Ibn 'UthayminGhafir · 40:1–3

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:1–3, continued

نقول: إذا كان مالًا فالتخلي عنه بإيصاله إلى صاحبه بأي وسيلة كانت، فإن كان قد مات فإلى ورثته، فإن جَهِلَهم فإلى بيت المال، أو إذا كان بيت المال غير منتظم أو يخشى عليه أن يضيع فليتصدق به هو لصاحبه، كم مرحلة الآن؟ أربع؛ لصاحبه، لورثته، لبيت المال إن جهلهم، يتصدق به، وأيهما أولى بيت المال أو الصدقة؟ الغالب أن الصدقة أولى لا سيما في زماننا هذا حيث أن بيت المال قد لا يتصرف فيه ولي الأمر التصرف الذي يُرْضِي.

إذا كان عدوانًا على النفس، ما هو مال، فالتوبة منه أن يُمَكِّن صاحب الحق من الاقتصاص منه، فمثلًا إذا كان قد اعتدى على شخص بضرب فليذهب إليه ويقول: أنا اعتديت عليك بالضرب، اضربني كما ضربتك، كما فعل النبي ﷺ مع الرجل الذي ضربه النبي ﷺ حينما رآه متقدِّمًا في الصف فقال الرجل: أقدني يا رسول الله، فكشف النبي ﷺ عن بطنه ليُقيدَه[[أخرج البيهقي (١٦٠٢٠) عن سواد بن عمرو رضي الله عنه قال: أتيت النبي ﷺ، وأنا متخلق بخلوق، فلما رآني قال لي: «يا سواد بن عمرو، خَلوق ورس؟ أَوَلَمْ أنهَ عن الخلوق؟»، ونخسني بقضيب في يده في بطني فأوجعني، فقلت: يا رسول الله القصاصَ، قال: «القَصاصَ» فكشف لي عن بطنه فجعلت أقبله، ثم قلت: يا رسول الله! أَدَعُهُ شفاعة لي يوم القيامة.]]، فماذا فعل الرجل؟ قَبَّله، فهذا النبي ﷺ وهو أشرف الخلق وأحب الناس إلى أتباعه مَكَّن من الاقتصاص منه، هذا اثنان، المال والبدن.

إذا كان في العرض اعتديت على شخص بعرضه؛ يعني بأن اغتبته أو سَبَبْتَه، والفرق بين الغيبة والسب أن السب مواجهة والغيبة مع الغَيْبَة، فذكرك أخاك بما يكره إن كان غائبًا فهي غيبة، وإن كان حاضرًا فهو سب، التوبة من هذا أن تَسْتَحِلَّه، فهل لو قلت: سُبَّني كما سببتُك يصح أو لا يصح؟ لا يصح؛ لأن هذا جناية على نفسك، ولكن استحلَّه، هذا إذا كان سبًّا؛ لأنه قد علم بذلك، إذا كان غيبة فهل تستحله تذهب إليه وتقول: إني اغتبتك، فاعذرني، اسمح لي؟

الجواب: قال بعض العلماء: نعم، يجب أن تذهب إليه وتقول: أنا اغتبتك فاعذرني حلِّلْنِي. وقال بعض أهل العلم: لا يلزم استحلاله، بل يكفي أن تَسْتَغْفِر له كما جاء في الحديث وإن كان ضعيفًا: «كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ»[[أخرج البيهقي في الدعوات (٥٧٥) من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبتَه؛ تقول: اللهم اغفر لنا وله». قال البيهقي: في هذا الإسناد ضعف، والله أعلم.]] استغفر له وأثنِ عليه بما هو أهله في الأماكن التي اغتبتَه فيها، تكون الحسنات يذهبن السيئات. وهذا القول أصح؛ لأن هذا فيه البراءة وعدم التشويش؛ لأنه ربما لو تذهب إليه تقول: اغتبتك فحلِّلْني، مهما أتيتَ به من صيغة الغيبة قد لا يقتنع بها، إذا قلتَ: إني قلتُ فيكَ: إنك بخيل. قد يقول: إنك قلتَ: بخيل وجبان. أليس كذلك؟ ربما يقول له الشيطان هكذا، ويأبى أن يُحَلِّلَكَ، فإذا كان لم يعلم فاحمد الله على ذلك واستغفر له، وأثنِ عليه بما هو أهلُه في الأماكن التي كنتَ اغتبتَه فيها وبذلك تَسْلَم من الإثم، هذه صفة التخلي من الذنب إذا كان في حق غير الله.

هنا سؤال: بعض الناس يكون عليه حقٌّ ماليٌّ لشخص إما سرقه أو جحده أو ما أشبه ذلك، ثم يتوب هذا الفاعل ويذهب إلى صاحب الحق ويقول: خذ حقك فيأبى صاحب الحق، يأبى أن يأخذه، فماذا يصنع؟ وهذا يَرِدُ كثيرًا؛ يكون صاحب الحق قد حمل في نفسه على هذا الظالم الذي ظلمه ويأبى أن يَقْبَل، فماذا يصنع هل نقول: إنه حينئذ سقط حقُّه وصحَّت توبة المعتدي، ويبقى إن طلب حقه مرة أخرى أُعْطِيَ وإن لم يطلب فإن المعتدي برئ؟ نقول: ننزل هذه الحال على القواعد الشرعية، القواعد الشرعية تقتضي أن هذا الذي عليه الحق قد بَرِئ؛ لأن الله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، وهذا ما يسعه، قَدَّم الحق لصاحبه وقال: خذ. قال: لا، لا آخذه، أنت اعتديت عليَّ بالأول ولا أقبل منك، هذا الذي أبى أن يقبل هو الذي أخطأ وجنى؛ لأنه ينبغي للإنسان إذا اعتذر إليه أخوه أن يَقْبَل عذرَه، لكن هذا هو الذي جنى الآن. فهذا الرجل نقول: أنت الآن برئت ذمتُك، خلِّ الدراهم عندك إن جاء يومًا من الدهر أعطها إياه، وإن مات فهل يلزمه أن يعطيه الورثة؟

الجواب: في هذا نظر، وذلك أن الرجل الذي اعتُدِيَ عليه لم يقبل هذا المال ولم يدخل في ملكه، فإذا كان لم يقبله ولم يدخل في ملكه فكيف ينتقل إلى الورثة، ومن شرط الإرث انتقال المال عن الموروث، وهذا الموروث لم يقبل هذا المال؟

وقد يقال: إن الأصل أنه ملكه فيلزم الرد إلى ورثته، وهذا الأخير أحوط لكن في وجوبه نظر؛ لأن الذي اعتدى وأراد أن يرد يقول: أنا أعطيت الرجل وأبى أن يتملكه، فكيف ينتقل إلى الورثة؟ ولكن نقول: الأحوط والأولى أن يَرُدَّه إلى الورثة ليسلم منه، لكن لو فُرِضَ أنه لا ورثة له أو أن ورثته مجهولون فإن هذا التائب قد أدى ما عليه. هذه ثلاثة شروط.

الشرط الرابع: أن يعزم على ألا يعود إلى الذنب أو ألا يعود إلى الذنب. الأول أو الثاني؟ الأول أن يعزم على ألا يعود إلى الذنب، أو الشرط ألا يعود إلى الذنب؟

الأول؟ ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما أننا إذا قلنا: الشرط ألا يعود ثم عاد بطلت التوبة الأولى، وإذا قلنا: الشرط العزم على ألا يعود وقد عزم ألا يعود، ثم عاد فالتوبة الأولى تبقى صحيحة، وعليه أن يتوب توبة ثانية للذنب الجديد، وعلى كل حال فالشرط هو العزم ألا يعود في المستقبل، فإن عاد فعليه توبة أخرى، فتاب وعاد يتوب، عاد يتوب، فعاد يتوب.

فإن قال قائل: أليس قد ثَبَت في الصحيح أن الرسول ﷺ أخبر «أَنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ فَتَابَ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَتَابَ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَتَابَ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ»[[أخرج البخاري (٧٥٠٧) ومسلم واللفظ له (٢٧٥٨ / ٢٩) بسنديهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه عز وجل قال: «أذنب عبد ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرتُ لك».]]؟ فهل هذا يعني أن الإنسان إذا تكرر منه الذنب وهو يستغفر يُغْفَر له؟

الجواب: نعم مهما أذنب ثم استغفر يُغْفَر له.

لكن لو قال قائل: إن ظاهر الحديث «فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» » يعني فليعصِ الله، قلنا: لا يستقيم هذا؛ لأنه يخالف الأدلة الكثيرة الدالة على أنه لا بد لكل ذنب من توبة إلا طائفة واحدة من هذه الأمة هم الذين لا يحتاجون إلى توبة من الذنب وهم أهل بدر، فإن الله اطلع إليهم وقال: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٩٠) ومسلم (٢٤٩٤ / ١٦١) من حديث عليٍّ رضي الله عنه.]].

الشرط الخامس: أن تكون التوبة في الوقت الذي تُقْبَل فيه التوبة، وهو أن تكون التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها وقبل حضور الأجل، الأول عام لكل أحد، لا توبة لأحد إذا طلعت الشمس من مغربها؛ لقول النبي ﷺ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[أخرجه أبو داود (٢٤٧٩) من حديث معاوية رضي الله عنه، ولفظه: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها».]]، وهذا يؤيده قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨] والمراد ببعض الآيات طلوع الشمس من مغربها.

الثاني: أن تكون قبل حضور الأجل، فإذا حضر الأجل لم تنفع التوبة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، هذا ليس لهم توبة، وتطبيق هذا عمليًّا أن فرعون لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ تؤمن ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس ٩١، ٩٢] لا رحمة بك، ولكن ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، وأما روحك فلا نجاة لها، وإنما نجاه الله ببدنه؛ لأنه قد أرعب بني إسرائيل ولا يكادون يصدقون بأنه هلك حتى يشاهدوه فيطمئنوا، فلهذا نجاه الله ببدنه ليشاهدوه.

هل يُشْتَرَط ألا يكون مُصرًا على ذنب آخر؟ يعني: لنفرض أنه تاب من شرب الخمر، لكنه باق على الزنا، والعياذ بالله، فهل تصح توبته من شرب الخمر؟

في هذا خلاف، فمن العلماء من يقول: لا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على ذنب آخر.

ومنهم من قال: بل تصح؛ لأن كل ذنب له جُرْمُه. ومنهم من قال: إذا كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذي تاب منه فإن التوبة لا تصح، كرجل تاب من الزنا لكنه يُطْلِق بصره في النظر المُحَرَّم؛ فإن توبته من الزنا لا تصح، أو رجل تاب من النظر المحرم، ولكنه لم يتب من المسِّ المحرم هذا أيضًا لا تُقْبَل توبته.

ومن العلماء من قال: تُقْبَل مطلقًا، إذا تاب من ذنب تاب الله عليه من هذا الذنب؛ لأن الله عز وجل حَكَمٌ عَدْل، ورحمته سبقت غضبه، وهذا الرجل عنده جنايات متعددة تاب من واحدة منها فليكن تائبًا. وهذا القول أصح، ولكن لا يُطْلَق على هذا التائب وصف التوبة المطلق؛ لأن توبته هذا مُقَيَّدة؛ يعني: لا يستحق وصف التائبين على الإطلاق، فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]؛ لأن هذا الرجل لا يصدق عليه أنه تائب على وجه الإطلاق لكنه تائب من ذنب واقعٌ في ذنب آخر، وهذا القول هو الذي تجتمع فيه الأدلة؛ فيقال: استحقاق الوصف المطلق فيمن تاب من ذنب مع الإصرار على غيره لا يكون، وأما وصفه بتوبة مُقَيَّدة فهذا صحيح.

* طالب: (...) كالزنا.

* الشيخ: لا، الزنا ما يدخل في هذا. قل: كالسرقة.

* طالب: وقُطِعَت يدُه (...).

* الشيخ: إذا قُطِعَت يده فلا بد من رد المال إلى صاحبه، نقول: هذا بالنسبة لحق الله سقط في إقامة الحد عليه، لكن لا بد من أن يوصل المال إلى صاحبه.

* الطالب: طيب يا شيخ الزنا ما يشترك فيه..

* الشيخ: الواقع أن الزنا يشترك فيه الفاعل والمفعول به، حتى المفعول به يتلذذ ويجد شهوة، نعم إذا قلنا بالإكراه فهذا صحيح عدوان لا بد من استحلاله.

* الطالب: (...) حق الله؟

* الشيخ: حق الله نقيم عليه الحد، وحق العباد وهو الإكراه والعدوان عليه لا بد من استحلاله.

* طالب: القاعدة التي ذكرتها أن ما أنزل من الأعيان يكون (...) من غير الأعيان (...) طيب السكينة (...) الأعيان نفسها؟

* الشيخ: وصفٌ في الغير ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح ٤]، وصف في الغير، السكينة في قلوبهم.

* طالب: (...).

* الشيخ: يسأل يقول: رجل سرق من شخص مالًا ثم ردَّه عليه وقال: هذه هدية هل يبرَأ منه؟

لا ما يبرأ، إذا كان رده على أنه هديه وهذا قبله على أنه هديه، وأن المهدي له عليه منة وأنه يحتاج إلى مكافأة فرق.

* طالب: (...).

* الشيخ: لو وضع ريالًا وقال: هذه هدية؟

* طالب: إي نعم.

* الشيخ: لكان مخادعًا، ألف ريال يحط معها ريالًا ويقول: هذه هدية علشان ريال من ألف! لا لا بد، لكن الحمد لله يقول: والله أنا في حالة سفه حصل، وهذه تقع كثيرًا في حال الصغر وإلا عدد كبير ما هو سارق إن شاء الله، لكن وهو صغير يسرق من دكان ولَّا من صاحب له يأخذ قلمًا يأخذ ساعة، لا بد أن يوصله إليه ويقول: هذه حق لك عليَّ، ولكن لو قال مثلًا: هذه من إنسان تاب وقد سرقها منك، ولا قال: أنا ولا غيره، هل يصح أو لا؟ هذا يصح، والظاهر أنه ينبني عليه استحلال المجهول.

* طالب: في الدرس الماضي (...) المؤلف رحمه الله تعالى الله بالمشدد يعني يتهرب من إثبات الصفات الفعلية (...) قال هنا: (﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ الْإِنْعَام الْوَاسِع وهو موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات) فهو أثبت الصفات هنا؟

* الشيخ: أي، لكن على أنها صفات ذاتية، ثم هو أيضًا المؤلف لاحظ شيئًا آخر من جهة النحو، وهو أن (غافر الذنب) و(قابل التوب) و(شديد العقاب) هذه صفات مضافة، وإضافتها ليست محضة، إضافتها إضافة لفظية، والإضافة اللفظية لا تقتضي التعريف، أعرفت؟

* الطالب: لكن سماها صفات.

* الشيخ: إي ما يخالف هي صفات، لكن ما هو قصده؟ شف عبارة المؤلف: (وهو موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات) إذا كان موصوفًا بها الدوام ماذا تكون؟ صفات ذاتية، ثم يقول: (فإضافة المشتق منها للتعريف كالأخيرة) المشتق غافر وقابل وشديد، يقول: (للتعريف) يعني: أن إضافتها أفادت التعريف (كالأخيرة) ما هي الأخيرة؟ (ذي الطول) فإن هذه الإضافة أفادت التعريف لا شك؛ لأنها إضافة اسم جامد إلى معرفة فيكون معرفة.

انتبهوا، اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة إذا أضيفت فإنها لا تفيد التعريف، إضافتها لا تفيد التعريف، ويُسَمُّون هذه الإضافة إضافة لفظية، لا معنوية، وبعضهم يقول: محضة وغير محضة، أتى المؤلف بهذا الكلام؛ لأنه يُورد عليه مسألة، الله العزيز العليم هذه معارف ولَّا غير معارف؟ معارف.

إذا قلنا: (غافر) صفة لله، وقلنا: إن إضافتها لفظية ورد علينا إشكال؛ الإضافة اللفظية لا تقتضي التعريف فتكون الصفة نكرة وُصِفَ بها معرفة، ووصْفُ المعرفة بالنكرة غير جائز، أو لا؟ لا يجوز أن تقول: جاء زيد فاضل، لا يجوز، يجب أن تقول: جاء زيد الفاضل، فإذا كانت الإضافة في (غافر) و(قابل) و(شديد) لا تفيد التعريف وأعربناها على أنها صفة صار في هذا إشكال وهو أننا وصفنا معرفةً بنكرة وهذا غير جائز. أراد المؤلف أن يُصَحِّحَ الموضوع فقال: إن هذه الصفات لا يراد بها الحدوث وإنما هي صفات على الدوام، وإذا كانت الصفات على الدوام خرجت عن مشابَهة الفعل وصارت الإضافة للتعريف؛ لأجل أن يصح وصف اسم الجلالة أو لفظ الجلالة بهذه الصفات لما كانت إضافتها محضة معنوية.

لكن للمعربين قول آخر بل قول ثالث؛ القول الآخر يقولون: إن (غافر) و(قابل) و(شديد) بدل من الله، والبدل لا يُشتَرَط فيه موافقة المبدل منه، لكن القول بأنها بدل غير صحيح؛ لأن علامة البدل أن يَحِلَّ مَحَلَّ المُبْدَل منه وهذا لا يصح، هذا وصف زائد على الموصوف.

فيه رأي ثالث لإخواننا الكوفيين السهلين الْمُيَسِّرين يقولون: يجوز أن تُنْعَت المعرفة بمثل هذا التركيب، ولو كانت الإضافة لفظية غير محضة؛ يعني يقولون: ما أضيف إلى المعرفة ولو كانت الإضافة غير محضة يجوز أن يكون نعتًا للمعرفة اعتبارًا باللفظ؛ لأن لفظ (غافر الذنب) معرفة ولَّا نكرة؟ معرفة؛ لأنه أُضيفَ إلى معرفة، وإن كانت الإضافة عندهم غير حقيقية، وإنما هي لفظية، فالنحويين يقولون: لا يهم، لفظية أو معنوية، ما دام ظاهر اللفظ منسجم الصفة مع الموصوف فهذا يكفي، والقاعدة المُتَّبَعة عندنا فيما إذا ورد خلاف بين النحويين أن نتبع الأسهل اقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام« أنه ما خُيِّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا»[[أخرج البخاري (٦٧٨٦)، ومسلم واللفظ له (٢٣٢٧) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «ما خُيِّرَ رسولُ الله ﷺ بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه».]]، ونحن لا نأثم إذا اتبعنا الكوفيين في رأيهم؛ لأن ما هي مسائل شرعية.

طيب، على كل حال، على رأي الكوفيين لا حاجة إلى كلام المؤلف، نقول: الإضافة لفظية لكن صورتها أنها إضافة معنوية؛ لأنه أُضيف إلى معرفة فصَحَّ أن يُوصَف به المعرفة.

على كل حال هذا البحث لا يدركه الإنسان تمامًا إلا إذا عرف أن الإضافة نوعان: محضة معنوية، ولفظية غير محضة.

* * *

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تكلمنا بالأمس على شروط التوبة اذكرها بالإجمال؟

* الطالب: خمسة شروط: الشرط الأول الإخلاص، الشرط الثاني ترك الذنب والتخلي عنه، الشرط الثالث التخلي عن..

* الشيخ: لا.

* الطالب: العزم على..

* الشيخ: لا.

* طالب: أولًا الإخلاص، ثانيًا: الإقلاع..

* الشيخ: لا.

* طالب: الندم..

* الشيخ: الندم على ما فات من الذنب.

* طالب: الإقلاع عن المعصية والعزم على ألا يعود عليها وأن تكون في زمن التوبة (...) قبل الموت، وقبل إتيان شروط الساعة.

* الشيخ: أو قبل طلوع الشمس من مغربها، تمام.

إذا كانت التوبة من حق آدمي؟ ذكرنا أنه أقسام.

* الطالب: في المال أو البدن أو العِرض، إذا كان في المال فلا بد أن يوصل المال إليه أو إلى ورثته أو إلى بيت المال في حالة العجز، وإذا كان في البدن يمكنه منه.

* الشيخ: يمكنه من القصاص. وإذا كان في العرض؟

* الطالب: إن كان قد سبه مثلًا أمامه فممكن أن يستسمحه، وإن كان في غيبته فلعدم وجود الضغينة..

* الشيخ: إن كان في غيبته ففيه التفصيل، ما هو التفصيل؟

* الطالب: التفصيل إن كان هذا الأمر سيسبب في قلبه ضغينة أو..

* الشيخ: إذا كان في غيبته ففيه التفصيل، ما هو؟

* طالب: إن كان في غيبته؛ إن كان وصلت إليه..

* الشيخ: فإن كان قد بلغه..

* طالب: إن كان بلغه هذا يذهب إليه ويستحله، ويشترط أيضًا ألا يكون عندما يستسمحه ألا يثور عليه أو..

* الشيخ: لا.

* طالب: ذكر العلماء شيئين في هذا: الأمر الأول -كما ذكر إخواننا- أن يذهب إلى هذا الرجل..

* الشيخ: إذا علم بها، إذا كان قد بلغه أنه اغتابه فلا بد أن يذهب ويستحله هذه واحدة، وإن لم؟

* طالب: شيء آخر والذي رجحتموه -بارك الله فيكم- وهو ألا يخبره أنه قد اغتابه..

* الشيخ: لا.

* الطالب: ويستسمحه.

* طالب آخر: (...).

* الشيخ: إذا كان قد بلغه.. الآن تتكلمون على إذا كان قد بلغه.

* طالب: إذا كان قد بلغه يجب أن يستحله.

* الشيخ: يجب أن يستحله. طيب، وإذا لم يبلغه؟

أن يستغفر له ويمدحه في المواضع..

ففيه قولان للعلماء: القول الأول؟

* الطالب: أن يستغفر له ويمدحه في المواضع التي كان يسبه فيها. القول الثاني..

* الشيخ: أن يذهب إليه ويبلغه ويقول: حللني، والصحيح الأول.

هل يُشْتَرط لصحة التوبة ألا يُصِرَّ على ذنب آخر، بمعنى هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر؟

* طالب: للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: لا تصح، القول الثاني: أنها تصح ولكن لا يستحق التوبة المطلقة.

* الشيخ: وصف التوبة المطلقة. أيهما أصح؟

* الطالب: الثاني.

* الشيخ: الثاني أصح؛ أنها تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لكنه لا يَصْدُق عليه وصف التائب على سبيل الإطلاق. نستمر الآن في استنباط الفوائد من الآية.

* الطالب: فيه قول ثالث.

* الشيخ: أيهم؟

* الطالب: أن الذنب إذا كان من جنس الذنب..

* الشيخ: قول ثالث هذا، إي نعم. لكن صححنا أنه يصح مطلقًا..

* من فوائد الآية الكريمة ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾.. ذكرنا الحث على التوبة؟ طيب.

* من فوائدها: أن عقاب الله تعالى شديد؛ لقوله تعالى: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾.

* ويتفرع على هذه الفائدة: الحذر من التعرض لعقابه، وقد قال الله عز وجل لنبيه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠]، وقال في آية أخرى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨].

* ومن فوائد الآية التي بعدها ﴿ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر ٣]: بيان كمال غنى الله؛ لقوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ أي: صاحبه، والطول هو الغنى كما شرحناه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: انفراد الله تعالى بالألوهية؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وانفراد الله تعالى بالألوهية أحد أقسام التوحيد الثلاثة التي هي توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ويُسَمَّى توحيد العبادة فهو باعتبار العبد توحيد عبادة وباعتبار المعبود توحيد ألوهية.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أنه لا معبود إلا الله، كذا؟ لا بد أن نُقَيِّد لا معبود حق إلا الله؛ لأن هناك ما يُعْبَد من دون الله وتُسَمَّى آلهة، وقد سماها الله تعالى آلهة ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون ١١٧]، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١] لكنها آلهة باطلة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المصير إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.

* ومن فوائدها: وجوب التحاكم إلى شريعة الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ حيث قَدَّم الخبر وتقديم الخبر يفيد الحصر والاختصاص.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين الخوف والرجاء في السير إلى الله، وجه ذلك أن الإنسان إذا علم أن المصير إلى الله وأنه غافر الذنب وقابل التوب وشديد العقاب يرجو من وجه ويخاف من وجه آخر، ما دام المصير إلى مَنْ هذا وصفه فإنه لا شك أنه يرجوا تارة ويخاف أخرى، وأيهما يُغلِّب؟

قال بعض العلماء: يجب أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، لا يغلب الرجاء فيقع في الأمن مِنْ مكر الله، ولا يُغلِّب الخوف فيقع في القنوط من رحمة الله، بل يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا فأيهما غَلَب هَلَك صاحبُه.

وقال بعضهم: ينبغي أن يسير الإنسان إلى الله تعالى سير الطير جناحاه متساويان فإن مال أحد جناحيه جنح إلى الجانب الذي مال إليه.

وقال بعض العلماء: ينبغي في جانب الطاعة أن يُغَلِّب جانب الرجاء وأن الله تعالى يقبلها، وفي جانب المعصية أن يُغَلِّب جانب الخوف لئلا يقع فيها، فإذا هَمَّ بسيئة ذكر شدة العقاب فخاف فارتدع، وإذا عمل صالحًا ذكر الثواب والجزاء وقبول الله عز وجل فغَلَّب جانب الرجاء.

وقال بعض العلماء: ينبغي أن يُغَلِّب جانب الخوف في حال الصحة، وجانب الرجاء في حال المرض حتى يأتيه الموت وهو يحسن الظن بالله؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما.]].

فالأقوال إذن أربعة؛ أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا.

والثاني: أن يُغَلِّب جانب الرجاء في العمل الصالح وجانب الخوف إذا هَمَّ بالمعصية.

والثالث: أن يُغَلِّب جانب الرجاء في حال المرض وجانب الخوف في حال الصحة.

* طلبة: ثلاثة.

* الشيخ: ثلاثة. إي نعم، ما ذكرنا أربعة؟

طيب إذن، هذه أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، طيب هذه ثلاثة أقوال، والذي يظهر أن القول بأنه يغلِّب جانب الرجاء في حالة فعل الطاعة وجانب الخوف إذا هَمَّ بمعصية هو أقرب الأقوال، من أجل أن يردع نفسه إذا هَمَّ بمعصية خوفًا من الله، وأن يُؤَمِّل القبول من الله والثواب إذا فعل الطاعة فيُغَلِّب جانب الرجاء. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على التوكل على الله، كيف كانت دليلًا على الحث على التوكل على الله؟

* طالب: تفويض الأمر إلى الله.

* الشيخ: أنه لما كان المصير إلى الله كان ينبغي أن يتعلق الإنسان بربه لا بغيره، ما دام المصير إلى الله فتوكلْ على الله لا على غيره.

* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: اللجوء إلى الله تعالى عند الشدائد وعند طلب المحبوب، تؤخذ مِن؟ ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ فإذا اشتدت بك شدة فلا تلتفت إلى زيد أو عمرو، عليك بالله عز وجل، حتى الشدائد التي أسبابها خفية لا ينفعك إلا الله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت ٣٦].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском