Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:84–86
4:84Page 91
فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا ٨٤
So fight, [O Muḥammad], in the cause of Allāh; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allāh will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allāh is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.1
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء ٨٤] الفاء عاطفة، و﴿قَاتِلْ﴾ فعل أمر، والخطاب للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، ولا يظهر أن يكون الخطاب موجهًا لمن يتأتى خطابه؛ لقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، و﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ﴿قَاتِلْ﴾.
﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ في هذه الآية إشكال ما هو؟ أيش الإشكال؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إشكال من حيث الإعراب؟
* الطالب: نصب ﴿نَفْسَكَ﴾.
* الشيخ: والقاعدة؟
* الطالب: القاعدة الرفع.
* الشيخ: الرفع على أنها؟
* الطالب: على أنها نائب فاعل.
* الشيخ: على أنها نائب فاعل، هذا ما يتبادر إلى ذهن بعض الناس، كالذي قرأ إن استثنى من حيوان يُؤكل رأسه، لكن الواقع أن الأمر ليس كذلك؛ لأن قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ نائب الفاعل مستثنى، يعني: لا تكلف أنت أحدًا إلا نفسك، يعني: لا نكلفك أحدًا من الناس بل نكلفك أيش؟ نفسك، وعلى هذا فتكون (نفس) هنا في مقام المفعول الثاني لـ﴿تُكَلَّفُ﴾، والمفعول الأول هو أيش؟ نائب الفاعل المستتر.
﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: حثهم على القتال، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بأسهم أي: شدتهم، و(عسى) إذا جاءت من الله عز وجل فليست للترجي؛ لأن الله تعالى لا يترجى؛ إذ إن الرجاء في مقابل الشيء الصعب، ولكن الله على كل شيء قدير؛ ولهذا قيل: (عسى) من الله في القرآن واجبة، أي: واقعة حتمًا ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولكن الله عز وجل يجعلها على هذه الصيغة حتى لا يأمن الإنسان مكر الله عز وجل.
﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ يقول الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: قاتل في سبيل الله حتى وإن لم يقاتل معك أحد لا تكلف إلا نفسك، أما وظيفتك مع المؤمنين فهي وظيفة التحريض؛ حرضهم على القتال، لكنك مكلف بهم تأثم إذا لم يقاتلوا، لا، ليس كذلك، ثم إذا قاتلت وحرَّضت المؤمنين وقاتلوا فحينئذٍ يكون النصر، فيكفّ الله سبحانه وتعالى بأس الذين كفروا. ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ إذن هذه الآية لها ارتباط بما سبق؛ لأن المقام كله مقام بيان المنافقين الذين هم أذل الناس وأخذلهم عند القتال.
* في هذه الآية فوائد كثيرة؛ منها: وجوب القتال في سبيل الله؛ لقوله: ﴿قَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، وقد اختلف العلماء رحمهم الله: هل قتال المؤمنين للكافرين قتال طلب أو قتال دفاع؟ والصواب: أنه قتال طلب، لكنه ليس لإكراه الناس على الإيمان؛ لأن هذا لا يمكن كما قال تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٩٩]، لكنه قتال طلب أن يكون دين الله هو الأعلى وكلمته هي العليا، فإن آمن فهو في الطبقة العليا، وإن بقي الإنسان على كفره واستسلم لحكم الله -أي لدين الله- فبذل الجزية فحينئذٍ نقره، لكنه في بذل الجزية يكون ذليلًا أو عزيزًا؟
* طلبة: ذليلًا.
* الشيخ: يكون ذليلًا.
إذن لو سألنا سائل: هل قتال الكفار قتال دفاع أو قتال طلب؟ فالجواب: قتال طلب، لكنه ليس قتال إكراه على الإسلام؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، وهذا الاستفهام للإنكار، وكذلك يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة ٢٥٦]، لكنه يطلب قتال طلب أيش؟ ما هو المطلوب؟ أن تكون كلمة الله هي العليا، هذا المطلوب، يكون الإسلام هو الظاهر المهيمن، من أسلم فهو في الإسلام وفي ظله وهو في الطبقة العليا من طبقات بني آدم، ومن لم يُسلم فهو في ظل الإسلام أيضًا إذا بذل الجزية عن يد وهو صاغر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإخلاص؛ لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ما عدا سبيل الله فبماذا يوصف؟
* طالب: في سبيل الطاغوت.
* الشيخ: في سبيل الطاغوت، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٧٦].
أسباب القتال أو الحوامل على القتال كثيرة؛ منها: أن تكون كلمة الله هي العليا، وهذا في سبيل الله.
ومنها: الحمية؛ يقاتل لقوميته، وهذا في سبيل الطاغوت، المقاتل حمية في سبيل الطاغوت اللهم إلا أن يقول: إني أقاتل حمية؛ لأن قومي مسلمون فأقاتل دفاعًا عن إسلامهم فحينئذٍ يكون قاتل أيش؟ في سبيل الله.
يقاتل شجاعة، هذا أيضًا ليس في سبيل الله، هذا في سبيل الطاغوت، ولكن كيف يقاتل شجاعة؟ الإنسان الشجاع يحب أن يقاتل، ويجد ألذ شيء في حياته أن يكون مقاتلًا في صف القتال فهو قُرَّة عينه، فحينئذٍ يقاتل شجاعة، هذا ليس في سبيل الله.
يقاتل ليتخلص من الدنيا؛ لأنه أصابته ضائقة فأراد أن يقاتل ليُقتل حتى يستريح من الدنيا؟ ليس في سبيل الله، هذا في سبيل الطاغوت، وربما نقول: إنه قاتل نفسه لو قُتل؛ لأنه ما أراد أن تكون كلمة الله هي العليا، لكنه بدل أن ينتحر بنفسه فيأخذ السكين ويقد بطنه ذهب يعرض رقبته لسيوف الأعداء، هذا ليس في سبيل الله.
يقاتل رياء ليقال: ما أشجع الرجل! هذا ليس في سيبل الله، هذا في سبيل الطاغوت -والعياذ بالله- وربما يكون هذا أخطرهم؛ لأنه أظهر أنه يريد التعبّد لله وهو عابد لهواه.
على كل حال أسباب القتال كثيرة وبواعثه كثيرة، لكن متى يكون في سبيل الله، يبين لنا؟
* طالب: إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
* الشيخ: إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا. بارك الله فيك.
* من فوائد هذه الآية: أنه لا يكلف أحد هداية أحد، حتى الرسول ﷺ الذي هو أهدى الخلق وأعظمهم هداية لا يمكن أن يكلف هداية أحد، دليله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾.
وعليه: فإذا دعوت إلى الله، أمرت بمعروف نهيت عن منكر ولم يستجب لك فإن الله قال لنبيه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]، لا تهلك نفسك، لا يكن في صدرك حرج ولا ضيق ما دمت قمت بالواجب، فإن أزِمَّة القلوب بيد من؟ بيد الله عز وجل ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود ١١٨]، كثير من الناس عنده غيرة ومحبة للخير، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله، فإذا لم يُجب ضاق صدره حتى اختلت عباداته بنفسه، وصار يهتم وينشغل بأحوال الناس عن أحوال نفسه، وهذا غلط، هذا كالنار تحرق نفسها وتضيء لغيرها، ومع ذلك قد يكون غيرها رطبًا لا يتأثر بها ولا يضيء بها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان مراعاة نفسه وقيادتها للحق؛ لأنه مكلف إياها؛ لقوله أيش؟ ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ أنت مكلف بنفسك، يجب أن تجرها إلى ما فيه الخير، وأن تنهاها عما فيه الشر، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف ٥٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من قام بالواجب في حق نفسه فلا ينسى إخوانه؛ لقوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حثهم على القتال، فإن استجابوا فذلك مطلوب، وإن لم يستجيبوا فقد أبرأت ذمتك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن محل التحريض للقتال -أي قتال المشركين- هم المؤمنون؛ لأنه لم يقل: حرّض الناس، بل قال: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فالمؤمن هو الذي ينفع فيه التحريض على القتال في سبيل الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه مهما بذلنا من الجهد والجهاد والإعداد فإن الأمر بيد الله لقول الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني: بعد اجتهادك وتحريضك المؤمنين على القتال واستعدادكم وإعدادكم الأمر بيد الله ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال لأهل السنة بأن أعمال العباد مخلوقة لله عز وجل، منين تؤخذ؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: ﴿أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
* الشيخ: نعم، فنسب ذلك إليه مع أن هذا يأتي بفعل المؤمنين، لكن نسبه الله إليه، وأحيانًا يأتي بغير فعل المؤمنين مثل قوله تبارك وتعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب ٢٥].
ولنقف عند هذه النقطة لأهميتها، إذا قلنا: إن الله تعالى خالق أفعال العبد، فما وجه ذلك؟ وجه ذلك أن نقول: أفعال العباد لا تقع إلا بأمرين؛ هما: أولًا: الإرادة، والثاني: القدرة، الإرادة في القلب والقدرة في الجوارح، الإرادة وصف، لمن؟ للعامل، للإنسان، والقدرة كذلك وصف، وصف قائم بذاته، والخالق للذات هو الله بالاتفاق، وخالق الذات خالق لأوصافها، وبهذا نعرف أن أفعال العباد مخلوقة لله عز وجل؛ لأنها صادرة عن إرادة جازمة وقدرة لا عجز فيها على هذا المقدور، وكلاهما وصفان في مخلوق، ووصف المخلوق يكون مخلوقًا.
ويبقى النظر هل الإنسان مجبر أو مخير؟ نقول: مخير، ليس مجبرًا؛ ولهذا إذا وقع الفعل عن إجبار لم يؤاخذ به الإنسان حتى لو كان أكفر شيء ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل ١٠٦].
فالإنسان إذن أيش؟ مخيّر لا شك، لكننا نعلم أنه لن يفعل فعلًا أو يترك شيئًا إلا بعد مشيئة الله، إلا أن هذه المشيئة -أعني مشيئة الله- لا يمكن الاطلاع بها إلا بعد وقوع المشاء، صح ولَّا لا؟
* الطلبة: صح.
* الشيخ: لأن مشيئة الله غيب، لا ندري عنها حتى يقع الشيء، إذا وقع الشيء علمنا أن الله شاءه، أما قبل ذلك لا نعلم، فلا يكون في ملك الله عز وجل ما لا يشاؤه أبدًا، كل ما في الكون فهو في مشيئة الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين لهم بأس وقوة، لكنهم تحت قوة الله؛ لقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وأنت لا تنبهر بقوة الأعداء، فإنهم ليسوا عند قدرة الله شيئًا، ليسوا شيئًا، فرعون كان يفتخر بأن الأنهار تجري من تحته، وبماذا هلك؟
* طالب: بالماء.
* الشيخ: بالماء اللي هو من الأنهار، عادٌ افتخروا بقوتهم وقالوا: من أشد منا قوة؟ فأهلكوا بالريح اللطيفة السهلة، الأحزاب أعجبتهم كثرتهم وحاصروا المدينة، وأجلاهم الله تعالى بالريح، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠/١٧) من حديث ابن عباس.]]، كذلك أيضًا الأمم الأخرى قوية شديدة أهلكها الله عز وجل، لو شاء الله عز وجل لأنزل على مصانع القنابل الذرية صواعق، رُب صاعقة واحدة تدمر كل ما صنعوا، لكن الله عز وجل له حكمة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾، ثم سلّى المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد ٤ - ٦]، اللهم اجعلنا منهم.
إذن الله عز وجل قادر على كف بأس الكافرين وإن قووا، لكنه حكيم عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استعمال اسم التفضيل في الصفات المشتركة بين الله وبين الخلق، أين؟
* طلبة: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾.
* الشيخ: ﴿أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾، وهذا لا أقول: جواز اللي هو ضد المحرم، لكن جواز الذي هو ضد المستحيل فيكون هذا واجبًا، وقد تعجب من بعض العلماء رحمهم الله أنهم يمتنعون من اسم التفضيل، ويحولونه إلى اسم فاعل خوفًا من تنقص الله عز وجل، فيقولون: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ [الأنعام ١١٧] أي: إن ربك هو عالم، سبحان الله أنت أعلم بالله من نفسه! الله يقول عن نفسه: أعلم وأنت تقول: عالم؟
ثم إنك أيها المسكين إذا قلت: الله عالم جعلته مع الخلق مشاركًا على وجه السواء، لكن إذا قلت: أعلم جعلته أعلم من الخلق، ولا يمكن أن يكونوا مثله، لكن مشكلة الأمر أن الإنسان إذا لم تكن نيته على الاستقامة الطيبة -ولا ندخل في النيات- لكن من أراد الحق تبين له طريق الحق، والأمر واضح.
وعلى هذا فنقول: استعمال اسم التفضيل في الصفات المشتركة بين الله وبين الخلق هو الواجب، للإنسان علم والله أعلم، للإنسان قدرة والله أقدر، له قوة والله أقوى، له سمع والله أسمع، له بصر والله أبصر، وهلم جرًّا، له حياة والله أكمل؛ أكمل الحياة، وامشِ على هذا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات البأس والتنكيل لله عز وجل، وهذا أيضًا جاءت بالقرآن: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة ٦٦]، ينكّل الخلق أي: يحذرهم من أن يقعوا فيما يكون سببًا لعقوبتهم.
4:85Page 91
مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا ٨٥
Whoever intercedes for a good cause will have a share [i.e., reward] therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a portion [i.e., burden] therefrom. And ever is Allāh, over all things, a Keeper.1
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] (من) هذه شرطية، فعل الشرط (يَشْفَعُ)، ردوا علي أنا غلطت.
* طلبة: ﴿يَشْفَعْ﴾.
* الشيخ: ﴿يَشْفَعْ﴾، ولا يجوز (يَشْفَعُ)؟ لا؛ لأن (مَن) شرطية تجزم ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾، وجواب الشرط قوله: ﴿يَكُنْ﴾.
وقوله: ﴿يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ أي: حفيظًا، يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ الشفاعة هي جعل الوتر شفعًا، يقال: شفع الشيء؛ جعله شفعًا بعد أن كان وترًا، فإذا جعلت الثلاثة أربعة؟ هذا شفع، الخمسة ستة شفع، لكنها في الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، شفاعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أهل الموقف أن يُقضى بينهم من أي قسمين؟ من دفع المضرة، وفي أهل الجنة أن يدخلوها من جلب المنفعة.
هنا يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ يشفع شفاعة حسنة إما أن يكون المراد حسنة بالنسبة للمشفوع له وإن لم تكن من الحسنات الشرعية، وإما أن تكون حسنة؛ أي من الحسنات الشرعية، وكلاهما صحيح، من يشفع شفاعة حسنة شرعًا أو حسنة باعتبار المشفوع له.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذن الأحوال أربعة، الأول؟
* طالب: الأول: ما اتفق على الإضافة والقطع.
* الشيخ: وحينئذٍ الثاني؟
* الطالب: أن تضاف.
* الشيخ: أن تضاف لفظًا ويوجد المضاف إليه وحينئذٍ تعرب، ومعروف أنها لا تنون. الحال الثالثة؟
* الطالب: أن تنوى الإضافة له.
* الشيخ: أن تنوى الإضافة له، وحينئذٍ؟
* الطالب: تضاف.
* الشيخ: بتنوين ولَّا بغير تنوين؟
* الطالب: بغير تنوين.
* الشيخ: نعم. الرابع؟
* طالب: أن يكون هناك إضافة صريحة وحينئذٍ تعرب.
* الشيخ: أيش؟ قلناها يا شيخ.
* الطالب: هذا واقع.
* الشيخ: لا، قلناها الآن.
* طالب: أن تنوى الإضافة.
* الشيخ: أن يحذف المضاف وينوى معناه، وحينئذٍ؟
* الطالب: تعرب (...).
* الشيخ: خطأ، تُبنى على إيه؟
* طالب: تبنى على الضم.
* الشيخ: شنو؟ تُبنى على الضم؟ تأكد.
* الطالب: إي، إذا حذف المضاف إليه ونُوي معناه.
* الشيخ: إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه.
* الطالب: يبنى على الضم.
* الشيخ: حذف ونوي معناه، الحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١) واللفظ له، ومسلم (٥٤) من حديث عمر بن الخطاب.]] هذا نوى.
* الطالب: أين الإشكال؟
* الشيخ: الإشكال إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه فماذا نصنع في إعرابها؟
* طالب: تُبنى على الضم.
* الشيخ: تُبنى على الضم؟
* طالب: تبنى على الكسر.
* الشيخ: تبنى على الكسر، من قاله؟ الظاهر من القول أنه انكسر يعني..، ما تقولون في قول أحمد؟
* طلبة: صحيح.
* الشيخ: صحيح؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: إي، تمام، فإن نوي لفظه، شوف إذا نوي لفظه أُعربت بدون تنوين، واضح يا شباب؟
* طالب: والله يا شيخ، غير واضح.
* الشيخ: ما عندي أكثر من هذا.
* طالب: شيخ، الآن الأخذ والرد كثير جدًّا.
* الشيخ: ما فيه أخذ ورد، وُجد المضاف إليه، حُذف، حذف ونُوي لفظه، حُذف ونوي معناه، ما فيه إشكال.
* الطالب: (...).
* الشيخ: عرفته، أنت عرفت ولَّا لا؟ لا إله إلا الله! ما خلتك هذا، وُجد المضاف إليه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: حُذف المضاف إليه، حُذف ونوي لفظه، حُذف ونوي معناه، هل ترى شيئًا أوضح من هذا؟
* الطالب: الآن واضح يا شيخ.
* الشيخ: واضح؟ هذا هو الأول، لكن..، تبنى في حال واحدة فقط، تبنى على الضم في حال واحدة: إذا حذف المضاف إليه ونُوي معناه، يعني: ما نوي لفظه، معناه.
وفي الحقيقة: إن الإنسان قد يعجز عن معرفة هل نوي اللفظ أو نوي المعنى، فما هو العلامة؟ العلامة إن رأيتها مبنية على الضم فالمنوي المعنى، وإن رأيتها معربة بدون تنوين فالمنوي اللفظ، وفي الحقيقة هنا ما نعرف ما هو المنوي إلا بأثره، إن بُنيت فالمعنى منوي، إن لم تُبنَ فاللفظ، إذا لم تنون، فإن نونت؟
* طلبة: مقطوعة عن الإضافة.
* الشيخ: مقطوعة عن الإضافة، يعني كأن المتكلم لا يطرأ على باله أن تكون مضافة.
* طالب: (...).
* الشيخ: يقول الطالب: سمعت بعض الدعاة يذكر في قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ قال: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأمته تتأسى به، فيجب على كل فرد من الأمة الإسلامية أن يفرط للقتال حيث لو لم يخرج للقتال سواه، فما قولكم في هذا تفسير هذا الداعية؟
نقول: هذا غلط، ولم يقل به أحد من العلماء، لكن نقول: إن هذا يقصد به حث الصحابة على أن يخرجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام.
يقول: هل يجوز جمع العصر مع صلاة الجمعة في حالة السفر جمع تقديم؟
الجواب: لا يجوز أن تجمع العصر إلى الجمعة؛ وذلك لأن السنة إنما وردت في الجمع بين الظهر والعصر، والجمعة ليست ظهرًا.
* طالب: شيخ، تتمة لهذا السؤال: أوليس الجمعة مبدلًا عن الظهر؟
* الشيخ: لا، ليست بدلًا عنها، مستقلة ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة ٩] هي مستقلة، الظهر بدلًا عنها إذا فاتت.
* طالب: يعني لو فاتتنا يومًا الجمعة وصليناها ظهرًا فرضًا، فهل نجمع بينها وبين العصر؟
* الشيخ: إي نعم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء ٨٥- ٨٧].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، أظن أننا شرحنا الآية.
* طلبة: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً﴾ فقط.
* الشيخ: فقط؟ الإعراب: ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾ هذه جملة شرطية، فعل الشرط فيها ﴿يَشْفَعْ﴾، وجواب الشرط ﴿يَكُنْ﴾، وكذلك يقال في ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾، والبقية واضحة.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ قيل: من يشفع لأخيه شفاعة حسنة أي: يتوسط له؛ لأن الشفاعة هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، وقيل: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ أي: ينضم إلى من يفعل الحسنات فيفعل مثله؛ لأنها جاءت بعد قوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ يعني: فمن شفع وقاتل معه فقد شفع شفاعة حسنة فيكون له نصيب منها.
والآية تحتمل المعنيين، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين لا منافاة بينهما فالواجب حملها عليهما جميعًا لما في كلام الله عز وجل من سعة المعنى، أما إذا كان أحدهما لا يتفق مع الآخر فالواجب طلب المرجِّح ليؤخذ به.
وقوله: ﴿حَسَنَةً﴾ الحسنة ما يحسن فعله من قول أو فعل، ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ أي: حظ وجزء مما شفع؛ لأنه أعان على الخير على أحد الاحتمالين السابقين، أو نصر أخاه على الاحتمال الثاني.
﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ يقال فيها كما قيل في الأول، ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ أي: يشارك ذا سيئة في سيئته؛ أي: فيكون شفعًا له، أو المعنى: يشفع لأحد شفاعة سيئة مثل أن يشفع له في الوصول إلى شيء محرم، فهذه شفاعة سيئة.
وقوله: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ الكفل هو النصيب، وإذا كان هو النصيب، فلماذا غاير الله سبحانه وتعالى بين الحسنة وبين السيئة فقال في الحسنة: ﴿نَصِيبٌ﴾ وقال في السيئة: ﴿كِفْلٌ﴾؟ قيل: إن الكفل هو النصيب فيما يسوء، والنصيب هو الحظ فيما ينفع، وقيل: إنما غاير بينهما من أجل اختلاف اللفظ؛ لأن اختلاف اللفظ من أساليب البلاغة حيث لا يتكرر اللفظ مع اللفظ الآخر في مكان واحد، فعلى المعنى الأول يكون الخلاف بين النصيب والكفل خلافًا معنويًّا، وعلى الثاني يكون خلافًا لفظيًّا، لكن المعنى الأول يرد عليه أن الله سبحانه وتعالى سمى الأجر والثواب كفلًا في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد ٢٨]، فيترجح القول الثاني وهو: أنه إنما غاير بينهما من أجل أيش؟ من أجل اختلاف اللفظ حتى لا يرد لفظ واحد بسياق واحد بمعنى واحد.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ (كان) هذه ترد كثيرًا في القرآن العظيم مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء ١٣٤] ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦]، فهل (كان) هنا يراد بها الزمان والاتصاف بالمعنى، أو الثاني فقط؟ الثاني فقط؛ لأن الله لم يزل ولا يزال موصوفًا بالسمع والبصر والمغفرة والرحمة وما أشبه ذلك، وعلى هذا فكان هنا في هذا السياق وأمثاله مسلوبة الزمن؛ لأنه لو لم تكن مسلوبة الزمن لكانت دلالتها على أن الله متصف بهذه الصفات في زمن مضى وانقضى.
وقوله: ﴿مُقِيتًا﴾ معناها: إما مقتدرًا وإما حفيظًا، فقال بعضهم: معنى المقيت: الحفيظ، وقال بعضهم: معنى المقيت: المقتدر، وكلاهما صحيح، كلاهما جاءت هذه الكلمة في اللغة العربية ولا منافاة بينهما.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على الشفاعة الحسنة؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾.
* ومنها: الحث على التعاون على البر والتقوى، وذلك بإعطاء نصيب من المتعاونين على ما تعاونوا عليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من الشفاعة السيئة.
* ومن فوائدها: أن من شارك في عمل سيء كان له نصيب منه، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء ١٤٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن وفصاحته، على القول بأن الاختلاف بين النصيب والكفل لفظي.
* ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى مُقيت على كل شيء، أي: مقتدر عليه، ويلزم من هذا أن يحذر الإنسان من مخالفة الله؛ لأن الله تعالى حفيظ عليه ومقتدر عليه.
4:86Page 91
وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا ٨٦
And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed Allāh is ever, over all things, an Accountant.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء ٨٦] ﴿إِذَا﴾ شرطية لكنها غير جازمة، وفعل الشرط فيها قوله: ﴿حُيِّيتُمْ﴾، وجواب الشرط: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ﴾، و(أحسن) هنا نجد أنها دخل عليها حرف جر ولكنها لم تكن مكسورة، فلماذا؟ لأنها ممنوعة من الصرف، والمانع لها من الصرف الوصفية ووزن الفعل.
وقوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ هذه للتنويع؛ يعني: إن هذا أو هذا.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ لا إشكال فيها.
يقول الله تعالى: ﴿إِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ فما هي التحية؟ التحية هي البقاء، مأخوذة من (الحياة)، فمعنى (حيَّاه) أي: دعا له بالحياة والبقاء؛ ولهذا نقول في قول المصلي: (التحيات لله) أي: جميع ألفاظ العظمة والبقاء ثابتة لله، وقوله: ﴿بِتَحِيَّةٍ﴾ نكرة في سياق الشرط يعم أيَّ تحية، كل ما يدل على أن هذا تحية فإنه داخل في الآية الكريمة.
وقوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ أي: ردوا هذه التحية بأحسن منها بالكمية والوصفية، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي: حيوا بمثلها، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ أي: محاسبًا لكل أحد، كل شيء فالله حسيبه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]، وقيل: معناه ﴿حَسِيبًا﴾ أي: كافيًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، والمعنيان صحيحان.
* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: وجوب رد التحية؛ لقوله: ﴿فَحَيُّوا﴾ والأصل في الأمر الوجوب.
* ومن فوائدها: أن رد التحية يكون على وجهين: مجزئ، وأفضل، المجزئ مأخوذ من قوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾، والأكمل والأفضل من قوله: ﴿بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾، وقدم الأحسن على المثل؛ لأنه أكمل وأفضل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: مراعاة الإسلام للعدل؛ لقوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.
* ومن فوائدها: أنها عامة في كل من ألقى إلينا التحية أن نحييه بمثل ما حيَّانا أو أكمل سواء كان مسلمًا أو كافرًا، صغيرًا أو كبيرًا، الآية عامة؛ ولهذا قال: ﴿حُيِّيتُمْ﴾ بالبناء للمجهول، ولم يقل: حياكم المسلمون، وبناءً على ذلك نكون إذا سلّم علينا أهل الكتاب فقالوا: (السلام عليكم) بلفظ صريح نقول: (عليكم السلام)، أما بلفظ محتمل فإننا نقول: (عليكم) فقط.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يجزئ الرد في السلام إذا قال المسلِّم: (السلام عليك) فقلت: (أهلًا وسهلًا)، لماذا؟ لأن هذه التحية ليست مثلها ولا أحسن منها؛ إذ إن قول المسلّم: (السلام عليكم) دعاء لك بالسلامة من كل الآفات، من كل الآفات البدنية والمالية والقلبية وكل الآفات، لكن أهلًا وسهلًا ماذا تفيد؟ ما تفيد إلا مجرد الترحيب بالإنسان، فهي ليست مثلها وليست أحسن منها.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه يُطلب من الْمُسلَّم عليه أن يرد بأكمل؛ إما بالكمية وإما بالكيفية، فإذا قال: (السلام عليك) فالأحسن: (عليك السلام ورحمة الله) هذا بأيش؟ بالكمية، الكيفية: إذا قال: (السلام عليك) بصوت مرتفع مسموع يدل على التواضع فقلت: (عليك السلام) بصوت مثله أو أبين، فهذا رد صحيح بالكيفية، لكن لو قال: (السلام عليك) بلفظ بيّن صريح رفيع، ثم رددت عليه بأنفك بكلام ربما يُسمع أو لا يسمع، فهذا لم يرُدّ ولم يقم بالواجب، بل هو آثم؛ لأن الله أمر بردها أو أحسن منها.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه لو حياك إنسان بقوله: (أهلًا وسهلًا) فقلت: (أهلًا وسهلًا بك) فإن ذلك جائز، لكن يحسن -ولا سيما لطلبة العلم- أن يبينوا لهذا الرجل أن السلام المشروع هو (السلام عليكم)، لكن هو إذا رد بمثل ما قال كفى.
ثم إن للسلام آدابًا معروفة مطوّلة مبسوطة في كتب أهل العلم، ففي كتب الفقهاء ذكروا كثيرًا في آداب السلام في آخر كتاب الجنائز حين ذكروا السلام على المقابر تطرقوا للسلام على الأحياء، وفي كتب الآداب أيضًا شيء كثير من هذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل حسيب على كل شيء؛ يعني أنه يحاسب كل من عمل عملًا بما يقتضيه عمله، على أحد القولين في ﴿حَسِيبًا﴾، وعلى القول الثاني أنه كافٍ لكل من توكل عليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من عدم رد التحية بمثلها أو أحسن، يؤخذ من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ يعني: فاحذر أن تتعرض لمحاسبة الله عز وجل.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences