه فإنما يريدون الانتصار عصبية لأوطانهم وقومهم، فصار فرق عظيم بين هؤلاء وهؤلاء، ولهذا «لما نادى أبو سفيان يوم أُحُد فقال: يوم بيوم بدر والحرب سجال. أجابه الصحابة فقالوا: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار»[[أخرجه أحمد في مسنده (٤٤١٤) من حديث عبد الله بن مسعود.]].

فإذا كنا نساويهم في الألم؛ ألم الجراح، وألم القتل، وألم فقد المال وغير ذلك، إذا كنا نساويهم في هذا فإننا نمتاز عنهم بأننا نرجو من الله ما لا يرجون، فكيف يكونون هم أقوياء في طلبنا ونحن ضعفاء؟! هذا لا يليق.

وقوله: ﴿تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ أي: تطمعون فيما عند الله من الثواب والنصر وهم لا يطمعون في ذلك؛ لأن قلوبهم خالية من الله عز وجل.

﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٠٤]، مثل هذا يقع في القرآن كثيرًا: ﴿كَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦]، ﴿كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، فهل هو كان وزال، أو كان ولا يزال؟ كان ولا يزال؛ ولهذا نقول: إن (كان) هنا مسلوبة الزمان؛ يعني لا تدل على المضيّ، وإنما تدل على تحقّق الأمر ووقوعه لا على أنه كان فزال.

وقوله: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ لا يخفى علينا جميعًا أن علم الله سبحانه وتعالى واسع، يشمل الماضي فلا يُنسى، والمستقبل فلا يُجهل، ويشمل الخفيّ والجليّ، ويشمل ما في حقه وحق عباده، فهو يعلم سبحانه وتعالى ماذا يجري علينا غدًا، وماذا سنعمل، ويعلم ما سيفعله سبحانه وتعالى هو بنفسه غدًا وما لا يفعله، فعلم الله واسع، ثم إن علم الله متعلّق بالواجب والجائز والمستحيل؛ ولذلك تعتبر هذه الصفة -أعني صفة العلم- من أوسع الصفات، متعلق بالواجب والجائز، يعني الممكن والمستحيل؛ تعلّقه بالواجب كعلمه جل وعلا بذاته وأسمائه وصفاته، تعلقه بالممكن هو تعلّقه بما يحدث في هذا الكون؛ لأن كل الكون من باب أيش؟

من باب الجائز والممكن، تعلقه بالمستحيل مثل قوله تبارك وتعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، فهنا حكم جل وعلا أنه لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله لفسدتا، ووجود ذلك أيش؟

مستحيل، ومع هذا علم الله بنتائجه مع أنه مستحيل، فالحاصل أن علم الله عز وجل من أوسع الصفات.

فإذا قال قائل: ما هو العلم؟

قلنا: هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، ولا نحتاج أن نقول: مطابقًا؛ لأننا قلنا: إدراك الشيء على ما هو عليه، فيغني عن كلمة (مطابقًا)، هذا هو العلم، فعدم الإدراك بالكلية أيش؟ جهل، وإدراك الشيء على خلاف ما هو عليه جهل أيضًا، لكنه جهل مركّب، وإدراك الشيء -بلا جزم بل بشكّ- ظن أو شك أو وهم، فما غلب على الظن فهو ظن، ومقابله الوهم، وما تردد الأمر فيه فهو شك.

وقوله: ﴿حَكِيمًا﴾ يصلح أن تكون صفة مشبّهة من الحكمة، وأن تكون اسم فاعل حُوِّل إلى (فَعِيل) من الحُكم، فهي من باب المشترك. والقاعدة في التفسير: أنه متى احتمل اللفظ معنيين لا يتنافيان فإنه يُحمل عليهما جميعًا.

فعليه نقول: الحكيم من الحِكمة ومن الحُكم.

ثم نقول: حُكم الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: حكم كوني وهو ما قضاه كونًا، وحكم شرعي وهو ما قضاه شرعًا.

والحكمة تنقسم أيضًا إلى قسمين: حكمة في كون الشيء على صورته التي خُلق عليها أو على صورته التي شُرِع، والحكمة الثانية حكمة غائية؛ بمعنى أن الغاية من هذا الشيء حكمة، وحينئذٍ إذا ضربت اثنين في اثنين تبلغ أربعة، حكمة في الصورة والغاية في الحكم الشرعي، وحكمة في الصورة والغاية في الحكم الكوني، الجميع أربعة؛ فمثلًا نأتي بآيات تدل على هذا؛ في سورة الممتحنة ذكر الله سبحانه وتعالى أحكامًا ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، وهذا حكم شرعي.

وفي سورة يوسف قال أحد إخوته: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]، هذا أيش؟ هذا حكم كوني.

أما مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة ٥٠] و﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨]، وما أشبه ذلك، فالظاهر أنه شامل للحكم الكوني والشرعي.

أما الحكمة فإن الإنسان إذا تأمل المخلوقات بعناية وعقل وفهم تبيّن له أنه لا يوجد فيها شيء إلا بحكمة، حتى المصائب من الأمراض والهلاك والفتن كلها حكمة، لكن تحتاج إلى تدبُّر، وتعمق، ونظر لا إلى الأمور على وجه سطحي، تجد أن الله عز وجل قدّر هذا الشيء لحِكم عظيمة، ولا أدل على هذا من قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١]، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام ٤٢].

والأدلة على هذا كثيرة، مع أنها مصائب لكن لها حِكم، وكم من إنسان نشاهده -في وقتنا الحاضر- تحصل عليه مصيبة إما في نفسه وإما في أهله، ويكون فاسقًا، ثم يعود، يعني أنا أعرف قضايا كان فيها الإنسان فاسقًا، ثم حصل حادث مات فيه أخوه ولّا أبوه فاهتدى، وأمثال هذا كثير، كذلك في الأمور الشرعية لا ترى شيئًا شرعه الشرع إيجادًا أو إعدامًا إلا والحكمة في ذلك.

يقول بعض أهل العلم: إن الله لم يأمر بشيء فيقول العقل: لَيْتَه لم يأمر به، ولم ينهَ عن شيء فيقول العقل: لَيْتَهُ لم ينهَ عنه.

وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابًا، مجلدات، قال فيه: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول.

(صريح المعقول)؛ يعني العقل الصريح السالم من الشبهات والشهوات. (للنقل الصحيح): الكتاب وما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما الأحاديث الضعيفة فقد يأتي فيها ما يخالف العقل.

فإذن الحكمة في حكم الله الشرعي وفي حكم الله الكوني، وكلّ منهما إما أن تكون الحكمة في صورته التي هو عليها أو في الغاية التي من أجلها حَكَم الله به.

* * *

* طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ [النساء ١٠٥-١٠٩].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾.

* في هذه الآية من الفوائد:

* أولًا: تشجيع المسلمين على جهاد الكفار؛ لقوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.

* ثانيًا: أنه ينبغي القوة والمتابعة في طلب الكفار، وألا يلحقنا الوهن؛ لقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾؛ أي: لا يلحقكم الوهن في طلبهم.

* ومن فوائدها: أن بني آدم في الأمور البشرية على حد سواء، فإذا كان الكافر يتألم فالمؤمن يتألم، حتى الأنبياء في الأمور البشرية كغيرهم من الناس، لكنهم يختلفون عنهم في الصفات المعنوية؛ كالصبر، والتحمل، والإقدام، والعزيمة، وغير ذلك.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا عمل العمل الصالح أن يكون راجيًا؛ لقوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، متى هذا الرجاء؟ عند ابتغاء القوم وطلبهم، وهكذا ينبغي للإنسان إذا وفّقه الله للعبادة أن يكون راجيًا؛ أي: راجيًا ثوابها؛ لأن من بُشرى الإنسان أن يوفّق للعبادة، فمن وُفِّقَ للعبادة على ما يُرضي الله فهي بشرى بالقبول، كما أن مَن وُفِّق للدعاء فهو بشرى بالإجابة ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، ولهذا قال: ﴿تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.

وهذا ربما يكون هو الفيصل في مسألة تغليب الرجاء على الخوف، فإن السالكين اختلفوا، هل الأفضل للسالك إلى الله عز وجل أن يقدم الرجاء، أو أن يقدم الخوف، أو أن يكونا سواء؟

فمنهم من أطلق أن الأفضل أن يكونا سواء كالإمام أحمد رحمه الله، قال: الخوف والرجاء بمنزلة جناحي الطائر، إن انخفض أحدهما تعلَّى الآخر. فلا بد أن يكونا سواء، وقال: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه.

ومن العلماء من قال: يقدّم الرجاء؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ وَإِنْ ظَنَّ بِي شَرًّا فَلَهُ»[[أخرجه أحمد في مسنده (٩٠٧٦) من حديث أبي هريرة، دون قوله: «وأنا معه إذا ذكرني».]].

ومنهم من قال: يغلِّب جانب الخوف حتى يكون مبتعدًا عن محارم الله؛ لأن الذي يحملك على ترْك المحارم هو الخوف من عقوباتها وآثارها السيئة.

والذي يظهر لي أن يُقال: إذا فعل الحسنة فالأوْلى أن يغلِّب جانب الرجاء، وإذا همّ بالسيئة فالأولْى أن يغلِّب جانب الخوف، هذا أحسن ما يكون، أما عند الموت فينبغي للإنسان أن يغلِّب جانب الرجاء؛ لأنه في هذه الحال يجب أن يكون عنده توبة ورجوع إلى الله عز وجل في هذه الحال؛ لأنه أحوج ما يكون إلى التوبة في ذلك الوقت.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين لهم رجاء، لكنه ليس كرجاء المؤمنين، ربما يؤخذ من قوله: ﴿مَا لَا يَرْجُونَ﴾، والكافر قد يكون عنده توكُّل ولجوء إلى الله وافتقار إليه، ولا سيما إذا وقع في الشدة، أرأيتم قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت ٦٥]، فإذا لجؤوا إلى الله وصدق لجوؤهم أنقذهم الله عز وجل.

هنا أيضًا ربما يكون عندهم -حال قتال المؤمنين- رجاء، يرجون الله عز وجل أن يغلبوا المسلمين، لا سيما إذا كانوا يعتقدون أنهم على حق، فعندهم رجاء، وقد يقال: إن قوله: ﴿مَا لَا يَرْجُونَ﴾ ليس إثباتًا لأصل الرجاء مع الاختلاف في صفته، بل هو نفي للرجاء إطلاقًا، وهذا واقع في قوم ملحدين لا يؤمنون برب كالشيوعيين مثلًا، فإن هؤلاء لا يرجون الله إطلاقًا؛ لأنهم لا يعترفون به، فالآية صالحة لهذا ولهذا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله؛ هما: العليم والحكيم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وإثبات ما تضمناه من الصفة؛ وهي العلم من العليم، والحكمة من الحكيم، والحُكم من الحكيم أيضًا؛ لأن الحكيم ذو الحكمة والحكم، فيكون فيها ثلاث صفات: العلم، والحِكمة، والحُكم.

فإن قال قائل: هذا التعبير ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يدل على أنه كان فمضى؟

فالجواب: أن يقال: لا؛ لأن (كان) هنا مسلوبة الزمان، وإنما أُتِيَ بها لتحقيق هذين الاسمين وما تضمّناه من صفات، وليست هذه للزمان أنه كان وبان.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات كمال الله عز وجل في حكمته تعالى؛ حيث قرن بين العلم والحكمة إشارة إلى أن حكمته صادرة عن علم وليست عن صدفة؛ لأن الإنسان قد يفعل الفعل ويكون محكَمًا متقنًا، لكن على غير علم بل صدفة، رُبَّ رَمِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ رَامٍ، لكن حكمة الله عز وجل مقرونة بالعلم مبنيّة عليه.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب علينا التفويض التام فيما لا نعلم حكمته من أحكام الله الكونية أو الشرعية، وجه ذلك أنه عليم، فعنده من العلم ما يخفى علينا، فيخفى به وجه الحكمة بالنسبة إليه؛ لأن حكمة الله صادرة عن عِلم، وأظن أننا لسنا بحاجة إلى أن نتكلم كلامًا واسعًا عن صفة العلم وصفة الحكمة؛ لأن هذا أيش؟ تكرر كثيرًا، ولا يخفى على أحد منكم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском