Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:89–91
4:89Page 92
وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ أَوۡلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرًا ٨٩
They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allāh. But if they turn away [i.e., refuse], then seize them and kill them [for their betrayal] wherever you find them and take not from among them any ally or helper,
ثم قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ ﴿وَدُّوا﴾ الفاعل هم المنافقون؛ لأن السياق فيهم، وقوله: ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ (لو) هنا مصدرية؛ أي: ودوا كفركم، فهي بمنزلة (أن) أي: ودوا أن تكفروا كما كفروا، و(لو) مر علينا عدة مرات أنها تأتي لمعانٍ متعددة، يبينها لنا؟
* طالب: تأتي للتمني، وتأتي امتناع لامتناع.
* الشيخ: تأتي مصدرية كما هنا، وتأتي للتمني.
* الطالب: وتأتي شرطية.
* الشيخ: وتأتي شرطية، تكون حرف امتناع لامتناع، وإذا أردت أن تعرف معاني الحروف فعليك بكتاب المغني لابن هشام رحمه الله.
ثم قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩] ﴿وَدُّوا﴾ الفاعل هم المنافقون؛ لأن السياق فيهم، وقوله: ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ (لو) هنا مصدرية أي: ودوا كفركم، فهي بمنزلة (أن)، أي: ودوا أن تكفروا كما كفروا، و(لو) مر علينا عدة مرات أنها تأتي لمعانٍ متعددة؟
* طالب: تأتي للتمني، وتأتي (...).
* الشيخ: تأتي مصدرية، كما هنا، وتأتي للتمني.
* الطالب: وتأتي شرطية.
* الشيخ: وتأتي شرطية، تكون حرف امتناع لامتناع، وإذا أردت أن تعرف معاني الحروف فعليك بكتاب المغني لابن هشام رحمه الله، فإنه يأتي بكلمة ويبين معانيها، وقد اختصرنا المهم منه في كراسة ليست بكثيرة.
يقول عز وجل: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ أي: ككفرهم، وعلى هذا فـ(ما) هنا مصدرية، ولا يصح أن تكون موصولة؛ لأن المراد: ودوا لو تكفرون ككفرهم، وما نوع كفر المنافقين؟ كفر المنافقين كفر غريب؛ ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤]، فهو كفر مستور ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، هم يودون أن كل الناس يفعلون هكذا مع النبي عليه الصلاة والسلام فيؤمنون ظاهرًا ويكفرون باطنًا؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف ١١٠].
ما معنى ﴿أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾؟ أي: أن قومهم كذبوهم في دعوى الإيمان بهم، يعني أن قومهم قالوا: إنا مؤمنون وهم لم يؤمنوا، هذا معنى قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، وفيه قراءة سبعية: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ أي: أيقنوا أنهم مُكذَّبون جاءهم نصرنا.
قال: ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ هنا الفاء عاطفة وليست جوابًا لـ(لو)؛ لأن (لو) ليست شرطية، ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي: فتكونون معهم سواء لا فضل لكم عليهم، وهذا في مقتضى طبيعة الإنسان أنه يود إذا سلك منهجًا أن يسلكه الناس معه، كل إنسان، لا صاحب الخير ولا صاحب الشر يود إذا سلك منهجًا أن يسلكه الناس، هؤلاء ودوا أن المؤمنين يكفرون كما كفروا فتكونون سواء.
قال الله تعالى محذِّرًا عنهم وعن موالاتهم: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ يوالونكم أو توالونهم أو المعنيين؟
* الطلبة: المعنيين.
* الشيخ: نعم المعنيين، يعني: لا تتخذوا منهم أولياء؛ لأنهم أعداء كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة ١]، وكذلك لا تتخذوا منهم أولياء توالونهم أنتم؛ لأن موالاة الكفار كفر.
﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (حتى) هنا غاية أو علة؟ غاية، يعني: استمروا في عداوتهم حتى يهاجروا في سبيل الله، واعلم أن (حتى) تكون غاية وتكون علة، ففي قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون ٧] هذه علة يتعين أنها علة، وفي قوله: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه ٩١] هذه غاية.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾ [النساء ٨٩، ٩٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ من المنافق؟
* طالب: المنافق الذي يظهر خلاف ما يبطن.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: الذي يظهر الخير ويبطن الشر.
* الشيخ: هو الذي يظهر الخير ويبطن الشر، ومنه الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان.
ومن المراد بالمنافقين في الآية؟
* طالب: الكفار الذين رجعوا من بدر.
* الشيخ: الذين رجعوا من؟ من أحد.
قوله: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ إعرابها؟
* طالب: مفعول به.
* الشيخ: مفعول به؟ ما تقدم فعل ولا ما بمعنى الفعل.
* طالب: خبر (صار)، أو خبر لـ (كان).
* الشيخ: خبر لـ (كان) أو لـ (صار) المحذوفة، أي: صرتم فئتين.
فيه وجه آخر؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال من أين؟
* طالب: من (...) ﴿فَمَا لَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾، نعم، يصح هذا، لكن الأول أظهر؛ لأنها تتحدث عن أمر واقع.
قوله: ﴿أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ معنى ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾؟
* طالب: ردهم وأرجعهم.
* الشيخ: لكن ردًّا محمودًا أو؟
* الطالب: ردًّا على وجه غير مرضٍ.
* الشيخ: على وجه الإركاس، وأصل الركس هو الشيء النجس.
ما المراد بالاستفهام في قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وما معنى قوله: ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾؟
* طالب: أي الذين (...).
* الشيخ: ومعنى ﴿تَهْدُوا﴾، هداية؟
* طالب: هداية التوفيق.
* الشيخ: قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ إلى ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
* طالب: طريقًا إلى الهداية.
* الشيخ: إلى الهداية، أحسنت.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ ﴿وَدُّوا﴾ الودُّ: خالص المحبة، والمعنى: أنهم يودون بكل قلوبهم ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ (لو) هذه مصدرية بمعنى (أن)، يعني: ودوا أن تكفروا، وقوله: ﴿كَمَا كَفَرُوا﴾ الكاف هنا للتشبيه، و(ما) يحتمل أن تكون مصدرية أي:ككفرهم، ويحتمل أن تكون موصولة أي: كالكفر الذي كفروه، والمعنى واحد لا يختلف لكن من حيث الإعراب.
﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي: تكونون معهم سواء، في الكفر ولا في الإيمان؟ في الكفر ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: لا تتخذوا أولياء توالونهم أو يوالونكم، أما كونكم لا توالونهم فظاهر؛ لأنهم لم يتموا ما عليه من المهاجرة، وأما كونه لا تتخذوهم أولياء تطمعون في أن يكونوا أولياء لكم؛ فلأن من كان على غير دينك لا يمكن أن يُعينك أو أن ينصرك.
وقوله: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اختلف في المراد بالهجرة هنا؛ فقيل: المراد حتى يهاجروا من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، فإن كانوا في بادية وجب عليهم أن يهاجروا إلى المدينة، وإن كانوا في مكة فكذلك، وقيل: المراد بالهجرة الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم للجهاد؛ لأن من خرج في الجهاد فقد هاجر، أي: ترك بلده إلى ميدان أيش؟ المعركة، إلى ميدان المعركة.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الطريق الموصلة إليه وهي دينه، واعلم أن الله سبحانه وتعالى أضاف السبيل إليه في عدة آيات مثل هذه الآية وأشباهها كثير، ومثل قوله تعالى: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر ٧] أي: طريقك، وسُمِيَ سبيل الله؛ لأن الله تعالى هو الذي وضعه لعباده، وهو -أي هذا السبيل- يوصل إلى الله، فالواضع له هو الله، وهو يوصل إلى الله عز وجل.
وقد أضافه الله تعالى إلى المؤمنين في قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١١٥]، وإضافته إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه، فصار في إضافة السبيل؛ إما إلى الله، وإما إلى المؤمنين.
فأما إضافتها إلى الله فلوجهين؛ الأول: أن الله هو الذي وضعه لعباده يسيرون عليه، والثاني: أنه موصل إلى الله عز وجل، وأما إضافته إلى المؤمنين فباعتبار أنهم سالكوه.
ومثل ذلك أيضًا يقال في الصراط؛ فإن الله أضافه إلى نفسه في قوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٣] ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام ١٥٣]، وأضافه أيضًا إلى الذين أنعم الله عليهم في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧]، ويقال في توجيهه ما قيل في توجيه (السبيل).
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تولوا عن الهجرة في سبيل الله، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ يعني: إذا وجدتموهم خذوهم أسرى بدليل قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾، فالأخذ: أسرى، والقتل: إزهاق الروح.
﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي: في أي مكان وجدتموهم، سواء وجدتموهم في البر أو في بلادهم أو في غير ذلك ما داموا لم يهاجروا في سيبل الله وتولوا عن سبيل الله.
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ هذا كرره مرة أخرى؛ إما تمهيدًا لقوله: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾، وإما من باب التوكيد، وإما للأمرين جميعًا؛ لأن قوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا﴾ هو كقوله: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، لكن هنا زاد قال: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾.
والفرق بين الولي والنصير: أن للنصير من يدافع عنه، من يعتدي عليه فهو ينصره، وأما الولي فهو: الذي يتولاك بالعناية بتحصيل مطلوبك ودفع مرهوبك.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن الكفار يودون بكل محبة أن يكفر المؤمنون كما كفروا؛ لقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أنهم إذا كان هذا ودهم فسوف يسعون إليه بكل وسيلة، سواء كانت الوسيلة في تدمير الاقتصاد أو بالسلاح أو بنشر الأخلاق الرذيلة السافلة؛ لأن الأخلاق الرذيلة السافلة إذا انتشرت في الأمة فعليها الوداع.
المهم أننا ما دمنا نعلم أنهم يودون أن نكفر كما كفروا فلا بد أن يسعوا لذلك بكل طريق؛ بالتهديد تارة، وبالترغيب تارة، وبتزيين الباطل تارة، وكما نشاهد الآن أن دول الكفر تلعب لعبًا لا يستهان به بدول المسلمين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني آدم بطبيعتهم يتسلى بعضهم ببعض ويقوى بعضهم ببعض؛ لقوله تعالى: ﴿كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، ولا شك أنه إذا اشترك أحد معك فيما أصابك فإنه تشجيع لك؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]، بينما في الدنيا إذا تشارك المجرمون في العذاب هان عليهم، وتقول خنساء في رثاء أخيها صخر:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَحَــــــــــــــــوْلِــــــي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِــــي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِــــنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّأَسِّـــــــــــي
فالحاصل أن الاشتراك في العقوبة يخففها، هنا الاشتراك في الكفر يهون الكفر على أصحابه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اعتزاز الكفار بمن يدخل في دينهم؛ لقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم اتخاذ الأولياء من الكفار حتى يهاجروا في سبيل الله؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لم يهاجر في سبيل الله فإن هذا دليل على عدم صدقه في إيمانه؛ لأنه متى صدق الإنسان في إيمانه فسوف يدع الغالي والرخيص من أجل الحفاظ على هذا الإيمان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الإخلاص، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تولَّى عن الهجرة في سبيل الله فإنه ليس وليًّا لنا ويجب علينا مقاتلته؛ لقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ وذلك لأنه لا إيمان لهم ولا عهد لهم؛ لكونهم تولوا عن دين الله ولم يهاجروا في سبيل الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد النهي عن اتخاذ الأولياء من الكفار؛ لقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية وبين محالفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لخزاعة بعد صلح الحديبية؟ فالجواب: أن المراد باتخاذ الأولياء أن ينصرهم الإنسان ويناصرهم على من قاتلوه وحاربوه سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وأما مجرد أن يتخذ معهم حلفًا يتقوى بهم ويدفع بهم شرورًا كثيرة، فهذا لا بأس به عند الحاجة إليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقر ذلك في صلح الحديبية.
4:90Page 92
إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوۡ جَآءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا ٩٠
Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allāh had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allāh has not made for you a cause [for fighting] against them.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ هذا استثناء مما سبق من قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ يعني: إلَّا قومًا وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق واستجاروا بهم وعقدوا معهم الأحلاف، فهؤلاء ليس لهم حكم ما سبقهم؛ ولهذا قال: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ إلى آخره.
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ والميثاق هو العهد المؤكد، مأخوذ من (الوِثَاق) الذي هو الرِّباط الذي يُرْبَط به الشيء.
﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ هذه معطوفة على ﴿يَصِلُونَ﴾ يعني: أو الذين جاءوكم، يعني: لم يلتجئوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ولكنهم جاؤوا إليكم.
﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ (حصرت) بمعنى ضاقت ولم تتسع للقتال، والجملة في قوله: ﴿حَصِرَتْ﴾ قيل: إنها في موضع نصب على الحال، وعلى تقدير (قد)، أي: قد حصرت صدورهم أن يقاتلوكم.
﴿أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ هؤلاء الآن جاؤوا للمسلمين لئلا يقاتلوا المسلمين مع قومهم، ولكنهم لا يقاتلون قومهم مع من؟ مع المسلمين؛ ولهذا قال: ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ يعني: مع قومهم، ﴿أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ يعني: معكم، هؤلاء قوم مسالمون.
فهؤلاء يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ يعني: هؤلاء الذين جاؤوكم لو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم، انتبه! (لو) هذه شرطية أو مصدرية؟ شرطية، فعل الشرط ﴿شَاءَ﴾، وجوابه ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾.
وقوله: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ هذه معطوفة على جواب (لو) بإعادة اللام الرابطة؛ ولهذا لو حذفت وقيل: لسلطهم عليكم فقاتلوكم، لاستقام الكلام، إذن فهي اللام الأولى أعيدت للتأكيد.
وقوله: ﴿لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لجعل لهم سلطانًا عليكم في المقاتلة، وهل شاء الله؟ لا؛ لأنهم لم يقاتلوا المسلمين.
﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ ﴿إِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ فسَّرها بقوله: ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ اعتزلوكم فلم يكونوا معكم ولم يقاتلوكم، ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: السلام، ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾؛ لأنهم قوم مسالمون لم يقاتلوكم، ولم يقاتلوا قومهم فهؤلاء مسالمون.
﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ وقوله: ﴿فَمَا جَعَلَ﴾ هذه جواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾، ومعنى ﴿سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا يبيح لكم قتالهم.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: استثناء هؤلاء الصنف من الناس ممن أُمِرْنا بقتالهم، وهم طائفتان: طائفة وصلوا إلى قوم بيننا وبينهم ميثاق ودخلوا فيهم، والطائفة الثانية قدموا إلينا، جاؤوا إلينا فلم يقاتلونا مع قومهم، ولم يقاتلوا قومهم معنا فهم مسالمون.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام وفاء الإسلام بالعهد؛ حيث حمى العهد من باشر عقد العهد معنا ومن لجأ إليهم، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ إلى آخره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من سالمنا سالمناهم؛ لقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾، وقد سبق لنا في الجهاد متى تكون الهدنة؟ وهل يصح أن تزيد على عشر سنوات؟ وبينا أن الصحيح أنه تصح الهدنة المطلقة المبنية على ضعفنا، ولنا إذا قوينا أن ننبذ إليهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ﴾، فيستفاد منها الرد على طائفة مبتدعة زائغة وهم؟
* الطلبة: الجبرية؟
* الشيخ: لا، القدرية الذين يقولون: إن فعل الإنسان مستقل به لا علاقة لله به، ودليل ذلك: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾.
* ومن فوائد قوله: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾: الرد على الجبرية؛ حيث نسب القتال إلى الإنسان، وهم لا ينسبون الفعل للإنسان إلا على سبيل المجاز، فمتى يقول: الرجل صلى، هو صلى على سبيل المجاز، وإلا في الحقيقة أنه أجبر على الصلاة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا اعتزلنا من وصل إلينا بأمان فلم يقاتلنا وألقى السلم وجب الكف عنه؛ لقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة -الحاصل بالمفهوم-: أنهم لو أخذوا منا الميثاق، ولكنهم خانوا فقاتلوا فإن العهد ينتقض، ينتقض ولا يكون بيننا وبينهم عهد، يؤخذ من مفهوم قوله: ﴿إِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من ألقى السلاح وجب الكف عنه؛ لقوله: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾، لكن إن خيف أن إلقاءه السلاح خيانة وخداع فإنه لا عبرة بإلقائه؛ لأن العدو قد يلقي السلاح غدرًا وخيانة، وقد ينهزم أيضًا أمام جيوشنا غدرًا وخيانة، فالواجب التنبه.
فإن قال قائل: أليس ما وقع من أسامة بن زيد في قتله المشرك بعد أن قال: لا إله إلا الله، فأَنَّبَهُ النبي ﷺ ووَبَّخَه وقال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟!»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦/١٥٩)، من حديث أسامة بن زيد.]] مع أن الذي يظهر أنه قالها تعوُّذًا من القتل؟
قلنا: لا بد من قرينة قوية تدل على أنه يخشى منه الغدر والخيانة، وأما مجرد الظن فلا يكفي؛ لأن الأصل العصمة بالعهد، فيُبْنَى على هذا الأصل حتى يوجد ما يعارضه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشرع منعًا ودفعًا وإذنًا كله لله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾، وهذا يدل على أن الأمر بيد الله، هو الذي يحكم ما شاء من حِلٍّ وحرمة وإيجاب وغير ذلك.
* * *
* طالب: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء ٩١ - ٩٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق الكلام على قول الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ فما معنى الآية؟
* طالب: (...) من الناس الآن الذين نقاتلهم ينقسمون إلى ضربين: (...) للقتال ضربان: الضرب الأول من لهم ميثاق، والضرب الثاني الذين هاجروا من قومهم إلى المسلمين ولم يقاتلوا مع المسلمين ضد قومهم.
* الشيخ: توافقون على هذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أنا أقصد ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ ما معنى الآية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾؟
* طالب: إلى قوم (...).
* الشيخ: ويش معنى ﴿يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾؟
* طالب: (...) إلى الكفار (...) اللي لهم ميثاق (...).
* الشيخ: نعم تمام، صحيح، القسم الثاني الذين –أيضًا- لا نقاتل؟
* طالب: القوم الثاني جاؤوا للمسلمين، هم من الكفار واعتزلوا المسلمين فلم يقاتلوهم، ولم يقاتلوا قومهم.
* الشيخ: نعم، أحسنت، هذا الثاني يؤخذ من قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾.
* طالب: ما معنى قوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾؟
* طالب: الذين لم يقاتلونا واعتزلوا (...) ولم يقاتلوهم، فإن الله سبحانه وتعالى لم يجعل للمسلمين عليهم سبيلًا.
* الشيخ: وألقوا إليهم السلم.
* الطالب: ألقوا إليهم السلام أيضًا، فالله سبحانه وتعالى لم يجعل على الكفرة هؤلاء طريقًا لقتالهم.
* الشيخ: تمام، في هذه الآية رد على طائفتين مبتدعتين: الجبرية والقدرية؟
* طالب: رد على القدرية من قوله تعالى: (...).
* الشيخ: أحسنت.
* الطالب: وعلى الجبرية بقوله تعالى: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾.
* الشيخ: نعم، صح.
4:91Page 92
سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ٩١
You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.
ثم قال الله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ (السين) هنا للتنفيس، وأختها (سوف) للتسويف، والفرق بينهما: أن التسويف متأخر، والتنفيس حاضر، وكلتاهما تفيدان التقرير والثبوت والتحقيق، فمثلًا إذا قلت: أنت تجد زيدًا، أنت ستجد زيدًا، أيهما أوكد؟ الثاني أوكد، لكن كلتاهما تفيد التوكيد والثبوت، ولكن (سوف) للتراخي، و(السين) للقرب.
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ هؤلاء قسم رابع، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ ولا يمكن هذا إلا بالنفاق، ﴿يَأْمَنُوكُمْ﴾: إذا جاؤوكم قالوا: آمنا فأمنوا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم فأمنوا، فهم يريدون أن يكونوا مرضين لهؤلاء وهؤلاء ولا يمكن هذا، لا يمكن أن ترضي أولياء الله وأعداء الله في آن واحد؛ لأن أولياء الله وأعداء الله كلهم أعداء، لا يمكن لعدو الله أن يوالي وليًّا لله أو بالعكس، فهؤلاء ليسوا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ لأنهم ليسوا مع المسلمين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكفار ظاهرًا وباطنًا، أو لا؟ ليسوا مع المسلمين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكفار ظاهرًا لكن في الباطن هم معهم.
﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ يعني: معناه أن مآلهم الفتنة -والعياذ بالله- والضلال، والمراد بالفتنة هنا: الخروج من الإسلام.
﴿أركسوا فيها﴾ يعني: ازدادوا ركسًا وعمقًا فيها وبعدًا عن الهدى، وهكذا كل إنسان يريد الفتنة فإنه يزداد شرًّا وإيغالًا في الفتنة.
﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يعني: إن ظهرت عداوتهم لكم، ولم يعتزلوكم حتى يتبينوا ويظهروا، ﴿ويلقوا إليكم السلم﴾ يعني: الاستسلام أو المسالمة؟ الظاهر أن المراد المعنيان.
﴿يُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ عنكم بالإيذاء، ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ خذوهم: أسرى، واقتلوهم: إماتة، ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: حيث وجدتموهم كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ [الممتحنة ٢] أي: إن يجِدوكم.
﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ ﴿أُولَئِكُمْ﴾ الإشارة هنا إشارة بعيد مع قرب الذكر؛ لبعد منزلتهم وسفول منزلتهم؛ لأن القريب قد يشار إليه بإشارة البعيد؛ إما لبعده نزولًا، أو لبعده علوًّا، حسب ما يقتضيه السياق.
﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حقًّا بينًا وسلطة بقتالهم وأخذهم؛ حيث لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم.
هذه الآيات كلها في المنافقين وأشباه المنافقين؛ لأنها بُدئت بهم وانتهت بهم فهي في المنافقين وأشباههم، وخلاصتها في المعنى الإجمالي: أن الناس ينقسمون إلى أقسامٍ: مسلمون، ومُعاهَدون، وذِمِّيُّون، ومنافقون، وكلٌّ له حكم من هذه الأقسام، حكم يليق به.
* في الآية الكريمة فوائد منها: علم الله عز وجل بالغيب؛ لقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾.
* ومنها: إثبات الإرادة للعبد، من أين تؤخذ؟
* طالب: تؤخذ من قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾.
* الشيخ: كيف؟ قلنا: في هذه الآية إثبات الإرادة للإنسان؟
* طالب: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾.
* الشيخ: تمام، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يمكن الجمع بين الولاية والعداوة، أن يكون الإنسان وليًّا لأولياء الله ووليًّا لأعداء الله، هذا الشيء لا يمكن؛ لقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾، وهذا قاله في مقام الذم لا في مقام المدح.
فإن قال قائل: هل يمكن الجمع بين العداوة والولاية في شخص معين؟ نعم يمكن، إذا كان هذا الشخص يأتي بالإيمان والتقوى من جانب، وعنده شيء من الكفر والفسوق من جانب آخر، صار وليًّا من جانب وعدوًّا من جانب آخر، هذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة في أن الإيمان والكفر قد يجتمعان، لكن ليس الإيمان المطلق ولا الكفر المطلق؛ لأن الإيمان المطلق والكفر المطلق لا يمكن أن يجتمعا، لكن مطلق الإيمان ومطلق الكفر يمكن أن يجتمعان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الوقوع في الفتن، وأن الإنسان كلما وقع في الفتنة أُرْكِسَ فيها.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء ٩٢، ٩٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
من فوائد الآية الكريمة السابقة: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾، أخذنا كما قلتم أربع فوائد:
* الأولى: علم الله تعالى بالغيب؛ لقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾.
* ومنها: الرد على الجبرية في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾.
* ومنها؛ من فوائدها: أن هؤلاء القوم لمَّا لم يكونوا صادقين في الإيمان ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾، وهكذا كل إنسان ليس صادقًا في إيمانه، فإنه كلما رُدَّ إلى الفتنة ازداد شرًّا وركسًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز أن يُقاتَل أمثال هؤلاء إذا لم يعتزلوا المسلمين، أي: لم يكفوا عنهم، ويلقوا إليهم السلَم، يعني: السلام.
* ومنها: حسن البلاغة بلاغة القرآن حيث قال هنا: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ وهناك في الآية الأولى: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ لأن اختلاف الألفاظ يؤدي إلى النشاط، واتفاقها يؤدي إلى الملل غالبًا.
* ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى جعل للمؤمنين على هؤلاء سلطانًا مبينًا أي: سلطة شرعية، وربما تكون أيضًا سلطة قدرية مُبِينة، أي: ظاهرة بَيِّنَة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences