Ibn 'UthayminAn‑Nisa · 4:6–7

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:6–7

4:6Page 77

وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٦

And test the orphans [in their abilities] until they reach marriageable age. Then if you perceive in them sound judgement, release their property to them. And do not consume it excessively and quickly, [anticipating] that they will grow up. And whoever, [when acting as guardian], is self-sufficient should refrain [from taking a fee]; and whoever is poor - let him take according to what is acceptable. Then when you release their property to them, bring witnesses upon them. And sufficient is Allāh as Accountant.

ثم قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء ٦] ﴿ابْتَلُوا﴾ أي: اختبروا، و(اليتامى) جمع (يتيم)، وهو كل من مات أبوه قبل بلوغه، أي: قبل بلوغ الطفل أو بلوغ الأب؟ قبل بلوغ الطفل، من مات أبوه قبل بلوغه أي: بلوغ الطفل، أليس كذلك؟ نعم.

وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا﴾ (حتى) هنا ابتدائية، أي: اختبروهم واستمروا في الاختبار، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (إذا) شرطية، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ شرطية أيضًا، ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ جواب الشرط، فيكون هذا شرطًا في ضمن شرط آخر وهو سائغ في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر:

إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُــذْعَـــــرُواتَجِـــــــدُوا ∗∗∗ مِـــــنَّــــــــا مَــــعَـــــــــاقِــــــــلَعِـــــــزٍّ زَانَــــــــهَـــــــا كَـــــرَمُ

فهذه ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ شرط في ضمن شرط.

وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ أي: أبصرتم، ومنه قوله تعالى: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص ٢٩] أي: أبصر.

وقوله: ﴿رُشْدًا﴾ الرشد في كل موضع بحسبه، ولكنه يجمع جميع معانيه كلمة واحدة وهي: حسن التصرف، هذا هو الرشد، إن كان في المال فبأن يبيع الإنسان ويشتري مرارًا ولا يغبن إلا بما جرت به العادة (...) منتهيًا عما حرم الله، وإن كان في التصرف للغير فأن يكون حسن الولاية، ومنه الرشد في ولاية النكاح، وأن يكون عالمًا بالكفؤ ومصالح النكاح، إذن الرشد -يا عباد الله- في كل موضع بحسبه، ما المراد به هنا؟ ﴿رُشْدًا﴾ أي: تصرفًا صحيحًا في أموالهم.

﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: أعطوهم إياها، وقوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ يعني: أوصلوها إليهم ولا تقولوا: ائتوا خذوا أموالكم، أنتم ادفعوا إليهم، وسيأتي أن هذا الولي له الأجرة أو الأكل بالمعروف حسب ما تقتضيه حاله.

﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا﴾ أي: أموالهم، ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ قوله: ﴿إِسْرَافًا﴾ يجوز أن تكون مفعولًا مطلقًا، أي: أكل إسراف، والإسراف هو مجاوزة الحد، وهو أيضًا في كل موضع بحسبه.

وقوله: ﴿بِدَارًا﴾ أي: مبادرة، فهي من (بَادَرَ) بمعنى استعجل الشيء، وقوله: ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أي: بدارًا لكبرهم، يعني: تبادر كبرهم؛ لأنهم إذا كبروا زالت الولاية عليهم وصاروا راشدين، فربما يأكل بعض الأولياء أموالهم على وجه الإسراف أو على وجه الاقتصاد ولكن يبادر؛ ولهذا لا يقول قائل: إن الكلمتين مترادفتان، بل نقول: الإسراف مجاوزة الحد، فمثلًا إذا كان يكفيه عشرة أخذ خمسة عشر. ﴿وَبِدَارًا﴾ يعني: أن يأكل بلا إسراف لكن يبادر، يبادر بالأكل قبل أن يكبروا.

﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ من كان من الأولياء غنيًّا لا يحتاج إلى مال اليتيم، ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: فليكفَّ عن الأكل، ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ اللام هنا في قوله: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ للأمر، والثاني للإباحة.

أقول: اللام في قوله: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ للأمر، وفي قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ للإباحة؛ وذلك أن الأول مطلوب منه أن يستعفف، والثاني مباح له أن يأكل.

فإذا قال قائل: ما الذي أخرج اللام في قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ عن الأمر؟ قلنا: لأنها أعقبت النهي وهو قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾، والأمر بعد النهي أيش؟ لرفع الحظر، يعني: إما للإباحة على قول بعض العلماء، أو لرفع الحظر، وهنا إذا رفع الحظر فهو مباح.

﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: فليأكل أكلًا بالمعروف، أي: بما جرى به العرف، فلا يأكل أكل الأغنياء وإنما يأكل أكل مثله، مثال ذلك: إذا كان فقيرًا فقال: أنا سآكل أكل الأغنياء؛ لأنني ولي عليه، قلنا: لا يجوز، كلْ بالمعروف، والمعروف ما جرى به العرف، ومن المعلوم أن أكل الفقير ليس كأكل الغني.

قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ ومتى ندفع إليهم أموالهم؟ إذا بلغوا ورشدوا، ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: أشهدوا أنكم دفعتموها.

﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ (كفى) من الكفاية، يعني أنه جل وعلا يكفي عن كل أحد، والباء في قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾ زائدة لتحسين اللفظ، والأصل (وكفى الله حسيبًا)، والحسيب بمعنى الرقيب المحاسب، فهذه الآية -كما رأيتم- ختمها الله بهذه الجملة تهديدًا لأولياء اليتامى من أن يتجرؤوا على أكل أموالهم إسرافًا وبدارًا أن يكبروا.

* يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: وجوب اختبار اليتامى؛ لقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾.

ثانيًا: العمل بالتجربة، من أين يؤخذ العمل بالتجربة؟ لأن الابتلاء -يعني الاختبار- تجارب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز لولي اليتيم أن يستعمل معه ما يكون سببًا لاختباره، فإذا رأى منه تمردًا على الاختبار فله أن يؤدبه حتى يختبره ليتم ما أمر الله به.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا بلغ اليتيم ورشد وجب دفع المال إليه؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحجر على اليتامى لا يحتاج إلى حكم الحاكم، لا ابتداءً ولا انتهاءً؛ لأنه وكل الأمر إلى من؟ إلى أوليائه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بالأيتام؛ لقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾.

فإن قال قائل: لو أكلها لغير هذا الغرض ليستمتع بها فهل يجوز؟ فالجواب: لا، لكن ذكر الإسراف والبدار؛ لأنه هو الذي يحمل على أكلها غالبًا، وقد قال العلماء: إن القيد إذا ذكر لكونه أغلبيًّا فإنه لا مفهوم له، وعلى هذا فلا يجوز أكل مال اليتيم لا إسرافًا ولا مبادرة أن يكبروا.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب استعفاف الغني عن أموال اليتامى؛ لقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ هذا هو القرآن.

ولكن قد يقول قائل: إذا قال الولي: أنا لا يمكن أن أعمل في مال اليتيم إلا بمثل ما يعمل به غيري وكيف أعمل بدون فائدة؟ فالجواب عن هذا أن نقول: إذا كان الأمر كذلك فلا بد من مراجعة القاضي الذي هو الولي العام؛ لأن من الناس من يدَّعي هذه الدعوى ويقول: أنا لا أستطيع أن أعمل إلا بجزء من الربح أو بأجرة أو ما أشبه ذلك، نقول: إذن لا بد أن ترجع إلى القاضي.

* طالب: قوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (...) في ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ (...) أموال اليتامى؟

* الشيخ: لا، الأولى السفهاء، الآية الأولى ما هي في اليتامى.

* طالب: كيف -يا شيخ- يقول في الفقير (...) أن يأكل بالمعروف؟

* الشيخ: ما وصلنا، اصبر اصبر.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، (...) أن ينفق عليهم من طعام وشراب وكسوة وكل ما (...) حتى لو كانوا صغارًا (...)؟

* الشيخ: الصغار لا يجوز أن يسلطهم على المال.

* الطالب: أعطيه شيء بسيط، كستين ريال في الشهر.

* الشيخ: إي، لكن يفسدها.

* الطالب: يفسدها بشيء بارد كالحلويات.

* الشيخ: أخشى أن يفسدها بشيء حار.

* الطالب: هذا يرجع إلى المراقبة.

* الشيخ: على كل حال ما جرت به العادة لا بد، هذا نفقة، هذا من باب الإنفاق، يعني افرض أن الطالب أنه راح يبغي له على ما يسمونه فسحة يعطى ريالًا أو ريالين حسب السعر.

* الطالب: (...).

* الشيخ: لا، أبدًا، الأحسن أن لا تعطيه.

* الطالب: لكن أحيانًا الحاجة، أحيانًا الإعراض بالشيء ربما (...) النفس.

* الشيخ: إذن هذا له سبب، إذا أعطيته خوفًا من فساده، هذا له سبب، الأصل أن لا يعطى.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ الآية الأولى عامة، لو كان الواحد له أربعون سنة ما يعطى إياه.

* طالب: يا شيخ الآية عامة.

* الشيخ: أيهم؟

* طالب: الآية ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ (...).

* الشيخ: (...) ما دام العلة السفه، يعني: لا تؤتوا السفهاء أموالكم لسفههم.

* الطالب: يختبرون بالبيع والشراء؟

* الشيخ: أنت تسأل عن الآية الأولى ولَّا الثانية؟ الآية الثانية ما فيها ذكر السفهاء، الآية الثانية فيها اليتامى، يختبر اليتيم، لكن المرأة ما تختبر بالبيع والشراء؛ لأنها ليست من أهله، تختبر بحاجات البيت، إذا عرف ضبطها لحاجات البيت فهي رشيدة، إذا عرف أنها سفيهة؛ إذا عجنت العجين أعطته البقرة، إذا صلحت الشاي صبته على البلاط، وهكذا، ما تكون هذه رشيدة.

* طالب: شيخ، اللام في ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ للإباحة؟

* الشيخ: نعم، الأمر، اللام لام الأمر وهو للإباحة.

* الطالب: ولام ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ للأمر، ما الفرق بينهما بما أن جميع اللامين جاءت بعد النهي بعد ألا تأكلوا، ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾؟

* الشيخ: ما هو قلنا: إنها لما جاءت بعد النهي صارت للإباحة، أما ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ إنما كانت للوجوب لحماية مال اليتيم، أما ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ ما نقول: يجب عليك أن تأكل من مال اليتيم، أنت مباح، فالأول قلنا: إنه للوجوب من أجل حماية مال اليتيم، والثاني قلنا: للإباحة أيضًا يجب حمايته؛ لأنا لو قلنا: يجب أن تأكل، معناه فيه ضرر على اليتيم.

* طالب: قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ الباء هنا زائدة، وعكس الزائد الناقص، فهل يرد هذا في كتاب الله ناقص وزائد؟

* الشيخ: ويش تقولون بسؤال الأخ؟ يقول: هل في كتاب الله زائد؟ نحن ذكرنا ذلك وقلنا: إن الزائدة زائدة، إن الزائد زائد.

* طالب: نعم، ولكن يعني في كتاب الله عز وجل ما في شيء، يعني الزائد يكون بلا..؟

* الشيخ: إي، الزائد فيه يكون زائدًا، الزائد لفظًا زائد للمعنى، يعني كلمة (زاد) تستعمل متعدية ولازمة، فـ(الزائد) اللي هو من (زَادَ) اللازم زائد من (زَادَ) المتعدي، واضح؟

* الطالب: ما هو بواضح.

* الشيخ: ما هو بواضح، شوف -بارك الله فيك- كل شيء زائد في القرآن إعرابًا فهو زائد المعنى، يعني لا بد أنه جاء لفائدة، الفائدة هنا قال النحويون: تحسين اللفظ.

* طالب: شيخ، قلنا: إن العلماء قسموا الحجر إلى ثلاثة أقسام، قلنا: حجر لمصلحة المحجور عليه، وحجر لمصلحة الغير، وقلنا: إن السفيه قد يكون للصغر وقد يكون لكونه سفيهًا (...) قد يكون، فبالنسبة للصغير لا يكون قبل (...)؟

* الشيخ: سفيه لصغره، سفيه لجنونه، وسفيه لتصرفه.

* الطالب: إي، لكن الصغير ما يكون مع القسم العام الذي يكون سفيه..؟

* الشيخ: والتفصيل ما يصلح؟

* الطالب: (...) الصغير (...) ولهذا أطلق الله تعالى عليه..

* الشيخ: أقول: ما يصلح؟ السفيه قد يكون بالغًا عاقلًا وهو سفيه.

* طالب: قيامًا (...)؟

* الشيخ: قيامًا، ما هو لكم، قيامًا لمصالح دينكم ودنياكم، يعني: نفس الأموال هي القيام.

* طالب: الذي يتناول الدخان مفسد للمال في غير ما فائدة؟

* الشيخ: هو ما يرى أنه إفساد، يقول: إنه إذا قام يشرب الدخان يكيف ويستأنس، مثل ما أنك تأكل التفاح وتستأنس.

* طالب: كذلك الذي يشرب به الخمر والذي..

* الشيخ: إي بس هذا ينقص العقل نقصًا واضحًا.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء ٦- ٧].

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء ٦- ٧].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾.

﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء ٥] إلى آخره، في هذه الآية ﴿السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ قراءتان؟

* طالب: بقاء الهمزتين أو بإلغاء الأولى، حذفها.

* الشيخ: حذفها، اقرأها.

* الطالب: ﴿السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.

* الشيخ: نعم.

* الطالب: أو ﴿السُّفَهَا أَمْوَالَكُمْ﴾ .

* الشيخ: نعم.

من المراد بالسفهاء؟

* طالب: هو كل صغير.

* طالب آخر: هو الذي لا يحسن التصرف.

* الشيخ: هو الذي لا يحسن التصرف في ماله، إما؟

* طالب: يسرف في المال.

* الشيخ: إما أيش؟

* طالب: إما لصغر سنه.

* الشيخ: إما لصغره، أو جنونه، أو سوء تصرفه، كذا؟ ذكرنا الأسباب ثلاثة: الصغر، والجنون، وسوء التصرف. (...).

* طالب: الباء زائدة.

* الشيخ: و(اللهِ)؟

* الطالب: (الله) فاعل.

* الشيخ: مرفوع بضمة مقدرة.

* الطالب: بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال.

* الشيخ: اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.

﴿حَسِيبًا﴾ أنا ما أعربتها لكم، لكن أظن إعرابها واضحًا.

* طالب: تمييز.

* الشيخ: تمييز.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: جواز أكل ولي اليتيم إذا كان فقيرًا بالمعروف من مال اليتيم، وظاهر الآية الكريمة أنه يأكل بالمعروف ولو زاد على قدر الأجرة، فمثلًا إذا كان أجيرًا فله في الشهر مئة، وإذا أكل بالمعروف لم يكفه إلا مئتان، فهل نقول: يحل له أقل الأمرين أو يحل له الأكل بالمعروف ولو زاد على الأجرة؟ ظاهر الآية الكريمة الثاني؛ لأن الولي محبوس على التصرف لليتيم، فلا بد له من مأكل ومشرب فليأكل بالمعروف.

وأيضًا فإن هذا الولي ليس كالأجير الأجنبي في مراعاة مال اليتيم، فلا ينبغي أن نلحقه بالأجير الأجنبي، لكن المعروف عند الفقهاء أنه يأكل، أنه يأخذ الأقل من أجرته أو كفايته.

* ومن فوائد الآية: أنه إذا كان فقيرًا فأكل لا يلزمه إذا أغناه الله أن يرد ما أكل؛ لأن المباح لا ينقلب واجبًا، قصدي لأن المباح لا ينقلب حرامًا، ولو قلنا بوجوب الرد إذا أغناه الله لم يكن هناك فائدة لإباحة الأكل.

وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب رد ما أكله إذا أغناه الله، فكأنه استقرض من مال اليتيم لا أكل أكلًا مباحًا.

ولكن الصحيح الأول: أن الأكل مباح له ولا يجب عليه رده إذا أغناه الله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: اعتبار الحال، وأن الأحكام تختلف بحسب الأحوال، وهذا من حكمة الشريعة، من أين يؤخذ؟ من التفريق بين الغني ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾، والفقير ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾.

* ومن فوائدها: الرجوع إلى العرف؛ لقوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا دفع إليهم المال -إلى اليتامى- بعد أن بلغوا ورشدوا فليشهد؛ لقوله: ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، وإنما أمر بالإشهاد لئلا يقع النزاع بينهم في المستقبل، ولئلا يتهم الولي عند النزاع، أعرفتم؟ فقطعًا للنزاع ودفعًا للتهمة أوجب الله عز وجل أن يشهد الولي إذا دفع إليهم أموالهم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو ادعى الولي أنه دفع المال فإن دعواه لا تقبل؛ لأنه لو قبلت دعواه لم نحتج إلى إيجاب الإشهاد، أليس كذلك؟ وهذا هو الصواب، وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه لا تقبل دعواه الدفع بظاهر الآية.

والقول الثاني: أنها تقبل، أي: دعواه الدفع، يعني: لو طالبه اليتيم فيما بعد قال: أين مالي؟ قال: دفعته لك، واستدل هؤلاء بقول الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة ٩١].

والقول الثالث: الوسط وهو أنه إن كان بأجرة لم تقبل دعواه الدفع، وإن كان يعمل له مجانًا قبلت دعواه الدفع، وعللوا بذلك بأنه إذا كان يأخذ الأجرة لم يكن إحسانًا محضًا، لماذا؟ لأنه أبقى المال عنده لحظ نفسه فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾.

والأخذ بظاهر الآية أولى، وهو أنه لا تقبل دعواه الدفع إلا بشهود إلا إذا وجدت قرائن قوية تؤيد هذه الدعوى، مثل أن يكون الولي معروفًا بالصدق والأمانة، ويكون المولى عليه -وهو اليتيم- معروفًا بالطمع والجشع، فحينئذ نقبل قول الولي، بأي شيء نقبله؟ بالقرينة بقوة الظاهر، ولأننا لو لم نقبل قوله لكان في هذا منع من التولي على أموال اليتامى؛ لأن الإنسان قد لا يتسنى له الإشهاد عند الدفع.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير الولي من أن يخون في ولايته، وتحذير اليتيم من أن ينكر ما وقع، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، فإذا كان الله عز وجل هو الكافي على حساب عباده، فإن الإنسان سوف يخشى هذه المحاسبة ويتوب إلى الله منها.

* ومن فوائد الآية الكريمة: العناية باليتامى وأموالهم؛ لأن اليتامى محل الرحمة، حيث إن آبائهم قد ماتوا وليس لهم ولي يقوم بحاجتهم.

* ويتفرع على هذه الفائدة: بيان رحمة الله عز وجل وأن رحمة الله عند المنكسرين، عند الضعفاء.

* طالب: (...) ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن من أخذ من مال اليتيم فإنه يرده، أحسن الله إليك، وهذا ورد عن عمر، وعمر له سنة متبعة، وعدم الرد نحن أخذناه فهمًا من الآية،

* الشيخ: لكن المنطوق ما يقدم على الآية؛ لأن قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ أباحه الله له، ما قال: فليستقرض بالمعروف، ثم إن المروي عن عمر رضي الله عنه يحتمل أنه قاله على سبيل الورع، على سبيل الورع فقط.

* طالب: قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ تفسير كثير من الصحابة منهم ابن عباس الذي فعله النبي من أن السفهاء هم النساء والصبيان؟

* الشيخ: الصبيان، صحيح.

* الطالب: والنساء.

* الشيخ: النساء في الغالب.

* طالب: على هذا تكون الأموال أموال الأولياء الآباء والسفهاء هم النساء والأولاد، ولا نحتاج أن نقول بأن السفهاء من كانت للأولياء عليهم ولاية؟

* الشيخ: إحنا قلنا: السفهاء تشمل ثلاثة أصناف: الصغار، والمجانين، ومن لا يحسن التصرف.

* طالب: لماذا نقول: المجانين ومن لا يحسن التصرف؟ نقول: السفهاء ومن كان لا يحسن التصرف النساء وغيرهم.

* الشيخ: لا لا، النساء هذه؛ لأن الغالب أن المرأة ما تحسن التصرف، والصحابة رضي الله عنهم يذكرون الشيء أحيانًا على سبيل المثال ما على سبيل الحصر، فإذا قالوا: النساء، يعني مثل النساء.

* طالب: عدد الشهود عند الإشهاد؟

* الشيخ: عدد الشهود ما يثبت بهم الحق؛ وهو في الأموال رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي.

* طالب: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ إحنا عرفنا اليتيم ما دون البلوغ فإذا بلغ صار (...) ما صار؟

* الشيخ: لا، هذه مرتبة على اللي بعدها ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، هذا على ما بعدها، يعني: لا نقول مثلًا: متى زال اليتم أعطيناه المال لا ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾.

4:7Page 78

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ أَوۡ كَثُرَۚ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ٧

For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء ٧ - ١٠].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ نبدأ أولًا بالإعراب: ﴿لِلرِّجَالِ﴾ خبر مقدم، و﴿نَصِيبٌ﴾ مبتدأ مؤخر، وكذلك ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، وقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ﴾ هذه متعلقة بمحذوف صفة لـ﴿نَصِيبٌ﴾، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي: ذلك مما قل منه، وقوله: ﴿نَصِيبًا﴾ حال، حال من (ما) في قوله: ﴿مِمَّا قَلَّ﴾، و﴿مَفْرُوضًا﴾ صفة أو حال أخرى صفة لـ﴿نَصِيبٌ﴾ وهو أولى، ويجوز أن تكون حالًا أخرى، وهو مرجوح.

يقول الله عز وجل: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ﴿نَصِيبٌ﴾ أي: حظ، ولم يبينه هنا لكن بينه في آيات تأتي، والإجمال ثم التفصيل من البلاغة التامة؛ لأن الشيء إذا أجمل بقيت النفوس تتطلع إلى تفصيله، فيأتي التفصيل والنفوس متطلعة إليه، بخلاف ما لو جاء الشيء مفصلًا مباشرة، فإنه قد يرد على نفس ليست متشوقة إليه، فلا يلصق في الذهن ولا يصير له قوة في القبول، أعرفتم هذا؟ الإجمال أولًا ثم التفصيل ثانيًا من كمال البلاغة للوجه الذي ذكرناه لكم.

وقوله: ﴿الْوَالِدَانِ﴾ يعني: الأم والأب، أما الأم فظاهر أنها والدة، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة ٢٣٣]، وأما الأب فكذلك، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]، والولد لا بد له من والد، وكذلك جاء في الحديث: «لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ»[[أخرجه الترمذي (٢١٣٢) من حديث ابن عمر وابن عباس بنحوه.]]، فالوالد إذنْ يطلق على أيش؟ الأم والأب، أما الأم فظاهر، وأما الأب فللنصوص التي سمعتموها.

وقوله: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ولم يقل: والأقارب، (الأقرب) اسم تفضيل، وذلك لأن الميراث لا يتناول جميع الأقارب بل الأقرب فالأقرب، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٣٣)، ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث ابن عباس.]].

وخمسة من الورثة لا يمكن أن يحجبوا وهم الذين يتصلون بالميت مباشرة، وهم: الأب، والأم، والابن، والبنت، وأحد الزوجين، هؤلاء لا يمكن أن يحجبوا؛ لأنهم يرثون من الميت مباشرة.

وكذلك قال: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، وإنما نص على نصيب النساء بهذه الصيغة المساوية لنصيب الرجال تأكيدًا لحقهن، وإلا فمن المعلوم أن نصيب النساء دون نصيب الرجال ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١٧٦].

وكذلك قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١١]، لكن جاء بهذه الصيغة تأكيدًا لنصيب النساء؛ لأنهم في الجاهلية في أحكامهم الجائرة لا يورثون النساء يقولون: إنما الميراث لمن حمل السلاح وخاض المعارك وهم الرجال، وأما النساء فلا حق لهن في الميراث.

ولا شك أن هذا حكم مبني على الجور، ولو نظرنا بادي الرأي لقلنا: إن النساء أحق بالميراث من الرجال؛ لأنهن أعجز وأضعف عن التكسب من الرجال، لكن حكم الله سبحانه وتعالى أحسن الأحكام؛ جعل لهن نصيبًا وللرجال نصيبًا، ولكن لكثرة المسؤولية على الرجال جعل للذكر مثل حظ الأنثيين.

قال: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ يعني: نصيب من القليل أو الكثير، يعني: سواء خلف الميت أموالًا كثيرة أم أموالًا قليلة، لو خلف درهمًا واحدًا كان للرجال نصيب وللنساء نصيب، ولو خلف ملايين الملايين كان للرجال نصيب وللنساء نصيب، لا يقال: إنه إذا قل المال فلا نصيب للنساء، أو إذا كثر المال فلا نصيب للنساء، بل نقول: لا فرق بين قليل وكثير.

وقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ هذه الجملة ينبغي الوقوف عليها ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾؛ لأن ما بعدها ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ لا يتعلق بـ﴿كَثُرَ﴾ و﴿قَلَّ﴾، بل هو متعلق بمقدر، المعنى: جعل هذا نصيبًا مفروضًا، أو حال كونه نصيبًا مفروضًا، لكنه لا يتعلق بالفاعل في ﴿قَلَّ﴾ أو ﴿كَثُرَ﴾.

وقوله تعالى: ﴿مَفْرُوضًا﴾ المراد أنه محتم وليس المراد أنه مقدَّر؛ لأن ميراث الأولاد إذا اجتمعوا بنين وبنات ليس مقدرًا، ليس بفريضة بل هو تعصيب، ولكن المراد بالفرض هنا أيش؟ الحتم، كما تقول: فرضت الصلوات الخمس، أي: حتمت وألزم بها.

* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: تقديم الرجال على النساء حتى في الأمر الذي يشتركون في الاستحقاق فيه، وجه الدلالة: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾.

وهذا هو المشروع والمعقول والفطري أن يكون الرجال هم المقدمين على النساء، وعكس ذلك من عكس الله قلوبهم من الكفرة والمبهورين بهم؛ حيث (...) النساء على الرجال فيقولون مثلًا: أيها الأخوات والإخوة، أيها السيدات والسادة، هذا خطأ عظيم؛ لأن الرجال مقدمون على النساء قوامون عليهن، ولكن ليس بعد الكفر ذنب، هؤلاء الكفار يرون أن النساء لعب، فيقدمونهن جلبًا لقلوبهن وتعطفًا عليهن ليعطفن عليهن؛ لأنهم كما وصفهم الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢] ليس لهم هم إلا الدنيا، فجاء قليل البصيرة ضعيف الدين فأخذه هذه الحقارة منهم والتهموها من غير أن يقدروا النتائج، وأنهم بذلك مخالفون لطريقة الشريعة وللفطر السليمة وللعقول الحكيمة.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الدين الإسلامي هو الذي انتصر للمرأة وأعطاها حقها بعد أن كانت مهضومة في الجاهلية، وجهه؟ ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، ولكن الدين الإسلامي لم يعطِ المرأة أكثر من حقها، ولم ينزلها أكثر من منزلتها، بل أعطاها الحق اللائق بها، وهو معروف -والحمد لله- في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرجال والنساء المستحقين للميراث يستحقون منه، سواء كان المتروك خلف الميت كثيرًا أم قليلًا؛ لقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾.

* ومن فوائد الآية: التحذير مما يتهاون به بعض الناس اليوم، يموت الميت عن زوجته وبناته وله أبناء عم عصبة ليسوا في البيت، فتجد أهل الميت يأكلون من طعام البيت، وينتفعون بأجهزته -كالثلاجات وغيرها- دون أن يستأذنوا من لهم حق في الميراث، وهذا لا يجوز؛ لأنه إذا مات الميت فبدل أن يكون ماله له شخصيًّا صار موزعًا بين ورثته، كل وارث يستحق من هذا الميراث قلَّ المال أو كثر.

وهذه مسألة ينبغي لطلبة العلم أن ينبهوا العامة عليها؛ لأن العامة قد لا يفهمون وإلا فعندهم -ولله الحمد- ورع، عندهم ورع يردعهم عن هذا لكنهم لا يفهمون.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا النصيب واجب؛ لقوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.

* ومن فوائدها: جواز حذف ما يعلم، من أين؟ من قوله: ﴿مَفْرُوضًا﴾، فمن الفارض؟ الله، لكن حذف وبني الوصف للمفعول للعلم به، فهو كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] والذي خلقه؟ الله عز وجل.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском