Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:149–152
4:149Page 102
إِن تُبۡدُواْ خَيۡرًا أَوۡ تُخۡفُوهُ أَوۡ تَعۡفُواْ عَن سُوٓءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّٗا قَدِيرًا ١٤٩
If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allāh is ever Pardoning and Competent.1
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ هذه هي الجملة الشرطية، وجواب الشرط قيل: إنه محذوف، وقيل إنه قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، وإن هذه الجملة وإن كان ظاهر الحال أنها لا رابطة بينها وبين الشرط لكنها تدل عليه، وسنتكلم إن شاء الله على هذا.
قال: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾، ﴿تُبْدُوا﴾ أي: تظهروا، ومن أين عرفنا أن الإبداء بمعنى الإظهار؟ من ذكر مقابله، وهو قوله: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾.
وهذه قاعدة مفيدة في التفسير، أنه ربما يخفى عليك معنى بعض الكلمات فانظر إلى ما يقابلها، فقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١] لو أن أحدًا سألك: ما معنى (ثبات)؟ لعرفت معناها من ذكر معادلها؛ وهو قوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، فيكون معنى (ثبات) أي: فرادى.
إذن تظهروا خيرًا أو تخفوه فلم تعدموا أجره، فسوف تؤجَرون عليه؛ لأن الخير مطلوب ونافع، سواء كان مُبْدًى أو مُخْفى، في مقابل ذلك ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾، ﴿تَعْفُوا﴾ العفو هو الإبراء من التبعة، فالمعنى: ﴿تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ أي: تبرئوا من أساء إليكم من تبعة سوئه.
وقوله: ﴿عَنْ سُوءٍ﴾ أي: عما يسوء من قول أو فعل، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أي أنه ذو عفو مع القدرة على الانتقام ممن أساء، فإذا كان الله تعالى عافيًا عمن أساء مع القدرة فأنتم ممن باب أولى أن تعفوا؛ لأنكم ليس لديكم من القدرة على الانتصار للنفس والانتقام من المجرم كالذي عند الله عز وجل.
يقول تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾.
* نستفيد من هذا فوائد:
* أولًا من الفوائد: أن الخير خير، سواء أُبدي أو أُخفي، فإن قيل: أيما أفضل: الإبداء أو الإخفاء؟ فقد يقول قائل: الإخفاء أفضل، وقد يعارَض قولُه بكون الله تعالى بدأ بالإظهار؛ قال: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾، وإنما يُبدأ بالأهم فالأهم. ولكن الذي يظهر أن ذلك راجع إلى المصلحة، فإن كانت المصلحة في الإظهار أظهر، مثل أن يكون رجلًا ذا أسوة إذا أظهر ما عنده من الخير تأسى به الناس وفعلوا فعله، فهذا طيب، سواء كان ذلك على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص، بأن يتصدق على شخص معين حتى يراه الناس أنه يتصدق عليه فيقتدوا به؛ لأن كثيرًا من الناس الآن لا يتصدق على أحد إلا إذا علم أن الجهة الفلانية تصدقت عليه؛ كجمعية البر الخيرية مثلًا. إذن نقول: الإبداء والإخفاء يرجع إلى المصلحة، فإن لم تظهر المصلحة الراجحة في الإبداء فالإخفاء أفضل؛ لقول النبي ﷺ فيمن يظلهم الله في ظله: «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة.]].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإحسان إلى الغير إما بإعطاء الخير ظاهرًا أو خفيًّا، وإما بدفع السوء، وذلك بالعفو عنه؛ لقوله: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾، فالعفو عن السوء خير، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، فيستفاد من ذلك فضيلة العفو عن السوء، ولكن هل نقول: إن العفو أفضل مطلقًا، أو تبع المصلحة؟ الثاني، تبع المصلحة.
ولهذا قيّد الله العفو في مكان آخر بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، فإذا كان في العفو إصلاح فهو أفضل، وإن كان في العفو إفساد فالانتصار أفضل، فمثلًا لو كان هذا الرجل شريرًا لو عفونا عنه لازداد في شره واعتدائه على الناس، فهنا الانتصار أفضل؛ أولًا: لإعطاء النفس حظها؛ لأن النفس تحب أن تنتصر لا شك، وثانيًا: لكف شره عن الناس، فيكون هنا الانتصار أفضل، وأما إذا تساوى الأمران فلا شك أن العفو أفضل؛ أولًا: لما فيه من الإحسان إلى المسيء، وثانيًا: لأن الله تعالى يحب العافين عن الناس.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنك إن عفوت عن الخلق عفوًا في محله فأبشر بعفو الله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ يعني فمتى عفوتم عفا الله عنكم، وهذا له شواهد كثيرة في الشريعة؛ منها قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]، ومنها: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠ / ٥٨) من حديث ابن عمر.]] ومنها: الجزاء من جنس العمل، والشواهد لهذا كثيرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضل الله سبحانه وتعالى بالعفو عن حقه، حتى إنه جل وعلا يغفر لمن لا يشرك به شيئًا مجانًا؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، حتى وإن عظمت الذنوب فإن الله تعالى يغفرها إن شاء فضلًا منه.
* ومنها: أن عفو الله تعالى أكمل أنواع العفو؛ لأنه عفو مع القدرة؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، ويتولد من الجمع بين العفو والقدرة يتولد أيضًا صفة كمال، وهو أن الله سبحانه وتعالى عافٍ مع القدرة على الانتقام، وهذا هو العفو الحقيقي، أما العفو مع العجز عن الانتقام فليس بعفو، لو أن أحدًا اعتدى عليك وهو أقوى منك بدنًا وأضخم منك جسمًا، فكّرت قلت: إن أخذت بحقي فأخشى أن يزيد بالضرب والعدوان، لكن يا فلان الله يسامحك، أيش هذا العفو؟ عفو مع العجز، عفو مع العجز، فإن كان فيه احتمال أن يأخذ بحقه فله أجر بقدر هذا الاحتمال، وإن لم يكن فيه احتمال فليس له أجر، اللهم إلا أن يكون بإدخال السرور على المعتدي فيما لو ارتدع عن العدوان وفكّر فإذا هو يشعر بأن المعتدى عليه كان قد سامحه فيطمئن قلبه، فهنا قد يؤجر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله، وهما: العفو -بتشديد الواو- والقدير، فيدلان على إثبات صفة العفو والقدرة؛ لأن القاعدة في باب الأسماء والصفات أن كل اسم متضمن لصفة ولا عكس.
4:150–151Page 102
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠
Indeed, those who disbelieve in Allāh and His messengers and wish to discriminate between Allāh and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١
Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، والكفر بالله ورسله أن يكفر الإنسان بما يجب الإيمان به، سواء كان كفرًا بالوجود؛ بوجود الله، أو كفرًا بربوبيته بأن ادعى أن معه ربًّا، أو كفرًا بألوهيته؛ بأن عبد معه غيره، أو كفرًا بأسمائه وصفاته؛ بأن أنكرها وجحدها، المهم الكفر بالله هو جحد ما يجب الإيمان به في جانب الله، ﴿وَرُسُلِهِ﴾ كذلك؛ جحد ما يجب نحوهم، هذا الكفر بالرسل.
﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ لم يقل: إن الذين يؤمنون بالله يكفرون بالله؛ لأن إذا كفروا بالبعض كفروا بالجميع، ﴿وَيُرِيدُونَ﴾ أي: بهممهم، ﴿أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فيؤمنون بالله ويكفرون بالرسل، أو يؤمنون بالرسل بعضهم دون بعض، كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾، وهذا كثير، فمثلًا النصارى يدّعون أنهم يؤمنون بالله، أليس كذلك؟ يدعون أنهم يؤمنون بعيسى وموسى ومن سبقهما، هكذا يقولون، لكن يكفرون بمحمد ﷺ، وهو أفضل الرسل، ففرّقوا بين الله ورسله، آمنوا بالله وكفروا بالرسل، وفرّقوا كذلك بين الرسل، فآمنوا ببعضهم وكفروا ببعضهم.
﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي طريقًا يوصلهم إلى الله، يظنون أنهم بهذا العمل سلكوا طريقًا حسنًا يوصلهم إلى الله عز وجل، ولكنهم كما قال الله تعالى: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف ١٠٤، ١٠٥].
﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، (أولاء) مبتدأ، و(هم)؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: لا، ما يمكن تأتي (هم) خبرًا، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾.
* الطالب: ضمير فصل.
* الشيخ: ضمير فصل.
فإن قال قائل: أفلا يجوز أن تكون مبتدأ و(الكافرون) خبر المبتدأ، والجملة خبر المبتدأ الأول؟
قلنا: هذا جائز، لكنه خلاف الأولى؛ لأن ظاهر القرآن أن ما بعدها خبر ما قبلها، قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠] ولم يقل: هم الغالبون، فدل هذا على أن مثل هذا التركيب تكون فيه (هو) ضمير فصل، لا محل له من الإعراب.
الثاني: أننا إذا قلنا: إنها ضمير فصل لا محل لها من الإعراب، صرنا لا نفتقر إلى جملة تكون خبر المبتدأ، صار المبتدأ والخبر جملة واحدة، والأصل في الأخبار أنها مفرد غير جملة، يقول عز وجل: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
إذن (هم) ضمير فصل. وضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء:
أولًا: التوكيد، ثانيًا: الحصر، ثالثًا: التمييز بين الخبر وبين التابع؛ لأنه إذا جاء ضمير الفصل تعين أن ما بعده خبر، وإذا لم يأت احتمل أن يكون خبرًا وأن يكون تابعًا، فإذا قلت: (زيد الفاضل في الدرس) فهنا يحتمل أن (الفاضل) صفة، أليس كذلك؟ فيكون المعنى أن زيدًا الفاضل في الدرس حاضر، فإذا قلت: (زيد هو الفاضل في الدرس) تعين أن تكون خبرًا وحصرته في الفضل، فقلت: زيد هو الفاضل ومحلّه بالدرس.
على كل حال ضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء..
* طالب: يفيد التوكيد والحصر والفصل بين الخبر وما تبعه.
* الشيخ: تمام بارك الله فيك.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، ﴿حَقًّا﴾ هذه منصوبة، ولكن ما معناها، أو ما إعرابها على الأصح؟ نقول: إعرابها مصدر مؤكِّد لمضمون الجملة، مضمون الجملة ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، أثبت الله لهم أنهم الكفار حقًّا، فتأتي (حقًّا) مؤكِّدة لمضمون الجملة؛ وذلك لأن أحقية هؤلاء للكفر مفهومة من قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فإذا جاءت (حقًّا) صارت مؤكدة لمضمون الجملة، وصار عاملها محذوفًا وجوبًا، عامل هذا مصدر لمعنى محذوف وجوبًا، فلا يصح أن يقال: أولئك هم الكافرون أُحِق ذلك حقًّا، لا يصح؛ وذلك لأنها مؤكِّدة لمضمون الجملة، فكانت مضمون الجملة كأنها الفعل المحذوف، ولا يُجمع بين هذا وهذا، ولهذا ذكر ابن مالك وغيره من العلماء أن المصدر المؤكَّد بمضمون جملة قبله يجب حذف عامله.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أي: هيّأنا، فهي بمعنى أعددنا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]، وهنا قال: ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾، وفي هذه السياق ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ خروج عن مقتضى السياق؛ إذ مقتضى السياق أن يقال: أعتدنا لهم، أولئك هم الكافرون حقًّا وأعتدنا لهم؛ لأنه متى أمكن الإتيان بالضمير فإنه لا يؤتى بغيره، فإنّ ذِكْر الضمير أوضح في الجملة وأخصر، لكن هنا عُدِل عن الإتيان بالضمير إلى الإتيان بالظاهر المطابق لوصفه، فما هي البلاغة في هذا؟
البلاغة أن هذا إظهار في مقام الإضمار، والإظهار في مقام الإضمار له فوائد؛ منها: قصد التعميم، ومنها: تطبيق الوصف على مرجع الضمير الذي كان من مقتضى السياق أن يؤتى بضمير، كلام عربي ولّا عجمي، لا، إذن نبطي!! فوائد الإظهار في موضع الإضمار أيش؟
* طالب: إرادة العموم.
* الشيخ: إرادة العموم؛ لأنه لو قال: أعتدنا لهم عذابًا مهينًا، صار هذا خاصًّا بهم، لكن ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ كل كافر سواء هؤلاء أو غيرهم.
الفائدة الثانية: تطبيق الوصف على مرجع الضمير الذي لولا هذا الظاهر لكان أيش؟ موجودًا، فأين مرجع الضمير لو كان هناك ضمير؟ هؤلاء الذين قالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٩٨]، لم يقل: عدو له، الذي هو مقتضى السياق لهاتين الفائدتين هما: إرادة العموم والحكم على هؤلاء بالوصف الذي هو الكفر، وفي الآية هذه ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. الفائدة الثالثة وهي مراعاة الفواصل، فواصل الآيات.
* طالب: قلنا: مراعاة فواصل الآيات، أين مراعاة فواصل الآيات؟
* الشيخ: في قوله في آية البقرة.
* طالب: جملة جواب الشرط ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ قلنا: إن فيها إشكالًا سوف تتعرضون لحله؟
* الشيخ: نعم، هذه قيل: إن جواب الشرط محذوف، إن تبدوا خيرًا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإنكم مجازون على ذلك، وقيل: إن الجواب يغني عن هذا، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ وهو الأحسن؛ لأنه ما دام الحكم معلومًا فلا حاجة للتقدير.
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني الرجوع عن إقراره، هذه إن شاء الله تعالى إذا صرت قاضيًا وأشكلت عليك فلا بأس أن تسأل عنها العلماء، ممكن تكون قاضيًا الآن، أقول: إذا كنت قاضيًا ووردت عليك هذه المسألة وأشكلت عليك فاسأل العلماء، هذه المسألة (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢) يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء ١٥٠- ١٥٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر ببعض الرسل كفر بالجميع؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: غلبة الهوى على كثير من الناس؛ لأن هؤلاء الذين يفرقون بين الله ورسله، أو يؤمنون ببعض الرسل دون بعض، لا يحملهم على ذلك إلا الهوى، فاليهود يقولون: لا نؤمن بغير موسى، والنصارى يقولون: لا نؤمن بغير عيسى، من مجرد الهوى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفر ببعض الرسل كفر بالجميع، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥]، مع أن نوحًا كان أول الرسل، ومع ذلك جعل تكذيب قومه له تكذيبًا لجميع الرسل؛ لأن التكفير بالرسول كأنه تكفير بالجنس، أي بجنس الرسالة، وإلا فما الفرق بين محمد وعيسى وموسى وإدريس ونوح، وما أشبه ذلك؟
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المفرّقين يقولون: إننا نتخذ بين ذلك سبيلًا، يعني: لنرضي هؤلاء وهؤلاء، وهذا لا ينجيهم من عذاب الله ولا ينجيهم من الكفر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ذم تلك الطريقة، أي الإيمان بالبعض دون بعض، وأن هذا منهج قبيح.
* فيتفرع على هذا: ذم أهل الكلام الذين أرادوا أن يجمعوا بين الدليل السمعي والعقلي في صفات الله، وقالوا: إننا أخذنا بهذا وهذا من أجل التوفيق بين الأدلة، وهم خالفوا الأدلة كلها، هم أرادوا الجمع بين دليل السمع والعقل، ولكنهم في الحقيقة خالفوا السمع والعقل كما هو معروف من مناظرتهم والرد عليهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وعيد الكفار بالعذاب المهين.
* ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنهم إنما فرّقوا بين الرسل استكبارًا وهوى، فأُعِدّ لهم العذاب الذي يهينهم ويخذلهم، ولهذا قال: ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
* ومن فوائدها: أن الإظهار في موضع الإضمار لا يعد تطويلًا بلا فائدة، وجه ذلك أن الضمير أخصر من أيش؟ من الظاهر، فلا يقول القائل: إن الإتيان بالظاهر في موضع الضمير تطويل وزيادة بلا فائدة، فنقول: بل هو فائدة، وقد ذكرنا فيما سبق أن من فوائد الإظهار في موضع الإضمار أيش؟ قصد العموم، وتطبيق الوصف على أولئك الذين يعود الضمير عليهم لو كان موجودًا، فيه فائدة ثالثة لكن نحن قلنا: من فوائد، لكن فيه فائدة ثالثة وهي بيان عِلية الحكم، فمثلًا: ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ لو قال: أعتدنا لهم، لم يتبين لنا لماذا أُعِد لهم هذا العذاب، لكن إذا قال: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ كأن هذا الوصف يفيد العلية، أي أن العلة في إعداد العذاب المهين لهم هو الكفر.
4:152Page 102
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٥٢
But they who believe in Allāh and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾.
لما ذكر الله عز وجل حال الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ذكر حال الذين يجمعون بالإيمان بين الجميع، والقرآن هكذا، إذا ذكر حالًا ذكر ما يضاده؛ إذا ذكر عقوبة ذكر المثوبة؛ لأنه مثاني تثنَّى فيه المعاني، فيؤتى بهذا ثم بهذا، ولأن التنويع مما يشد النفس والذهن إلى ما يُتلى أو يُسمع، ولأجل أن يكون سير الإنسان إلى الله عز وجل بين طرفي النقيض: الإفراط والتفريط؛ لأن الإنسان لو غلّب جانب الرجاء لحصل له الأمن من مكر الله، ولو غلّب جانب الخوف لحصل عليه القنوط من رحمة الله واليأس.
يقول عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، والإيمان بالله سبق عدة مرات ماذا يتضمن، والإيمان بالرسل كذلك، والإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام الإيمان بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله عز وجل، وأما الإيمان بشرائعهم فإن الشريعة الإسلامية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم نسخت جميع الشرائع، لكنّا نؤمن بأن شرائعهم من عند الله عز وجل.
﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ في أصل الإيمان، لا في العمل، في أصل الإيمان، نؤمن بالجميع، وأنهم حق كلهم، رسالتهم حق من عند الله، أما العمل فقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨].
ووجه ذلك أن أصل الإيمان شيء واحد، وهو الإيمان بالواحد القهار عز وجل، وأما الشرائع فإنها تختلف باختلاف الناس وأحوال الناس، والعموم والخصوص، فلهذا جعل الله لكل شرعة ومنهاجًا، حتى الشريعة الإسلامية في أول أمرها ليست كالشريعة الإسلامية في آخر الأمر، ففي أول الأمر ليس هناك صوم ولا زكاة ولا حج، ثم فرضت الصلاة والصوم والحج والزكاة؛ لأن الله عز وجل يشرع الشرائع حسب ما يليق بأحوال الناس.
وقوله: ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني في أصل الإيمان، يقولون: إيماننا بمحمد وإيماننا بنوح على حد سواء، بمعنى أننا نؤمن بأن الرسولين الكريمين وكذلك من بينهما من الرسل كلهم على حق ومن عند الله، وهذا في أصل الإيمان كما قلت لكم، أما في الشرائع فتختلف.
﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ أتى باسم الإشارة هنا تعظيمًا لهم، وجاءت بصيغة البعيد لعلوّ منزلتهم.
وقوله: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ﴾ سوف والسين تتناوبان على الفعل المضارع كثيرًا، لكن هناك بينهما فرق؛ السين للتحقيق والتقريب، و(سوف) للتحقيق مع البعد، فهذا الفرق بينهما، كلاهما يدل على التحقيق، لكن السين للقريب و(سوف) للبعيد.
فهل إيتاء أجورهم كان بعيدًا؟
الجواب: هو بعيد قريب؛ أما من جهة امتداده وأن الله تعالى يجازيهم شيئًا فشيئًا ثم يأتي الجزاء الأوفى يوم القيامة فهو لا شك أنه بعيد، وأما كون كل آتٍ قريب فهو قريب كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى ١٧].
وقوله: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، أي: ثواب أعمالهم، وسمى الله ثواب الأعمال أجورًا تكرمًا منه وفضلًا عز وجل، كأنه استأجر هؤلاء على عمل عملوه ثم أعطاهم أجرهم، كالإنسان يستأجر أناسًا ليبنوا له بناءً، فإذا بنوه أعطاهم أجورهم، وهذا يعني أن الله عز وجل التزم وألزم نفسه سبحانه وتعالى بأن يثيب هؤلاء، ولا مانع من أن يكون الله تعالى ألزم نفسه بما شاء، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤] وقد قال الأول:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِـــــــعُ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَهْوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِعُ
هذا قاله الأول، ولكن ابن القيم رحمه الله قيّد هذا فقال:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَالشَّانِ
فجعل عليه حقًّا واجبًا لكن هو الذي أوجبه.
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُلِلرَّحْمَـــــــــــــــــــــــــــنِ
أو قال: لِلْمَنَّانِ.
فالحاصل أن الله تعالى سمى الثواب أجرًا تكرُّمًا منه وفضلًا، كأن العاملين لأنفسهم عاملون له إذا انتهى عملهم أوفاهم أجورهم.
وقوله: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ لم يبين هنا مقدار الأجر، لكنه بيّنه في مواضع كثيرة في القرآن، وكذلك في السنة، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، لما كان هؤلاء المؤمنون بالله ورسله والذين لم يفرقوا بين أحد منهم، لما كانوا قد يخطئون ختم الله هذه الآية بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾، ولما كان هذا الإيمان المطابق من فضله ورحمته أردف المغفرة بأيش؟ بالرحمة، فهؤلاء لا بد أن يقصّروا، ولا أحد إلا يقصّر، فختم الآية بالمغفرة، ثم هذا الإيمان الذي حصل لهم ليس بكسب أيديهم، ولا من عمل أيديهم، ولكنه من رحمة الله عز وجل، فلذلك ناسب أن تُختم الآية بالغفور الرحيم.
* من فوائد هذه الآية الكريمة، أولًا: أن القرآن الكريم مثانٍ، إذا ذكر شيئًا ذكر ضده؛ للوجوه التي ذكرناها في الشرح.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أنه لا بد أن نؤمن بالله وجميع الرسل، ولكن كيف الإيمان وبمن نؤمن؟ أما الإيمان فكيفيته أن نؤمن بأصل الرسالة، وأنهم رسل حق من عند الله عز وجل، وأما الشرائع فأيش؟ فتختلف، لكل منهم شرعة ومنهاج، أما من نؤمن به فيجب علينا أن نؤمن بكل من ذكر الله في القرآن باسمه وعينه؛ لأنهم عُيِّنُوا لنا، وما لم يعيّن فنؤمن به إجمالًا؛ لأننا نؤمن أن من الرسل من لم يقصصهم الله علينا، فنؤمن بهم إجمالًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز أن نفرق بين أحد منهم، وذلك في أصل الإيمان، طيب هل نفرق بينهم في الفضل ونقول: هذا الرسول أفضل من هذا الرسول؟ نعم يجب علينا أن نفضل بينهم؛ لأن الله أخبر ذلك في كتابه، فقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة ٢٥٣]، وعلى هذا ما سبب التفضيل؟ وهل هو توقيفي أو نظري عقلي؟ سبب التفضيل ما حباهم الله به من المناقب والفضائل وكثرة الأتباع وما أشبه ذلك، أما هل هو توقيفي أو عقلي نظري فنقول: هو توقيفي، لكننا إذا علمنا أن الله فضّل هذا الرسول على ذاك إما أن نعلم السبب ويتضح، وإما ألا نعلم.
ولهذا قال العلماء: إن أولي العزم من الرسل خمسة، أولهم محمد ﷺ، وفضّله الله على غيره لما له من المناقب العظيمة التي لم يدركها أحد، والفضائل التي خصه الله بها، والأتباع الذين لا يوجد مثلهم في جميع أتباع الرسل، بل هم ضعفَا أتباع الرسل كلهم؛ لأن الرسول «أخبر بأن الجنة اثنتا عشرة صفًّا، ثمانية من هذه الأمة»[[أخرجه الترمذي (٢٥٤٦)، وابن ماجه (٤٢٨٩) من حديث بريدة بلفظ: «أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِئَةُ صَفٍّ..».]]، وهذا يعني أن هذه الأمة تعدل جميع الأمم وتزيد، وتزيد أيش؟ الضِّعف. ثم إبراهيم عليه الصلاة والسلام، بعد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذان الرسولان الكريمان هما خليلَا الرحمن، ولم تثبت الخُّلة فيما نعلم لأحد سواهما. ثم موسى؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كابَد من المشقة مع فرعون ومع بني إسرائيل ما لم يتبين لنا في رسول سواه.
بقي عندنا عيسى ونوح، أيهما أفضل؟ منهم من قال: إن نوحًا أفضل؛ لأن نوحًا عليه الصلاة والسلام بقي يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وحصل منهم من السخرية به والاستهزاء به ما هو معلوم في القرآن والسنة، وعيسى كابد بني إسرائيل، وبنو إسرائيل هم أشد الناس عتوًّا وطغيانًا، كما يظهر ذلك فيمن تدبر القرآن والسُّنّة، فحصل عنده المشقة إلى حد أن بني إسرائيل جعلوا أمه زانية، وجعلوا عيسى ولد زنا -والعياذ بالله- قاتلهم الله، فحصل له عليه الصلاة والسلام من المضائق، وحصل له من المناقب والكرامات ما لم نعلم أنه حصل لنوح.
ولو قال قائل: إما أن نجعلهما على حد سواء، وإما أن نتوقف، لكان هذا خيرًا؛ لأنه ليس هناك أشياء تميز تمامًا أيهما أفضل.
المهم أن إيماننا بالرسل يدخل فيه الإيمان بما حباهم الله تعالى به من الفضائل، وأن نفضل بعضهم على بعض، وهذا لا يضر، ولكن إذا أدى هذا التفضيل إلى خصومة ونزاع واحتقار رسولنا إذا فضلناه على رسول الآخرين فإنه يجب التوقف والسكوت، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٣١)، ومسلم (٢٣٧٦ / ١٦٦) من حديث أبي هريرة بلفظ: «لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»، أما لفظ الشيخ: قال ابن أبي العز في شرحه على الطحاوية (١/٢٤٤): الحديث بهذا اللفظ لم يروه أحد من أهل الكتب التي يعتمد عليها.]]، مع أن يونس عليه الصلاة والسلام خرج مغاضبًا لقومه قبل أن يؤذَن له بالخروج، ولهذا نجوا لما آمنوا حين جاءهم العذاب؛ لأن نبيهم لم يبقَ فيهم، فأنجاهم الله.
فالمهم أنه لو قُدِّر أننا نريد أن نفاضل بين محمد وموسى وعندنا يهود، ولو فضلنا محمدًا لذهبوا يفضّلون موسى ويحتقرون محمدًا، فحينئذ يجب الكفّ.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء ١٥٣- ١٥٥].
* الشيخ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [النساء ١٥٢] * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله وعد هؤلاء الذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم؛ وعدهم الأجور ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾.
* ومن فوائدها: تمام منة الله سبحانه وتعالى على العباد؛ حيث سمى الثواب أجرًا، ومن المعلوم أن الأجر ثابت لزومًا للمستأجر، ومن الذي أوجب هذا الأجر؟ أوجبه الله تعالى على نفسه، وهذا يدل على تمام فضل الله عز وجل ومنته، أما كيف هذه الأجور فإن الله تعالى بيّنه في كتابه وكذلك السنة، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ويختلف الأجر باختلاف الأشخاص واختلاف النيات واختلاف المتابع.
أما اختلافه باختلاف الأشخاص فكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[أخرجه البخاري (٣٦٧٣) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، هذا لأنهم أصحابه، فهذا باعتبار الأشخاص.
وكذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن أيام الصبر «أن للعامل فيهن أجر خمسين من الصحابة»[[أخرجه أبو داود (٤٣٤٣)، والترمذي (٣٠٥٨) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]]، الواحد عن خمسين من الصحابة، والمراد أن ما يلحقه من المشقة في العمل يقابل خمسين مرة من أعمال الصحابة؛ لأن الصحابة كلهم مؤمنون، كلهم مستقيمون، لكن أيام الصبر كل الناس على خلاف هذا الرجل الذي قام بطاعة الله فهو غريب بينهم، ومن المعلوم أنه إذا كان غريبًا بينهم فسوف تشق عليه العبادة، فمن أجل ذلك صار للعامل فيهن أجر خمسين واحدًا من الصحابة، وهذا لا يعني الفضل المطلق على الصحابة؛ لأن هؤلاء فاقوا الصحابة في المشقة فقط، في مشقة العمل عليهم، أما الفضل المطلق فهو للصحابة.
ويكون أيضًا بحسب الإخلاص، يكون بحسب الإخلاص أي الأجر، فمن كان أخلص لله كان أكثر ثوابًا، حتى إن الله قال في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» »[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]].
وكذلك يختلف باختلاف المتابعة، فمن كان للرسول ﷺ أتبع كان أجره أكثر، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٩)، والترمذي (٢٦٧٦) من حديث العرباض بن سارية.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله: الغفور الرحيم؛ الغفور في مقابل الذنوب، والرحيم في مقابل الثواب والحسنات.
حتى إن الله قال في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]].
وكذلك يختلف باختلاف المتابعة، فمن كان للرسول ﷺ أَتْبَعَ كان أجرُه أكثرَ؛ حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، وأحمد (١٧١٤٤) من حديث العرباض بن سارية.]]
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله: الغفور، الرحيم؛ الغفور في مقابل الذنوب، والرحيم في مقابل الثواب والحسنات؛ لأن المغفرة تتعلق بالذنب ، والرحمة تتعلق بحصول المطلوب من الثواب والأجور.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences