Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:60–66, continued
ولهذا قال العلماء: للقلب عمل وللنفس حديث، فعمل القلب هو أن يستقر على الشيء ويأخذ به، فما هو الذي توعّد الله عليه في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾؟ الجواب: هو عمل القلب؛ أن الإنسان يعمل بقلبه، أي يطمئن للشيء الذي حدثته به نفسه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإعراض حيث لا ينفع الكلام؛ لقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة بآيات الجهاد، وليس كذلك، بل آيات الجهاد في شيء وهذه في شيء آخر؛ هذه في مجادلة المنافقين، والمنافقون لا يمكن أن يجاهَدوا بالسلاح؛ لأنهم يظهِرون أنهم مسلمون، ولا يمكن أن يجاهَدوا إلا بالعلم والبيان، فإذا بيّنّا لهم ولكن استمروا في الجدال فإننا نعرض عنهم.
ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: إذا أتاك مجادل فبيِّن له السنة ولا تجادله؛ لأنك إذا بيّنت له السنة جعلت الحجة عليه بين يديه، فإن جادل فإنه يجادل مَن؟ يجادل الله لا يجادلك أنت، بيِّن السنة ولا تجادل فيها مجادلًا؛ لأن الواجب على من تبيّنت له السنة أن يقبل بدون جدال.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا أعرض الإنسان عن هؤلاء المنافقين وأمثالهم فإنه لا يتركهم بدون موعظة، بل يعظهم لعلهم ينتفعون؛ لقوله: ﴿وَعِظْهُمْ﴾، وقد سبق لنا معنى الموعظة وهي؟
* طالب: تذكير الله مقرونًا بالترغيب والترهيب.
* الشيخ: التذكير مقرونًا بالترغيب والترهيب، نعم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا تكلم أن يتكلم بكلام بليغ يصل إلى النفس؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه من آداب المتكلم أن يتجه إلى المخاطب؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾؛ لأن كلمة (لهم) تعني أن يتوجه الإنسان القائل إلى مخاطَبه، فلا يتكلم وهو معرِض أو يتكلم وتلقاء وجهه إلى محل آخر، بل إذا أراد أن يتكلم مع شخص في موعظة فليكن اتجاه وجهه إلى هذا الرجل؛ لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾.
4:64Page 88
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا ٦٤
And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allāh. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muḥammad], and asked forgiveness of Allāh and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allāh Accepting of Repentance and Merciful.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أولًا الإعراب، قوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ هذه محلها النصب على أنها مفعول به، لكن دخلت عليها (من) الزائدة لتأكيد العموم؛ وعليه فنقول في إعرابها: ﴿رَسُولٍ﴾ مفعول به منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها أيش؟ اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
واعلم أنك إذا قلت في حرفٍ ما: إنه زائد، فلا تعني أنه زائد من حيث المعنى، بل هو زائد من حيث الإعراب، أما المعنى فإن جميع الحروف الزائدة يقولون: إنها من أدوات التوكيد، فكل حرف جر زائد فهو من أدوات التوكيد.
ثانيًا: قوله: ﴿لِيُطَاعَ﴾ اللام هذه للتعليل وليست للعاقبة، انتبه! ليش؟ لأنه ما كل رسول يُطاع، لكن الحكمة من الإرسال هو أن يطاع، فاللام هنا للتعليل.
قوله أيضًا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا﴾، (إذ) ظرف لما مضى، وليست ظرفًا للمستقبل، وتأتي (إذ) للتعليل لا ظرفية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩] يعني: لأنكم ظلمتم، وتقول: أتيتك إذ أتيتني، وإن كان وقت الإتيان الثاني غير وقت الإتيان الأول، لكن (إذ) هنا تكون للتعليل.
وفي الإعراب أيضًا (لو) يقولون: إنها مختصة بالأفعال وهنا دخلت على (أن)، فما هو الجواب عن هذه القاعدة التي تقول: إن (لو) مختصة بالأفعال مع أنها هنا لم تدخل على فعل؟ الجواب أن نقول: إن الفعل محذوف، والتقدير: ولو ثبت أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك، أما ﴿جَاءُوكَ﴾ فهي جواب (لو).
وقوله: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾، اللام أيضًا واقعة في جواب الشرط ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ إلى آخره.
يقول الله عز وجل إنه ما أرسل من رسول إلا ليُطاع بإذن الله، لم يرسل الرسل من أجل أن يُكذَّبوا ويُؤذَوا وإن كانت العاقبة قد تكون التكذيب والإيذاء، لكن الأصل في إرسال الرسل هو أيش؟ طاعته كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، يعني هذا هو الأصل في خلق الجن والإنس؛ أنهم خُلِقوا للعبادة لا للهو واللعب، ولكن هل هذا متحقَّق في كل واحد من البشر وكل واحد من الجن؟ لا.
إذن هذه الآية كالآية التي في سورة الذاريات، لكن التي في سورة الذاريات تتعلق بشهادة أن لا إله إلا الله، وهذه تتعلق بشهادة أن محمدًا رسول الله، هذه في الرسالة، وتلك في التوحيد، فالرسل ما أُرسلوا إلا ليطاعوا لا ليُكذَّبوا ويُؤذَوا ويُقتَلوا؛ لأن من الرسل من كُذِّب وأُوذِي وقُتِل، ومن الرسل من أُطيع.
وقوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، (إذنُ اللهِ) تعالى ينقسم إلى قسمين: إذن كوني، وشرعي، والمراد به هنا أيش؟ الشرعي، ويحتمل أنه الكوني، يعني ليطاع إذا أذِن الله تعالى بذلك كونًا، ومن الرسل الذين أُرسِلوا ليطاعوا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ولهذا فرّع عليه قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾، يعني لو أنهم حين ظلموا أنفسهم جاؤوك، يعني جاؤوك في حال ظلم أنفسهم، وذلك فيما وقع بينهم من خصومة، فتحاكموا إلى غير الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلو أنهم حين حصلت منهم هذه المظلمة، لو أنهم جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
وقوله: ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾، يعني حين ظلموا أنفسهم، وذلك بما وقع بينهم من نزاع وخصومة ﴿جَاءُوكَ﴾، أي جاؤوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن المراد جاؤوك في حال حياتك، ويدل لهذا قوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾؛ لأنه بعد موته لا يمكن أن يستغفر لهم؛ إذ إن عمله انقطع بموته كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ»[[أخرجه مسلم (٢٦٨٢ / ١٣) من حديث أبي هريرة]].
﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾، أي عما وقع منهم من ظلم، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ تأكيدًا لذلك، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
وهنا في قوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ فيها إظهار في موطن الإضمار، والأصل: واستغفَرتَ لهم، لكنه أظهر في موضع الإضمار تنبيهًا على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول، وأن استغفار الرسول له مزية على غيره؛ إذ إن دعوة الرسول مستجابة، فلهذا أتى بوصف الرسالة دون الضمير الذي هو في الأصل في هذا المكان.
﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ قلنا: اللام واقعة في جواب (لو)، وأن ﴿جَاءُوكَ﴾ هي خبر (أن)، والتقدير: ولو أنهم جاؤوك حين ظلموا أنفسهم فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول، فإعرابه إذن، نعيد الإعراب مرة ثانية: (إذ) ظرف، والظرف لا بد له من متعلَّق وهو متعلق بقوله: ﴿جَاءُوكَ﴾.
و﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ معطوفة على ﴿جَاءُوكَ﴾، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ معطوفة عليها أيضًا، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾ اللام واقعة في جواب (لو)، وعلى هذا فيكون جواب (لو) هو قوله: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾.
وقوله: ﴿تَوَّابًا﴾ التواب من أسماء الله سبحانه وتعالى، وتوبة الله تعالى تنقسم إلى قسمين: توبة بمعنى التوفيق للتوبة، وتوبة بمعنى قبول التوبة؛ فمن الأول قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾، ويش بعدها؟ ﴿لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨]، معنى ﴿تَابَ﴾؟
* طلبة: وفّقهم للتوبة.
* الشيخ: وفّقهم للتوبة، وقدّرها لهم، وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى ٢٥] فهو دليل على أن (التواب) تأتي بمعنى: قابل التوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر ٣]، إذن فالتواب من أسماء الله، وله معنيان؛ الأول: الموفِّق للتوبة، والثاني: القابل للتوبة.
وقوله: ﴿رَحِيمًا﴾ هي أيضًا من أسماء الله، فمن أسماء الله تعالى الرحيم، ورحمة الله تعالى تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق، وهي تكون للمؤمن وللكافر والبر والفاجر، لكنها في الدنيا فقط، وأما الخاصة فهي الخاصة بالمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]، وهي تكون في الدنيا وفي الدين أيضًا.
ثم اعلم أن رحمة الله تعالى وصف من أوصافه الثابتة له على وجه الحقيقة، وليست كما يزعم أهل التعطيل بمعنى: إرادة الإحسان أو الإحسان؛ لأن أهل التعطيل لا يؤمنون بأن الله له رحمة، ويقولون: كل ما وردت الرحمة فالمراد به الإحسان أو إرادة الإحسان، لماذا؟ لأنهم ظنوا أن الرحمة التي أثبتها الله لنفسه هي كرحمة المخلوق، فقالوا: إن الرحمة فيها نوع عطف وانفعال نفسي ورِقّة، وهذه لا تليق بالله.
فيقال لهم: إن هذه الأوصاف أو هذه المعاني التي زعمتموها أيش؟ خاصة برحمة مَن؟ المخلوق، أما الخالق فهو رحيم مع قوته وقدرته، على أن دعواكم أن الرحمة رقة ولين وذل دعوى كاذبة؛ فإنه قد يوجد سلطان قوي، جبروت، وربما يكون له رحمة، لكن من أجل تصورهم أن الرحمة التي أثبتها الله لنفسه هي كرحمة المخلوق أنكروا ذلك، وقالوا: لا يمكن أن يكون لله رحمة، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه الفتوى الحموية، قال: كل معطِّل فهو ممثِّل.
قد تستغرب هذا، تقول: كيف يعطِّل ونقول: إنه ممثِّل؟! لأنه إنما عطّل بناءً على التمثيل، بناءً على أنه إذا أثبت فقد مثَّل، فيكون مثَّل أولًا وعطَّل ثانيًا، مثاله هذه الصفة؛ الرحمة، ومثال آخر الوجه، قالوا: لا يمكن أن يكون لله وجه؛ لأنه لو كان له وجه لزم أن يكون مماثلًا للمخلوق، وهذا مستحيل، فنقول: الآن أنت مثَّلت أولًا وعطلت ثانيًا.
* * *
* في هذه الآية الكريمة فوائد، أولًا: إثبات الحكمة لله عز وجل في إرسال الرسل؛ لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: ثبوت قيام الأفعال الاختيارية لله عز وجل، بمعنى أنه تتجدد له الأفعال الاختيارية حسب المفعولات، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾؛ لأن إرسال الرسل يتجدد؛ أولهم نوح، وآخرهم محمد صلى الله عليهم وسلم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات تعليل أفعال الله، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة؛ أن أفعال الله وأحكام الله معلَّلة، لكن العلة قد تكون معلومة لنا وقد تكون مجهولة لنا، إما على سبيل العموم وإما على سبيل الخصوص.
معنى قوله: إما على سبيل العموم، أي أنها تكون مجهولة لكل البشر، أو مجهولة لبعض الناس دون بعض، وإلا فنعلم أن جميع أفعال الله وأحكامه كلها أيش؟ معلَّلة مربوطة بعلل وحِكَم وأسرار، لكن بعضها معلوم للخلق وبعضها غير معلوم.
لو قال لنا قائل: لماذا كانت صلاة الظهر أربعًا، لماذا لم تكن ثنتين أو ستًّا؟ نقول: الله أعلم، لا أحد يعلم، لا أحد من البشر يعلم.
ولو قال قائل: لماذا كان لحم الإبل ناقضًا للوضوء؟ من العلماء من يقول: الله أعلم؛ لأنه لا يأتي عن حكمة، ويقول: هذا تعبدي، علينا أن نتعبد لله وأن نتوضأ إذا أكلنا لحم الإبل ولا نسأل، ومن العلماء من يقول: بل هذا معلَّل بعلة، وهو ما للإبل من القوة والشيطنة، فإذا أكل الإنسان من هذا اللحم تأثر به، فيتوضأ من أجل أن تهبط هذه القوة التي حصلت له بأكل لحم الإبل، ولهذا أُمر الإنسان إذا غضب أن يتوضأ ليطفئ الوضوءُ حرارة الغضب.
وهكذا أيضًا أعطان الإبل؛ الصلاة في أعطان الإبل بعض العلماء فهِم الحكمة، وبعضهم لم يفهم الحكمة، وربما يختلف العلماء في العلة، فالنهي عن الصلاة في المقبرة ما العلة فيه؟ قال بعض العلماء: العلة أنه يختلط تراب المقبرة بصديد الموتى وما فيه من النجاسات، وقال بعض العلماء: بل العلة خوف الشرك، وأيهما أصح؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني قطعًا أصح، أولًا: لأنه ليس كل مقبرة تكون منبوشة، وثانيًا: الأصل أيش الطهارة أو النجاسة؟
* الطلبة: الطهارة.
* الشيخ: الطهارة، فالمهم أن جميع أفعال الله وأحكامه كلها معلَّلة، لكن منها ما هو معلوم العلة، ومنها ما لا يُعلم، ومنها ما يعلمه بعض الناس دون بعض.
* ومن فوائد الآية: أن الحكمة الشرعية قد يختلف الحكم فيها، وهي تؤخذ من قوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾، هذه هي الحكمة الشرعية في إرسال الرسل، لكن قد أيش؟ قد تتخلف، كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦] هذه هي الحكمة الشرعية، وقد تتخلف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإذن لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، والإذن نوعان: شرعي، وكوني، فمن الأول قوله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ [الشورى ٢١] شرعًا أو قدرًا؟
* طلبة: شرعًا.
* الشيخ: ولا يصح قدرًا؟
* طلبة: لا يصح.
* الشيخ: نعم، لا يصح؛ لأنه وقع، فقد أذِن الله به قدرًا، لكن لم يأذن به شرعًا، ومن ذلك أيضًا قول الله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُون﴾ [يونس ٥٩] أذن لكم شرعًا، وأما الإذن الكوني فكثير، مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ [البقرة ٢٥٥]، وكذلك هذه الآية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يبادر بالتوبة والاستغفار؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾.
* ومن فوائدها: أنه يُشرع لمن ظلم نفسه في المخاصمة والمحاكمة أن يأتي إلى الرسول ﷺ ليستغفر الله، ويطلب من الرسول أن يغفر له، وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام له الحكم وإليه التحاكم، فمن المشروع أن يأتوا إلى الرسول ويستغفروا الله عز وجل عنده، ويستغفر لهم الرسول عليه الصلاة والسلام.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان إذا ظلم نفسه فينبغي له أن يذهب إلى قبر النبي ﷺ ليستغفر الله عنده فيستغفر له الرسول.
* الطلبة: لا يجوز.
* الشيخ: لا يجوز؟ طيب الآية؟
* الطلبة: في حياته.
* الشيخ: نعم، الآية في حياته، لكن مع ذلك استدل بها أهل الغلوّ على أن الإنسان ينبغي له إذا أذنب ذنبًا أن يأتي إلى القبر النبوي فيستغفر الله ويستغفر له الرسول، واستدلوا لذلك بقصة مكذوبة؛ رجل أعرابي عَتْبي جاء إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام وأنشد:
يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ ∗∗∗ ..........................
إلى آخر البيتين، فلما نام رأى النبي ﷺ، وقال له: إن الله قد غفر لك[[ ذكرها ابن الجوزي في مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن (٢/ ٣٠١).]]، وهذه قصة مكذوبة، والآية تدل على بطلان هذا القول؛ لأن الآية تقول: ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾ و(إذ) للماضي ولّا للمستقبل؟
* طلبة: للماضي.
* الشيخ: للماضي، لو قال: إذا ظلموا، ربما يكون فيها شبهة، ولكنه قال: ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾، على أنه لو قال: إذا ظلموا، لم يكن فيها دليل؛ لأن قوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ يمنع أن يكون ذلك بعد موته قطعًا؛ إذ إن الرسول ﷺ لا يمكن أن يستغفر لهم بعد موته.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تاب واستغفر بصدق وإخلاص فإنه سيجد التوبة والرحمة؛ لقوله: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
وهل يُستثنى من ذلك ذنب؟ لا، مع التوبة لا يُستثنى ذنب، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣] هذه آية عامة، كل الذنوب.
وهناك آية مفصِّلة: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾.
رؤوس الذنوب العظيمة ذكرها الله: ﴿لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ هذا الشرك، ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ العدوان على النفس، وهو أعظم العدوان الجسدي، ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ عدوان على العِرض، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠].
وهل يشمل هذا المنافقين؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، يشملهم؛ للعموم، ولقوله تعالى في المنافقين خاصة: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ١٤٥، ١٤٦].
هل يؤخذ من الآية طلب الدعاء من الغير بأن تقول: يا فلان، استغفر الله لي؟ أو يؤخذ منه انتفاع الإنسان بدعاء غيره؟
* طلبة: الثاني.
* الشيخ: نعم، الثاني؛ وذلك لأنه ليس في الآية أنهم طلبوا من الرسول أن يستغفر لهم، لكن في الآية أنهم استغفروا الله واستغفر لهم الرسول، ولم يُذكر بآية الطلب، ومعلوم أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، فها هو النبي عليه الصلاة والسلام قال للصحابة: «إِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ » -أي السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين- «فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»[[أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥)، من حديث عبد الله بن مسعود.]].
وكذلك ذكر الله عن المؤمنين أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَان﴾ [الحشر ١٠]، وكذلك المسلمون يُصلُّون على موتاهم ويقولون: اللهم اغفر لهم وارحمهم، واغفر له وارحمه، وهذا محل إجماع؛ أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره.
ولكن هل يسأل غيره أن يدعو له؟ هذا محل خلاف؛ فمن العلماء من قال: لا بأس أن يسأل من الرجل الصالح أن يدعو له، واستدلوا بأن النبي عليه الصلاة والسلام يأتيه الرجل ويقول: يا رسول الله، ادع الله أن يغيثنا، فيدعو، وربما يسأل النبي ﷺ أن يدعو الله له بالمغفرة فيدعو له، وبأن الصحابة رضي الله عنهم توسَّلوا إلى الله تعالى في طلب السقيا بالعباس بن عبد المطلب[[أخرجه البخاري (١٠١٠) من حديث أنس بن مالك.]]، وبأن النبي ﷺ أمر من أدرك أُوَيْسًا القرني أن يطلب منه الدعاء[[أخرجه مسلم (٢٥٤٢ ( ٢٢٥) من حديث عمر بن الخطاب.]]، وبأن النبي ﷺ قال لعمر: «لَا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ » -أيش- «دُعَائِكَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٨٩٤)، وأحمد (١٩٥) من حديث عمر بن الخطاب.]].
ولكن كل هذه ليس فيها دليل؛ أما طلب الإنسان من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يدعو له فهذا خاص به؛ ولهذا لم يُنقل أن أحدًا جاء إلى أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي يقول: ادع الله لي.
وأما الاستسقاء بالعباس فلأن عمر رضي الله عنه قال: قم يا عباس ادع الله لنا، إنما طلبه أن يدعو لعموم المسلمين، ولا حرج أن تأتي لشخص تؤمل فيه الخير وإجابة الدعوة فتقول: ادع الله للمسلمين أن يغيثهم؛ لأنك لم تدعُ لنفسك.
وأما أويس القرني فهو خاص به؛ ولهذا نحن نعلم علم اليقين أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وفقهاء الصحابة أفضل منه، ومع ذلك لم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أحدًا أن يقول: اطلبوا من هؤلاء أن يدعوا لكم، لكن هذا خاص به فقط.
وعلى هذا فالأفضل ألا تسأل من أحد أن يدعو لك، لكن قيّد شيخ الإسلام هذا بما إذا قصدت نفعك الخاص، أما إذا قصدت نفع أخيك بثوابه على دعائه لك، وثوابه على دعاء الملَك له، فإن من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثل، أو ولك مثله[[أخرجه مسلم (٢٧٣٢ / ٨٥) من حديث أبي الدرداء.]]، قال: إنه إذا قصد هذا فقد قصد الإحسان إلى أخيه، فيكون غير داخل في المسألة المذمومة.
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ذكرنا يا شيخ، أن دعوة الرسل مُجابة.
* الشيخ: نعم، غالبًا.
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لـ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِم﴾ (...).
* الشيخ: يعني بما قدموا، أي: بسبب ما قدموا من المعصية.
* طالب: سألتني سؤالًا من الدرس الماضي وين إجابة السؤال؟
* الشيخ: أيش؟
* طالب: إطلاق البعض على الكل.
* الشيخ: إطلاق البعض على الكل، نقول: إنه إذا أُطْلِق البعض وأُرِيد الكل دلّ هذا على أن هذا البعض شرط في بقاء الكل، فذكر الأخ إشكالًا على ذلك في قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِم﴾، فقلنا: إنهم أجابوا عن هذا بأنه عبر بالأيدي، لا لأنها شرط في بقية البدن، ولكن لأنها آلة العمل غالبًا.
* طالب: يا شيخ.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: يا شيخ بارك الله فيكم، قوله ﷺ: «مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[أخرجه البخاري (٥٢٦٩) من حديث أبي هريرة.]]، ألا يشكل على يا شيخ ما رجحنا فيما سبق أن حديث النفس بحيث يحدِّث الإنسان نفسه ثم أنزل أن هذا نفاقًا؛ لأن هذا حدَّث نفسه واسترسل؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: سبق يا شيخ في..
* الشيخ: إنه لا يفطر.
* الطالب: يا شيخ هذا مثلًا هذا وقر في قلبك وفي صدرك أنه حدث نفسه وبدأ يسترسل، وكل مرة أراد مثلًا يعني يُنزل شهوته يسترسل ويقول: هذا حديث نفس.
* الشيخ: إيه صحيح.
* الطالب: ثم ينزل.
* الشيخ: إيه نعم.
* الطالب: ويقضي شهوته.
* الشيخ: ما فعل شيئًا.
* الطالب: وفي الحديث: «يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١ / ١٦٤) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: هذا ما ترك شهوته.
* الشيخ: ما فعل.
* الطالب: لكنه فعل يا شيخ، استرسل، حديث النفس هذا استرسل معه.
* الشيخ: بس الاسترسال هل حصل منه فعل؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ما حصل منه فعل، نعم، ولهذا قلنا: لو حصل فعل مثل أن يحرِّك ذكره مثلًا، أو يتمرغ على الأرض فسد صومه.
* طالب: رضي الله عنكم يا شيخ، أليس إذا سلمتُ على النبي ﷺ أن الله يرد إليه روحه ويسلِّم[[أخرجه أبو داود (٢٠٤١) من حديث أبي هريرة.]].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: السلام؟
* الشيخ: بلى.
* الطالب: قال بعضهم: بما أن الله عز وجل يرد إليه روحه، وقد ورد أن الأنبياء ليسوا بموتى في قبورهم فإنهم يصلُّون[[أخرجه أبو يعلى (٣٤٢٥)، والبزار (٦٣٩١) من حديث أنس بن مالك.]]، فإنهم ليسوا موتى، إذن ندعوهم سواء في حياتهم وبعد مماتهم؟
* الشيخ: هذا من أمور الغيب أو من أمور الشهادة؟
* الطالب: الغيب.
* الشيخ: هل أمور الغيب يُقتصر فيها على ما سمعنا، أو نأتي بشيء من عندنا؟
* الطالب: لا، على ما سمعنا.
* الشيخ: على ما سمعنا، فنقول: إن الله يرد روح الرسول فيرد السلام، لكن ما نتجاوز هذا، وإلا لقلنا: كيف أصبحت، أيش لونك اليوم، عساك طيب، ثم الحياة البرزخية غير الحياة الدنيوية، حتى الشهداء أحياء عند ربهم يُرزقون، لكن حياة البرزخ غير حياة الدنيا، وإلا لقلنا: إن الصحابة رضي الله عنهم جَنَوْا جناية عظيمة على الرسول، حيث دفنوه وهو حي.
* طالب: يا شيخ، أنت قلت: ابن كثير رحمه الله اللي ذكر القصة، كيف نجيبه؟
* الشيخ: نجيبه أنه غير معصوم، غير معصوم، وربما أنه في تلك الساعة ما حضره الكلام عليها على سندها.
* طالب: يا شيخ، بارك الله فيكم، ذكرتم تعريضًا في استنباط الفوائد التعريض بأهل البدع والقبوريين أنهم يلجؤون إلى الرسول ﷺ وهو ميت الآن، يا شيخ، لو فيه واحد من اللي بيفسر هذه الآية وأمامه بعض، يعني مجموعة منهم، أو يظن أنه منهم بعض الناس هل يستحسن أن يعرض عليهم هذه المسألة لينقضها؟
* الشيخ: لا بد أن يعرضها ليزيل الشبهة عنهم، لكن لا يعنِّف مثلًا في انتقادهم، بل يقول مثلًا: قد يفهم بعض الناس من هذه الآية كذا وكذا.
* الطالب: يعني ما يفعل مثلما فعلت يا شيخ.
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: كأنك استنبطتها (...) أولًا.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...) هذا الاستنباط أولًا، ما نذكر كما ذكرتم أن هذه فائدة وكذا؟
* الشيخ: الحكمة ضالة المؤمن، كَلِّمِ الإنسان بما يناسب حاله.
* طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، علمنا أن النبي ﷺ يظهر في.. إذا رأى أحدنا النبي ﷺ، ويعني يكون قد رآه، كما جاء في الحديث: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٩٩٣)، ومسلم (٢٢٦٦ / ١٠) من حديث أبي هريرة.]]، فإذا كان النبي ﷺ ظهر لأحدهم في المنام وقال له: إن فلان بن فلان قد غُفِر له، هل الرؤيا هذه تكون صدقًا؟
* الشيخ: أيش تقولون؟ يقول: إذا كان الشيطان لا يتمثل بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأن من رأى الرسول فهو حق، فرأيتُ الرسول فقال: أخبِر فلانًا بأن الله قد غفر له، كذا؟ هل أُخبر فلانًا، وهل يكون هذا حقيقة أن الله قد غفر له؟
الرسول أخبر بأنه من رآه فقط ولم يذكر عن كلامه شيئًا، وكما قلت لكم: أمور الغيب نقتصر فيها على ما ورد، ولا نقول مثلًا: لو أن الرسول حدثنا بحديث فإننا نأخذ به، ولا يَرِدُ علينا ما ذكرناه لكم من قصة شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن ما ذكره شيء جاءت به السنة وهو الاشتطاط في الدعاء، بل جاء به القرآن.
4:65Page 88
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥
But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muḥammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.
No commentary for this ayah
4:66Page 89
وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا ٦٦
And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء ٦٦ - ٧٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق الكلام على قوله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، وأخذنا فوائدها.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، أيضًا تكلمنا على أول هذه الآية من حيث التفسير والإعراب.
يقول عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ﴾؛ وذلك لأنهم يكرهون ما يؤلمهم ويؤذيهم في الدنيا، ولا يهمهم إذا كُفُوا هذا الأمر أن يكونوا طائعين أو عاصين.
وقوله: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لا يراد به أن يقتل الإنسان نفسه، بل يراد به أن يقتل أخاه؛ لأن أخا الإنسان بمنزلة نفسه، ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات ١١]، ومعلوم أن الإنسان لا يلمز نفسه وإنما يلمز أخاه.
وقوله: ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، هذا أيضًا من الأمور المكروهة للنفوس؛ أن يُخرَج الإنسان من بلده، فإن ذلك من أكره ما يكون على النفوس؛ يدع وطنه الذي عاش فيه، ويدع أملاكه، ويدع الأرض التي كان يعرفها، شاقٌّ على النفوس، لو فرضنا عليهم ذلك ما انقادوا إلا قليل منهم، ما فعلوه إلا قليل منهم؛ وذلك لإيثارهم الدنيا على الآخرة.
وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ هذا استثناء، والقليل يعني ما دون النصف، والكثير النصف فما فوق، لكن يقال لما فوق النصف: إنه أكثر، ويقال لما دونه: إنه الأقل.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ يعني: لو أن هؤلاء الذين تحاكموا إلى غير الرسول عليه الصلاة والسلام، وأُمروا أن يتحاكموا إلى الرسول، ﴿لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، والذي يوعظون به هو الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في الحال والمآل، ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي: أشد إثباتًا على الحق؛ لأن الإنسان كلما ازداد طاعة لله ازداد إيمانًا ويقينًا وثباتًا.
* فمن هذه الآية يستفاد أولًا: بيان ضعف الإنسان، وأنه لا يستطيع أن يتحمل كل ما أُمر به إذا كان لا يلائمه، لا سيما مع ضعف الإيمان، خصوصًا إذا قلنا: إن هذه الآية نزلت في المنافقين.
* ومن فوائدها: أن قتل الناس بعضهم بعضًا من أشق ما يكون على النفوس.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإخراج من الديار هو من الشاق على النفوس؛ لأن الله تعالى ضربه هنا مثلًا ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الناجي من العباد قليل؛ لقوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، ففتش نفسك هل أنت من هؤلاء القليل أو من الكثر؟ وهذا الحكم يشهد له ما ثبت في الصحيحين وغيرهما «أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»، يعني واحد في الألف من أهل الجنة والباقون من بني آدم من أهل النار، «فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ فَقَالَ: «أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّكُمْ فِي أُمَّتَيْنِ مَا كَانَتَا فِي شَيْءٍ إِلَّا كَثَرَتَاهُ؛ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ»، ثم قال: « إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَشَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. ففرح الصحابة بذلك وكبَّروا.
هذا يدل على أن بني آدم الأقل القليل منهم هم الذين ينجون من النار، والباقون من أهل النار، نعوذ بالله منها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن طاعة الله سبحانه وتعالى سبب لكل خير؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن الأحكام الشرعية مواعظ؛ ولهذا سمى الله القرآن موعظة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٥٧].
ووجه كون الأوامر والنواهي موعظة أن الإنسان يتَّعظ بها فيمتثل الأمر ويجتنب النهي، وكثير من الناس لا يفهم من كلمة (موعظة) إلا ما كان مقرونًا بالترغيب أو الترهيب، وهذا ليس بشرط.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تفاضل المنازل بين العباد؛ لقوله؟
* طالب: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الثبات على الحق يختلف؛ منه الشديد القوي، ومنه الضعيف، ومنه المتوسط؛ لقوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى عظيم ما يحصل في المستقبل، وأن الإنسان يُخشى عليه من الزلل إلا أن يثبِّته الله؛ لقوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾؛ لأن التثبيت على غير مواطن الزلل لا يُذكر، إنما يُذكر التثبيت في حال مواطن الزلل.
ومعلوم أن الإنسان يَرِد عليه في حياته شبهات ويَرِد عليه شهوات، فالشبهات تدك العلم وتُذهب العلم، والشهوات تدك الإرادة، حتى يصبح الإنسان لا يريد إلا ما يهواه فقط، وهذه آفة؛ فالإنسان يحيط به شيئان: شبهة يزول بها العلم، شهوة تزول بها الإرادة، فإذا لم يثبِّته الله بالعلم والإرادة الصادقة والعزيمة الجازمة فإنه يهلك.
هل يؤخذ من هذا أن الإيمان يتفاوت؟
* طالب: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾.
* الشيخ: هل يؤخذ؟ أنا لا أريد أن تأتي بالدليل.
* الطالب: يؤخذ.
* الشيخ: يؤخذ، وجه ذلك؟
* طالب: قوله: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾.
* الشيخ: وجهه؟ (خير) هذه ماذا ترى فيها؟ هل هي اسم تفضيل أو لا، أسألك؟
* الطالب: اسم تفضيل.
* الشيخ: اسم التفضيل يقتضي وجود مُفضَّل ومُفضَّل عليه، وهذا هو التفاوت، وكذلك يؤخذ من قوله أيش؟ ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أن الإيمان يتفاوت.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences