Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:50–53
4:50Page 86
ٱنظُرۡ كَيۡفَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثۡمٗا مُّبِينًا ٥٠
Look how they invent about Allāh untruth, and sufficient is that as a manifest sin.
ثم قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء ٥٠] ﴿انْظُرْ﴾ الخطاب لمن؟
* طالب: قولان.
* الشيخ: إما للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لكل من يصح توجه الخطاب إليه، وبالمناسبة نستعيد ما سبق أن الخطاب الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به، فهذا خاص به مثل ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ١، ٢] ﴿لَكَ﴾ الخطاب للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هل يشمل الأمة؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: نعم؟ لا، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] يشمل الأمة؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى ٦]؟
* الطلبة: لا يشمل.
* الشيخ: لا يشمل، ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء ٧٩] لا يشمل، هذا واضح، هذا خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام بلا نزاع ولا إشكال.
القسم الثاني: ما دل الدليل على أنه عام مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى آخره [الطلاق: ١]، فهنا دل الدليل على أن الخطاب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ليس خاصًّا به، وجه الدلالة؟
* الطلبة: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾.
* الشيخ: قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ولم يقل: إذا طلقتَ، ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إلى آخره.
القسم الثالث: ما لا دليل عليه، أي على الخصوصية أو على العموم، فالعلماء اختلفوا فيه على قولين:
القول الأول: أنه عام موجه لكل من يصح توجه الخطاب إليه.
والقول الثاني: أنه خاص بالرسول، ويكون شموله للأمة من باب العموم المعنوي لا العموم اللفظي؛ وذلك لأن الحكم الثابت في حق الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حكم له وللأمة؛ لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ [الأحزاب ٢١].
﴿انْظُرْ﴾ من أي الأقسام؟
* طلبة: الثالث.
* الشيخ: الثالث الذي ما فيه الدليل لا على هذا ولا على هذا، والمراد بالنظر هنا ﴿انْظُرْ كَيْفَ﴾ النظر العقلي لا النظر البصري؛ لأن افتراء الكذب على الله عز وجل ليس مما ينظر بالعين ولكنه مما ينظر بأيش؟ بالعقل وعين البصيرة، ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران ٢٤]، وبقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة ١٨]، وبقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة ١١١]، فانظر كيف يفترون على الله الكذب، وكيف جرأتهم على الله! نعوذ بالله.
﴿وَكَفَى بِهِ﴾ أي: بالافتراء، ﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾ هذه الجملة معناها معنى التعجب، يعني ما أكبر هذا الإثم وهو الافتراء على الله؛ لأن الافتراء على الله أعظم افتراء على مفترى عليه، وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٧)، ومسلم (٣ / ٣) من حديث أبي هريرة.]]، فالكذب على الله أشد وأعظم.
وقوله: ﴿كَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿مُبِينًا﴾ هنا بمعنى بيِّنًا، وقد ذكرنا فيما سبق ونعيده الآن: أن (أبان) الرباعي يأتي لازمًا ويأتي متعديًا، فإن كان متعديًا فمعناه الإظهار، (أبان) أي: أظهر، وإن كان لازمًا فمعناه الوضوح، تقول: أبان الفجر، هذا لازم أو متعدٍّ؟
* طالب: لازم.
* الشيخ: لازم، معناه: وضح وتبين.
وتقول: أبان القرآن أن الكذب حرام، بمعنى بيّن وأوضح.
قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف ٢] من أي النوعين؟
* طالب: من النوعين.
* الشيخ: يشمل هذا وهذا، فهو بين في نفسه مبين لغيره.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: دعوة الإنسان إلى العجب فيما يتعجب منه، وأن هذا من طرق القرآن؛ لقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيم الكذب على الله؛ لأنه لم يؤمر بالتعجب منه إلا لأنه شيء عظيم، والكذب على الله يشمل الكذب عليه في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي أحكامه، وإن شئت فقل: في أحكامه الكونية والشرعية، في ذاته وأسمائه وصفاته، وأحكامه الكونية والشرعية.
فالكذب على الله في ذاته مثل أن يتحدث شخص عن ذات الله عز وجل، فأي إنسان يتحدث عن ذات الله بغير علم فهو كاذب على الله.
الكذب على الله في أسمائه مثل ما فعل المعطلة في قولهم: إن أسماء الله مجرد أعلام لا معنى لها، فيقول: الغفور الرحيم السميع البصير العزيز الحكيم ليس لها معنى، ما هي إلا مجرد علم فقط دلالة على المسمى بها ولا تحمل أي معنى، هذا كذب على الله، كيف تقولون: إنها مجرد أعلام، والله عز وجل يقول في القرآن: إنه بلسان عربي مبين؟! ومقتضى هذا اللسان العربي المبين أن اسم الفاعل يدل على أصل المعنى وثبوت أصل المعنى، ولا يمكن أن يقال لمن لم يضرب: إنه أيش؟ إنه ضارب، ولا لمن لم يسمع: إنه سميع، ثم إن الله قد بين أن هذا المعنى مقصود في قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة ١]، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف ٨٠] وأمثال ذلك، فهؤلاء الذين قالوا: إن الله أراد بأسمائه مجرد التسمية دون المعنى مفترون على الله الكذب ولّا لا؟ مفترون على الله الكذب.
كذلك في صفاته من حرَّف في صفات الله، وقالوا: المراد بالاستواء الاستيلاء، فهذا مفترٍ على الله الكذب، فالله عز وجل يقول عن نفسه: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤]، والقرآن بلسان عربي مبين، واستوى على كذا باللسان العربي معناه أيش؟ علا عليه واستقر عليه، فإذا قالوا: استوى بمعنى استولى، فقد كذبوا على الله، هل أراد الله هذا؟ أبدًا، نحن نجزم أن الله لم يرده، لماذا جزمنا؟ لأن الله قال في القرآن الكريم: إنه بلسان عربي مبين، واللسان العربي المبين لا يقتضي سوى ذلك أنه علا عليه واستقر عليه، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣] يعني: صيرناه باللسان العربي، لماذا؟ ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون معناه على مقتضى هذا اللسان العربي.
والذين يقولون: هذا حرام وهذا حلال بدون علم؟ قد افتروا على الله الكذب، قد افتروا على الله كذبًا لأيش؟ لأنهم ما الذي أدراهم أن الله حرم هذا أو أوجبه؟ ولهذا كان من ورع الإمام أحمد رحمه الله -كما نقله عنه شيخ الإسلام- أنه لا يمكن أن يقول: هذا حرام إلا بما نص على تحريمه، الميتة يقول: إنها حرام؛ لأنه منصوص عليها، نكاح الأم يقول: إنه حرام؛ لأنه منصوص عليه، أما الذي هو نهي فإنه تجده يقول: أكره هذا، لا يعجبني، أستقبحه، وما أشبه ذلك.
ومع هذا فقد حفظ الله له هذا الطريق فقال أصحابه؛ أصحاب الإمام أحمد: إذا قال الإمام أحمد: لا يعجبني فهو للتحريم، وإذا قال: أكره هذا فهو للتحريم، فالله سبحانه وتعالى قد حفظه فيما يريد من الأحكام مع تورعه عن إطلاق الحرام إلا على ما كان مصرحًا به.
فما بالك بمن يقول الآن: قال الإسلام: كذا وكذا، ومع ذلك تجده من أجهل الناس بأحكام الإسلام، ثم ينسب هذا القول الذي قاله وهو خطأ إلى الإسلام! وإذا تبين للناس أنه خطأ فسوف يخطئون الإسلام.
فالحاصل أن الافتراء على الله كذبًا يشمل الكذب عليه في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أحكامه الكونية والشرعية، الشرعية فهمتموها؟ قال: هذا حرام، هذا حلال.
الكونية أن يقول: إن جزاء هذا الذنب كذا وكذا من العقوبات بلا علم، مثل أن يقول: إذا نهر الإنسان والديه تزلزل العرش، تزلزل العرش من قال هذا؟ قاله العامة، العامة يقولون هكذا، من نهر والديه تزلزل عرش الرحمن منه، إذا ركب الذكر على الذكر اهتز العرش، تزلزل العرش، من يقول هذا؟ فأي إنسان يحكم بعقوبة معينة على ذنب بدون علم فقد افترى على الله الكذب.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الكذب على الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ يعني: ما أعظمه وما أكثره إذا افترى على الله الكذب أن يأثم هذا الإثم!
عندنا إعراب لهذه الجملة ﴿كَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ وهي ترد في القرآن كثيرًا ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الرعد ٤٣]، وهنا ﴿كَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ أين الفاعل في ﴿كَفَى﴾؟
* طالب: ضمير.
* الشيخ: فاعلها يكون مجرورًا دائمًا أو غالبًا، فيكون مدخول الباء هو الفاعل بزيادة الباء، ويأتي بعد ذلك الاسم منصوبًا فيقولون: إنه تمييز، وبعضهم يعربه حالًا ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الرعد ٤٣] أي: حال كونه شهيدًا، وبعضهم يرى أنه تمييز للكفاية؛ لأن الكفاية هى تكون في أي شيء فيميز، ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وما أشبه ذلك.
* طالب: قلنا: إن قول الإنسان: أنا مؤمن قد يحتمل التزكية وغيرها، فهل من ذلك لو كان يتكلم عن أهل البدع أو الجماعات المنحرفة فقال: يلزمون –مثلًا- أنهم أهل السنة والجماعة، بل نحن أهل السنة والجماعة، فهل هذا تزكية؟
* الشيخ: هذا ما نعرف ماذا قام بقلبه؟
* الطالب: مجرد الخبر.
* الشيخ: هل مراده أن يخبر بأنه هو من أهل السنة والجماعة أو يريد أن يتفاخر على أهل البدع؟
* الطالب: لا، مجرد الإخبار حتى يقبل الناس إلى قوله.
* الشيخ: لا، هذا خبر، خبرٌ ولا شيء فيه.
* الطالب: يا شيخ، ذكرنا أن الراجح في قول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله ، أو أنا مؤمن يعود إلى ما يقصده في نفسه، ما يريده إن كان أراد التزكية أو غيرها، فإما (...) أو ما أشبه ذلك، ومن المعلوم أننا لم نؤمر أن نشق عن قلب الإنسان أو عن (...) ما يضمره، عدا ذلك؟
* الشيخ: لا، نحن نتكلم عن قول الإنسان بنفسه ما هو عن حكمنا عليه، عن قول الإنسان نفسه، يعني فرق بين (...) واحد يقول: أنا مؤمن، فأحكم عليه، لا، هو نفسه يقول: هل يجوز لي أن أقول: أنا مؤمن أو لا (...).
ثم قال النووي رحمه الله في كتاب الأذكار: إن الإمام لو قال حال رفعه من الركوع: من حمد الله سمع له، وأن هذا الكلام قد ذكره الشافعي وأجازه، فما رأيكم -حفظكم الله- في هذا الرأي؟
رأيي أنه ليس بصحيح، وأن الإنسان يقول ما جاءت به السنة.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء ٥١ - ٥٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ وقد سبق الكلام في قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾، وبينا أن هذا يدل على عظم القول على الله عز وجل، وأظن أخذنا الفوائد؟
* من فوائد الآية الكريمة: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ تنبيه المخاطب على ما يقتضيه كلام أهل الباطل من الزيغ والضلال؛ لقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الكذب على الله عز وجل، ويدخل في ذلك أمور:
* منها: الكذب على الله في أسمائه وصفاته، فيقول مثلًا: إن أسماء الله يراد بها مجرد العَلَم لا الدلالة على الوصف، كما قال ذلك المعتزلة، فيقولون: إن الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وهلم جرًّا.
ومن ذلك أيضًا؛ من القول على الله بلا علم: تحريف الكلم عن مواضعه بنفي ظاهره وإثبات ما يخالف ظاهره، كتحريف أهل التعطيل قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] إلى: استولى على العرش، وتحريف اليد إلى النعمة والقدرة وما أشبه ذلك.
ومن ذلك أيضًا: القول على الله بلا علم في أحكامه الشرعية، مثل أن يقول: هذا حلال، وهذا حرام، مع أن الله لم يحله ولم يحرمه، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل ١١٦، ١١٧].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عظم ما يحصل لهؤلاء من الإثم؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾.
* ومن فوائدها: أن إثم هؤلاء بيِّنٌ ظاهر، ووجه ظهوره وبيانه أنه إذا كان الإنسان -عقلًا- يعني إذا كان الإنسان بدلالة العقل لا يمكن أن يتقول على أحد شيئًا وهو من جنسه فتقوله على الله من باب أعظم وأشد؛ ولهذا قال الله تعالى في رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة ٤٤] ما هو كل الأقاويل، ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة ٤٥ - ٤٧].
4:51–52Page 86
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ٥١
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in jibt [superstition] and ṭāghūt [false objects of worship] and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَمَن يَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ٥٢
Those are the ones whom Allāh has cursed; and he whom Allāh curses - never will you find for him a helper.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ ويقال في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ كما قيل في الآية التي قبلها: إن الاستفهام للإنكار والتعجيب، يعني يقول تعجب من حال هؤلاء، ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أي: أعطوا نصيبًا، و(آتى) تنصب مفعولين وهنا نصبت مفعولين، الأول منهما نائب الفاعل وهو (الواو)، والثاني ﴿نَصِيبًا﴾.
وقوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أي: أعطوا نصيبًا، أي قسطًا، ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: الكتاب المنزل على الرسل عليهم الصلاة والسلام، ﴿نَصِيبًا﴾ يعني: قسطًا من الكتاب، الكتاب المنزل على الرسل، فمن المراد بهؤلاء؟ المراد بهؤلاء اليهود؛ لأن الله آتاهم نصيبًا من الكتاب وهو التوراة ولم يعطهم علم كل شيء.
﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ هذا محل التعجب أنهم أعطوا نصيبًا من الكتاب وقامت عليهم الحجة ومع ذلك يؤمنون بالجبت ويؤمنون بالطاغوت، الجبت: كل ما لا فائدة فيه، كل ما لا فائدة فيه في الدين فإنه جبت، ومنه السحر والكهانة والطرق والعيافة وما أشبه ذلك، فإن هذه كلها من الجبت.
وأما الطاغوت فالطاغوت: كل ما طغى به الإنسان فهو طاغوت، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧]، فأئمة الكفر ودعاة الكفر طواغيت، والشيطان طاغوت؛ ولهذا قال عمر رضي الله عنه: «الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان»[[أخرجه سعيد بن منصور (٦٤٩)، والطبري (٧ / ١٣٥).]]، يعني: أن السحر فرد من أفراد الجبت، والشيطان فرد من أفراد الطاغوت، وإلا فإن التعريف العام للطاغوت ما ذكره ابن القيم رحمه الله: كل ما تجاوز به العبد حده من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ.
﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ومعنى إيمانهم به إقرارهم إياه وعدم إنكاره.
﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ﴿يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال بعض المفسرين: إن (اللام) هنا بمعنى (في)، أي يقولون في شأنهم ﴿هَؤُلَاءِ﴾ أي: الذين كفروا، ﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾، وقيل: إن اللام كقولك: قلت لفلان، أي هي اللام المعدية للفعل، وأن قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بمعنى (أنتم)، يعني يقول هؤلاء للذين كفروا: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، وعلى هذا تكون الإشارة في مقام ضمير المخاطب؛ لأنك إذا قلت: قلت لفلان كذا، صار فلانٌ مخاطبًا، فلا بد أن يؤتى بضمير المخاطب، و(هؤلاء) اسم إشارة ليس ضمير مخاطب لكن قالوا: إنها بمعنى (أنتم)، وهذا ما مشى عليه الجلالين.
﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والمراد بالذين كفروا أهل مكة؛ لأن طائفة من اليهود قابلوا أهل مكة فقالوا لهم أهل مكة: هذا محمد، فرق بيننا وبين أبنائنا، وبيننا وبين غلماننا، وبيننا وبين أزواجنا، وفرق بيننا وبين العرب، وسب آلهتنا، وسفه أحلامنا، أما نحن فإننا أهل البيت نسقي الحجيج، ونفعل كذا وكذا، وذكروا أشياء، فأينا أهدى أنحن أم محمد؟ فاليهود انتهزوا هذه الفرصة وقالوا: أنتم أهدى من محمد؛ لأنهم لا يريدون أن يقوم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قائمًا ويحسدونه، فانتهزوا هذه الفرصة أن يسألهم قوم هم شيعة محمد عليه الصلاة والسلام وقرابته فقالوا هذا الكلام.
﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا، و﴿سَبِيلًا﴾ هنا تمييز؛ لأنها وقعت بعد اسم التفضيل، والمنصوب بعد اسم التفضيل يكون تمييزًا، ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾.
قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا وقالوا للكفار: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، وهذه الجملة تفيد الحصر لتعريف طرفيها؛ المبتدأ والخبر، فالمبتدأ (أولاء) وهو اسم إشارة معرفة، والخبر (الذين) وهو اسم موصول معرفة. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: طردهم وأبعدهم عن رحمته، والعياذ بالله.
﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ ﴿مَنْ﴾ هنا اسم شرط، و﴿يَلْعَنِ﴾ فعل الشرط مجزوم به ولكنه حرك بالكسر لالتقاء الساكنين، ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ أي: لن تجد له من ينصره فيقربه من رحمة الله ويدخله في رحمة الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى إذا أراد بقوم سوءًا فلا مرد له.
يستفاد من هذه الآية والتي قبلها فوائد:
* أولًا: التعجب أو التعجيب من حال هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب ومع ذلك ينكرون ما دل عليه الكتاب.
* ومن فوائدها: بيان قبح صنيعهم؛ حيث إن الله تعالى قد أعطاهم نصيبًا من الكتاب ومع ذلك قالوا للكفار: إنهم أهدى من المؤمنين، ومعلوم أن من حكم بخلاف ما يعلم فهو أقبح ممن حكم بما لا يعلم، والكل قبيح، لكن الأول أشد.
* ومن فوائد هذه الآية: بيان حقد اليهود على المؤمنين.
* ومن فوائدها: أنهم يؤمنون بالجبت ويؤمنون بالطاغوت، فلا ينكرون الجبت ولا الطاغوت بل يقرونه.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أن أصل السحر متلقى ممن؟ من اليهود؛ ولهذا سحروا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، «فإن لبيد بن الأعصم سحر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسحر عظيم»[[أخرجه مسلم (٢١٨٩ / ٤٣) من حديث عائشة.]]، ولكن الله تعالى حمى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أن يؤثر فيه ذلك التأثير الذي كانوا يريدونه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليهود أهل حسد؛ لأنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن محمدًا أهدى من المشركين؛ لأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، لكن لما امتلأت قلوبهم من حسده صاروا يفضلون عليه الكفار عليه وعلى من اتبعه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأثير الدعاية بلبس الحق بالباطل، وإلا من المعلوم أن الكافر ليس فيما يرمي إليه أو فيما يذهب إليه ليس فيه هداية إطلاقًا، ومع ذلك قالوا: إنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا.
* ويتفرع على هذه الفائدة: ما كان عليه بعض الناس اليوم من قولهم: إن الكفار أوفى بالعهد من المؤمنين، وإنهم أخلص من المؤمنين، وأنصح من المؤمنين، وما أشبه ذلك، فمن قال هذا في المسلمين فإن فيه شبهًا من اليهود، ونحن لا ننكر أن في المسلمين من خالف طريق الإسلام بعدم الصدق في القول، وعدم الوفاء بالعهد، وعدم الوفاء بالوعد، وعدم النصح في العمل، ولكن كل هذه الأخلاق حذر منها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشد التحذير[[من ذلك قوله ﷺ: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» متفق عليه؛ البخاري (٣٣)، ومسلم (١٠٧ / ٥٩) من حديث أبي هريرة.]]، فهي أخلاق دخيلة على الشعب المسلم، وسببها ما كان عليه هؤلاء من النقص في العلم والنقص في الإيمان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم تفضيل الكفار على المؤمنين؛ لأن الله تعالى أنكره بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى آخره.
* ومن فوائد الآية الثانية: بيان أن كل من قال مثل هذا القول فإنه مستحق للعنة؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّه﴾، وأحكام الله سبحانه وتعالى الشرعية والجزائية لا تتعلق بالأشخاص أبدًا، فإذا استحق هؤلاء اللعن بإيمانهم بالجبت والطاغوت وقولهم للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، فمن جرى مجراهم استحق ما يستحقون من العقاب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لعنه الله فلا ناصر له؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾.
* ومن فوائدها: التحذير من التعرض للعنة الله؛ لأن الإنسان إذا تعرض للعنة الله وحقت عليه لن يجد من ينصره.
4:53Page 87
أَمۡ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذٗا لَّا يُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ٥٣
Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ ﴿أَمْ لَهُمْ﴾ كيف نعربها هنا؟
* طالب: ﴿أَمْ﴾ عاطفة؟
* الشيخ: لا.
* طالب: تكون بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام.
* الشيخ: نعم، هنا بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، ففيها إضراب عما سبق، وقيل: إنها للاستفهام فقط، لكنه خلاف مشهور عند النحويين، ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ يعني: بل ألهم نصيب من الملك؛ حيث يريدون أن يحولوا بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبين ما أعطاه الله من النبوة التي يكون بها ملك مشارق الأرض ومغاربها، يعني: هؤلاء الذين قالوا هذا الكلام وفضلوا طريق الكفار على طريق المؤمنين هل لهم نصيب من الملك بحيث يمنعون فضل الله سبحانه وتعالى على نبيه ويجعلون الفضل لهؤلاء الكفار؟!
يقول الله عز وجل: ﴿فَإِذًا﴾ يعني: لو كان لهم نصيب من الملك، ﴿لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ أي: لا يعطون الناس، و﴿النَّاسَ﴾ مفعول أول ﴿يُؤْتُونَ﴾، و﴿نَقِيرًا﴾ مفعول ثانٍ، والنقير هو: النقرة التي على ظهر النواة، وهو يضرب به المثلة للقلة، يعني: لو كان عند هؤلاء ملك ولهم نصيب من الملك، فإنهم لبخلهم لا يؤتون الناس نقيرًا؛ لأن اليهود من أشد الناس بخلًا، وأشدهم طمعًا وحرصًا على المال.
إذن معنى الآية: هل لهؤلاء نصيب من الملك حتى يحاولوا أن يمنعوا فضل الله على رسوله وأن يجعلوا هذا الفضل لهؤلاء الكفار؟ لا، ولو قدر أن لهم نصيبًا من الملك فإنهم لن يعطوا أحدًا منهم شيئًا؛ ولهذا قال: ﴿فَإِذًا﴾ يعني: لو أعطوا نصيبًا من الملك لا يؤتون الناس نقيرًا، وما فوقه؟
* الطلبة: من باب أولى.
* الشيخ: من باب أولى.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء اليهود الذين أرادوا أن يحول بين فضل الله على رسوله وبين رسوله وأن يرحلوا هذا الفضل إلى هؤلاء الكفار ليس لهم نصيب من الملك، الملك لمن؟ لله وحده.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أن اليهود من أبخل الناس؛ لقوله: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences