Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:43–45, continued
واختلف العلماء فيما إذا كان من غير جنس الأرض: كالشجر هل يجوز التيمم به أو لا؟ فمنهم من أجاز التيمم به، ومنهم من قال: لا يجوز إلا إذا كان متصلًا بالأرض، فأما الغصن المنكسر المرمي في الأرض فإنه لا يتيمم به، وهذا هو الأقرب، وعلى هذا فلو تيمم الإنسان بجزع شجرة متصل بالأرض فلا بأس، ولكن لا شك أن تيممه على نفس الأرض أولى وأحوط وأبعد عن الخلاف.
واختلف العلماء رحمهم الله هل يشترط أن يكون له غبار أو لا؟ فقال بعض العلماء: لا بد أن يكون له غبار؛ لقوله تعالى في آية المائدة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة ٦] و(مِن) للتبعيض، وهذا يقتضي أن يكون هناك غبار يمسح به.
ومنهم من قال: لا يشترط أن يكون له غبار واستدلوا بالآية هذه ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء ٤٣] ولم يقل: منه، واستدلوا بأنه ثبت عن النبي ﷺ «أنه لما أرى عمار بن ياسر كيف يتيمم ضرب بيديه الأرض ونفخ فيهما»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨ / ١١٢) من حديث عمار بن ياسر.]]، ولو كان الغبار شرطًا لم ينفخ؛ لأن النفخ يلزم منه أن يطير الغبار، والصواب أنه لا يشترط الغبار وأن الإنسان إذا تيمم على الأرض صح تيممه سواء كان فيها غبار أم لم يكن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد من المسح، المسح مع القصد؛ لقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، ﴿فَامْسَحُوا﴾، وعلى هذا فلو هبت الريح وحملت ترابًا ووقف الإنسان أمام الريح صمد لها حتى مُلِئَت وجهه من الغبار ومسح وجهه فهل يجزئ ذلك أو لا؟
قال بعض أهل العلم: إنه يجزئ، والأحوط أن لا يجزئ؛ وذلك لأن الله أمر بأن نقصد وجه الأرض ونمسح منه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في التشريع، وجه ذلك: أن الله فرَّق بين طهارة الماء وطهارة التيمم؛ طهارة الماء من الجنابة لا بد أن تعم أيش؟ جميع البدن، ومن الحدث الأصغر لا بد أن تعم الأعضاء الأربعة: الوجه، واليدان، والرأس، والرجلان.
أما طهارة التيمم فإنها لا تكون إلا في عضوين فقط وهما: الوجه، واليدان، ولا فرق فيها بين الطهارتين: الكبرى، والصغرى، والحكمة من ذلك هو أن الطهارة بالماء فيها تطهير، تطهير حسي واضح، وطهارة التيمم فيها تطهير معنوي وهو كمال التعبد والتذلل لله عز وجل بحيث إن الإنسان يمسح بالتراب وجهه وكفيه، وهذا دليل على كمال التعبد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الترتيب بين مسح الوجه في التيمم ومسح اليدين، أيهما يقدم؟ الوجه؛ والدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أقبل على الصفا: «﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ « أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر.]] وفي لفظ للنسائي: «ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه النسائي في المجتبى (٢٩٦٢) من حديث جابر.]] وإذا كان الله بدأ هنا بالوجوه فإننا نبدأ بها وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، منهم من قال: يشترط الترتيب في التيمم مطلقًا سواء تيمم عن حدث أصغر أم عن حدث أكبر. ومنهم من قال: لا يشترط الترتيب مطلقًا سواء تيمم عن حدث أصغر أو عن حدث أكبر. ومنهم من قال: إن كان عن حدث أصغر وجب الترتيب، وإن كان عن حدث أكبر لم يجب؛ قالوا: لأنه إن كان عن حدث أصغر كان بدلًا عن طهارة يجب فيها الترتيب والبدل له حكم المبدل، وإن كان عن غسل فالغسل لا يشترط فيه الترتيب فيكون بدله لا يشترط فيه الترتيب وهو التيمم. والأحوط؟ الأحوط أن يرتب فيبدأ بالوجه ثم باليدين.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يجب في التيمم مسح الذراع؛ لقوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ وأطلق، واليد عند الإطلاق هي الكف؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨] وقد أجمع العلماء على أن السارق لا تقطع يده إلا من مفصل الكف ولا تقطع من المرفق، وهنا أطلق الله تعالى اليد كما أطلقها في القطع بالسرقة، وإذا أطلقت فالمراد الكف.
فإن قال قائل: أفلا يجب المسح إلى المرفق قياسًا على الوضوء؟ نقول: القياس لا بد فيه من مساواة الفرع بالأصل، وهنا لا يمكن تساوى الفرع والأصل للتباين العظيم بين طهارة التيمم وطهارة الماء؛ فكما ترون أن طهارة التيمم أخف بكثير من طهارة الماء لا يجب إلا أن يطهر كم؟ عضوين فقط، والطهارة متساوية في الحدث الأصغر والأكبر، والطهارة أيضًا ليس فيها مضمضة ولا استنشاق ولا إيصال التراب إلى ما تحت الشعور ولو كانت خفيفة، والفرق بين طهارة الماء والتيمم كبير جدًّا، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح القياس.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل: العفو، والغفور، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
* ومن فوائدها: إثبات ما دل عليه هذان الاسمان من الصفة وهي: العفو والمغفرة.
فإن قال قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ هل هذا الوصف كان لله ثم زال؟
فالجواب: لا. كلمة (كان) فعل ماض؟! نقول: لأنها في هذا السياق وشبهه قد سلبت عنها الدلالة على الزمن، وكان المراد بها تحقيق الاتصاف بما دلت عليه، وهذا في القرآن كثير بالنسبة لأسماء الله وصفاته.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض الناس يستدل بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة ٦] الآية أن المضمضة والاستنشاق ليسا بواجبان؟
* الشيخ: وجه الدلالة؟
* الطالب: قالوا: لأن الذين يقولون بأن المضمضة والاستنشاق واجبة بالوضوء، يقولون: أن الأنف والفم من الوجه، فهل الله سبحانه وتعالى أو ثبت عن رسول الله ﷺ أنه أمر الذين تيمموا بالمضمضة والاستنشاق أن يتيمموا بالتراب؟
* الشيخ: أسمعتم ما قال؟ يقول: بعض العلماء أو بعض الناس استدل بهذه الآية على أن المضمضة والاستنشاق ليسا بواجبان. فنقول: نعم نحن نوافقهم على أن المضمضة والاستنشاق في التيمم ليسا بواجبان وكيف يستنشق التراب أو كيف يتمضمض به؟ أما الوضوء فإن النبي ﷺ كان يواظب على المضمضة والاستنشاق ولم يرد عنه حديث لا صحيح ولا ضعيف بأنه تركه، بل قال للقيط بن صبرة: «بَالِغْ بِالْاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صِائِمًا»[[أخرجه أبو داود (١٤٢) ، (٢٣٦٦)، والترمذي (٧٨٨)، والنسائي في المجتبى (٨٧)، وابن ماجه (٤٠٧) من حديث لقيط بن صبرة.]] وقال: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ»[[أخرجه أبو داود (١٤٤) من حديث لقيط بن صبرة.]] وقال: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ عَلَى أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لْيَسْتَنْثِرْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]]. أوامر، ثم نقول أيضًا: طهارة التيمم فيها نقص أعظم؛ أيضًا الرِّجل ما تغسل في طهارة التيمم، هل يقولون: إن الرجل ليس واجبًا غسلها؟
* طالب: لا يقولون، في سورة النساء ..
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: إن حكمه، دليله دليل..
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: هم يقولون: (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: سنة (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: الذين يقولون بأن المضمضة والاستنشاق واجبة أن الوجه يدخل فيه الأنف والفم.
* الشيخ: صحيح.
* الطالب: الله عز وجل ذكر هنا أطلق في آية التيمم.
* الشيخ: لكن هل يمكن أن الإنسان يستنشق التراب أو يتمضمض بالتراب؟ أنا عندي إن صح هذا القول عن أحد من أهل العلم، ففي عقله خبل، هذا إن صح.
* طالب: مؤذن أصبح جنبًا هل حكمه في وقت الآذان يعتبر منهي عنه؟
* الشيخ: هل أيش؟
* الطالب: مؤذن في المسجد حب يغتسل ويرجع هل يعد هذا (...) المنهي عنه؟
* الشيخ: لا، نقول: اغتسل ثم أذن وإن لم تفعل فتوضأ ثم أذن.
* * *
(...)
* الشيخ: لأيش؟
* طالب: عندي أسئلة يا شيخ، بعضهم يقول: (...)، والمعروف أن الجدار في السابق، طين لكن هل ينطبق على البوية الأن؟
* الشيخ: لا، البوية ما ينطبق عليها إلا على القول الثاني اللي يقولون: كل ما على وجه الأرض فهو صعيد.
* الطالب: وما هو الصيحيح يا شيخ؟
* الشيخ: هذا هو الصحيح.
* طالب: طبعًا، ذكرتم إنه لا يشترط في التيمم أن يكون هناك غبار، وذكرتم الأدلة بأن الرسول ﷺ نفخ في يده، فما الرد على من قال: إنه يجب أن يكون غبار واستدل بالآية التي في المائدة: ﴿مِنْهُ﴾ قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة ٦] وأن (منه) للتبعيض، فما وجه ردنا عليه؟
* الشيخ: الرد عليه أن يقال: (من) هنا تصلح للتبعيض، وتصلح لابتداء الغاية، وإذا احتمل بطل، إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، من يعين لنا أن (من) للتبعيض إذا قال: امسحوا بوجوهكم منه؟
* الطالب: الأصل يا شيخ.
* الشيخ: الأصل أيش؟ نعم؟
* الطالب: الأصل في ﴿مِنْهُ﴾ للتبعيض.
* الشيخ: لا، لها معان متعددة ويعين أحد المعاني السياق.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- هل يمكن أن نستفيد من دخول الصحابة وهم جنب إلى المسجد بعدم وجوب تحية المسجد؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: هل لي أن أقول: هل نستفيد بعدم وجوب تحية المسجد؟
* الشيخ: لا، ما نستفيد؛ لأن تحية المسجد إنما تجب على من دخل المسجد وهو أهل للصلاة، أما إذا دخل وهو غير متوضئ فإننا لا نقول: صَلِّ.
* الطالب: أسقطوا واجبًا (...).
* الشيخ: لا لا، أصلًا ما هي بواجب لذاتها، واجب على من دخل على وضوء ألا يجلس حتى يصلي ركعتين، هذا يعني القائلين بالوجوب، مع أن الذي يظهر لنا أنها ليست بواجبة.
* الطالب: اليد إذا أطلقت يراد بها الكتف تقيد من (...).
* الشيخ: يعني: على رأي هؤلاء؛ إذا سرق السارق قطع يده من الكتف.
* طالب: وتبينها السنة.
* الشيخ: لا، الآية مطلقة، ومَنِ الذي قال لهم: إن اليد إذا أطلقت، إلى الكتف؟
* طالب: شيخ، الدم الخارج من السبيلين لا ينقض الوضوء؟
* الشيخ: ينقض الوضوء، كل خارج من السبيلين فإنه ينقض الوضوء.
* الطالب: وإذا خرج من غير السبيلين؟
* الشيخ: من غير السبيلين لا ينقض الوضوء.
* طالب: أحسن الله إليكم، على قول الذي رجحتموه وهو أن الغبار لا يشترط في التيمم، أقول: ما يضطرد هذا مع القول بالتيمم على الجدران المصحوبة بالبوية؟
* الشيخ: البوية يقولون: إنه ليست من أصل الأرض، البوية -المعروف أنها- من البترول فهي تشبه الثياب التي تكسى بها الجدران، لكن من قال: إن كل متصل بالأرض فهو من الأرض، وهو مذهب مالك فإنه يصح التيمم عليه.
* الطالب: أما قاعدتكم فهي: أنه لا بد أن يكون من الأرض حتى يجز التيمم عليه.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: أحسن الله إليك، يا شيخ، ثبت عن ابن عمر أنه «ضرب للتيمم ضربتين، ومسح بها الوجه ويديه إلى المرفقين»[[أخرجه مالك في الموطأ (١٤٢). ]] ، فهل يؤخذ منها جواز التيمم ضربتين، وكذلك المسح..؟
* الشيخ: هذا اجتهاد منه، رضي الله عنه، لكن اجتهاد في مقابلة النص؛ لأنه ثبت في حديث عمران بن حصين «أن الرسول إنما مسح الكفين فقط».
* الطالب: أقول: فعل الصحابة ما يكون له حجة؟
* الشيخ: حجة في مقابل السنة؟!
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، يقال: هذا من اجتهاداته مثل ما كان -رضي الله عنه- يغسل داخل عينيه في الوضوء حتى عمي.
* طالب: هل الغلبة على العقل من إغماء أو سكر، هل هو ناقض للوضوء؟
* الشيخ: إي نعم، مثل النوم العميق.
* طالب: الوقوف هل هو من المكث أم من العبور (...)؟
* الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ هل الوقوف في المسجد مثل العبور أو مثل القعود؟
* الطلبة: القعود.
* الشيخ: قعود، هذا قعود، والدليل على هذا أن الرسول منع الحائض من الطواف بالبيت مع أنها تدور.
* طالب: في الحديث لا يجوز حتى تصلى ركعتين، ثم (...) يجوز.
* الشيخ: نحن نقول مثل هذا: لا، صلِّ ركعتين، نقول: هذا مثل القعود.
* طالب: شيخ، إذا كان في أحد الأعضاء جرح يعني ما يستطيع استعمال الماء وباقي الأعضاء سليمة، هل يتيمم ويعدل عن الوضوء ولا..؟
* الشيخ: يعني يضره الغسل والمسح؟
* الطالب: لا، بس يضره أنه..
* الشيخ: الغسل والمسح ولا الغسل فقط؟
* الطالب: نعم، الغسل والمسح.
* الشيخ: هذا يتيمم عنه، إلا إذا كان عليه جبيرة لفافة فإنه يسمح اللفافة.
* الطالب: ويغسل باقي الأعضاء؟
* الشيخ: ويغسل باقي الأعضاء حتى باقي العضو نفسه.
* الطالب: فيه دليل يا شيخ؟
* الشيخ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
* الطالب: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
* الشيخ: وهل استطاع أن يغسل باقي العضو ولَّا لا؟
* الطالب: بالنسبة لباقي الأعضاء يستطيع.
* الشيخ: إذن يجب عليه.
* طالب: شخص مجروح ولا يستطيع غسله ولا مسحه، ولكنه يستطيع أن يلف عليه لفافة ويمسح اللفافة، هل نقول: يتيمم أو يجب عليه (...)؟
* الشيخ: لا، يتيمم إلا إذا كان من مصلحة الجرح، إذا كان من مصلحة الجرح اللفافة، يلف عليه.
* الطالب: يجب؟
* الشيخ: إذا كان لمصلحته، معلوم لأنه: ﴿لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥].
* الطالب: والتيمم قبل أو بعد؟
* الشيخ: الصحيح، أما المذهب فالتيمم في محل غسل، إذا كان باليد فإذا غسل اليد السليمة تيمم ثم مسح رأسه، والصحيح أنه يجوز أن يكون بعد انتهاء الوضوء وأنه لا يشترط الترتيب في هذا.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما فيه شيء.
4:44–45Page 85
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ٤٤
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?
وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِأَعۡدَآئِكُمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّٗا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا ٤٥
And Allāh is most knowing of your enemies; and sufficient is Allāh as an ally, and sufficient is Allāh as a helper.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء ٤٤- ٤٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ الاستفهام هنا للتقرير؛ يعني: يقرر الله سبحانه وتعالى ذلك على وجه مشاهد مرئي يراه الرائي.
والخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يحتمل أن يكون للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويحتمل أن يكون لكل من يتوجه الخطاب إليه؛ أي: ألم تر أيها المخاطب ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾؟ أي: أعطوا نصيبًا، فـ ﴿أُوتُوا﴾ هنا تنصب مفعولين: المفعول الأول في هذا السياق هو الواو الذي هو نائب الفاعل، والمفعول الثاني هو قوله: ﴿نَصِيبًا﴾ والذي آتاهم نصيبًا من الكتاب هو الله عز وجل، وهذا النصيب من الكتاب هو التوراة والإنجيل، وعلى هذا فيشمل اليهود والنصارى لكن في اليهود أعظم؛ لأنهم هم الذين كانوا في المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ أي: يطلبونها شراءً، ومن المعلوم أن المشتري طالب للسلعة جاد في طلبها حتى حصلها بالشراء، وهذا أبلغ مما لو قال: يسلكون الضلالة؛ لأن الشراء يُنْبِئ عن رغبة وطلب حتى يصل الإنسان إلى ما أراد، يشترون الضلالة بماذا؟ بالهدى كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة ١٦].
وهل هذا الشراء شراء رابح؟ لا، هذا الشراء أخسر أنواع الشراء؛ ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة ١٦].
﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ هذا باعتبار ما يختارونه لأنفسهم، وهل شرهم قاصر؟ استمع ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ مع شرائهم للضلالة واختيارهم إياها وحرصهم عليها، يريدون أن ينقلوها أيضًا إلى غيرهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: الطريق إلى الله عز وجل وهو دين الإسلام، وإذا كانت هذه إرادتَهم فسوف يسعون إلى حصول مرادهم بكل وسيلة؛ ولهذا نجد أن الكفار أعداء المسلمين يسعون إلى إضلال المسلمين بكل وسيلة، تارة بالانحلال الخلقي، وتارة بالدمار العسكري، وتارة بالأفكار السيئة الرديئة، هم يَرَوْنَ السلاح الذي هو أنكى فيستعملونه، ولا يبالون؛ يعني: لو أن الأمر أفضى إلى العدوان المسلح لفعلوا؛ لأنهم يريدون أن نضل السبيل.
فإن قال قائل: لماذا يريدون أن نضل السبيل؟ نقول: لأنهم ضلال، وكل إنسان يريد أن يكون الناس على شاكلته، هذا من وجه، من وجه آخر أنهم أولياء للشيطان، والشيطان قال لله عز وجل يخاطب الله: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف ١٦، ١٧] وتأمل قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ﴾ ولم يقل: على صراطك، ولا في صراطك، حذف حرف الجر؛ ليشمل قعوده على الصراط حتى لا ندخل، وقعوده في الصراط حتى لا نتم السير، وهو كذلك هو يقعد لنا الصراط على الصراط خارجه حتى لا ندخل وفي الصراط داخله حتى لا نتم المسير، وهؤلاء هم أولياء الشيطان كما قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء ٧٦]، وإذا كانوا أوليائه فسوف يناصرونه على ما يريد من إضلال عباد الله.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ الله أعلم بأعدائكم منكم؛ لأننا نحن قد يخفى علينا العدو، وقد تخفى علينا تخطيطاته التي يريد بها أن يضلنا، ولكن الله تعالى له بالمرصاد.
ففي قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ تسلية لنا وتهديد لأعدائنا؛ لأنه إذا كان أعلم بأعدائنا فسوف يقينا شرهم إذا تولينا الله، وإن ولينا عن الله سلط علينا هؤلاء الأعداء.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ أي متولِّيًا للأمور، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ أي: مدافعًا وناصرًا.
* في هاتين الآيتين فوائد؛ أولًا: أن من الناس من يؤتى الكتاب ويرزق العلم، ولكنه لا ينتفع به؛ مثل هؤلاء أوتوا نصيبًا من الكتاب ومع ذلك لم ينتفعوا به؛ اشتروا الضلالة بالهدى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من لم ينتفع بعلمه فهو شبيه بهؤلاء، من آتاه الله علمًا فلم ينتفع به فهو شبيه بهؤلاء؛ ولهذا قال سفيان بن عيينة رحمه الله: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى.[[انظر الفتاوى لابن تيمية (٢ / ١٤٢) من حديث سفيان بن عيينة.]] وهذا صحيح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنها شاهدة لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (١ / ٢٢٣) من حديث أبي مالك الأشعري. ]] فكُتُبُ الله التي يَحْمِلُها الناس إما لهم وإما عليهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حب هؤلاء للضلالة والشر؛ لقوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾.
* ومن فوائدها: الحذر من هؤلاء، وأنهم مهما عملوا معنا فإنهم لا يريدون لنا الخير إطلاقا؛ لقوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ فهم قد يغدقون علينا من الأموال، ومن المصانع، ومن كل شيء، لكنهم ماذا يريدون أيش؟ يريدون إضلالنا، يريدون أن نضل السبيل، والغزو بالدنيا غزو بسلاح فَتَّاك؛ يعني: إغداق الدنيا على الإنسان ورفاهية الإنسان غزو بسلاح فتاك؛ لأن الإنسان كما قال الله تعالى عنه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠] فإذا أُغْدِقَ عليه المال الذي هو يحبه؛ فإن طبيعة الحال البشرية تقتضي أن يلين مع هذا الذي وفر عليه المال وأغدقه عليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على المسلمين بكونهم على السبيل؛ لأن قوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ لولا أنهم على السبيل ما حاولوا أن يضلوهم؛ لأن الضال ضال فأي شيء يحاول أن يفعل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من هؤلاء اليهود أو النصارى أو غيرهم؛ لأنه إذا حذرنا الله ممن أوتوا نصيبًا من الكتاب فتحذيرنا ممن هم عُمْيٌ صُمٌّ بُكْمٌ من باب أولى.
* ومن فوائد الآية الثانية: إثبات علم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: كمال علم الله..
* طالب: حيث جاء بها على صيغة التفضيل.
* الشيخ: نعم، حيث جيء بها على صيغة التفضيل ﴿أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية المؤمنين وتقوية عزائمهم؛ لكونه أعلم بأعدائنا وأنه ناصر لنا وولي لنا.
* ومن فوائدها: تهديد المشركين وتحذيرهم؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ لأننا لو فرضنا -ولله المثل الأعلى- أن أباك قال لعدوك: أنا أعلم بك وبعداوتك. فسوف يخاف ويحذر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد للمسلمين من عدو، بل من أيش؟ أعداء، وكما أسلفنا تعليقًا على الكلمة: كل من كان غير مسلم على أي ملة كان فإنه عدو للمسلمين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الله سبحانه وتعالى بالكفاية التامة في الولاية ويش بعد؟ والنصرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ ﴿وَلِيًّا﴾ منصوبة على أنها تمييز، محول عن الفاعل؛ لأن الكافي هو ولاية الله ونصرته، فهي تمييز محول عن الفاعل، والباء في قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾ قالوا: إنها زائدة، وأن الأصل: وكفى الله وليًّا، وكفى الله نصيرًا. (...).
* طالب: بارك الله فيك، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ ﴿أَعْلَمُ﴾ جاءت في عرض صفة تفضيل، والمعروف في اللغة أن التفضيل لا يكون إلا بين اثنين فيكف تخرَّج، وقد سبق -يا شيخ- أن بعض الناس يقول: إن (أعلم) بمعنى عالم؟
* الشيخ: بينا بطلان هذا، وقلنا: إن (أعلم) أبلغ من (عالم)؛ لأن (عالم) لا يمنع المشاركة أن يكون الله عالم، وفلان عالم، وفلان عالم.
* الطالب: ما فائدة هذا التأويل، لماذا صاروا إليه (...)؟
* الشيخ: ظنًّا منهم أنه إذا اشترك الخالق والمخلوق في العلم كان هذا دالًّا على المشابهة أو أنه على حد قول الشاعر:
أَلَمْ تَــــــــرَ أَنَّ السَّيْـــــــــفَيَنْقُـــــــــصُ قَــــــــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا
ولكن هذا غلط، نقول: حتى حياة الله عز وجل وعلمه وسمعه وبصره بينها وبين ما للمخلوق من ذلك اشتراك في الأصل، اشتراك في الأصل، لكن الخالق أكمل من المخلوق في هذا.
* طالب: يجوز نفاضل يعني؟
* الشيخ: يجوز، بل إن الله قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences