Ibn 'UthayminAn‑Nisa · 4:141–142

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:141–142

4:141Page 101

ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحٞ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَٰفِرِينَ نَصِيبٞ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَيۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا ١٤١

Those who wait [and watch] you. Then if you gain a victory from Allāh, they say, "Were we not with you?" But if the disbelievers have a success, they say [to them], "Did we not gain the advantage over you, but we protected you from the believers?" Allāh will judge between [all of] you on the Day of Resurrection, and never will Allāh give the disbelievers over the believers a way [to overcome them].1

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١٤١]، فهم جمَّاعون منَّاعون كذَّابون خدَّاعون؛ انظر: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾، التربص: الانتظار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة ٢٢٨] أي: ينتظرن، يتربصون من أيش؟ الدوائر، ينتظرون الدوائر؛ هل هي عليكم أو لكم.

يقول: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾، قالوا: نريد من هذا الفتح، نحن معكم لا تحرِمونا الغنيمة.

﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾، ولم يقل: فتح؛ لأن ما يُعطاه الكفار ليس فتحًا، ولكنه محنة، ﴿إِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا﴾ أي: للكافرين.

﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: لولا نحن لأهلككم المؤمنون، لكن نحن منعناكم منهم، واستحوذنا عليكم، وصرنا درعًا لكم، شوف كيف المنافق -والعياذ بالله- إن كان النصر للمؤمنين ماذا يقولون؟

* طالب: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾.

* الشيخ: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾، يعني: فإذا كنا معكم أعطونا نصيبنا، أعطونا من الغنيمة، وإن كان الأمر بالعكس؟

* طالب: يستحوذون على المؤمنين.

* الشيخ: يستحوذون على المؤمنين ويمنعونهم من المؤمنين؟!

* طالب: يقولون: الحمد لله؛ إذ لم نكن معهم؟

* الشيخ: الحمد لله إذ لم نكن معهم؟! لا.

* طالب: ﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

* الشيخ: نعم، ﴿نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾، يعني: نسيطر، ونكون درعًا لكم، ونمنعكم من المؤمنين، ما هي بـ عن المؤمنين، من المؤمنين، يعني: نحن الذين حميناكم من المؤمنين، ولولا نحن لقتلكم المؤمنون؛ فهم يدَّعون أنهم مع المؤمنين ويطلبون الغنيمة، ويدَّعون أنهم حماة الكفار من أجل أن يكونوا أولياء لهم.

قال تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، الفاء للتفريق، واسم الله الكريم مبتدأ، و﴿يَحْكُمُ﴾ جملته خبر.

﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، يعني: وبين هؤلاء المنافقين والكفار أيضًا.

﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: متعلق بـ ﴿يَحْكُمُ﴾، والمراد بيوم القيامة هو يوم البعث، وسُمِّي بذلك؛ لأمور، وهي؟

* طالب: أنه يوم يقوم فيه الأشهاد.

* الشيخ: أنه يوم يقوم فيه الأشهاد.

* الطالب: أنه يوم يُقام فيه العدل.

* الشيخ: أنه يوم يُقام فيه العدل.

* الطالب: يوم (...).

* الشيخ: نعم، أحسنت.

﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ سبحان الله! الخصم يخبَر بنتيجة الحكم قبل أن يحاكم؟ الآن نحن -إن شاء الله تعالى- نحن الآن خاصمون للكفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، بعد أن قال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، أيّ حكم أبلغ من هذا؟ يقال للخصم: حاكم، وليس لخصمك عليك سبيل، فَحُكِم للخصم قبل الحكومة؛ لأن الأمر واضح منتهٍ، ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.

* من فوائد الآية الكريمة: بيان شدة عداوة المنافقين للمؤمنين؛ لكونهم يتربصون بهم أيش؟ الدوائر، ينتظرون الساعة التي يكون فيها الضرر على المؤمنين، لكن قال الله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح ٦].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنافقين لهم حظ من المغنم، من أين يؤخذ؟ قوله: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ دلَّ هذا على أن المنافق يعامَل بالظاهر، فيعطَى ما يُعطاه المسلم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنافقين عندهم مِنَّة، وفي أنوفهم أنَفَة، إن كان الفتح للمسلمين طالبوا بالغنيمة، وإن كانت للكفار مَنُّوا عليهم، ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: فأعطونا من النصيب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الدعوى الكاذبة للمنافقين؛ لأنهم هم الذين منعوا الكفار منهم؛ لكونهم كثَّروا سوادهم، وساعدوهم في الباطن، وأثلجوا صدورهم بأيش؟ بالنصر.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء والحكم بين الناس؛ لقوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وهذا حكم لا حكم بعده.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الكافر ليس له سبيل على المؤمن مهما كان الأمر، فليس للكافر سبيل، أرأيتم لو أن المسلم أحرق نخيلهم، وأمات رَكوبهم، هل يأثم؟ لا، ما يأثم.

* طالب: الكفار؟ نعم.

* الشيخ: ما داموا كفارًا، طبعًا، ما داموا كفارًا حربيين، لا يأثم؛ لأن مالهم مباح، أما المعصوم وهو الذمي، والثاني المعاهَد، والثالث المستأمِن، فهؤلاء أموالهم محترمة.

* من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى هو الحكم بين العباد، بدليل قوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، فالله يحكم ولن يجعل، وعلى هذا فلا حكم يوم القيامة لأحد، حتى للرسول ﷺ، لا يستطيع أن يحكم، ولهذا عند الشفاعة لا يستطيع الرسول عليه الصلاة والسلام أن يشفع بدون أن يستأذن من الله.

* هل يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أن المحاكمة بين الكفار والمؤمنين في الدنيا قد يكون فيها الحق للكافر؟ قد يكون، وجهه؟

* طالب: أن يوم القيامة ما فيه سبيل.

* الشيخ: نعم، أن الله نفى أن يكون له سبيل في يوم القيامة، أما في غير يوم القيامة فالناس كلهم تحت العدالة.

* طالب: شيخ، بارك الله فيكم: ما كنت قلت الفائدة في الدعوى الكاذبة للمنافقين بدعواهم بأنهم كثَّروا سواد الكافرين ومنعوهم من المؤمنين؟

* الشيخ: إي نعم، وجه الكذب أنهم ادعوا أن هذا التكثير هو سبب النصيب الذي حصل للكافرين.

* الطالب: يا شيخ، أليس الظاهر أنه هكذا ينوي يساعدون مثلًا، يخونون المؤمنين، ويثبِّطون المؤمنين، فيكونون سببًا للنصر؟

* الشيخ: لكن هل هذا هو نفسه الذي به صار لهم نصيب؟

* الطالب: من الأسباب.

* الشيخ: إي، من الأسباب، لكن ليس كل شيء.

* طالب: هل يا شيخ، بارك الله فيك، يُستفاد من الآية السابقة: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ﴾ فبدأ بالمنافقين، أي: بأنهم أشد وأخبث من الكفار؟

* الشيخ: إي نعم، تدل على ذلك، وجميع الآيات اللي فيها الجمع بين المنافقين والكفار يقدم الله فيها المنافقين ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب ٧٣]، إلا في حال واحدة، أو في آية واحدة؛ لسبب، وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة ٧٣]، وذلك لأن جهاد الكفار بالسلاح علنًا، جهاد المنافقين بالعلم والبيان، وليس بالقتال.

* الطالب: الكافر والمستهزئ.

* الشيخ: من أين؟

* الطالب: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.

* الشيخ: نعم، إحنا قلنا في درس التفسير: إن الحكم يدور مع العلة.

* الطالب: شيخ إذا كَنِيَ عن إنسان أن المجلس سوف يقع فيه الاستهزاء بآيات الله عز وجل هل يذهب حتى يقع الاستهزاء أو يمتنع أفضل.

* الشيخ: إذا علم أن هذا المجلس سيكون فيه استهزاء أو كفر فإننا ننظر إذا كان يستطيع أن يغيِّر ذلك وجب عليه الحضور، وإذا كان لا يستطيع حرُم عليه الحضور؛ لأن كونه يحضر ثم يخرج زيادة عناء، وربما يُحدث شرًّا وفتنة.

* طالب: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ قد يقول قائل يا شيخ: الاستهزاء بالآيات ليس بكفر؟

* الشيخ: لا، لكن الخوض نوعان: الكفر الصريح والاستهزاء.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٤٢ - ١٤٤]

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ ما معنى التربص؟ الانتظار؛ يعني؟ ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة ٢٤] وماذا يتربصون بالمسلمين؟

* طالب: يتربصون بهم الدوائر.

* الشيخ: يتربصون بهم الدوائر، يعني ينتظرون دائرة السوء على المؤمنين.

ما معنى قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾؟

* الطالب: يعني إن كان هناك انتصار للمسلمين قالوا: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي لم (...) وكنا معكم على هذا (...).

* الشيخ: وماذا يريدون بهذا القول؟

* الطالب: يقتسموا معهم الغنائم.

* الشيخ: أن يشاركوهم في المغانم، ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

* طالب: قوله: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ألم نحطكم ونمنعكم من هزيمة المؤمنين لكم، يريدون بذلك أن يوهِموا الفريق الآخر أنهم السبب في انتصارهم على المؤمنين.

* الشيخ: قوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، هذا يوم القيامة أو الآن؟

* طالب: في الدنيا، ويحتمل الدنيا والآخرة.

* الشيخ: يحتمل القولين، أي يعني المعنيين؟ اقرأ الآية عشان تعرف السياق.

* الطالب: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، في الدنيا.

* الشيخ: اقرأ ما قبل هذه الجملة.

* الطالب: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.

* الشيخ: ما الذي يتبين الآن؟

* الطالب: يتبين أنه في الدنيا.

* الشيخ: أنه في الدنيا؛ لأن الله يحكم بينهم يوم القيامة، ولن يجعل لهم سبيلًا في الدنيا.

* الطالب: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾.

* الشيخ: لكن ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.

* طالب: (...).

* الشيخ: هذا يوم القيامة؛ لأنه قال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ﴾، ثم قال: ليس للكافرين سبيل على المؤمنين ، فيكون هذا في يوم القيامة، لكن من العلماء من جعل حكمها عامًّا كما أسلفنا لكم وبيَّنَّا الفوائد في هذه الآية.

4:142Page 101

إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٤٢

Indeed, the hypocrites [think to] deceive Allāh, but He is deceiving them. And when they stand for prayer, they stand lazily, showing [themselves to] the people and not remembering Allāh except a little,

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، الجملة مؤكَّدة بـ (إن) لبيان حال هؤلاء المنافقين ومعاملتهم مع الله عز وجل، يخادعون الله، يعني والمؤمنين أيضًا، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة ٩]، وبماذا يخادعون؟ بإظهار الإسلام، فإن من رآهم ورأى حضورهم الصلاة وصدقاتهم قال: إنهم مؤمنون، فهم يخادعون الله بهذا.

قال تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ يعني أن الله يقابل خداعهم بخداعٍ من عنده، وكيف مخادعته إياهم؟ أنه يُمْلِي لهم حتى يستمروا على هذا ويستمرئوه، فيبقون كفارًا مع شياطينهم، مسلمين مع المؤمنين، ويعصمون بهذا النفاق دماءهم وأموالهم، وهذا هو خداع الله تعالى لهم؛ أنه يملي لهم ليستمرُّوا في نفاقهم، ثم بالتالي يختم لهم بسوء الخاتمة.

﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾، ﴿إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أيّ صلاة كانت يقومون كسالى، والكسلان هو الذي يكون عنده فتور وعدم نشاط على الفعل، فهم إذا قاموا قاموا كسالى، تجدهم يتثاقلون الوضوء، يتثاقلون الذهاب إلى المسجد، يتثاقلون الصلاة نفسها، وذلك لعدم رغبتهم في الصلاة، ووجه هذا أن من كان راغبًا في الشيء فلا بد أن يقوم إليه نشيطًا.

﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ يعني مع كونهم يقومون كسالى لا يُخْلِصون في قيامهم، وإنما يراؤون الناس أي يُظهروا أنفسهم بهذا المظهر ليراهم الناس، فيقولوا: إنهم مسلمون، ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ يعني: لا يصلُّون أو لا يذكرون الله في صلاتهم؟ الثاني، يعني حتى إذا صلوا لا يذكرون الله إلا قليلًا.

والمراد لا يذكرونه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم إلا قليلًا، فلا يذكرون الله بألسنتهم؛ لأنهم لا يأتون بالواجب من تكبير وتسبيح وتحيات وغيرها، وكذلك لا يذكرون الله بأفعالهم، فلا يطمئنُّون في الصلاة، ينقرونها كنقر الغراب؛ لأنها ثقيلة عليهم وهم لا يأتونها من رغبة، ولا يذكرون الله بقلوبهم؛ لأن قلوبهم ساهية غافلة، يؤدون الصلاة كأداء الماكينة بدون أن يشعروا بأنهم يناجون الله عز وجل، إذن ﴿لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ في الصلاة، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني بالقلب واللسان والجوارح.

* في هذه الآية الكريمة: إثبات خداع المنافقين، وأنهم قوم أهل خداع ومكر، ولهذا كان من صفات المنافقين أنهم إذا عاهدوا غدروا، وإذا خاصموا فجروا، وإذا حدَّثوا كذَبوا، وإذا وعدوا أخلفوا؛ لأن كل هذا يتضمن الخداع.

* ومن فوائدها؛ الآية الكريمة: إثبات الخداع لله عز وجل، أي أنه جلَّ وعلا يخدع من يخادعونه؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، وهل الخداع صفة ذم أو صفة مدح؟

في ذلك تفصيل: إن كان في مقابلة من يخادع، فهو صفة مدح؛ لأنه يدل على قوة المخادع، وأن عدوَّه لن يمكر به؛ لأنه أشد مكرًا من عدوه وأشد خداعًا، كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ [يونس ٢١]، وقال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران ٥٤].

أما إذا كان ليس له سبب، بل هو خداع في موضع الائتمان، فإنه لا يسمَّى خداعًا، وإنما يسمَّى خيانة، وهذا عيب بكل حال؛ ولهذا لا يوصف الله بالخائن إطلاقًا، حتى الذين يخونون الله لا يقابلهم الله بالخيانة، كما قال تعالى: ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال ٧١]، ولم يقل: فخانهم، ووجه ذلك أن الخيانة خداع في موضع الائتمان، حتى إن الرسول ﷺ قال: «لَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن هذا ذم، فلا يوصف الله به.

فإن قال قائل: هل يوصف الله بالخداع مطلقًا، فيقال: إن الله خادِع أو مُخادِع؟ قلنا: لا، لا يوصف إلا في مقابلة خداع أعدائه، وكذلك المكر والكيد والاستهزاء، ونحوها من الصفات التي تكون مدحًا في حال دون حال، فإنه لا يجوز أن يوصَف الله بها على سبيل الإطلاق.

وعلى هذا فنقول: المعاني والأوصاف إما أن تكون كمالًا محضًا، فهذا يوصَف الله به، وإما أن تكون ذمًّا ونقصًا محضًا، فهذا لا يوصَف الله به مطلقًا، وإما أن تكون مدحًا في حال، وذمًّا في حال، فهذا يوصَف الله به حين يكون مدحًا، ولا يوصَف به حين يكون ذمًّا.

وعلى هذا لو أن أحدًا وصف الله بالعجز، نقول: إن هذا حرام بكل حال؛ لأن العجز صفة ذم، وكذلك لو وصفوه بالخيانة قلنا: هذا حرام بكل حال؛ لأن الخيانة ذم بكل حال، طيب، متكلِّم؟ الكلام كمال، فيوصَف الله بأنه متكلم، مُريد كذلك، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧] كذلك؛ لأن كل هذه صفات كمال.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المنافقين يصلُّون، لكن هل تُقبل منهم صلاتهم؟ لا، لا تُقبل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة ٥٤]، مع أن النفقة نفعها متعدٍّ، ومع ذلك لا تُقبل، فكيف بالعبادة التي نفعها غير مُتعدٍّ؛ فإنها من باب أولى أن لا تُقبل، فصلاتهم لا تُقبل، لكن هم يصلُّون مراءاةً للناس.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنهم إذا أدوا الصلاة مراءاة يؤدونها أيش؟ بكسل وبرودة وعدم نشاط.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أدى الصلاة على وجه الكسل ففيه شبه بالمنافقين، فاحذر أن تكون مشابهًا للمنافقين، أدِّ الصلاة بنشاط وفرح وسرور، ووالله إن المؤمن حقًّا ليفرح إذا أقبلت الصلاة؛ لأنه سوف يقف بين يدي الله يناجيه، وإذا كان الواحد منا يفرح أنه سيلاقي صديقه أو خليله، ويعدُّ لذلك العدة، فما بالك بملاقاة الله عز وجل ومناجاته.

ولهذا إذا رأيت من نفسك كسلًا في الصلاة فاتهم نفسك، فأنت بلا شك مشابِهٌ للمنافقين في هذه الخصلة، لكن اتهم نفسك، عدِّل مسيرتك إلى الله عز وجل، لا تتهاون؛ لأنه ربما يكون عندك تهاون الآن، تهاون بسيط، لكن يزداد حتى تكون الصلاة عندك أثقل شيء.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من راءى الناس بعمله الصالح ففيه شبَه ممن؟ من المنافقين، والرياء بابه واسع، ليس في الصلاة، أو النفقة، أو الصوم، أو الحج، لا، أوسع من هذا، حتى الإنسان لو أنه لبس ثيابًا رثَّة ليظهر للناس بمظهر الزاهد فهو أيش؟ فهو مُرَاءٍ، ولذلك لا تظن أن الرياء يختص بالعبادات المحضة، قد يكون في أي شيء، كل شيء تُظهر للناس أنك تتقرب به إلى الله ليراك الناس فإنه رياء -والعياذ بالله- رياء مُحبِط للعمل؛ لأن الله يقول في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، فالله غني عنا، نحن المضطرُّون إليه، وهو في غنى كامل عنا، فإذا أشركنا بالله -نعوذ بالله من الشرك- إذا أشركنا به أحدًا فإنه لن يقبله منا، هو أغنى الشركاء عن الشرك.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من مراءاة الناس، ترائي الناس ليش، الناس ينفعونك؟ لا، ولا يضرونك، إنما الذي ينفعك ويضرك هو الله عز وجل، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل ٥٣]، لا تهتم بالناس؛ مدحوك أو قدحوا فيك، أهم شيء أن تنظر إلى رضى الله عز وجل، أبْعِد بُعدًا تامًّا عن الرياء.

ولكن هنا مسألة: وهو أن الشيطان يأتي للإنسان فيقول: إن صليت فقد راءيت، وإن حسَّنت صلاتك فقد راءيت، وهو بعيد من هذا، فهل يترك تحسين الصلاة خوفًا من ذلك؟ أو يترك العبادة خوفًا من ذلك؟ لا، هذا من مُثَبِّطات الشيطان للإنسان، ولكن ليشُقّ طريقه، وليستمر، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يلتفت إلى هذه الوساوس؛ لأن الشيطان يتمنى أن لا نعبد الله؛ لأنه عصى الله، فيريد أن يعصي الناسُ ربهم أيضًا.

فلا تترك العبادة من أجل الرياء، ثم إن طرأ على بالك أنك تحسِّنها من أجل رؤية الناس إياك فإن كنت طالب علم يُقتدَى به فانوِ أنك تحسِّنها من أجل أن يقتدي الناس بك، وتكون في هذه الحال عابدًا معلِّمًا؛ فإن الرسول ﷺ «كان إذا أتاه وفد يطلب منه أن يبيِّن له كيفية الصلاة يقول: «صَلِّ مَعَنَا» »[[لم نقف على حديث بهذا المعنى، والذي وجدناه حديث السؤال عن المواقيت، والحديث أخرجه مسلم (٦١٣ / ١٧٦) من حديث بريدة بن الحصيب.]]، وكان يصعد على المنبر حين بُنِيَ له، يقوم يصلي عليه، ويقول: «فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧٧)، ومسلم (٥٤٤ / ٤٤) من حديث سهل بن سعد.]]، وبهذا تطرد الشيطان عنك.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ذكر الله تعالى عند المنافقين قليل، قلنا: إن الذكر يكون بالقلب، واللسان، والجوارح، فهم لا يذكرون الله إلا قليلًا، حتى في الجوارح الظاهرة التي تظهر للناس لا يذكرون الله إلا قليلًا.

* ومن فوائدها: أنك إذا رأيت من نفسك قلة في ذكر الله فإن فيك شبهًا بالمنافقين؛ ولهذا وصف الله المؤمنين أولي الألباب بأنهم ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١٩١]، وما يضرك إذا ذكرت الله، هل اللسان يتعب؟ ليس هناك عضو كاللسان في عدم التعب، فإذا كان كذلك فأكثِر من ذكر الله، ويُرْوَى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم« أن رجلًا أتاه فقال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي » -يعني: وقد كبرتُ- «فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ»[[أخرجه الترمذي (٣٣٧٥)، وابن ماجه (٣٧٩٣) من حديث عبد الله بن بسر.]]، يعني أَدِم ذكر الله.

* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن المنافقين يذكرون الله، لكن أيش؟ لكن ذكرهم قليل.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском