Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:98–100, continued
* الشيخ: وأيش اللي قبله؟
* الطالب: قوله تعالى ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون ٧].
* الشيخ: نعم، كان ينبغي أن يقول: أحسنوا إن الله يحب المحسنين؟ الآية تعليلية أو غائية؟
* الطالب: تعليلية.
* الشيخ: تعليلية؛ لأنهم لا يريدون: لا تنفقوا إلى أن ينفضوا، ولكن لكي ينفضوا، أحسنت، هات الغائية.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه ٩١].
الولاية التي نهى الله عنها ولاية الكافرين، هل معناها أي مناصرة للكافر فهي ولاية؟ أو المراد أن تتولاه على كفره؛ لكونه بالمعنى.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٠]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٩٨].
* في هذه الآية من الفوائد وما بعدها: عفو الله عز وجل عن هؤلاء الصنف من الناس في تركهم الهجرة.
* ومن فوائدها: أن الدين الإسلامي دين اليسر والسهولة، وأنه مع وجود مشقة ينتفي الحرج.
* ومن فوائدها: أن من الرجال البالغين من لا تجب عليهم الهجرة، وذلك لكونهم مستضعفين.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الواجب الوصول إلى القيام بالواجب بأي حيلة تكون؛ لقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾، وهل يُستدل بهذا على جواز استعمال الحِيَل؟ نقول: لا، بل الحيل فيها تفصيل، ما كان تحيلًا على واجب فهو واجب، وما كان تحيلًا على محرم فهو محرم، وما كان تحيلًا على مباح فهو مباح، الأخير بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى اتهام المحتال وعدم الثقة بقوله أو بفعله، الاحتيال على معرفة الحق بإظهار خلاف الواقع واجب أو لا؟ الاحتيال على إظهار الحق بإيهام خلاف المقصود؟
* طلبة: واجب.
* الشيخ: واجب، مثل «صنيع سليمان عليه الصلاة والسلام في المرأتين المتنازعتين في شخص، كبرى وصغرى، قالت الكبرى: هو لي، وقالت الصغرى: هو لي، فقال: ائتوا بالسكين لِأَشُقَّهُ بينكما، فقالت الصغرى: هو لها يا نبي الله، وقالت الكبرى: شُقَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٢٧)، ومسلم (١٧٢٠ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]]، هذه حيلة لكن على أيش؟ لإظهار الحق، الحيلة على المحرم أن يحتال على الربا بصورة عقد غير مقصود كمسائل العِينة مثلا، هذا حرام، الحيلة على مباح أن يحتال على أخيه في معاملة مباحة ليتوصل إلى مقصوده بها، هذه جائزة لكن بشرط -كما قلت لكم- ألا يؤدي ذلك إلى تهمة الإنسان وعدم الثقة بقوله أو بفعله، هذا إذا قلنا: إن الحيلة هي التوسل إلى الشيء بما يخالف ظاهره، أما إذا قلنا: إن الحيلة المراد بها الحوْل، وأصلها: (حِوْلَة)، يعني: لا يستطيعون قوة على الهجرة، فإنه لا يكون فيها دلالة أصلًا على التحيل.
* ومن فوائد الآية: أنه تجب الهجرة على من يقدر عليها من أي سبيل، سواء كان من السبيل السلطاني الأعظم الذي يمشي معه الناس، أو من السبل الأخرى؛ لقوله: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، و﴿سَبِيلًا﴾ نكرة في سياق النفي، فتعم.
ثم قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء ٩٩].
* من فوائد هذه الآية: أنه يُرجى لهؤلاء أن يعفو الله عنهم؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾، فالرجاء هنا باعتبار ما يقوم في قلب المخاطب، أما باعتباره منسوبًا إلى الله فإن (عسى) كما قال بعض السلف: (عسى) من الله واجب، يعني أن الله وعدهم أن يعفو عنهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، هما: العفوّ والغفور، فالعفو هو المتجاوز عن السيئات، والغفور هو الماحي لها، لكن إذا اجتمع العفو والغفور صار المراد بالعفوّ ما يقابل ترك الواجب، والغفور ما يقابل فعل المحرم، أي عفوّ عن التفريط في الواجب، غفور عن فعل المحرم.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات الصفتين الدال عليهما قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾، وذلك لأن كل اسم من أسماء الله متضمن لصفة، وليست كل صفة متضمنة لاسم، وبهذا عرفنا أن الصفات أوسع من الأسماء؛ لأن كل اسم لا بد أن يتضمن صفة، وليس كل صفة يشتق منها اسم، بل من الصفات ما ليس معنويًّا أصلًا مثل اليد والوجه والعين، هذه ما هي معنوية، فهي صفات خبرية لولا إخبار الله بها ما اعتقدناها ولا علمنا بها.
هل يشتق من قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤] اسم من أسماء الله، ونسمي الله: متكلم؟ لا؛ لأنه لم تأت متكلم، طيب: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٨٨] نشتق منه الصانع؟ لا.
4:100Page 94
۞ وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٠
And whoever emigrates for the cause of Allāh will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allāh and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allāh. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، الإعراب: من يهاجر يجد، هذه الجملة الشرطية فأين فعل الشرط؟
* طالب: فعل الشرط ﴿يُهَاجِرْ﴾.
* الشيخ: نعم، يهاجر، وجوابه؟
* الطالب: ﴿يَجِدْ﴾.
* الشيخ: ﴿يَجِدْ﴾، تمام، وإذا كان فعل الشرط مضارعًا وجوابه مضارعًا وجب جزمهما، أما إذا كان بعد الماضي يعني إذا كان فعل الشرط ماضيًا وجوابه مضارعًا فإنه يجوز الرفع، قال ابن مالك:
وَبَعْدَ مَاضٍ رَفْعُكَ الْجَزَا حَسَـــنْ ∗∗∗ وَرَفْعُـــــهُ بَعْــــــدَ مُضَـــــــــــارِعٍوَهَـــــــــــــــــنْ
فيجوز مثلًا: مَنْ قَامَ يَفُوزُ، مَنْ قَامَ يَفُزْ، أما: مَنْ يَقُمْ يَفُزْ، صحيح، مَنْ يَقُمْ يَفُوزُ، ضعيف.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أين فعل الشرط في هذه الجملة؟
* طالب: يخرج.
* الشيخ: أين جوابه؟
* الطالب: ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾.
* الشيخ: ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾، لماذا اقترن بالفاء؟
* طالب: لأن الفعل ماضٍ.
* الشيخ: لا يا أخي.
* الطالب: ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾ لأنه مسبوق بـ(قد)، فالجواب مسبوق بـ(قد).
* الشيخ: وهل لديك بيت في الضوابط؟
* الطالب: أي نعم.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب:
اسْمِيَّـــــــــــــــــــةٌطَلَبِيَّـــــــــــــــــــةٌ وَبِجَامِــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَــــــدْ وَبِلَــــــــــــنْوَبِالتَّنْفِيـــــــــــــسِ
* الشيخ: أحسنت بارك الله فيك، إذا وقع جواب الشرط أحد هذه الأشياء وجب اقترانه بالفاء، وضابطه أنه كلما كان الجواب لا يصلح أن يلي أداة الشرط وجب اقترانه بالفاء، قال ابن مالك:
وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِــــلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِـــــــلْ
هذا الضابط، كلما كان جواب الشرط لا يصح أن يلي الأداة وجب اقترانه بالفاء، والضوابط التي في البيت أيضًا تسهل عليك هذا.
طيب، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، (كان) هذه هل تفيد الحدوث؟
* طالب: (...) ولكنها هنا تفيد حدوث هذه الصفة لله (...).
* الشيخ: المقصود تحقيق ثبوتها لله، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، سبق لنا معنى الهجرة وهي أن الهجرة لغة بمعنى التَّرْك، وشرعًا: ترك البلاد التي لا يقيم الإنسان فيها دينه إلى بلاد أخرى يقيم فيها دينه، وعبّر عنه بعضهم بقوله: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ ﴿فِي﴾ للظرفية، وسبيل الله تعالى طريقه، وكون الهجرة في سبيل الله تتضمن شيئين: الإخلاص والتزام الشريعة؛ لأن من نوى غير الله لم يكن في سبيل الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة وحمية ويُرى مكانه، قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤ /١٥٠) ، من حديث أبي موسى الأشعري .]]، والثاني: أن تكون في شريعته، ضمن الشريعة لا مخالفة للشريعة، إذن ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: إخلاصًا واتباعًا.
﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ ﴿الْأَرْضِ﴾ هنا المراد بها الجنس، يعني أرض الله عمومًا، ﴿مُرَاغَمًا﴾ أي: مهاجَرًا يرغم به أعداءه، وبناء على هذا تكون ﴿مُرَاغَمًا﴾ صفة لموصوف محذوف، أي: مهاجرًا مراغَمًا، يعني: يراغم به أعداءه؛ لأن الإنسان إذا خرج من بلاد الكفر التي ضُيِّق عليه فيها إلى بلاد أخرى فإنه يراغم الأعداء، كما تعلمون أن الصحابة لمّا هاجروا إلى الحبشة ماذا صنعت قريش؟ أرسلت في إثرهم من يتكلم فيهم عند من؟ عند النجاشي[[أخرجه أحمد (١٧٤٠)، من حديث أم سلمة.]]؛ لأن هذا يراغمهم، ويعرفون أنهم إذا خرجوا ربما يكونون أمة، وهذا هو الذي وقع، وعلمتم قصة أبي بصير رضي الله عنه حينما هاجر من مكة إلى النبي ﷺ بعد صلح الحديبية من لحقه؟ لحقه اثنان من المشركين يطلبون من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يرده، فلما وصلَا إلى النبي ﷺ وأبو بصير قال: يلا امش معهم، الشرط، فمشى معهم راجعًا إلى مكة، في أثناء الطريق بعد أن أمنوا منه قال لأحدهما، وأخذ سيفه: هذا سيف ما شاء الله فيه، يمدح السيف، قال صاحب السيف، افتخر، قال: وكم ضربت به من هام، قال: أعطني إياه أشوفه؟ أعطاه إياه فسلّه فضرب هامه به، الصاحب الثاني هرب إلى المدينة، فلما وصل إلى المدينة وإذا أبو بصير في إثره، قال أبو بصير: يا رسول الله، إن الله قد أوفى بعهدك أو بذمتك، سلّمتني لهم لكني نجوت، قال: «وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ، لَوْ يَجِدُ مَنْ يَنْصُرُهُ»[[أخرجه البخاري (٢٧٣٢)، من حديث المسور بن مخرمة.]]، وعرف أبو بصير أن الرسول بيرده، فخرج من المدينة، أين صار؟ صار على الساحل، كلما أتى عير لقريش غار عليها، فسمع به أناس من أهل مكة من المستضعفين وغير المستضعفين فخرجوا إليه فكوّنوا جماعة، فتعبت قريش من ذلك، وأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها ألغت هذا الشرط، إذن صار في هجرة الإنسان من بلاد الشرك أيش؟ مراغمًا لأهل البلد، يرغمهم، يعني ترغم أنوفهم، والرغام كما نعرف هو التراب، ورَغْم الأنف بالتراب معناه غاية الذل، وقوله: ﴿كَثِيرًا﴾، ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾، قد تشير إلى تجمع القوم؛ لأنه كان المتبادر أن يقال: مراغمًا عاصمًا، لكنه قال: ﴿كَثِيرًا﴾ ولعل ذلك -والله أعلم- إشارة إلى أيش؟ إلى أنه سيجتمع إليه من يكثر بهم، وقوله: ﴿وَسَعَةً﴾، سعة في أي شيء؟ في الرزق، في الدين، في الصدر، في كل شيء، عام، سعة في الرزق لا يقول: إني غادرت بلدي فمن أين آكل وأشرب، سعة في الدين؛ لأنه ليس له أحد يقوم بضده ويُضَيِّق عليه في دينه، سعة في الصدر تتسع صدروهم؛ لأنهم كانوا بالأول في بلاد الشرك مخنوقين مضيَّقًا عليهم، والآن هم أحرار طلقاء، ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ﴾، اللهم لك الحمد، يقال: إن رجلًا خرج من مكة مهاجرًا، وإنه مات في التنعيم أثناء سفره، فقالوا: بطلت هجرته، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٦٨٥) من حديث سعيد بن جبير. ]]، ﴿مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ﴾، انظر إلى كلمة ﴿مِنْ بَيْتِهِ﴾، البيت يحوي الإنسان، والإنسان يألفه وهو وطنه، فيخرج من هذا البيت الأليف الذي هو الوطن إلى الله ورسوله، مهاجرًا إلى الله ورسوله، يترك مأواه ومثواه من أجل الهجرة إلى الله ورسوله، الهجرة إلى الله بالإخلاص، وإلى رسوله بالاتباع، فيريد أن يهاجر إلى الله عز وجل ليقيم شرعه، وإلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليتبعه وينصره أيضًا، ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾، يعني: ثم يموت، كلمة ﴿يُدْرِكْهُ﴾ قد تعطي أنه كالفارِّ الذي يريد أن يصل إلى مهاجره، لكن الموت لحقه فأدركه، ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، ﴿وَقَعَ﴾ بمعنى ثبت، ثبت أجره على الله عز وجل، والأجر هو الثواب، ولم يقل: وقع أجره على الله ورسوله مع أن الهجرة كانت إلى الله ورسوله؛ لأن الهجرة إلى الرسول وسيلة، والغاية؟ هي الهجرة إلى الله عز وجل، فلهذا كان الذي يثيب على الهجرة ليس الرسول بل هو الله سبحانه وتعالى، ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وكلمة (الله) سبق لنا مرارًا وتكرارًا ولكن لا مانع من أن نعيد، (الله) يقال: إن أصلها (الإله)، كالناس أصلها الأناس، وكقولهم: هذا خير من هذا، أي: هذا أخير من هذا، والعرب يحذفون الهمزة أحيانًا للتخفيف، والإله فِعَال بمعنى مَفْعُول، فمن هو الْمَأْلُوه؟ الْمَأْلُوهُ الذي تألهه القلوب، تحبه وتعظمه في نفس الوقت، تحبه وتعظمه، بالمحبة يكون فعل المأمور، وبالتعظيم يكون ترك المحظور خوفًا من هذا العظيم، هذا هو هذه اللفظة العظيمة وهي (الله).
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، سبق الكلام على مثل هذه الجملة، وأنها تفيد ثبوت هذين الاسمين لله وما تضمناه من صفة، الغفور يتضمن المغفرة، والرحيم يتضمن الرحمة، وبالجمع بينهما يحصل المطلوب والنجاة من المرهوب؛ لأن المغفرة للذنوب التي يتخلى عنها الإنسان بمغفرة الله، والرحمة للأعمال الصالحة التي توصل إلى رحمة الله عز وجل.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد فوائد عظيمة:
* منها: أن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا﴾.
* الشيخ: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، فقد خرج من الضيق فوجد السعة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن فضل الله عز وجل على عبده أكثر من عمل عبده له، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾.
* الشيخ: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ ثوابان له: المراغم، والسعة.
* من فوائد الآية الكريمة: أن من أُذِلّ بطاعة الله صار العز له في النهاية، من أين يؤخذ؟
* طالب: من قوله: ﴿كَثِيرًا﴾.
* الشيخ: ﴿كَثِيرًا﴾ لو أخذنا كثيرا وحدها ما استفدنا.
* طالب: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾.
* الشيخ: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾، هكذا؟ هذا الذي أُذِلّ الآن يُذِلّ هو أنوف الذين أذلوه بالأمس.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الشاهد، أنها تشهد لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣)، من حديث عبد الله بن عباس.]]، من أين؟
* طالب: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ﴾.
* الشيخ: لا.
* الطالب: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾.
* الشيخ: (سعة)، السعة تفريج بعد كرب، بعد الضيق والكرب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من سعى في الهجرة وأدركه الموت فإن أجره ثابت كاملا؟
* طالب: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، طيب، وهل يقاس على ذلك بقية الأعمال؟ بمعنى هل من خرج إلى المسجد يريد الصلاة فمات في أثناء الطريق يُكتب له أجر الصلاة؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: طيب، يقال: إن الثواب لا قياس فيه، أنتم ستقولون: نعم، بناء على أيش؟ بناء على القياس، لكن يقولون: إن ثواب الأعمال ليس فيه قياس؛ لجواز أن يكون تخصيص هذا العمل بهذا الثواب لحكمة لا نعلمها، لكن قال بعض أهل العلم: إن لنا شاهدًا على العموم، وهي قصة الرجل الذي مات في أثناء الطريق، وهو رجل قتل تسعًا وتسعين نفسًا، قتلهم عمدًا، تسعًا وتسعين نفسًا، ثم جاء إلى رجل عابد، وكلمة (عابد) معناها أن العبادة خُلُقٌ له، فسأله قال له: هل لي من توبة؟ أنا قتلت تسعًا وتسعين نفسًا عمدًا، هل لي من توبة؟ استعظم العابد هذا؛ لأنه عابد يخشى الله يخاف عقابه، استعظم هذا الشيء قال: لا، ما لك توبة، قال: نكمل بك المئة، فقتله وأتم به المئة، شوف سوء الجهل، هذا العابد مسكين جاهل جهلًا مركبًا، ثم دُلَّ على عالم، فسأل، فقال له إنه قتل مئة نفس عمدًا فهل له من توبة؟ قال العالم: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ سبحان الله شوف، العلم كله خير، من يحول بينك وبين التوبة؟ ولكن أنت في أرض ظالمٍ أهلُها، اذهب إلى القرية الفلانية ففيها الصالحون، أو كلمة نحوها، فذهب الرجل تائبًا إلى الله، في أثناء الطريق أدركه الموت، فنزلت عليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ملائكة العذاب تريد أن تقبض روحه باعتبار سوابقه، وملائكة الرحمة تريد أن تقبض روحه باعتبار مآله؛ الرجل تاب وخرج، تنازعت الملائكة، أيهما يقبض روحه، والله تعالى هو الذي أرسلهم عز وجل اعتبارًا لما يحصل، ثم بعث الله إليهم ملَكًا وحكم بينهم، قال: قيسوا ما بين القريتين، فإلى أيتهما كان أقرب فهو من أهلها، فقاسوا، فوجدوا أنه أقرب إلى الأرض الصالحة بشبر، وقيل إنه لما حضره الموت من شدة شوقه صار يدفع بنفسه إلى الأرض الصالحة، فتقدم هذا التقدم، فتولت روحه ملائكة الرحمة[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم (٢٧٦٦ / ٤٦) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]، قالوا: إذا كان هذا فيمن قبلنا فنحن أفضل الأمم، إذا شَرَعْنا في عمل صالح وأدركَنا الموت فإنه يُكتب لنا، وهذا ما نرجوه من الله عز وجل، وبناء على ذلك نقول: من شرع في طلب العلم، يريد بذلك ما يريده المخلصون في طلب العلم من حفظ الشريعة والدفاع عنها ونفع الخلق، ثم أدركه الموت فإنه يُكتب له ما نوى، يكتب له ما نوى لأنه شرع، لكن بشرط أن يكون شروعه شروعًا حقيقيًّا، يعني عنده اجتهاد وحرص، لا أن يكون المراد بذلك أن يُقَطِّع الوقت، يقول: أنا ما لي شغل بدل ما أروح الأسواق، أحضر حلقات العلم، هذا ما هو طالب علم، طالب العلم الذي يفرِّغ نفسه تمامًا لطلب العلم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences