Ibn 'UthayminAn‑Nisa · 4:87–88

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:87–88

4:87Page 92

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧

Allāh - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allāh in statement.

ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء ٨٧] الاسم الكريم (الله) مبتدأ، وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر المبتدأ، و(إله) اسم (لا)، وخبرها محذوف تقديره: حق، و(هو) الواقع بعد (إلا) بدل من الخبر المحذوف، هذا أحسن ما قيل في إعرابها.

وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ اللام واقعة في جواب قسم مقدر، والتقدير: واللهِ ليجمعنكم، وعليه فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: القسم المقدر، واللام، ونون التوكيد.

وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هذه (لا) النافية للجنس واسمها وخبرها؛ (ريب) اسمها، وخبرها (فيه)، وهل النفي هنا بمعنى الأمر، أو بمعنى الطلب على الأصح؟ هل هو بمعنى الطلب أي: لا ترتابوا فيه، أو هو خبر على ظاهره؟ فيه قولان للعلماء، والصحيح أنه خبر على ظاهره.

وقوله: ﴿مَنْ أَصْدَقُ﴾ ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، و﴿أَصْدَقُ﴾ خبر، والاستفهام هنا بمعنى النفي؛ أي: لا أحد أصدق من الله حديثًا.

بقينا ﴿حَدِيثًا﴾ إعرابها: تمييز؛ لأنها وقعت مُبينة لاسم التفضيل، وكل ما وقع مبينًا لاسم التفضيل فهو تمييز؛ لأن التمييز يبين ما انبهم من الذوات.

يقول عز وجل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وهذا خبر يعتبر من أصدق الأخبار؛ فإنه لا إله إلا الله، والإله بمعنى (المأْلُوه) أي: المعبود حبًّا وتعظيمًا.

وقوله: ﴿إِلَّا هُوَ﴾ الضمير يعود على الله عز وجل، فلا معبود حق إلا الله، وكل ما عُبد من دون الله فهو باطل؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج ٦٢]، هذا المعبود من دون الله هل يسمى إلهًا؟ نعم، لكنها تسمية لفظية لا حقيقية؛ لقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً﴾ [يوسف ٤٠] يعني: بدون مسميات، ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾؛ ولقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]؛ ولقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء ٢٢]، فكل معبود فهو إله، لكن منه ما هو بحق ومنه ما هو باطل.

وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أقسم الله عز وجل -وهو الصادق- أنه سيجمعنا إلى يوم القيامة، يجمع مَن؟ الأولين والآخرين وكل ما فيه روح، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير ٤، ٥]، كل شيء يبعث يوم القيامة ويجمع، وإنما أكد الله ذلك لسببين: السبب الأول: أن فيه من ينكره، ينكر هذا الجمع، قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن ٧].

فإن قال قائل: هذا السبب لا ينفع فيمن ينكره؛ لأن الذي ينكر سينكر سواء أُقسم له أم لم يقسم، أليس كذلك؟ المنكر لا يفيد فيه القسم؟

قلنا: هذا إذا أُكّد له الكلام وأنكر بعد التأكيد صار إنكاره مكابرة؛ لقيام ما يدل على تأكد هذا الشيء، هذا واحد.

ثانيًا: أنه جرت عادة العرب -والقرآن بلسان عربي- جرت عادتهم أنهم يؤكدون الحكم فيما إذا كان المخاطب أيش؟ منكرًا ويقولون: إنه يجب أن يكون الكلام مؤكدًا، أما الأمر الثاني أو السبب الثاني للتأكيد فلأن هذا من أهم الأمور، وكلما كان الشيء هامًّا كان توكيده أوكد حتى لا يبقى في النفوس شك أو تردد، ولا شك أن من أهم الأمور -إن لم أقل أهم الأمور بعد الإيمان بالله- أن تؤمن باليوم الآخر؛ لأن من لم يؤمن باليوم الآخر لا يمكن أن يعمل، إذا قال: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا فما الفائدة من العمل؟!

فصار التوكيد هنا لسببين؛ السبب الأول: أن فيهم من ينكر ذلك فاحتيج إلى تأكيد الكلام أمامه، وأوردنا على هذا إيرادًا وأجبنا عنه، والثاني: أن هذا من أهم الأمور، وكلما كان الشيء أهم كان تأكيده أبلغ.

يقول: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يوم القيامة هو اليوم الذي يبعث فيه الناس، وسمي يوم القيامة لأمور ثلاثة:

الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لله، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦].

الثاني: أنه يقام فيه العدل؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧].

الثالث: أنه يقوم فيه الأشهاد ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]؛ ولهذا سمي هذا اليوم يوم القيامة، وله أسماء كثيرة في القرآن يذكره الله تعالى بها حسب ما يقتضيه السياق.

﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هذه الجملة خبرية في ظاهرها، والريب هو الشك مع القلق، لكن اختلف المفسرون هل هي خبرية محضة أو هي خبرية طلبية؛ أي: أنها خبر بمعنى النهي؟

ذكرنا في ذلك قولين، والراجح أنها خبرية محضة؛ لأن الخبر المحض يفيد استقرار الشيء وثبوته سواء آمن به الإنسان أم لم يؤمن، وأنه شيء مستقر ليس فيه إشكال.

﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ يعني: لا أحد أصدق من الله، فالاستفهام هنا بمعنى النفي، والبلاغة أو النكتة البلاغية في كون النفي يأتي بصيغة الاستفهام هو: أنه إذا أتى بصيغة الاستفهام صار مشربًا معنى أيش؟ التحدي يعني كأن المتكلم يتحدى المخاطب يقول: بيِّن لي: من أصدق من الله حديثًا؟ فهو متضمن للنفي لا شك، ومتضمن لأيش؟ للتحدي.

* في هذه الآية فوائد كثيرة؛ أولًا: انفراد الله تعالى بالألوهية؛ لقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فهل أحد أنكر انفراده بالألوهية؟ هل أحد أنكر انفراد الله بالألوهية؟

* طالب: نعم، نعم، كفار قريش.

* الشيخ: من؟ كفار قريش، قالوا للرسول ﷺ: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥].

هل أحد أنكر توحيد الربوبية؟

* طالب: فرعون، وكذلك المجوس جعلوا للخلق النور والظلمة.

* الشيخ: نعم، لكن هل فرعون حينما أنكر أنكر حقيقة أو بلسانه؟

* الطالب: لم ينكر حقيقة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤].

* الشيخ: نعم، وقال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢] ولم ينكر عليهم، ما قال: ما علمت.

هل أحد أنكر توحيد الأسماء والصفات؟ نعم، كثير من أنكره حتى من أهل الملة الذين ينتسبون إلى الإسلام أنكروا توحيد الأسماء والصفات؛ فمنهم من عطَّل ومنهم من مثَّل، وكلاهما يعتبر منكرًا.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الجمع يوم القيامة؛ لقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وهذا دل عليه آيات كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠].

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، والإيمان به أحد أركان الإيمان الستة لقول النبي ﷺ في جواب جبريل: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨/١) من حديث عمر بن الخطاب.]]، فاليوم الآخر هو يوم القيامة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان باليوم الآخر على وجه لا شك معه؛ لقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، فيجب علينا أن نؤمن بأن الله يجمعنا إلى يوم القيامة إيمانًا لا شك معه ولا تردد معه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الكلام لله عز وجل، يؤخذ؟

* طالب: يوم القيامة..

* طالب آخر: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.

* الشيخ: ﴿مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ تأخذها من قوله: ﴿مَنْ أَصْدَقُ﴾، أو من قوله: ﴿حَدِيثًا﴾، أو منهما جميعًا؟

* طالب: منهما جميعًا.

* الشيخ: كيف ذلك؟

* الطالب: تؤخذ من ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.

* الشيخ: إي، لكن كيف تأخذ إثبات الكلام من هذه الآية؟

* الطالب: إن كان بيتحدى بمن أصدق من الله حديثًا.

* طالب آخر: شيخ، ﴿حَدِيثًا﴾ يا شيخ تكفي لإثبات الكلام، كلمة ﴿حَدِيثًا﴾ تكفي لإثبات الكلام.

* الشيخ: إي، لكن قلنا: من الكلمتين جميعًا.

* طالب: أحسن الله إليك، (أصدق) اسم تفضيل مما يدل على وجود مفضول، فدل ذلك على وجوب الامتثال لمن هو أصدق منه فعلًا.

* طالب آخر: لأن الصدق لا بد من الخبر عنه.

* الشيخ: صح، الصدق إنما يوصف به الكلام، ﴿حَدِيثًا﴾ الحديث هو الكلام، خبر، وعلى هذا فيكون إثبات الكلام لله عز وجل من الكلمتين جميعًا من ﴿أَصْدَقُ﴾ ومن ﴿حَدِيثًا﴾، والصدق مطابقة الخبر للواقع، أو مطابقة الواقع للخبر؟

* طالب: الخبر للواقع.

* الشيخ: والواقع للخبر؟

* طالب: لا ممكن (...).

* الشيخ: ما دمنا قلنا: مطابقة (مفاعلة) تكون من جانبين؛ إذن مطابقة الخبر للواقع أو الواقع للخبر، هذا هو الصدق.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كلام الله تعالى وخبره صدق لا كذب فيه بوجه من الوجوه؛ لقوله: ﴿مَنْ أَصْدَقُ﴾ أي من اسم التفضيل؛ لأن اسم التفضيل يجعل المفضل في قمة الوصف، وعلى هذا فليس في كلام الله سبحانه وتعالى شيء من الكذب إطلاقًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه وعن أمور الغيب كلها؛ لقوله: ﴿مَنْ أَصْدَقُ﴾، فإذا أخبر الله عن نفسه بشيء أو عن أمور غائبة بشيء وجب علينا تصديقه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وصف كلام الله تعالى بالحديث؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ وهو كذلك، لكن هل الحديث يعني الخبر، أو يجوز أن يكون المراد به أنه حادث يتكلم الله به؟ الثاني هو المراد، فكلام الله عز وجل باعتبار أصله من الصفات الذاتية بأنه تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا كما أنه (...) ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].

فإن قال قائل: فهل عندكم دليل على أن كلام الله حادث؛ يعني باعتبار آحاده؟ قلنا: عندنا أدلة، ما هو دليل واحد، استمع إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١]، فإن (قد) للتحقيق، و(سمع) فعل ماضٍ يقتضي أن يكون المسموع أيش؟ سابقًا للخبر عنه، وأن الخبر عنه لاحق، ومعلوم أن المرأة إنما شكت إلى النبي عليه الصلاة والسلام في أمر حادث، وقال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء ٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران ١٢١]، والآيات في هذا كثيرة.

فإن قيل: إذا قلت: بأن كلام الله حادث لزم أن يكون الله تعالى حادثًا؛ لأن الحوادث لا تكون إلا من حادث؟

فالجواب: هذا غير صحيح، لا يلزم، لا يلزم من قيام الحوادث بالله عز وجل أن يكون هو حادثًا، أليس الله تعالى يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] و(ثم) تفيد أيش؟ الترتيب، إذن الاستواء -وهو فعل- كان بعد خلق السماوات والأرض، فقامت به الأفعال الاختيارية، ولا شك أن قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل من كمال الله، من كماله أن يكون فاعلًا متى شاء فعل، ومتى شاء لم يفعل، وأما من قال: إنه يلزم من قيام الحوادث به أن يكون حادثًا فهذه قضية غير مسلَّمة ولا صحيحة، والله أعلم.

* طالب: فضيلة الشيخ، كيف نقول: إن المشركين مشركي العرب.

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: كيف نقول: إن مشركي العرب كانوا مؤمنين بتوحيد الربوبية، وهم يشركون في الأسباب ينسبون الأمور (...) هذا شرك في الأسباب وهو توحيد الربوبية.

* الشيخ: نعم، لكن إذا سئل: من خلق السماوات والأرض؟ من رب السماوات والأرض؟

* طالب: قد يكون يا شيخ إن (...).

* الشيخ: لا، هم ما يرون هذه الأصنام تفعل كما يفعل الله عز وجل، يرون أنها وسائط.

* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بعضهم يقول: إن (إله) هو من قُصد بعبادة، وليس المألوه حبًّا وتعظيمًا، واستدلوا «بحديث أبي واقد الليثي عندما خرج عليهم ﷺ فقالوا: اجعل لنا ذات أنواط، فأنكر عليهم النبي ﷺ واستدل بالآية»[[أخرجه الترمذي (٢١٨٠) من حديث أبي واقد الليثي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.]]، وهم لم يحبوها إنما أرادوا التبرك بها، فبم نجيب؟

* الشيخ: نجيب عن هذا بأنهم: «اجعل لنا ذات أنواط» للتبرك بها، وهذا يتصل بتوحيد الربوبية، ثم إن قولنا: حُبًّا وتعظيمًا إنما هو للإله الحق، وقد يكون الباطل بما قام في قلب العابد من الشبهة، قد يحب الأصنام ويعظمها؛ ولهذا افتخر بها أبو سفيان في أُحد وقال: اعلُ هُبل؛ ولهذا كانوا يحلفون بها، كل هذا يدل على تعظيمها، لكنها ليست أهلًا للتعظيم؟

* طالب: التعريف هذا يا شيخ، يعني يصدق فيما ليس له حيثية.

* الشيخ: فيما ليس أيش؟

* الطالب: فيما ليس.. في غير الله عز وجل.

* الشيخ: أيهم؟

* الطالب: الإله من قصد بالعبادة.

* الشيخ: هم يقصدون عبادتها، لكن كونهم يقصدون عبادتها هل هو لمحبتها أو لتعظيمها لذاتها، أو لأنها تقربهم إلى الله زلفى؟ الثاني؛ لأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣].

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الذين يأتون بهذه الأناشيد اللي تحض على الجهاد (...)؟

* الشيخ: وأيش لون؟

* الطالب: هذه الأناشيد اللي تحض على الجهاد من باب المندوب أو المباح ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

* الشيخ: من باب الممدود؟

* الطالب: المندوب.

* الشيخ: من باب المندوب، أي القصائد؟

* الطالب: أناشيد تحض على الجهاد.

* الشيخ: هو لا شك أن الحث على الجهاد بالأناشيد والقصائد أنه مطلوب، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمر حسان بن ثابت أن ينافح عنه ويقول: «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٣)، ومسلم (٢٤٨٥/١٥١) من حديث أبي هريرة.]].

* طالب: شيخ، قلنا: إن الذي يشارك في السيئة يكن له نصيب منها، بعض الناس يعمل في عمل يكون فيه ظلم للناس كالذين يجمعون الضرائب والجمارك، ولكنه يعمل بهدف تخفيف الظلم الواقع على الناس، فهل يكون عليه إثم في هذا الأمر؟

* الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: بعض الناس يعمل في أمور تشتمل على الظلم كالجمارك مثلًا، فهل إذا عمل فيها بقصد التخفيف عن الناس يكون آثمًا؟

والجواب: لا، هذا من باب المدافعة عن المسلمين، فبدلًا من أن يُظلم عشرة يُظلم خمسة، وبدلًا أن يظلم الإنسان في جميع ماله يظلم في بعض ماله، فهذا لا بأس به؛ لأنه للإصلاح.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: أبدًا، سمعتم كلامه؟ بعض العلماء يفسر اسم التفضيل فيما يكون من صفات الله باسم الفاعل فيقول: (أعلم) بمعنى (عالم)، (أصدق) بمعنى (صادق)، (أحسن) بمعنى (مُحسن)، وهذا غلط، هذا غلط عظيم، ونقص في مدلول الكلمة، أيهما أبلغ أن تقول: عالم يشترك فيه كل الناس على حد سواء، أو أعلم بحيث لا يساويه أحد في علمه؟ الثاني لا شك، صادق وأصدق، (صادق) يشاركه كثير من الناس، (أصدق) لا يشاركه أحد، بل إن الله قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩].

* طالب: شيخ، إن قال قائل: ما الفرق بين المخلوق وبين الحادث؟

* الشيخ: وبين أيش؟

* الطالب: بين المخلوق وبين الحادث؟

* الشيخ: نعم، المخلوق والحادث بينهما فرق عظيم، الفرق العظيم هو: أن الحادث قد يكون صفة وقد يكون مخلوقًا بائنًا، وكلام الله عز وجل ليس مخلوقًا بائنًا عن الله، لكنه يتكلم به، وكلامه به الآن ليس أزليًّا بل هو حادث.

* طالب: يكون (...).

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: (...) الموصوف.

* الشيخ: لا، ما يصح، الصفة غير الموصوف، لكنها قائمة به، فالطول مثلًا ليس هو الطويل، لكنه قائم بالطويل، والعلم غير العالِم لكنه قائم به.

4:88Page 92

۞ فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ٨٨

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites,1 while Allāh has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned.2 Do you wish to guide those whom Allāh has sent astray? And he whom Allāh sends astray - never will you find for him a way [of guidance].3

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾ [النساء ٨٨ - ٩٠].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الخطاب في قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ للصحابة رضي الله عنهم، و(ما) اسم استفهام مبتدأ، والمراد بالاستفهام هنا الإنكار عليهم. و(لكم) جار ومجرور خبر المبتدأ؛ يعني: أي شيء لكم في المنافقين تختلفون فتكونون فئتين، وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم بعد رجوع من رجع من المنافقين في أُحد، وتعرفون أنه رجع من الجيش في أُحُد نحو الثلث، كلهم منافقون، اختلف الصحابة فيما بعد؛ قال بعضهم: نقتلهم؛ لأنهم خانوا وتبيّن ردتهم، وقال آخرون: لا نقتلهم؛ لأنهم يظهرون بالإسلام، فاختلفوا وتنازعوا وصار المسلمون فئتين، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ خبرًا لـ(صار) المحذوفة، والتقدير: فما لكم في المنافقين صرتم فئتين، أو كنتم فئتين، كلاهما صحيح، الفئة الأولى ماذا قالت؟ نقتلهم، والفئة الثانية قالت: لا نقتلهم، فئة أخرى قالت: هؤلاء مسلمون، فئة أخرى قالت: هؤلاء كفار منافقون.

فبين الله الحكم بين الفئتين فقال: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ (الإركاس) بمعنى الرد والإرجاع، لكن على وجه مذموم، فمعنى ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ أي: ردهم وأرجعهم على وجه مذموم، ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ (الباء) للسببية، و(ما) يجوز في إعرابها أن تكون مصدرية ويكون التقدير: أركسهم بكسبهم، ويجوز أن تكون موصولة ويكون التقدير: بما كسبوه، فإذا كان الله أركسهم بما كسبوه فالصواب مع من قال: إنهم كافرون مرتدون، أما مسألة المقاتَلة فسيأتي التفصيل فيها في الآيات.

﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ وهذا الاستفهام استفهام توبيخي، والإرادة هنا بمعنى المحبة أو بمعنى المشيئة، كلاهما صحيح، يعني: أتشاؤون أن تهدوا من أضل الله؟ أو أتحبون أن تهدوا من أضل الله؟

والجواب: ليس لكم ذلك؛ لأن من يرد الله أن يضله فإنه ليس له من الله من ولي ولا نصير.

﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ الاسم الكريم (الله) بالرفع على أنه فاعل، وعلى هذا فيكون ﴿أَضَلَّ﴾ فيها ضمير محذوف هو عائد الصلة، والتقدير: من أضله الله.

﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (مَنْ) هذه شرطية، والدليل على أنها شرطية أن الفعل بعدها وقع مجزومًا، ولكنه حُرك بالكسر: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ لالتقاء الساكنين، وقد قال ابن مالك في الكافية:

إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُاسْتَحَـــــــــــــــــقْيعني: إن كان حرف علة احذفه، إذا كان ساكنًا اكسره.

وقوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (لن) هذه جملة جواب الشرط، ولماذا اقترنت بالفاء؟ لأن الجواب لا يصح أن يكون فعلًا للشرط، ومتى امتنع أن يكون الجواب فعلًا للشرط وجب أيش؟ اقترانه بالفاء، وقد جُمعت المواضع التي يقترن الجواب فيها بالفاء في بيت ينشدنا إياه؟

* طالب: (...)

* الشيخ:

اسْمِيَّــــــــــــــــــــةٌطَلَبِيَّـــــــــــــــــــــــــــــةٌ وَبِجَــــــــــــــــامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَـــــا وَقَــــــدْ وَبِلَــــــــنْوَبِالتَّنْفِيـــــــــــــــــــــــسِمن أي هذه السبعة؟ (لن) ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.

وقوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ قد يقول قائل: كيف كانت بالإفراد والخطاب الذي قبلها بالجمع ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾؟

قلنا: كأنه -والله أعلم- انفصلت هذه الجملة عما قبلها وصار المراد بها المخاطَب؛ يعني: فلن تجد -أيها المخاطَب- له سبيلًا، ومعنى ﴿سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا إلى الهداية.

* في هذه الآية: الإنكار على المؤمنين في الاختلاف في المنافقين؛ لقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.

* ويترتب على هذه الفائدة: أن هذا يوحي بذم الاختلاف، وذم الاختلاف أمر ثابت؛ لأن هذه الأمة أُوصيت بأن تقيم الدين ولا تتفرق فيه، والاختلاف تفرّق، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران ١٠٥].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان يركس ويُرد على الوجه المذموم بسبب عمله، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾.

* ومن فوائدها: إثبات الأسباب، تؤخذ منين؟ من قوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ الباء للسببية، والناس في الأسباب طرفان ووسط؛ فمن الناس من أنكر تأثير الأسباب إطلاقًا وقال: لا أثر للسبب في المسبّب، حتى كابروا المعقول والمحسوس وقالوا: لو رميت الزجاجة بحجر فانكسرت فإن الحجر لم يكسرها، ولكن انكسرت الزجاجة عنده لا به، لماذا؟ قالوا: لأننا لو أثبتنا تأثير الأسباب لأثبتنا خالقًا مع الله، سبحان الله! وهذا القول إذا نُسب للإسلام سوف يكون مثارًا للقدح في الإسلام؛ لأن غير المسلمين يشاهدون أن الأسباب تؤثر.

* الطرف الثاني: من يقول: إن الأسباب لها تأثير بمقتضى طبيعتها لا بأن الله سبحانه وتعالى جعل فيها القوة المؤثرة، وهؤلاء قد ضلوا وأشركوا، جعلوا مع الله شريكًا، هؤلاء أيضًا على ضلال.

* والقسم الثالث قالوا: إن للأسباب تأثيرًا بما أودع الله فيها من القوى الفاعلة، وليست هي التي تفعل، وهؤلاء هم أهل الحق وأهل الصواب، فالله تعالى هو الذي جعل الإحراق في النار فتحرق، وجعل الكسر في الحجر يقع على الزجاجة فتنكسر، والدليل على هذا أن الله تعالى قال في نار إبراهيم: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩]، وطبيعة النار أيش؟ الحرارة والإحراق الإهلاك، لكن قال لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ فكانت بردًا وسلامًا عليه، إذن الأسباب لا تؤثر بذاتها، ولكن بما أودع الله فيها من القوى الفاعلة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال قد تكون سببًا لرِدَّة الإنسان وكثرة معاصيه، السيئة تجذب السيئة، والصغائر بريد الكبائر، والكبائر بريد الكفر، وهذا واضح ﴿أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾، فإذا رأيت من نفسك إركاسًا -والعياذ بالله- فانتشلها بالتوبة والاستغفار إلى الله عز وجل وسؤال الله الثبات، ولا تتهاون، لا تقل: إن شاء الله يقوى إيماني بعد، من الآن، من حين أن تحس بالمرض فعليك بالدواء.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ فأثبت لهم كسبًا، والجبرية يقولون: إن الإنسان لا كسب له وعمله مجبر عليه.

* ومن فوائدها: الرد على القدرية أيضًا، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾، والقدرية يقولون: إن أفعال العباد لا علاقة لتقدير الله تعالى بها إطلاقًا، فصار في الآية رد على كلتا الطائفتين المنحرفتين المبتدعتين، أهل السنة والجماعة يقولون: للإنسان فعل يُنسب إليه حقيقة، والمقدِّر لهذا الفعل من؟ الله عز وجل، وهذا هو المطابق للمنقول والمعقول والمحسوس.

* ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ أولئك المؤمنين الذين يريدون أن يهدوا من أضل الله؛ لقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾.

فإن قال قائل: يُشكل على هذا إشكال كبير؛ الدعوة إلى الله عز وجل ومحاولة إصلاح الخلق، فإن الداعي يريد أيش؟ أن يهتدي المسلمون، أن يهتدي المدعوون؟

فيقال: الجواب عن هذا: أن الله أنكر على هؤلاء الذين يشاهدون أن الله أضل هؤلاء بالنفاق والعياذ بالله، ويحاولون أن يحكموا بإسلامهم، ويقولون: إنهم مسلمون كما هي الفئة الثانية.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الهداية والإضلال بيد من؟ بيد الله.

* ويتفرع على هذه الفائدة: أن لا تسأل الهداية من الضلال إلا من الله عز وجل، وأن تجعل سؤالك لبعض الناس: كيف أهتدي تجعله سؤالًا عن السبب والطريق، وأما الذي بيده أزِمَّة الأمور فهو الله عز وجل؛ ولهذا قال الله لنبيه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من قدَّر الله إضلاله فإنه لا يمكن لأحد أن يقوم بهدايته؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.

فإن قيل: هذا يقتضي أن يكون للعاصي حجة على معصيته فيقول: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ فما الجواب؟

الجواب عن هذا أن يقال: لا حُجّة في هذا للعاصي إطلاقًا؛ وذلك لأن الإنسان لا يعرف أن الله أضله إلا بعد أن يضل هو، وضلاله هو صادر عن إرادته، إرادة الإنسان وقدرة الإنسان، فهو الفاعل وهو الذي أضل نفسه، لكن لا يعلم أن الله قدر عليه الضلال إلا بعد أيش؟ بعد وقوعه، فكيف يحتج بحجة لا يعلم بها إلا بعد وقوع الشيء؟! هذا باطل.

* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الأمور بيد الله سبحانه وتعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، وإذا آمنت بذلك فلن تسأل الهداية إلا ممن؟ إلا من الله عز وجل.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском