Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:46–48, continued
* طالب: قد يستدل أحد بآخر الآية على أن عوام الناس كفار من الباء السببية ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء ٤٦]، فيقول اليهود: لعنوا بكفرهم، فلا بد أن يأخذوا بالأدلة الصحيحة، وكذلك من اتخذ ندًّا من دون الله بسبب اتخاذهم الند من دون الله فإنه سبب له (...) عن قبول الحق، فكيف الرد عليهم؟
* الشيخ: هؤلاء يقولون: سمعنا وعصينا؟
* الطالب: الباء السببية ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ بسبب كفرهم..
* الشيخ: الكفر الصريح، هذا كفر صريح، بعد أن علموا قالوا: سمعنا وعصينا، ما قالوا: سمعنا ولم نفهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: الكفر نعم، لا شك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذا كان هل كل ذنب أطلق الله عليه الكفر، من كلامه على الذنب الذي أطلق عليه اسم الكفر ولكن لا يخرج من الملة، أفهمت؟
* الطالب: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ يا شيخ ما يصلح، يكون معناها: غير مطاع.
* الشيخ: يعني غير مسموع؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، ما يتناسب مع صيغة البنية، بنية الكلمة لا ما تناسب، لو قال: غير مسمِع صح، لو كان بكسر الميم صحيح، يعني ما ذكرته صحيح، أما إذا كان بالفتح السياق يأباه.
* طالب: شيخ، هنا ذكرت -حفظك الله- أن المنكر إذا أنكره المنكر، يعني جاء بشيء بدل هذا المنكر، طيب الآن مثلًا في بلادنا يجتمع الناس للعزاء، التعزية، ويفعل بهذا العزاء مثلا نسميه مقرئًا، فإذا جاء هذا الشخص الملتزم وجلس يمتنع هذا الشيء فيتحدث هو بحديث، ولكن هذا يتكرر سبعة أيام، هل يجوز؟
* الشيخ: لا، هو على كل حال مجابهة الناس بأمور اعتادوها، حتى صارت عندهم عقيدة مجابهة الناس بإنكارها صعب، لكن الأحسن بالتدريج.
* الطالب: يحضر الأيام كلها يا شيخ ولا يحضر يوم وينكر..
* الشيخ: يعني يبتدي يكون مثلًا يجلس معهم ثم يقول: لماذا أنتم جلوس، لماذا والرسول يقول: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٩٢)، ومسلم (٩٢٧ / ١٧) من حديث عمر بن الخطاب.]] «وَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٨٦)، ومسلم (٩٢٧ / ٢٣) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، هل ترضون أن أباكم أو أخاكم أو ابنكم يعذب؟!
* طالب: استنبطنا من قوله تعالى من قول اليهود: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ استنبطنا أنه من تعاليهم، وأن الله عز وجل صحح عبارتهم ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا﴾ وقلت يا شيخ حفظك الله: إنه هذا من الله عز وجل تجوزًا لهم، يعني من باب أنه جائز لهم، وإلا فإن اسمع.
* الشيخ: إي نعم، هي عادة لا تقال إلا من أعلى إلى أدنى، هذه العادة، حتى الخطاب الآن فيما بيننا لو قال: اسمع يا فلان، يعني فيه شيء من سوء الأدب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، بس هؤلاء عصاة لنا أن نتنزل معهم من باب التأليف.
* طالب: يؤخذ منها يا شيخ تعريف الكفر؟
* الشيخ: ذكرتم أن (اللذان واللتان) معربتان، وتعرب على المثنى، ولكن لن نستطيع أن نقول: إن بناءهما أقرب إلى الصواب لمشابهتهما للحرف شبهًا افتقاريًّا؟ ذكرنا أن هذا رأي جمهور النحويين، ولكن الصحيح أنهما معربان، والمشابهة هذه عرضها تغيرهما باختلاف العوامل، وهذا من خصائص الأسماء.
هذا يقول: مسبوق بركعة أو ركعتين، فجاء رجل متأخر وأراد الائتمام بهذا المسبوق، فهل تصح صلاته مع إمام مسبوق؟ الصحيح أنها تصح، لكن الأولى ترك ذلك، ففيها وجهان للعلماء، بعضهم قال: تصح، وبعضهم قال: لا، ولكن الصحيح أنها تصح ولكن لا ينبغي (...).
* طالب: ما الدليل على هذا؟
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: على أنها تصح.
* الشيخ: الدليل أنه يجوز أن ينوي الإنسان الائتمام في أثناء الصلاة، كما فعل ابن عباس مع الرسول ﷺ[[متفق عليه؛ البخاري (١١٧)، ومسلم (٧٦٣ / ١٨١) من حديث ابن عباس. ]].
4:47Page 86
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا ٤٧
O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Prophet Muḥammad (ﷺ)], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers.1 And ever is the matter [i.e., decree] of Allāh accomplished.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٤٧، ٤٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾، النداء في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، يراد به اليهود إرادة أولوية، وكذلك النصارى؛ لأنهم أوتوا الكتاب، والكتاب الذي أوتيه اليهود هو التوراة التي أنزلها الله على موسى، كتبها بيده سبحانه وتعالى، وأنزلها على موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما الكتاب الذي نزل على عيسى فهو الإنجيل.
﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ وهو القرآن، وقال: ﴿نَزَّلْنَا﴾؛ لأنه نزل شيئًا فشيئًا حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل، قال العلماء: والفرق بين (نزلنا) و(أنزلنا) أن (نزلنا) إذا اجتمعت مع (أنزلنا) صار المراد بها التفريق، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء ١٣٦] وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦] فالقرآن منزل تنزيلًا على حسب ما تقتضيه حكمة الله؛ إما أن تكون واقعة يتحدث الله عنها أو مشكلة يفتي الله تعالى بها، أو غير ذلك.
وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي للذي معكم، والذي معهم هو التوراة بالنسبة لمن؟
* طلبة: لليهود.
* الشيخ: والإنجيل بالنسبة للنصارى، وكيف هذا التصديق؟
التصديق له وجهان: الوجه الأول أنه مصدق لها، أي شاهد بما جاءت به، شاهد بما جاءت به وأنها حق، والقرآن مملوء من ذلك، من أن الكتب السابقة المنزلة على الرسل كلها حق، والثاني من الوجهين أنه مصدق لها، حيث جاء على وفق ما أخبرت به؛ لأن هذا القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد ذكرا في التوراة والإنجيل، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف ١٥٧] إذن التصديق له وجهان: الوجه الأول؟
* طالب: الوجه الأول أن في القرآن آيات تدل وتثبت صحة الكتب السابقة من التوراة والإنجيل.
* الشيخ: فهو مصدق لها، أي شاهد لها بالصحة، والوجه الثاني؟
* طالب: أنه شاهد لما جاءت به.
* الشيخ: هذا الأول.
* طالب: أنه مصدق لها، في حين أنه جاء بما أخبرت به.
* الشيخ: أنه جاء موافقًا لما أخبرت به هي، جاء هذا القرآن موافقًا لما أخبرت به، فهذا الوجه غير وجه الأول.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ هذا تحذير وتهديد، إذا تأخروا عن الإيمان يحصل لهم هذا ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، وهذا الطمس اختلف العلماء فيه: هل هو طمس معنوي أو طمس حسي، فقيل: إنه طمس معنوي، بحيث لا ترى الحق ولا تسمعه ولا تنتفع به، ويردها الله على أعقابها فتهوي في الكفر.
وقيل: بل هو طمس حسي، وذلك بأن تطمس الوجوه حتى تكون كخف البعير، ليس فيها عين ولا أنف ولا شفة ولا حاجب، بل هي كالقفا تمامًا، فكما أن قفا الرأس ليس فيه شيء من ذلك، فهذه أيضًا تطمس حتى تكون وجوههم كأقفائهم، ثم بعد ذلك ترد على الأدبار.
وقيل: المراد بالطمس طمس حسي، ولكن هو أن تلوى الأعناق، وتكون الوجوه من الخلف، وهذا معنى قوله: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، وكما قلنا لكم فيما سبق في القاعدة التفسيرية: إنه إذا كانت الآية تحتمل وجهين لا يناقض أحدهما الآخر، فإنها تحمل على الوجهين جميعًا؛ لأن كلام الله معناه واسع، فإذا كان اللفظ يحتمل هذا وهذا وليس بينهما مناقضة، فالواجب حمله على الوجهين، فهنا نقول: إن الله تعالى هددهم بالطمس الحسي والطمس المعنوي.
قال: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾، ﴿نَلْعَنَهُمْ﴾ أي نطردهم عن رحمتنا ونوقع بهم من النكال ما وقع بأصحاب السبت، والذي وقع بأصحاب السبت هو أنهم قيل لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] فكانوا قردة خاسئة ذليلة تتعاوى، والعياذ بالله.
والفرق بين التهديدين أن الأول إذا قلنا: إنه حسي خاص بجزء من البدن، وهو أيش؟ الوجه، أما الثاني فهو عام، تقلب الصورة كلها -والعياذ بالله- إلى صورة قردة.
يُذكر أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه لما سمع بهذه الآية أقبل مسرعًا ويده على وجهه يخشى أن يطمس؛ لإيمانه وتصديقه، حتى جاء إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وآمن به[[ذكره البغوي في التفسير (٢ / ٢٣١).]]. وكذلك يُذكر عن كعب الأحبار في عهد عمر رضي الله عنه[[ذكره البغوي في التفسير (٢ / ٢٣١).]]، فالله أعلم، ولكن لا شك أن المؤمنين منهم سوف يخافون هذا الأمر.
* فإن قال قائل: إنهم لم يؤمنوا ولم يقع بهم هذا التهديد، هم لم يؤمنوا ولكن لم يقع بهم هذا التهديد فما الجواب؟
* الجواب: أنه لما آمن بعضهم ارتفع هذا التهديد؛ لأن هذا التهديد معلق بما إذالم أيش؟ إذا لم يؤمن أحد منهم، وقيل: إن الله عز وجل هددهم بهذا، والتهديد قائم إلى يوم القيامة، فإذا قدر أنه لم يقع فيما مضى فإنه متوقع؛ لأن الله سبحانه وتعالى هددهم به ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾.
والوجه الأول قد يكون أقرب؛ لأن تهديد أهل الكتاب الذين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بأمر لا يكون إلا قبيل قيام الساعة لا معنى له ولا وجه له، فيقال: إنه لما آمن بعضهم رفع عنهم هذا التهديد وقامت الحجة على الباقين، حيث آمن من كان منهم واعترف بالحق.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ إي والله أمر الله مفعول، من يرد أمر الله؟ لا أحد يرده، فأمر الله لا بد أن يقع، والأمر هنا بمعنى المأمور، يعني كان مأمور الله -أي ما أمر به- مفعولًا، ويحتمل أن يكون الأمر هو الأمر الكوني، أي القضاء، ويكون المفعول هنا بمعنى الواقع، وأيا كان، سواء قلنا: إن الأمر بمعنى المأمور، وهذا لا بعد فيه؛ لأن الأمر مصدر، والمصدر يأتي أحيانًا بمعنى اسم المفعول؛ كقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، أي وأولات المحمولين؛ لأن الأحمال جمع حمل، والحمل هو الجنين في البطن. وكما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له من حديث عائشة.]]؛ أي: مردود. ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد:
* أولًا: وجوب الإيمان على أهل الكتاب بالقرآن الكريم؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا﴾.
* ومن فوائدها: إقامة الحجة على هؤلاء الذين أوتوا الكتاب وكفروا بمحمد، بأنه لا عذر لهم، كيف ذلك؟ لأنهم أوتوا الكتاب، فعندهم علم، ولأن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم مصدق لما معهم، فليس لهم عذر، كتابهم بين أيديهم، وهو وسيلة العلم، ثم مجيء هذا القرآن مصدقًا لما معهم يثبت أن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق، فوجب عليهم الإيمان به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن القرآن كلام الله، وجهه؟ ﴿بِمَا نَزَّلْنَا﴾.
* فإن قال قائل: التنزيل الذي يضاف إلى الله قد يكون في أمر مخلوق، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦]؟
* فالجواب عن ذلك يحصل بالتفصيل الآتي: وهو أن المنزل من عند الله ينقسم إلى قسمين: أعيان، وأوصاف:
فالأعيان بائنة منفصلة عن الله، فتكون أيش؟ تكون مخلوقة، مثل: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان ٤٨]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، فهذه أشياء أعيان بائنة منفصلة عن الله، فتكون مخلوقة.
والقسم الثاني: أوصاف لا تقوم إلا بموصوف، مثل: الكلام، الكلام صفة لا تقوم إلا بموصوف، فإذا أضاف الله إنزال الكلام إليه فهو من صفاته، وهي غير مخلوقة، وعلى هذا فالقرآن غير مخلوق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله، وجهه ﴿نَزَّلْنَا﴾؛ لأن النزول إنما يكون من الأعلى، وهو كذلك. وأدلة علو الله عز وجل سبقت لنا مرارًا، وقلنا: إن علو الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: قسم حسي، وقسم معنوي:
فالقسم المعنوي متفق عليه بين أهل الملة، حتى أهل التعطيل يدعون أنهم يعطلون تنزيهًا لله عن النقص، فالعلو المعنوي لا أحد ينكره من أهل الملة، كل أهل القبلة يقرون به. العلو الحسي الذاتي هو الذي أنكره من سوى أهل السنة والجماعة وقالوا: إن الله ليس عاليًا بذاته، بحجة باطلة.
وقد بينا فيما سبق أن العلو الذاتي قد دل عليه من الأدلة خمسة أنواع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، وبينا وجه ذلك، وهو معلوم لأكثركم، ومن لم يكن عنده علم فليرجع إليه في الأشرطة.
* ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن الكريم مصدق للكتب السابقة، يشهد لها بالصدق، وأنه مصدق لها حيث جاء مطابقًا لما أخبرت به، فهو لا يتنافى معها ولا يتنافر معها، لكن الشرائع تختلف باختلاف الأمم حتى باختلاف الأحوال، حتى في الشريعة الإسلامية الشرائع تختلف باختلاف الأحوال، أليس كذلك؟ الفقير لا زكاة عليه، والغني عليه الزكاة، وهذا اختلاف، كيف يقال: هذا الرجل الذي هو اسمه زيد عليه الزكاة وهذا الرجل اسمه عمرو لا زكاة عليه؟
نقول: نعم؛ لأن الأول غني والثاني فقير، الشرائع تختلف كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، لكن الأصول -أصول الملل- ثابتة واحدة، هذا الكتاب العزيز مصدق لما بين يديه.
وفي سورة المائدة بيّن الله عز وجل أنه مهيمِن على ما سبق، ومعنى مهيمن أيش؟ أي: مسيطر، الهيمنة على الشيء: السلطة والسيطرة، وإذا كان كذلك لزِم أن يكون ناسخًا لما سبقه.
* ومن فوائد هذه الآية: تهديد أولئك القوم -أعني بهم أهل الكتاب- إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن بهذين الوعيدين: طمس الوجوه، وردها على أدبارها، والثاني أن يلعنوا كما لعن أصحاب السبت.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحاشي التعبير بالمواجهة عند المؤاخذة، هنا قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾، ولم يقل: وجوهكم، وكان مقتضى السياق أن يقول: من قبل أن نطمس وجوهكم؛ لأنهم هم المهددون، لكن أتى بها على صيغة النكرة تحاشيًا لأيش؟ للمواجهة بالمؤاخذة، هذا من جهة، من جهة أخرى قد يقال: إن المراد بالتنكير هنا التعظيم، أي: وجوهًا معظمة عندكم، فتطمس، وهي وجوه زعمائهم الذين صدوهم عن سبيل الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإحالة على المعلوم تصح، ولو بلفظ الإبهام، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الإحالة على المعلوم تصح ولو بلفظ الإبهام.
* طلبة: قوله: ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾.
* الشيخ: ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾؛ لأن أصحاب السبت إذا قال قائل: ما هي اللعنة التي حلت بأصحاب السبت؟ ومن هم أصحاب السبت؟ نقول: ذكروا هنا على سبيل الإجمال؛ لأن أمرهم معلوم، وهذا يشبه ما يقول النحويون في (أل) التي للعهد الذهني.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يذكر نفسه بلفظ العظمة: ﴿نَطْمِسَ﴾ (نَرُدّ) (نَلْعَن) ﴿كَمَا لَعَنَّا﴾ ليش؟ لأن المقام يقتضي ذلك، المقام مقام تهديد، ولا بد أن يظهر المهدد أيش؟ عظمته أمام المهدد، وهذا في غاية البلاغة؛ مراعاة حال المخاطب، هذه هي البلاغة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز تغيير، بل استحباب أو تفضيل تغيير الأسلوب إذا اقتضت الحاجة ذلك؛ لقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾، ولم يقل: وكان أمرنا مفعولًا، ففي الآية التفات من الخطاب إلى أيش؟ إلى الغيبة؛ لأن ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ هذا تحدث عن غائب، لكن (نلعن) (نطمس) وما أشبه ذلك هذه تحدث عن متكلم، ففيه التفات من التكلم إلى الغيبة للتعظيم؛ لأن قول العظيم: فعل فلان كذا، يعني نفسه، أبلغ من قوله: فعلت كذا.
4:48Page 86
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا ٤٨
Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly fabricated a tremendous sin.
طالب: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء ٤٨، ٤٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ما المراد بقوله: ﴿بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾؟ أصحاب السبت معروفون لنا، الذين اعتدوا في السبت، فتحيلوا على صيد الحيتان حين حرم عليهم يوم السبت، وكانت تأتيهم شرعًا ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف ١٦٣]، فتحيلوا بنصب الشبك يوم الجمعة وأخذ الحيتان يوم الأحد؛ فقُلبوا قردة خاسئين.
ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ﴾ تحدث سبحانه وتعالى عن نفسه بصيغة الغائب تعظيمًا له، كما يقول الملك، إن الملك يقول لجنوده: إن الملك يأمركم أن تتجهوا إلى المكان الفلاني، فيكون هذا من باب التعظيم، يعني تحديث المتحدث عن نفسه بصيغة الغائب يعتبر تعظيمًا.
وقوله: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ المغفرة هي الستر مع التجاوز، ويدل لذلك -أي لكون المعنى مركبًا من الستر والتجاوز- يدل على ذلك الاشتقاق؛ لأن المغفرة مأخوذة من المغفر، وهو الذي يوضع على الرأس ويسمى البيضة يتقى به السهام، وإذا وضع على الرأس ويتقى به السهام صار فيه ستر أيش؟ ووقاية.
إذن ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي لا يتجاوز ولا يستر الإشراك به، وقوله: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، (أن) هذه مصدرية، و(أن) المصدرية من الحروف أيش؟ الموصولة، فتسبك وما بعدها بمصدر، ويكون التقدير على هذا: إن الله لا يغفر شركًا به، أو إشراكًا به، عرفتم؟ لا يغفر إشراكًا به، وإذا حولنا هذا الفعل مع (أن) إلى مصدر صار نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي للعموم.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ يشمل الإشراك في الربوبية والإشراك في الألوهية الذي هو الإشراك في العبادة، والثالث: الإشراك في الأسماء والصفات، فالله لا يغفره؛ لأن جانب التوحيد أعظم الجوانب حقًّا أن ينفى به، فإذا أخل به الإنسان فإن الله سبحانه وتعالى لا يغفره، بخلاف المعاصي الأخرى التي دونه، أو التي سوى الشرك، فإن الله تعالى يغفرها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، فمن اعتقد أن مع الله خالقًا أو معينًا فهو مشرك، أو أن لأحد من الناس من الخلق شيئًا ينفرد به دون الله فهو مشرك، يعني من قال: السماء لله والأرض لغير الله فهو مشرك، ومن قال: السماء والأرض مشتركة بين الله وغيره فهو مشرك، ومن قال: إن الله له معين في خلق السماوات والأرض فهو مشرك، وكل هذا لا يغفره الله؛ في العبادة: من سجد لغير الله أو نذر لغير الله أو ذبح لغير الله فهو مشرك، من أشرك بالله بالعبادة رياء فهو مشرك، فالرياء شرك بنص الحديث[[أخرجه ابن ماجه (٣٩٨٩) من حديث معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «إن يسير الرياء شرك»، وأخرج أحمد (١١٢٥٢)، وابن ماجه (٤٢٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري قال: «... الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي، فيزين صلاته، لما يرى من نظر رجل». وغير ذلك من الأحاديث.]].
إذن الرياء لا يغفر، كذلك من زعم أن لله مثيلًا في صفاته، وأن استواء الله على العرش كاستواء الانسان على السرير، وأن نزول الله إلى السماء الدنيا كنزول الإنسان من السطح إلى أسفل الدرجة، وما أشبه ذلك فهو مشرك، كل هذا لا يغفره الله.
﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ المراد بقوله: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي ما سوى ذلك، أو ما هو أصغر من ذلك؟ هل هو من الدون الذي هو الأصغر؟ أو من الدون الذي هو السوى؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: نشوف، إذا قلنا: ما سوى ذلك لزم أن يغفر الله كفر الجحود؛ لأنه سوى الشرك، فلو قال شخص: إن الله لم يرسل محمدًا ﷺ، هذا ليس بشرك، هو سوى الشرك لا شك، فهل هذا مغفور؟ أجيبوا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: إذن يتعين أن يكون معنى ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي ما هو أصغر من الدون الذي هو أقل، لا من الدون الذي بمعنى (سوى)؛ لأننا لو فسرناه بمعنى (ما سوى ذلك) لكان كفر الجحود داخلًا في الآية، وليس كذلك.
﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي للذي يشاؤه، فعلى هذا يكون الشرك وما كان بمنزلته من كفر الجحود ونحوه غير مغفور، وما دون ذلك فهو تحت المشيئة، ليس مغفورًا ولا مؤاخذًا به، بل هو تحت المشيئة.
ثم إننا نقول: كل شيء قيده الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة؛ إن اقتضته الحكمة شاءه، وإن لم تقتضه فإنه لا يشاؤه؛ لأن فوات الحكمة سفه، والله تعالى منزَّه عنه.
ويدل لهذا القيد -أن كل ما قيده الله بمشيئة فإنه مقرون بالحكمة - قوله تعالى في سورة الإنسان: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، أعقبها قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فبين أن مشيئة الله تابعة لعلمه وحكمته.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ صدق ربنا، من يشرك بالله فهذا أعظم مفترٍ، يعني من يشرك بالله في ربوبيته، أو في عبادته، أو في أسمائه وصفاته، فقد افترى إثمًا عظيمًا، أي كذب كذبًا عظيمًا أو كذب كذبًا يستحق به الإثم العظيم؛ لأن أعظم ذنب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦ / ١٤١) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، هذا أعظم ذنب أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك، كيف تجعل لله ندًّا وهو الذي خلقك؟ هذا أعظم شيء ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]. هذا معنى الآية، أما فوائدها فكثيرة.
* طالب: شيخ بارك الله فيكم، أليس (سوى) يعم (...) لا يصير كفر في الشرك.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: أليس الكفر شركًا؟
* الشيخ: لا، لكن لا يسمى شركًا.
* الطالب: لكن في العظم يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم، ولهذا قلنا: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي ما أقل، واضح؟ إذا قلنا: ما سوى ذلك، يغفر ما سوى ذلك، الكفر شرك ولّا غير شرك؟
* الطالب: الكفر شرك يا شيخ.
* الشيخ: إذا جحد ما جاء به الرسول هل أشرك أو جحد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: دعنا من الشرك المعنى العام حتى اللي يغتاب الناس مشرك بالمعنى العام، الشرك جعل ندًّا لله، فهل هذا جعل ندًّا لله؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: طيب إذن ما دون ذلك أحسن مما سوى ذلك.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء ٤٩ - ٥١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
* في هذه الآية فوائد، منها: عظم الشرك، وأن الله سبحانه وتعالى لا يغفره؛ لأنه أعظم ذنب، فقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٧)، ومسلم (٨٦ / ١٤١) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
* ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، وأنتم تعلمون أن كثيرًا من المعطِّلة الأشاعرة والمعتزلة ونحوهم ينكرون أن يقوم بالله فعل متعلق بإرادته؛ لأنهم يقولون: إن الأفعال المتعلقة بالإرادة حادثة، والحادث لا يقوم إلا بحادث، ولا شك أن هذا كذب، كذب في التصور؛ لأن الشيء الحادث يمكن أن يقوم بالأزلي، كما أن الشيء الحادث الذي حدث اليوم يمكن أن يقوم بمخلوق خلق قبل خمسين سنة، فلا يلزم من حدوث الفعل أن يكون الفاعل حادثًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما دون الشرك تحت المشيئة؛ لقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وليس مجزومًا بمغفرته، ولا مجزومًا بالمؤاخذة عليه، لما هو تحت المشيئة.
* ويتفرع على هذه الفائدة: رد كلام المسوفين الذين يفعلون ما يفعلون من المعاصي ثم يقولون: إن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، فنقول له: ما الذي أدراك أن تكون أنت ممن شاء الله أن يغفر له؟ هل تعلم؟ إذن أنت مخاطر، لو فرضنا أن عملك المعصية يمكن أن يغفر، لكنه ليس بمتيقن، فالمعصية مفسدة ظاهرة حاصلة، ومغفرتها مصلحة لكنها أيش؟ تحت المشيئة، قد تحصل وقد لا تحصل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب توحيد الله؛ لكون الشرك لا يغفر، ويلزم من ذلك أن يكون توحيد الله تعالى واجبًا، نعم هو أوجب الواجبات في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، يجب أن يوحد الله عز وجل في هذا كله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المشرك مفتر على الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾.
* ومن فوائدها أيضا: أن هذا الكذب من أعظم الكذب؛ لقوله: ﴿إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وفي آية أخرى ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ١١٦] فهو ضال في دينه، وهو أيضًا مفترٍ في قوله: ﴿افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ولكنا قد نبهنا في التفسير على أن كل شيء علقه الله بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
وظاهر قوله تعالى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أنه شامل للشرك الأصغر والشرك الأكبر، وبذلك صرح شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب الاختيارات؛ أن الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر. ولكن يجب أن نعلم أنه ليس معنى قولنا: إن الشرك الأصغر لا يُغفر أن صاحبه يخلَّد في النار، بل يعذَّب على قدر عمله ثم يدخل الجنة، أما الشرك الأكبر فلا يغفر، وصاحبه مخلد في النار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة ٧٢].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences