Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:124–126
4:124Page 98
وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا ١٢٤
And whoever does righteous deeds, whether male or female, while being a believer - those will enter Paradise and will not be wronged, [even as much as] the speck on a date seed.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط قوله: ﴿يَعْمَلْ﴾، وجواب الشرط قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، وقُرِنَت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية.
وقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ﴾، قلنا: هي شرطية، والشرط يفيد العموم، وأكد هذا العموم بقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ ادعى بعضهم أن (من) زائدة، وقال: إن التقدير: ومن يعمل الصالحات، وهذا القول ليس بصحيح؛ لأن (من) لا تُزَاد إلا في نفي أو شِبهه، كما قال ابن مالك رحمه الله:
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ (مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ)
ولأن وجودها أكمل من عدمها؛ لأن (من) لبيان جنس العمل المبهم في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾، فـ(من) هنا بيانية.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ أي: من الأعمال الصالحات، وأنتم تجدون هذا الأسلوب كثيرًا في القرآن؛ أن يُحذف الموصوف وتبقى الصفة، وعكسه قليل، يعني: حذف الصفة قليل، وحذف الموصوف كثير؛ وذلك لأن الصفة تدل على الموصوف ولا عكس.
يقول: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾، أي: من الأعمال الصالحات، فما هي الصالحات؟ الصالحات ما جمع شرطين؛ الشرط الأول: الإخلاص، والثاني: المتابعة لشريعة الله، سواء كان لشريعة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إن كان من هذه الأمة، أو لشريعة من شريعته باقية من الرسل السابقين.
وقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (مِن) هذه بيان لـ(مَن) في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾، وهذا من باب التفصيل بعد الإجمال، وإلا فمن المعلوم أن (مَن) للعموم الشامل للذكر والأنثى.
وقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الجملة حالية، حال من فاعل ﴿يَعْمَلْ﴾، يعني: والحال أنه مؤمن، وهذا شرط لا بد منه؛ إذ إن العمل الصالح لا ينفع مع عدم الإيمان، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد قوة في العمل الصالح.
﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، وفي قراءة: ﴿يُدْخَلُونَ﴾ ، فعلى القراءة التي معنا في المصحف تكون ﴿الْجَنَّةَ﴾ مفعولًا به، وعلى القراءة الأخرى: ﴿يُدْخَلُونَ الْجَنَّةَ﴾ ، تكون مفعولًا ثانيًا لـ ﴿يُدْخَلُونَ﴾ ، ونائب الفاعل في محل المفعول الأول.
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، هل يقال: إن هذا إظهار في موضع الإضمار، وأنه لو قيل: فإنهم يدخلون الجنة؟ الجواب: نعم؛ لأن اسم الإشارة من باب الأسماء الظاهرة أو المضمرة؟ الظاهرة.
فإن قال قائل: ما هي النكتة في هذا الإظهار؟ قلنا: بيان علُوّ مرتبتهم؛ حيث أشار إليهم بإشارة البعيد ﴿فَأُولَئِكَ﴾.
وقوله: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه المتقين، و«فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٨٠)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها، آمين.
وقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، قوله: ﴿يَدْخُلُونَ﴾ ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾، يعني معناه: أن كل إنسان يكون في مكانه الذي يستحقه بدون نقص، والنقير: هو النُّقرة التي تكون في ظهر النواة.
وفي النواة ثلاثة أشياء كلها مَضْرَب للمثل في القلة: الفتيل، والنقير، والقِطمير؛ أما الفتيل فهو الحبل الذي في مجرى النواة من بطنها، وأما النقير فهي النقرة التي في ظهرها، وأما القطمير فهو أيش؟ الغشاء الذي يكون عليها، وكلها يراد بها ضرب المثل.
وإنما قال الله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾؛ لئلا يظن الظانّ أن الإنسان إذا كان في منزلة فربما ينزل من منزلته لسبب من الأسباب، وليس الأمر كذلك.
ونضرب لهذا مثلًا، وهو أن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور ٢١] الذرية هنا المراد: من يتبعون آباءهم وهم الصغار، هؤلاء يتبعون آباءهم، إذا كانت منزلة الابن أدنى مرتبة من منزلة الأب، فإن الابن يُرَقَّى إلى منزلة الأب، ولا يُنَزَّل الأب في مقابلة ترقية الابن، يعني ما يقال مثلًا إذا كانت المسافة عشرين درجة: يُنَزَّل الأب عشر درجات، ويُصَعَّد الابن عشر درجات، لا، بل يُرفع الابن عشرين درجة ويلتحق بالأب، بدون نقص على الأب، فهذا -والله أعلم- هو الفائدة في قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن الكريم -كما وصفه الله عز وجل- ﴿مَثَانِيَ﴾، أي: تُثَنَّى فيه الأمور، فإذا ذُكِر المؤمن ذُكِر الكافر، إذا ذُكِر جزاء الكافر ذُكِر جزاء المؤمن، وهكذا، وتأمل هذا تجده أكثر ما يكون في القرآن.
والحكمة من ذلك أن يكون الإنسان سائرًا إلى الله بين أيش؟ بين الخوف والرجاء؛ لأنه إذا ذكَر ما أعدَّ الله للمتقين غلب رجاؤه، وإذا ذكر ما أعد الله للكافرين أيش؟ غلب خوفه، والأولى أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله: هل هذا في كل حال؟ أن يكون خوف الإنسان ورجاؤه واحدًا في كل حال، أو في بعض الأحوال؟ وهل هو في كل عمل أو في بعض الأعمال؟
فمن العلماء من يقول: إذا كان الإنسان مريضًا فالأولى أن يغلِّب جانب الرجاء حتى يقدم على ربه وهو يحسن الظن به؛ لقول النبي ﷺ: «لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢)، وأحمد (١٤٤٨١) واللفظ له من حديث جابر بن عبد الله.]].
ومن العلماء من يقول: إذا هَمَّ بالسيئة فليُغَلِّب جانب الخوف حتى يرتدع، وإذا عمل العمل الصالح فليُغَلِّب جانب الرجاء أن الذي وفَّقه للعمل سوف يقبل منه.
وعلى كل حال العلماء اختلفوا في هذا، فنقول: كل إنسان ونفسه، إذا رأيت من نفسك أنه غلب عليك الخوف حتى وصلت إلى اليأس من رحمة الله، سواء في أمور الدين أو أمور الدنيا، فحينئذٍ قوِّم نفسك وعدِّل نفسك، وإن رأيت أنك تغلِّب جانب الرجاء فقوِّم نفسك أيضًا؛ لأن بعض العصاة إذا قلت: اتق الله يا أخي، ارتدِع عن المعصية، يقول لك: الله غفور رحيم، فيغلِّب أيش؟ جانب الرجاء، وهذا خطأ، ومن الناس من يكون بالعكس؛ لو يفعل أدنى شيء من المعاصي أَيِس وقنط من رحمة الله فغلَّب جانب الخوف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا فرق بين الرجال والنساء فيما يستحقون من الجزاء، وجه الدلالة قوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾، ثم ذكر الجزاء فقال: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، لكن من حيث العمل بينهما فرق؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»[[أخرجه البخاري (١٤٦٢) من حديث أبي سعيد الخدري، ومسلم (٧٩ / ١٣٢) واللفظ له من حديث عبد الله بن عمر.]]، ثم فسَّر نقصان دينها بأنها إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تصُم، أما الجزاء على العمل فهما سواء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد لقبول العمل من أن يكون صالحًا؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾، فإن كان فيه شرك لم يُقبل، لماذا؟ لفوات الشرط وهو الإخلاص؛ ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة. ]]، ومن عمل عملًا مبتدعًا بإخلاص تام لكن ليس على شريعة الرسول فإنه لا يُقبل منه؛ لأنه على غير الاتباع، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له من حديث عائشة. ]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد أن يكون العمل الصالح مبنيًّا على إيمان، إيمان لا شك معه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، وأما من عمل الصالحات ظاهرًا لكن قلبه غير مؤمن -أعاذنا الله وإياكم من ذلك- فإنه لن ينفعه العمل الصالح، كرجل مخلِص يريد رضا الله عز وجل ويتبع الرسول لكنه متشكِّك، مع إخلاصه متشكك، فإنه لا يُقبل منه.
ولكن هنا مسألة يجب التفطُّن لها، وهو: أن القلب إذا كان خالصًا صريحًا فإن الشيطان يُسَلَّط عليه، حتى يوقعه إما في شِرك، وإما في شكٍّ، وكلما كان الإنسان أصرح إيمانًا فإن الشيطان يزيد في ضربه بسهامه وتشكيكاته، وغير ذلك، فلتكن على حذر، وأعرض عن هذا وانتهِ عنه، واستعذ بالله منه؛ فإنه لا يضرك؛ ولهذا كثيرًا ما نسمع من يشتكي هذه الحال، فنقول له كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اسْتَعِذْ بِاللَّهِ » -أيش؟- «ثُمَّ انْتَهِ».
اسْتَعِذْ بِاللَّهِ، هذا لجوء إلى الله فيما لا يمكنك، لا يمكن أن يخلِّصك من الشيطان إلا الله عز وجل، فاستعذ بالله، وانْتَهِ، هذا فيما يمكنك فعله، انتهِ بمعنى: أعرض عن هذا، لا تفكِّر فيه، أنت ذاهب الآن تصلي، لو سألك سائل: لماذا ذهبت تصلي؟ لقلت: إيمانًا بالله، وابتغاءً لفضله، ولا عندي في هذا شك.
إذن ما يورده الشيطان على قلبك لا تلتفت إليه، بكل سهولة تعرف كيف تتخلص؛ بأنك ما جئت إلى المسجد، ولا توضأت، ولا تركت الطعام والشراب والنكاح في صومك، إلا وأنت مؤمن بالله عز وجل، ومؤمن بثوابه، وخائف من عقابه، بمثل هذه الأمور يمكن أن يستعين الإنسان على طرد هذه الوساوس، وإلا فإن الإنسان إذا استرسل معها ربما تهلكه.
لكن -الحمد لله- أن الرسول ﷺ أعطانا هذا الدواء الناجع؛ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم أنتهي، وأنظر إلى عملي الذي أنا فيه، أقبل على عملي؛ إن كان عبادة فعبادة، وإن كان أمرًا دنيويًّا فأمرًا دنيويًّا، المهم أن أتغافل عن هذا الشيء، وأن لا أسترسل معه؛ لأنك إن استرسلت معه هلكت، مع أنه وسواس لا حقيقة له، ومن ثم جاءت الآية: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، فوطِّن نفسك على الإيمان، ولا يكن في قلبك شيء من الشرك؛ لأنه بكل بساطة تقول للنفس: أنا لماذا توضأت؟ لماذا صليت؟ لماذا صمت؟ لماذا أديت الصدقة؟ وما أشبه هذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: علُوُّ منزلة من اتصف بهذه الصفة، وهو: العمل الصالح مع الإيمان، يؤخذ من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز لنا أن نشهد لكل من عمل صالحًا وهو مؤمن أنه في الجنة؛ لأن هذا خبر من الله، والله تعالى لا يخلفه.
فإن قال قائل: وهل نشهد لكل واحد بعينه؟ فالجواب: لا؛ لأن هناك فرقًا بين العموم والخصوص، وبين الإطلاق والتقييد، فلا نشهد لأحد بعينه إلا من شهد له رسول ﷺ بذلك، أو شهد له الله، فإننا نؤمن بهذا، نقول: فلان في الجنة، فمثلًا أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام هل نشهد أنهن في الجنة؟ نعم؛ لأنهن زوجاته في الآخرة، فيكنَّ معه، فنشهد لهنَّ بالجنة، وكذلك العَشرة، ثابت بن قيس بن شماس، بلال، وعبد الله بن سلَام، وغيرهم، كل من شهد له الرسول بعينه نشهد له بعينه، وأما إذا لم يشهد له بعينه، فإننا نشهد له على سبيل العموم.
كذلك الكفر نفس الشيء، نقول: من ذبح لغير الله فهو كافر مشرك، لكن هل تشهد لكل إنسان ذبح لغير الله بأنه مشرك؟ لا؛ لأنه قد يكون عن جهل، أو عن تأويل، أو ما أشبه ذلك، ففرق بين التعيين والتعميم، وبين الإطلاق والتقييد، وهذه المسألة قَلَّ من يتفطن لها، يأخذ العمومات ثم يطبقها على كل فرد، وهذا غير صحيح، يمكن هذا الذي حكمنا بأنه مؤمن حسب الظاهر لنا، يمكن يكون من أهل النار؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد.]].
وكذلك بالعكس، ربما يكون هذا الرجل يعمل ما يقتضي أن يكون كافرًا لكنه لا يدري وهو ينتسب للإسلام، ويقول إنه مسلم يصلي ويزكي ويصوم ويحج، لكن عنده خصلة شرك لا يعلم عنها، هذا لا نقول: إنه من أهل النار، بل نقول: من فعل هذا فهو من أهل النار، لكن هذا الرجل بعينه لا، لاحتمال -ما ذكرت لكم- الجهل أو التأويل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: نفي الظلم، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، ومن الذي يمكن أن يظلم؟ الله عز وجل، يمكن أن يظلم قدرًا، لكن شرعًا وحكمة لا يمكن، فيكون قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ الظلم مَنفيٌّ عمن؟ عن الله الذي بيده الجزاء، هذا النفي هل هو نفي لشيء مستحيل، أو نفي لشيء ممكن؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني؛ إذ لو كان لشيء مستحيل لم يكن كمالًا؛ لأن انتفاء المستحيل ليس بكمال، هو منتفٍ، لكن شيء ممكن، إلا أنه لكمال عدل الله أيش؟ غير ممكن، وعلى هذا فهو ممكن قدرًا، لو شاء الله لعذَّب من لا يستحق التعذيب، لكن حسب حكمة الله ورحمته يكون غير ممكن.
4:125Page 98
وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥
And who is better in religion than one who submits himself to Allāh while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allāh took Abraham as an intimate friend.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ﴾..
* الشيخ: الوقف أولى هنا ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾.
* الطالب: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ [النساء ١٢٥ - ١٢٧].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، (مَن) هنا اسم استفهام، والمراد به النفي، وقد قلنا عدة مرات: إن النفي إذا جاء بصيغة الاستفهام كان أبلغ مما لو أتى بصيغة النفي الصريحة؛ وذلك لأنه إذا أتى بصيغة الاستفهام صار مُشْرَبًا معنى التحدي، أي كأن المتكلم يقول: ائتني بأحسن من كذا، ائتني بأظلم ممن افترى على الله كذبًا، وما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿دِينًا﴾ هنا منصوبة على التمييز؛ لأنها وقعت بعد اسم التفضيل.
فإذا قال قائل: هي تمييز لأي شيء؟ قلنا: لكلمة ﴿أَحْسَنُ﴾؛ لأن ﴿أَحْسَنُ﴾ مبهمة لا ندري إلى شيء تضاف، فإذا جاءت بعدها كلمة منصوبة فهي مميِّزة لها مبيِّنة لها، والدين هنا بمعنى العمل، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الدين يُطلَق بمعنى الجزاء، مثل قول الله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]، وبمعنى العمل كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦]، وكما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣].
إذن ﴿دِينًا﴾ أي: عملًا، فالعمل الذي يبتغي عاملُه بذلك مقابلةً يسمى دينًا.
﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، ﴿أَسْلَمَ﴾ الإسلام بمعنى الإخلاص، أي: فوَّض أمره إلى الله عز وجل، وهذا يعني الإخلاص في القصد.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ جملة حالية من (مَن) في قوله: ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ﴾، والإحسان هنا: الموافقة للشريعة، فيكون في الآية هنا دليل على شَرْطَي العبادة، وهما: الإخلاص، والمتابعة، فالإخلاص في قوله: ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، والمتابعة في قوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾؛ لأن إحسان العمل هو موافقته الشريعة.
﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، هذه جملة معطوفة على ما سبق للتوكيد المعنوي؛ لأن مِلَّة إبراهيم عليه الصلاة والسلام هي الإخلاص والقيام بالشريعة، فتكون هذه الجملة كأنها مؤكِّدة لما سبق ومتضمِّنة له.
وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هو أبو الأنبياء؛ لأن الأنبياء من بعده كانوا من ذريته، وفيها قراءتان: ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ و﴿إِبْرَاهَامَ﴾ ، أي: إبدال الياء ألفًا، وإذا أبدلت الياء ألفًا لزم فتح الهاء.
وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ يحتمل أن يكون حالًا من فاعل ﴿اتَّبَعَ﴾، وأن يكون حالًا من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، أفهمتم؟ وأيهما أرجح؟ الأرجح الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣]، ومن المعلوم أنه إذا كان إبراهيم حنيفًا وأُمِرْنَا باتباع مِلَّته فإننا سوف نكون حنفاء.
﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، الواو هنا استئنافية وليست عاطفة، فكأنه عز وجل استأنف ليبين مرتبة إبراهيم الذي أمرنا باتباعه؛ لأن الله اتخذه خليلًا، والخليل هو ذو المحبة الخالصة، وسُمِّي بذلك؛ لأن المحبة شملت جميع جسده حتى تخللت عروقه، وفي ذلك يقول الشاعر:
قَدْ تَخَلَّلْتِ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ∗∗∗ وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيـــــــــــلُخَلِيــــــــــــــــــــلَا
* في هذه الآية فوائد: أولًا: الحث على الإخلاص؛ لقوله: ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾.
* ومنها: الحث على المتابعة؛ لقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾.
* ومن فوائدها: أنه لا أحد أحسن دينًا ممن هذا وصفه، وعلى هذا فلو قال النصارى: إنهم أحسن دينًا من المسلمين، ماذا نقول؟ نقول: هذا كذب؛ لأنه فُقِد منهم الإخلاص والمتابعة جميعًا، فالنصارى معلوم أنهم يقولون بالتثليث، وهم أيضًا لم يتبعوا شريعة الله؛ حيث كفروا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، حيث أُمِرْنَا باتباعه، وهذا يعني أنه إمام؛ ولهذا يطلِق عليه العلماء اسم أو لقب: إمام الحنفاء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وهذه مَنْقَبَة له عظيمة؛ أن الله اتخذه خليلًا، وهل اتخذ غيره؟ نعم، وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا»[[سنن النسائي الكبرى (١١٠٥٨) من حديث جندب، وابن ماجه (١٤١) من حديث عبد الله بن عمرو.]].
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الخلة أعلى رتبة من المحبة؛ لاختصاص إبراهيم بها ومحمد ﷺ، ولو كانت بمعناها أو في مرتبتها لكانت ثابتة لجميع من يستحق المحبة، ومن المعلوم أنه لا يصح أن تقول: إن الله اتخذ المؤمنين أخلَّاء؛ لأن الخلة خاصة، ومن ثم نعلم خطأ من يقول: إبراهيم الخليل ومحمد الحبيب؛ لأن هذا تنقُّص للرسول عليه الصلاة والسلام؛ حيث أنزل مرتبته من الخلة إلى المحبة التي يشترك فيها حتى المؤمن المتقي المقسط الصابر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، والاتخاذ حادث بعد وجود سببه، وهذه ما يعبِّر عنها أهل العلم بقيام الحوادث بالله عز وجل، أي: بأنه تبارك وتعالى يفعل ما يريد متى شاء، خلافًا لمن قالوا: إنه لا تقوم به الأفعال الاختيارية، وأنه لا يتجدد له فعل؛ لا كلام، ولا خلق، ولا غيره، ولا شك أن هذا قول باطل، ومضمونه نقص الله عز وجل؛ حيث لا يفعل ما يشاء متى شاء.
4:126Page 98
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا ١٢٦
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh, of all things, encompassing.
ثم قال عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾، سبحانه وتعالى.
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الجملة هذه خبرية مكوَّنة من مبتدأ وخبر، قُدِّم فيها الخبر لفائدة الحصر ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، لا يشاقُّه أحد في ذلك، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢، ٢٣]، فلله ما في السماوات وما في الأرض.
وهنا قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ولم يقل: من في السماوات، قال بعضهم: تغليبًا لغير العقلاء؛ لأن (مَن) في اللغة العربية يؤتى بها للعقلاء، أي: لذوي العقول، و(ما) لغير العقلاء، وغير العقلاء من المخلوقات أكثر من العقلاء، ويحتمل أنه أتى بـ (ما) ليعم ذلك الأشخاصَ والأوصاف؛ لأن تعيين (من) للعقلاء و(ما) لغير العقلاء إنما هو في الأعيان، لكن (ما) للأعيان والأوصاف، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣]، حيث قال: ﴿مَا﴾، ومعلوم أن النساء من ذوي العقول، لكن لما كانت المنكوحة لا تُنْكَح لعينها إنما تنكح لما قام بها من أوصاف، والأوصاف معاني وليست عقلًا، قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وهذا القول أرجح من القول الأول، أعني: أن ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ إنما أتى بـ (ما) دون (من) ليعم أيش؟ الأشخاص والأوصاف.
﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ في بعض الآيات يقول: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ﴾ [الحديد ١] والظاهر -والله أعلم- أن هذا من باب تنوع السياق والأساليب؛ لأن المعنى لا يختلف؛ إذ إن المعطوف له حكم المعطوف عليه فإذا قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو كما لو قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، والتنوع في السياق جاء في القرآن كثيرًا، كما يظهر للإنسان عندما يتلو القصص التي وردت في القرآن لعدة رسل يجد اختلاف التعبير كثيرًا.
﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ كان الله محيطًا بكل شيء، (كان) هنا منزوعة الدلالة على الزمان؛ لأنها لو بقيت دالَّة على الزمان لكانت إحاطة الله تعالى بكل شيء إحاطة سابقة ماضية، مع أنه لم يزل ولا يزال محيطًا بكل شيء، ولكنها تأتي هنا في مثل هذا السياق لبيان ثبوت الحكم، فيكون هذا كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٥٢] ليس المعنى: أن الله تجدد له المغفرة والرحمة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ٩٢] ليس العلم والحكمة يتجدد له، وليس ماضيًا فُقِد، بل هذا لأيش؟ لتوكيد اتصافه بهذا الوصف.
وقوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أيّ إحاطة؟ كل شيء، محيطًا به علمًا وقدرة، وسمعًا، وبصرًا، وتدبيرًا، وغير ذلك من معاني ربوبيته عز وجل.
وفي هذه الآية الكريمة: عموم ملك الله، تؤخذ؟
* طالب: تقدير الفعل.
* الشيخ: لا، من (ما) الموصولة؛ لأن جميع أسماء الموصول تفيد العموم.
* ومنها: اختصاص ملك ما في السماوات والأرض بالله عز وجل، يؤخذ من تقديم الخبر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير أيش؟ يفيد الحصر.
* ومن فوائد هذه الآية: أن السماوات ذوات عدد، يُستفاد منين؟ من أين يؤخذ؟
* طالب: السماوات جمع.
* الشيخ: من ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ التي هي جمع، فما هذا العدد؟ هذا بُيِّنَ في القرآن والسنة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]، ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢]، وكذلك جاءت السنة، وأجمع الناس على ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الأرض واحدة؛ لقوله: ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ولم يقل: وما في الأرضين، فتكون الأرض واحدة، أعرفتم؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، هذا ظاهر اللفظ، لكن هذا الظاهر قد بُيِّنَ في مواضع أن المراد بالإفراد هنا الجنس لا الوحدة، أي: جنس الأرض، وجاءت السنة صريحة بأن الأرضين سبع، وجاء القرآن ظاهرًا بأن الأرضين سبع، ففي السنة: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد.]]، وفي القرآن في ظاهره: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، فالمماثلة هنا يحتمل أن تكون في الصفة، ويحتمل أن تكون في العدد، والاحتمال الأول ممتنع لظهور الفرق بين السماوات والأرض، فيبقى الاحتمال الثاني وهو المماثلة في العدد.
* من فوائد الآية الكريمة: إحاطة الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾.
يترتب على هذه الفائدة * فائدة مسلكية مهمة وهي: أنك إذا علمت إحاطة الله بكل شيء خِفْتَ منه وخشيته وراقبته؛ لأنه مهما كنت في أي مكان فالله محيط بك، فإذا آمنت بهذا خِفت رب العالمين المحيط بكل شيء.
هل ينبني على ذلك خوف الله في القلب؟ نعم؛ لأن الله محيط، حتى فيما في قلبك هو محيط به عز وجل.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences