Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:136–138
4:136Page 100
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٣٦
O you who have believed, believe1 in Allāh and His Messenger and the Book that He sent down upon His Messenger and the Scripture which He sent down before. And whoever disbelieves in Allāh, His angels, His books, His messengers, and the Last Day has certainly gone far astray.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء ١٣٦] كلما رأيت الخطاب مصدرًا بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فانتبه له، كما يُذكر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إذا سمعت الله يقول:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرْعها سمعك؛ فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه »[[الزهد لابن المبارك (١ / ١٢) وحلية الأولياء (١ / ١٣٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
وقد ذكرنا فوائد تصدير الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فلا حاجة إلى تكراره؛ لأنه معلوم.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قد يقول قائل: كيف يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم يقول: ﴿آمِنُوا﴾ والأمر بالحاصل لغو؟ وخطابهم بالإيمان، ثم أمرهم به هذا أمر بشيء حاصل؟
فيقال: لا، هذا الفهم خطأ، والمراد بقوله: ﴿آمِنُوا﴾ أي: حقِّقوا إيمانكم، واثبتوا عليه؛ فيكون الأمر بالإيمان في قوله: ﴿آمِنُوا﴾ أمرًا بأمرين:
الأول: تحقيق الإيمان؛ أي: الحرص على تكميله من كل وجه.
والثاني: الثبات عليه؛ لأنه كم من مؤمن يزِلّ، ويُقصّر.
وقوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ المراد بالرسول هنا: محمد عليه الصلاة والسلام؛ بدليل ما يأتي بعد.
فما هو الإيمان بالله؟
الإيمان بالله ذكرنا فيما سبق، ولا حرج أن نعيده الآن؛ أن الإيمان بالله يتضمّن أمورًا أربعة: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيّته، والإيمان بأسمائه وصفاته؛ هذا الإيمان بالله من أنكر واحدًا منها فإنه لم يؤمن بالله.
الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام يتضمّن الإيمان بأنه رسول الله حقًّا، وأنه جاء بالحق فيصدقه فيما أخبر، ويمتثل أمره فيما أمر، وينزجر عما عنه نهى وزجر.
﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾. والمراد به هنا: القرآن ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ وعبّر عنه بقوله: ﴿نَزَّلَ﴾ عبر عن تنزيله بـ﴿نَزَّلَ﴾؛ لأنه ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦].
﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (الكتاب) هنا اسم جنس، فـ(أل) هنا للاستغراق؛ أي: وكل كتاب أنزل من قبل، وعبر عن الكتب السابقة بـ﴿أَنْزَلَ﴾؛ لأنها تنزل جملة واحدة.
الإيمان بكتاب الله: هو أن تُؤمن بأنه من عند الله حقًّا، وأن ما جاء فيه من أخبار فهو صدق، وما جاء فيه من أحكام فهو عدْل، وأنه مهيمن على الكتب السابقة ناسخ لها.
والإيمان بالكتاب الذي أنزل من قبل: أن تؤمن بأن كل رسول قد أنزل الله عليه كتاب، وتؤمن بما جاء من الكتب بالتعيين مثل: التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وأن تؤمن بأنها من عند الله عز وجل، وأن تؤمن بكل ما صح فيها من خبر.
وقيّدنا: بكل ما صح فيه من خبر؛ لأنه دخلها التحريف، والتبديل، والتغيير. وأما الأحكام فلستَ مأمورًا باتباعها إلا حيث أمرك شرعك.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في شرع من قبلنا هل هو شرع لنا، أو ليس بشرع؟
والتحقيق: أنه شرع لنا؛ لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام ٩٠] إلا إذا ورد شرعنا بخلافه، فإنه يكون منسوخًا على أن العمل بالأحكام التي في الكتب الموجودة الآن بأيدي أهل الكتاب ليس مأمونًا؛ لأنهم حرّفوا، وبدّلوا، وغيّروا.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ كم هذه من أركان الإيمان؟
خمسة؛ باقي الإيمان بالقدر مذكور في آيات أخرى، من يكفر بالله؛ فينكره، أو ينكر ما ثبت له من حقوق، أو من أسماء، وصفات؛ فقد ضل ضلالًا بعيدًا، وكذلك من يكفر بالملائكة.
والملائكة: هم عالم غيبي خلقهم الله عز وجل؛ ليقوموا بطاعته، ورتّب لهم وظائف، كل على حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل، وهم أشرف من الجن وأقوى وأعظم؛ فإن «النبي ﷺ رأى جبريل على صورته التي خُلق عليها له ست مئة جناح قد سد الأفق »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤ / ٢٨٢) من حديث ابن مسعود، دون قوله: قد سد الأفق.]].
وهذا شيء عظيم؛ العفريت من الجن قال لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل ٣٩]، والملك جاء به قبل أن يرتد إليه طرفه، وهذا أقوى وأعظم.
الملائكة: منهم من نعلمهم بأعيانهم مثل: جبريل، ميكائيل، وإسرافيل، مالِك خازن النار، رضوان -إن صح- خازن الجنة، منكر ونكير إذا صح؛ وهما اللذان يسألان المرء عند دفنه.
أما عزرائيل، فلم يصح، وهو مشهور عند العامة شهرة الشمس في رابعة النهار، فمن هو؟
ملك الموت عند العامة اسمه عزرائيل، وهذا الاسم عند العامة أشهر من اسم جبريل؛ لكنه لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه بهذا الاسم.
نؤمن أيضًا بما علمنا من أعمالهم وأوصافهم، نحن نعلم أن جبريل عليه السلام موكّل بالوحي، وفيه حياة الأرواح، والقلوب، وأن إسرافيل موكّل بالنفخ في الصور، وفيه الحياة الآخرة حين ينفخ في الصور، فتخرج الأرواح تحل في أجسادها، ميكائيل؛ مُوكّل بالقطر والنبات؛ وفيه حياة الأرض.
وهؤلاء الثلاثة كان النبي عليه الصلاة والسلام يستفتح صلاة الليل بقوله: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ»[[أخرجه مسلم (٧٧٠ / ٢٠٠) من حديث عائشة.]] لأن في هؤلاء الملائكة كل واحد له حياة معينة، ونحن الآن في استقبال النهار، واستقبال النهار بعد النوم يعتبر حياة جديدة؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام ٦٠].
كذلك الكتب؛ الإيمان بالكتب سبق بيانه.
الرسل، أيضًا نؤمن برسل الله عز وجل على سبيل الإجمال، وعلى سبيل التعيين؛ فيمن علمناه بعينه، وليس كل الرسل قد علمناهم؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء ١٦٤]. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] لكن نؤمن بهم على سبيل الإجمال.
وأما المعيّن: فنؤمن به على سبيل التعيين؛ وكيف نؤمن بهم؟
نؤمن بأنهم رسل الله، وأنهم صادقون، فيما أخبروا به عن الله عز وجل، وأنهم مبعوثون إلى أقوامهم، وأنهم أدوا الرسالة؛ ولهذا سنُستشهد يوم القيامة لهم وعلى أممهم كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣].
يقول عز وجل: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهو يوم البعث، وسمي اليوم الآخر؛ لأنه يوم انتهى ليس بعده يوم.
الدنيا ثلاث مراحل: مرحلة الأجنة، ومرحلة الحياة، ومرحلة البرزخ؛ والرابع: النهاية؛ مرحلة البعث؛ ولهذا يسمى اليوم الآخر.
﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ هذا جواب الشرط، شرط من؟ ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ وصار في متاهات بعيدة؛ لأن هذه الأشياء أمرها ظاهر، فجحدها وإنكارها ضلال بعيد ومكان سحيق.
* في الآية الكريمة فوائد:
* أولًا: وجوب الثبات على الإيمان؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى آخره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: وجوب تكميل الإيمان؛ بناء على أن قوله: ﴿آمِنُوا﴾ أي: اثبتوا وحققوا الإيمان بإكماله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بالله عز وجل ورسوله وكتابه؛ لقوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن مُنزَّل؛ لقوله: ﴿الْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾.
وفيما يتعلق بالله عز وجل فيه أن القرآن كلام الله؛ لأنه نزل من عنده فيكون كلامه.
وعلوّ الله عز وجل أيضًا؛ لقوله: ﴿نَزَّلَ﴾ والتنزيل يكون من أعلى إلى أسفل؛ وكل هذا أمر معلوم في العقيدة درستموه والحمد لله، لا حاجة للإطالة فيه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن مُنزّل على محمد عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾؛ وأين منتهى نزوله؟ قلب النبي عليه الصلاة والسلام؛ لقول الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] فقد حلّ في قلب الرسول عليه الصلاة والسلام ووعاه وبيّنه، ولم يفته حرف واحد كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٨، ١٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم نزل مفرّقًا؛ لقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾. واستشهدنا بالآية الكريمة: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإيمان بالكتب السابقة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾.
فلو أن أحدًا قال: أنا أؤمن بالقرآن، لكن التوراة والإنجيل لم تنزل على رسولنا فلن أؤمن بها؟
قلنا: أنت كافر الآن، كافر مرتد؛ لأنه لا بد أن تؤمن بالكتاب الذي أنزل من قبل كما أمرك الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن الكريم ختام الكتب؛ من أين تؤخذ؟ ﴿الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ ولم يقل: ومن بعد، إشارة إلى أنه لا كتاب بعد هذا القرآن الكريم.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا رسول بعد محمد ﷺ؛ لأنه لو ثبت أن هناك رسولًا بعده للزم أن ينزل عليه كتاب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الكفر؛ لقوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
* ومن فوائدها: أنه لا يصح الإيمان المبَعّض؛ بمعنى أن يؤمن ببعض ويكفر ببعض؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بما ذكر، وهي خمسة أركان من أركان الإيمان الستة.
* ومن فوائدها: وجوب الإيمان بكل ما أخبر الله به، أو أخبر به رسوله مما يكون في اليوم الآخر؛ لأن الإيمان باليوم الآخر ليس أن تؤمن بأنه سيكون، بل أن تؤمن بكل ما يجري فيه مما جاء في الكتاب والسنة؛ بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: مما يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت.
فجعل من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بعذاب القبر؛ وقوله حق؛ لأن من مات خلاص انتهى من الدنيا، دخل في اليوم الآخر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الضلال يتفاوت؛ بعضه أشد من بعض؛ لقوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. إذن هناك ضلال ليس ببعيد وهو كذلك؛ فالضلال يتفاوت، والإيمان يتفاوت، والأعمال تتفاوت ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام ١٣٢]؛ فمثلًا جنس الواجب أفضل من جنس المستحب، ففريضة الصلاة أفضل من نافلتها، قراءة الفاتحة أفضل من قراءة السورة التي بعدها؛ لأن قراءة الفاتحة ركن وما بعدها غير ركن؛ صيام رمضان أفضل من تطوع بصوم في أيّ زمان، وهلم جرًّا.
جنس الفريضة أفضل من أيش؟ من جنس النافلة، ودليل هذا قوله تعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]]؛ ثم أجناس الأعمال تختلف بعضها من أركان الإسلام، وبعضها ركن مؤكّد، وبعضها دون ذلك، وبعضها ليس من أركان الإسلام؛ إذن أعمال أهل الخير وأعمال أهل الشر كلها تتفاوت، وينبني على ذلك تفاوت الإيمان وتفاوت الفسق فيكون هذا أقوى إيمانًا وذاك أضعف، والفسق هذا أعظم فسقًا وهذا دون ذلك، ففاعل الكبيرة أعظم فسقًا من فاعل الصغيرة إذا فسق بفعلها، وهذا الأصل هو الذي عليه أهل السنة والجماعة على أن الأعمال تتفاضل، وأن العاملين يتفاضلون سواء السيئ أو الصالح.
4:137Page 100
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ سَبِيلَۢا ١٣٧
Indeed, those who have believed then disbelieved, then believed then disbelieved, and then increased in disbelief - never will Allāh forgive them, nor will He guide them to a way.
ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء ١٣٧].
كم حصل منهم من إيمان؟
* طلبة: مرتين.
* الشيخ: مرتين، والكفر؟
* الطلبة: ثلاثة.
* الشيخ: ثلاثة؛ هؤلاء آمنوا، دخلوا في الإيمان، لكن الإيمان لم يستقرّ في قلوبهم فارتدوا والعياذ بالله، ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾؛ لأن الإيمان لم يستقر في القلب، ولو استقر الإيمان في قلوبهم ما كفروا، لكن لم يستقر والعياذ بالله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨]، ﴿ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ شوف التذبذب، بعد أن كفروا أول مرة بعد الإيمان آمنوا، وبعد ذلك كفروا وازدادوا كفرًا -نسأل الله العافية- لتلاعبهم بالدين، صار الكفر الأخير أشد مما قبله؛ لأنهم متلاعبون متذبذبون، فهم لا يستقرّون على قرار، قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ هذا خبر (إن) إن الذين كفروا ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ﴾.
و﴿لَمْ يَكُنِ﴾ هنا فعل مضارع منفي، واللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ تسمى لام النفي أو لام الجحود؛ وهي زائدة على قول بعض النحويين، وغير زائدة على قول آخرين، فالذين قالوا: إنها زائدة قالوا: التقدير: لم يكن الله يغفر لهم، والذين قالوا: غير زائدة، قالوا: إن ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ على تقدير الإرادة؛ يعني لم يرد لغفرانهم؛ وأيًّا كان ففي قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ تيئيس لهم من المغفرة والعياذ بالله، وأنهم سيبقون على كفرهم إلى يوم يلقونه.
﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ ﴿سَبِيلًا﴾ يعني طريقًا، إلى الخير أو إلى الشر؟ إلى الخير، لا يمكن أن يهديهم الله سبيلًا إلى الخير، وفي الآية التي في آخر السورة: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩] قال ذلك في الذين كفروا وظلموا.
فهؤلاء الذين حصل لهم ذلك قد سدّ الله عنهم باب المغفرة وباب الرحمة؛ باب المغفرة في قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، وباب الرحمة في قوله: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾.
* طالب: هل يؤخذ من هذه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ فائدة أخرى هي الإيمان يزيد وينقص؟
* الشيخ: ربما يؤخذ منه أن الإيمان يزيد وينقص، قلنا: ﴿آمَنُوا﴾ أي: اثبتوا على الإيمان، وحقّقوا الإيمان.
* الطالب: يعني يزيد في الإيمان؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: الضلال البعيد يعود على كل من كفر بهذه الأربع، أو بواحد منها؟
* الشيخ: الضلال البعيد يعود على كل من كفر بالأربع أو بواحد منها؛ لأن الذي يؤمن ببعض ويكفر ببعض كالذي كفر بالكل كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء ١٥٠، ١٥١].
* طالب: شيخ، قال بعضهم: إن المسلم إذا ارتدّ يستتاب، فإن تاب ثم ارتد..
* الشيخ: ما وصلنا إلى الأحكام.
* طالب: شيخ، الله جل وعلا أطلق اسم الكفر على من كفر به، وقلنا: يا شيخ، إن من كفر بالله يتضمن الكفر بصفاته جل وعلا، وكثير يا شيخ من الناس من يكفر بصفات الله جل وعلا، فهل يصح إطلاق اسم الكفر..؟
* الشيخ: الكفر بصفات الله نوعان: كفر تكذيب، وكفر تأويل.
يعني: بمعنى أدق إنكار صفات الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: إنكار تأويل، وإنكار تكذيب؛ أما إنكار التكذيب فإنه كفر؛ لأنه تكذيب للخبر مثل: أن يقول في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] قال: إن الله لم يستوِ على العرش، هذا كافر مرتدّ؛ لماذا؟
* طالب: أنكر الاستواء.
* الشيخ: لأنه كذب الخبر. أما إذا قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ استوى لكن بمعنى استولى، فهذا إنكار تأويل؛ هذا لا يكفر إلا إذا أوّل تأويلًا لا يستقيم إطلاقه، فهمت؟
* طالب: هل يلزم من إرسال الله عز وجل الرسول أن ينزل عليه كتاب؟
* الشيخ: إي نعم، الدليل يا جماعة قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]. أيضًا آية أخرى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥].
* طالب: قال الله عز وجل: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾. وقال في آية أخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣] كيف (...)؟
* الشيخ: سيأتينا إن شاء الله، ما ذكرنا الفوائد.
* طالب: هل الرسل الذين يُنزل الله عز وجل عليهم الكتب كلمة الرسالة هنا تتضمن الأنبياء؛ أي أن كل نبي ينزل بكتاب أيضًا؟
* الشيخ: ليس الظاهر، الظاهر أن الأنبياء لا ينزل عليهم الكتب، إنما الكتب للرسل فقط؛ لأنهم هم المكلّفون بإبلاغ الخلق رسالة ربهم.
* الطالب: الراجح في التفريق بين الرسول والنبي يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، بينهما فرق.
* الطالب: ما الراجح فيه؟
* الشيخ: لكن كل ما ذكر بلفظ النبي في القرآن فهو رسول.
* طالب: قلتَ -حفظك الله-: إن شريعة من كان قبلنا هي شريعة لنا ما لم يرد نص في ذلك..
* الشيخ: ما لم يرد شرعنا بخلافه، نعم.
* الطالب: هل يدخل في ذلك صيام يوم ويوم؟
* الشيخ: يوم ويوم؟
* طالب آخر: صوم يوم، وإفطار يوم.
* الشيخ: صوم يوم، وإفطار يوم، هذا أقرّه الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٥٢)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٩)، واللفظ للبخاري من حديث عبد الله بن عمرو.]].
* الطالب: لماذا لم يفعله ﷺ؟
* الشيخ: هذا أنت تعلم -بارك الله فيك- أن الرسول ﷺ إمام الأمة، وسلطان الأمة، وأمير الأمة، ويشتغل بأشياء كثيرة أهم من هذا، أحيانًا تمر به الجنازة، وهو عند أصحابه يتكلّم معهم، ولا يقوم مع الجنازة، مع أن اتباع الجنائز من أفضل الأعمال، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام يراعي مصالح أخرى أفضل مما يقول: إن هذا أفضل شيء.
* طالب: بارك الله فيكم، بعض أهل العلم يقول: إن كل اسم ختم بـ(إيل) معناه عبد الله؛ جبرائيل، فهل هذا القول صحيح؟
* الشيخ: والله هكذا قالوا، والله أعلم؛ يعني لغة عبرية الظاهر.
* طالب: الكروبيون (...)؟
* الشيخ: ما أدري والله، قيل: إن الكروبيين هم حملة العرش؛ وهم الذين ذكر الله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ يعني ومن كان حول هؤلاء هم الكروبيون، فالله أعلم.
* طالب: جزاكم الله خيرًا، إذا كان رجل يصلي، ثم ترك الصلاة، ثم يصلي (...)؟
* الشيخ: ما جاءت الفوائد.
* طالب: شيخ، بالنسبة لجنس المعاصي هل يتفاوت مثلًا الشرك، والبدعة، والمعصية؟
* الشيخ: إي، ما فيه شك، يتفاوت.
* الطالب: هل مثلًا الإنسان عنده بدعة خفيفة؟
* الشيخ: الشرك: أكبر، وأصغر، البدع أيضًا: بعضها مُفسّق، وبعضها مُكفِّر.
* الطالب: يعني خفيفة مثلًا..؟
* الشيخ: إي نعم، ما فيه شيك، نعم، تختلف. (...)
* * *
انتهينا إلى قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾.
* من فوائد الآية الكريمة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾: أن المتذبذب بين الإيمان، والردة يكون مآله أن يزداد كفرًا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ وذلك -والله أعلم- أن الإيمان لم يدخل قلبه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من العلماء من استدل بهذه الآية على أن من تكررت رِدّته لم تُقبل توبته، قالوا: لأن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾. فهل هذا الاستدلال صحيح؟
قد يقول قائل: إنه ليس بصحيح؛ لأن آخر أمر هؤلاء أيش؟ أن ازدادوا كفرًا، ولم يذكر الله توبتهم؛ فإذا قارنّا هذا بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣].
قلنا: هذه الآية تقضي على ما ذكره هؤلاء العلماء الذين قالوا: إن من تكررت ردته لا تقبل توبته؛ لأن الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.
وإن قال: إننا لا نقول: إنها لا تقبل توبته؛ لأنه لو تاب لن تقبل، لكننا نقول: إنه بعيد أن يتوب؛ ولهذا كان أمر هؤلاء أن يزداد الإنسان أيش؟ كفرًا، فنحن لا نقول: إنه لو تاب لم تُقبل؛ لكن نقول: يبعد أن يتوب، بل آخر أمره أن يزداد كُفرًا؛ وبناءً على هذا نقول: إذا ظهر من هذا الذي تكرّرت رِدّته، إذا ظهر منه الإيمان الصحيح، والاستقامة، وصلاح الحال؛ فإننا نقبل منه، وما ذاك على الله بعزيز.
وهذا هو الأصح: أن من تكرّرت ردّته يجب أن نتأنّى في قبول توبته، حتى نعرف أيش؟ صدق توبته، وصلاحه، واستقامته، وأنه تاب توبة نصوحًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على القدرية، والرد على الجبرية؛ الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، وأن فعله لا يُنسب إليه إلا مجازًا؛ فالردّ عليهم من قوله: ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فأضاف الأفعال إلى من؟ إليهم.
وفيه ردّ على الجبرية؛ لأن الجبرية عندهم: أن العبد ليس له فعل اختياري، الجبري يقول: العبد ما له فعل اختياري، مجبر على العمل كتحرّك الساقط بالرياح؛ فلما قيل لهم: كيف يكون ذلك، والله تعالى يُثيب الطائع، ويُعاقب العاصي، أيّ حكمة في إثابة الطائع، وعقوبة العاصي، والكل منهم يفعل الفعل بغير اختياره؟
قالوا: لا نتحاج على الله، يفعل الله ما يشاء، والظلم تصرف الفاعل بغير ملكه، والكل ملك لله، فإذا تصرف في ملكه بما شاء، ولو بتعذيب المطيع، وتنعيم العاصي فهو ملكه.
وبناءً على ذلك: نفوا الحكمة في أفعال الله، وقالوا: ليس لله حكمة في أفعاله، هو يفعل لمجرد المشيئة.
* وفيه أيضًا: ردّ على القدرية؛ لقوله: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ فدل هذا على أن الهداية بيد الله، وليس يستقل بها العبد.
والقدرية يقولون: إن الإنسان مستقل بفعله ليس لله فيه مشيئة، ولا خلق.
وغلاتهم يقولون: ولا علم، ولا كتابة.
فغلاتهم ينكرون جميع مراتب القدر: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق.
ومقتصدوهم ينكرون مرتبتين من مراتب القدر وهما: المشيئة، والخلق؛ يقولون: الله يعلم، وقد كتب ما يكون، لكنه لا يشاؤه؛ الإنسان مستقل بعمله.
وكلا الطائفتين غاليتان مفرطتان: القدرية غالوا في إثبات فِعل العبد، وتطرفوا في إثبات خلق الله، ومشيئتة، والجبرية بالعكس.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يحذر من التردد والتقلب؛ فإن الغالب أن من هذه حاله لا يُبارك له في عمره، ولا في عمله، كونه كل يوم له رأي، وكل يوم له عمل، هذا لا شك أنه يضيع عليه الوقت، ولا يستفيد من عمره شيئًا؛ ولهذا يُذكَر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «من بُورك له في شيء فليلزمه»[[قال صاحب الأسرار المرفوعة (ص٣٣٧): قال ابن تيمية: هو من كلام بعض السلف. وأخرجه ابن ماجه (٢١٤٧) بلفظ: «مَنْ أَصَابَ مِنْ شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ» من حديث أنس بن مالك مرفوعًا.]]. وهذا عام في كل شيء؛ في العمل، حتى في السيارة إذا بُورك لك فيها؛ فالزمها، وإن كانت كل يوم تخرّب عليك فطِر عنها؛ فطر عنها ولّا بها؟ عنها.
على كل حال في هذا دليل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يتقلّب، وليثبت، ولكن ليس معنى قولنا هذا: أنه يثبت على الباطل بعد أن يرى أنه باطل، بل الواجب إذا تبين له أنه باطل، الواجب أن يأخذ بالحق كما قال عمر في كتابته إلى أبي موسى الأشعري: «لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس أن تقضي بالحق فيه اليوم؛ فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل»[[أخرجه الدارقطني (٤٤٧٢) من حديث عمر بن الخطاب.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى إذا علم من حال العبد أنه لن يستقيم فإنه لن يغفر له، ولن يهديه؛ لأن هؤلاء آمنوا، ثم كفروا، ثم آمنوا، ثم كفروا، ثم ازدادوا كفرًا.
ويترتّب على هذه الفائدة التي دلّت عليها هذه الآية، ودلّ عليها قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥].
* يتفرع على هذه الآية: أن الأعمال الصالحة تجلب الأعمال الصالحة، والأعمال السيئة تجلب الأعمال السيئة، فإذا منّ الله عليك بعمل صالح، فأبشر أنه سيمُنّ عليك بعمل آخر تتبعه إياه.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٣٨، ١٣٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ تكلمنا على الآية السابقة؛ على فوائدها وأحكامها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾. وبينا اختلاف العلماء رحمهم الله هل تقبل توبة من تكررت ردته؟ وأن في ذلك قولين لأهل العلم:
فمنهم من قال: إنها لا تُقبل توبته، وأنه إذا تكررت منه الردة ثلاث مرات، ففي الثالثة لا تُقبل؛ لأنه متلاعب لو قبلناها اليوم، وهو قد ارتد مرتين من قبل فإنه ربما يرتد، واستدلوا بهذه الآية.
ولكن القول الراجح: أنه إذا تبين صدقه في توبته، فإن توبته مقبولة؛ لعموم الأدلة في قبول التوبة.
وأما الآية الكريمة فإن آخرها يقول: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فآخر أمرهم ازدياد الكفر، وليست التوبة.
وبيّن الحذر من تذبذب الإنسان.
4:138Page 100
بَشِّرِ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ١٣٨
Give tidings to the hypocrites that there is for them a painful punishment -
قال الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿بَشِّرِ﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، ويمكن أن نجعله عامًّا لكل من يتوجّه الخطاب إليه سواء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أم غيره؛ والبشارة في الأصل هي الإخبار بما يسُرّ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٥] فالتبشير الإخبار بما يسُرّ؛ فكيف قال: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وهل العذاب الأليم يسُرّ؟
لا، أجاب بعض العلماء بأن هذا من باب التهكُّم بهم، وهذا يقع كثيرًا في كلام الناس، إذا رأى إنسانًا متمردًا قال: أبشِر بالخيبة، أبشِر بالعقوبة، وما أشبه ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٨، ٤٩].
فإن بعض العلماء قال المراد بقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ التهكّم.
وبعضهم قال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ في الدنيا، وهذا جزاؤك في الآخرة.
أما الجواب الثاني فقالوا: إن البشارة هي الإخبار بما يتغيّر به الوجه من خير، أو شر، وسُميت بذلك؛ لأن البشرة تتغير، لكن إذا أُخبر الإنسان بما يسرّه استنار وجهه، وإذا أُخبر بما يسوؤه أظلم وجهه واكفهر.
وعلى هذا فلا يكون في الآية إشكال هل قيل هذا على سبيل التهكم، أو على سبيل الحقيقة؟
بل يكون قيل على سبيل الحقيقة.
وقوله: ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ يعني: الذين نافقوا بإظهار الإسلام، وإبطان الكفر؛ مأخوذ من (نافقاء اليربوع) أي: جحره؛ لأن اليربوع له جحر له باب مفتوح يحفر في الأرض خندقًا، ثم يجعل في آخر الجحر قشرة رقيقة؛ حتى إذا أُتي من باب الجحر سهل عليه أن يرفع هذه القشرة الرقيقة برأسه، ويخرج.
هذا أصل النفاق، من نافقاء اليربوع.
والنفاق لم يكن معروفًا قبل الإسلام، ولا في أول الإسلام؛ لأن أول الإسلام ليس هناك قوة للمسلمين يخافها الناس، لكن لما صار للمسلمين شوكة وقوي المسلمون، وذلك بعد انتصارهم في غزوة بدر في السنة الثانية بدأ النفاق يظهر.
وقال المنافقون: إن أمره قد اشتد، وظهر فلا بد أن نداهنه، ولا بد أن نُظهر أننا معه حتى لا ينالنا بسوء؛ وحصل لهم ما أرادوا، فإن الرسول ﷺ لم ينلهم بسوء حتى إنه استؤذن في قتلهم فقال: «لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر بن عبد الله.]].
لكن هذا لا ينفعهم؛ إذن أول ما ظهر النفاق متى؟ حين قوي المسلمون بعد غزوة بدر.
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. ﴿بِأَنَّ﴾ متعلق بـ﴿بَشِّرِ﴾، و﴿عَذَابًا﴾ اسم (أن)، و﴿لَهُمْ﴾ خبرها مقدم.
﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: مؤلما؛ فما هذا العذاب الأليم؟
سيأتي في آخر الآيات قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء ١٤٥].
* في هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا أن نصارح المنافقين بأن نبشّرهم سواء بلفظ: أبشروا، أو بلفظ: اعلموا بأن لهم عذابًا أليمًا حتى يرتدعوا عن نفاقهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافقين مستحقّون للعذاب الأليم؛ لقوله: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ﴾، و(اللام) هذه للاستحقاق.
* ومن فوائد هذه الآية أيضًا: أن عذابهم مؤلم موجع.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences