Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ghafir 40:7–11, continued
* الشيخ: ماذا تقولون؟ هل يجوز التوسل إلى الله بمحبة الصالحين والعلماء؟ هل محبة الصالحين والعلماء هي عبادة تُقَرِّب إلى الله أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: إذن عمل صالح تدخل في التوسل إلى الله بالعمل الصالح.
* الطالب: تخصيص العالم بعينه؟
* الشيخ: لا، الأحسن ألا تخصص؛ لأن العالم بعينه -نسأل الله تعالى أن يحمينا وإياكم ويجعل ظواهرنا كبواطننا أو بواطننا خيرًا منها- ما تدري حقيقة، قد تَغْتَر بإنسان، ولكن لا يكون على ما تظن، لكن عَمِّمْ: اللهم بحبي لعلماء الشرع احشرني معهم، بحبي للصالحين اجعلني معهم وما أشبه ذلك.
40:8Page 468
رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٨
Our Lord, and admit them to gardens of perpetual residence which You have promised them and whoever was righteous among their forefathers, their spouses and their offspring. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise.
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر ٨ - ١٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ هذا من جملة دعاء الذين يحملون العرش ومن حوله يقولون: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ ﴿رَبَّنَا﴾: أي: يا ربنا، وكرروا النداء بالربوبية؛ لأنهم كانوا بالأول يسألون الله المغفرة لهم ووقاية عذاب الجحيم، وهذا من باب التخلية أي: السلامة مما يضر. أما الثاني فهو من باب التحلية أي: من باب حصول المطلوب ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ فترى الجملة الأولى من الدعاء فيها النجاة من المرهوب، والثانية فيها حصول المطلوب؛ ولهذا كَرَّروا قولهم: ﴿رَبَّنَا﴾ ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ﴾ وجعلوا هذه الجملة معطوفة على ما سبق لا مستأنفة أي: لم يقولوا: ربنا أدخلهم، قالوا: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾ لتحقق ما قبلها؛ لأن العطف يقتضي ثبوت المعطوف عليه وكونه أصلًا، فكأنهم قالوا: ربنا واجمع لهم مع ما سبق أن تدخلهم جنات عدن.
وقوله: ﴿جَنَّاتِ﴾ جمع جنة، والجنة تأتي في القرآن مجموعة وتأتي مفردة، فباعتبار الجنس هي جنة واحدة، وباعتبار الأنواع هي جنان، ذكر الله تعالى فيها أربعة أنواع في موضع واحد: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦] ﴿ومن دونهما جنتان﴾ فهي تُجْمَع باعتبار الأنواع وتُفْرَد باعتبار الجنس. والجنة في الأصل البستان الكثير الأشجار؛ وسمي بذلك لأنه يُجِنُّ من فيه أي: يستره لكثرة أشجاره، والمراد بها شرعًا دار النعيم التي أعدها الله تعالى لأوليائه، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وسقفها عرش الله عز وجل، فهم أقرب الناس إلى الله.
وقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ العدن بمعنى الإقامة، يقال: عَدَن بمكان أي: أقام، ومنه سُمِّي المعدن لمعادن الأرض؛ لأن المعدن مقيم ثابت راسخ في الأرض، فجنات عدم أي جنات إقامة؛ ووصفت بذلك لأن أهلها لا يبغون عنها حِوَلًا، ولأنها دائمة أبد الآبدين.
وقوله: ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ صفةٌ لجنات، وإنما قالوا ذلك اعترافًا بفضل الله تعالى أولًا وآخرًا، وتوسلًا إليه بتحقيق ما طلبوا؛ لأن الله إذا وعد شيئًا أتمه فإنه لا يخلف الميعاد، فصار ذكر قوله: ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ له فائدتان:
الأولى: الاعتراف بفضله سبحانه وتعالى حيث وعدهم هذه الجنات.
الثاني: التوسل إلى الله تعالى بإجابة الدعاء، كأنهم يقولون: أدخلهم هذا؛ لأنك وعدتهم إياه، فيكون من باب التوسل بوعده إلى تَحَقُّق موعوده.
وقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ ﴿مَنْ صَلَحَ﴾ يقول: (عطف على (هم) في ﴿أَدْخِلْهُمْ﴾ أو في ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾ ) فالواو حرف عطف، و(من) اسم موصول مبني السكون في محل نصب عطفًا على ﴿أَدْخِلْهُمْ﴾ أو على ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾، والأحسن أن يكون عطفًا على ﴿أَدْخِلْهُمْ﴾، فيكون الدعاء بالدخول شاملًا لهم ولمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.
﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وهذا احتراز جيد؛ حيث قالوا: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ ولم يقولوا: وآباءهم وأزواجهم وذرياتهم، قالوا: من صلح؛ لأنهم لو دَعَوْا بالعموم لكان فيه نوع من الاعتداء في الدعاء؛ لأن الاعتداء في الدعاء هو أن يدعو الإنسان بما لا يمكن شرعًا أو حِسًّا، كلُّ من دعا الله تعالى بما لا يمكن شرعًا أو حسًّا فإنه معتد في الدعاء، ولو زدنا أيضًا أو حسًّا أو عادة فهو معتد؛ فلو سأل الله تعالى أن يخرج له ولدًا من جدار بيته لكان هذا اعتداء في الدعاء، ولو سأل الله تعالى أن يجعله نبيًّا لكان هذا اعتداء في الدعاء؛ لأن ذلك لا يمكن شرعًا. ولو سأل الله أن يجعل السماوات والأرض بيده لكان هذا معتديًا في الدعاء لأنه لا يمكن عقلًا. فما لا يمكن شرعًا أو عقلًا أو عادة أو حسًّا فإنه لا يُدْعَى الله به؛ لأن هذا اعتداء في الدعاء.
فهنا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ لو قالوا: وآباءهم لكان فيه نوع من الاعتداء؛ حيث أن آباء هؤلاء قد يكونوا مشركين كفارًا لا يستحقون أن يدخلوا الجنة، فيقول: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ﴾ جمع زوج ﴿وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ جمع ذُرِّيَّة، فذكروا الأصول والفروع والمصاهرة، الأصول والفروع آباء وذريات، والمصاهرة أزواج.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذه جملة استئنافية يُراد بها التوسل إلى الله تعالى بعزته وحكمته أن يُحَقِّقَ هذا الدعاء أو هذا المدعو به.
* في الآية هذه فوائد:
* أولًا: إثبات أن الملائكة عباد مربوبون؛ لقولهم: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ﴾.. إلى آخره.
* ومن فوائدها: أن الشيء لا يتم إلا بانتفاء المؤذي وحصول المطلوب؛ وجه ذلك أنهم لما انْتَهَوْا من دعاء الله تعالى بانتفاء المؤذي سألوا الله تعالى حصول المطلوب وهو إدخال الجنات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنات أنواع، نستفيد هذا من الجمع.
* ومن فوائدها :أن الجنات دار إقامة لا يبغي ساكنها تَحَوُّلًا عنها ولا يلحقه فناء؛ لقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: التوسل إلى الله تعالى بفعله أو قوله؛ لقوله: ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ فإن وعده قول، وهؤلاء الملائكة توسَّلوا إلى الله بهذا القول.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل على أهل الجنة أولًا وآخرًا؛ أولًا حيث وعدهم الجنة؛ لأن الوعد بالجنة يقتضي العمل لها، وثانيًا بإدخالهم إياها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تمام النعيم أن يَجمَع الله بين الإنسان وبين قرابته وزوجه؛ لقوله: ﴿أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾.. إلى آخره.
فإن قال قائل: هل يلزم من ذلك أن يكونوا في درجة واحدة؟ قلنا: لا يلزم، ولكن الأزواج لا بد أن يكونوا في درجة أزواجهم، والذرية ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة الطور أنه في درجة آبائهم أيضًا قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور ٢١]، وهذا يدل على أن الذرية الذين لم يبلغوا منازل آبائهم أنهم يرفعون حتى يكونوا في منازل آبائهم، وأن ذلك لا يقتضي نقص الآباء من المنازل،؛ يعني: لا نقول: أن الحل وسط نرفع هؤلاء قليلًا ونُنَزِّل هؤلاء قليلًا؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور ٢١] لئلا يظن الظانُّ أنه إذا رُفِعَت الذرية فإنها تُرْفَع قليلًا ويُنَزَّل الآباء بمقدار ما رُفِعَ هؤلاء ليلتقوا في نقطة الوسط، وهذا ليس كذلك؛ لأنه لو نُزِّلَ الآباء قليلًا لزم من ذلك أن يُنْقَصوا، ولكن الله يقول: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ أي: ما نقصناهم أي: الآباء ﴿مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الاحتراز في الدعاء عن التعميم؛ لقولهم: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ﴾ [غافر ٨]، ومن ذلك قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ [البقرة ١٢٦] أي أهل المسجد الحرام ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة ١٢٦] ﴿أَهْلَهُ﴾ ثم أبدل منها قوله: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فاحترز، ولكن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ يعني: أرزق مَنْ في هذا البلد ولو كانوا كفارًا، لكن ﴿مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة ١٢٦]. المهم أنه ينبغي للإنسان في الدعاء أن يحترز من التعميم الذي قد يتناول من لا يستحق الدعاء فيكون في دعائه هذا نوع من الاعتداء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين يعني العزيز والحكيم من أسماء الله، وإثبات ما تضمناه من الوصف أو من الصفة، فالعزيز متضمن للعزة، والحكيم متضمن للحكمة والحكم.
* ومن فوائد الآية: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بأسمائه.
فإن قال قائل: ذكرتم في عدة مواضع أن التوسل بالأسماء ينبغي أن يكون مطابقًا للسؤال أو للمسؤول، وهنا ما مناسبة العزة والحكمة للدعاء بإدخال هؤلاء الجنة؟
الظاهر -والله أعلم- أن المطابقة أنهم دعوا أن الله يُدْخِل مَنْ صلح مِن آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، وهذا أمر يحتاج إلى عزة وتمام سلطة وإلى حُكْمٍ وحكمة، فلهذا ختموا هذا الدعاء بقولهم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ دون أن يقولوا: إنك ذو الفضل العظيم.
* ومن فوائد هذه الآية: الترتيب الوجودي في الأشياء، في أي شيء؟ آبائهم وأزواجهم وذرياتهم؛ لأن هذا هو الترتيب: أب، ثم تَزَوُّجٌ، ثم ذرية. فهذا ترتيب وجودي، ولا شك أن هذا من مُحَسِّنات اللفظ.
40:9Page 468
وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمۡتَهُۥۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩
And protect them from the evil consequences [of their deeds]. And he whom You protect from evil consequences that Day - You will have given him mercy. And that is the great attainment."
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر ٩] هذا معطوف على ما سبق على قوله: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾ أي: وقهم السيئات، والجملة فعل أمر وفاعل ومفعول به بل ومفعولين، الجملة تتضمن فعلًا وفاعلًا ومفعولين، الفعل قِ، والفاعل مستتر وجوبًا، والمفعول الأول الهاء، والمفعول الثاني السيئات، وقِ هنا فعل أمر لكنه مكون من حرف واحد بعد أن حُذِفَ منه حرفان الأول والثالث، وهكذا كل مثال ناقص إذا كان ثلاثيًّا فإن فعل الأمر منه على حرف واحد هذه القاعدة، كل مثال ناقص ففعل الأمر منه إذا كان ثلاثيًّا على حرف واحد، عرفتم؟ ما هو المثال؟ هو الذي أوله حرف علة، والناقص الذي آخره حرف علة.
طيب، إذن القاعدة هذه تشمل أمثلة كثيرة، وقد جمعها الخضري في حاشية ابن عقيل على ألفية ابن مالك جمعها في أبيات نعم، منها قِ فِ عِ يعني عَدَّد، لا أذكر الآن كل ما عدد، لكن الضابط هو هذا، كل ثلاثي كان مثالًا ناقصًا ففعل الأمر منه على حرف واحد.
﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ قال المفسر: (أي عذابها) وهذا إذا جعلنا السيئات بمعنى الأعمال السيئات فإنه يتعيَّن أن نُفَسِّر ذلك بعذاب السيئات، لماذا؟ لأن عمل السيئات الآن قد انتهى وقته، وإنما الموجود هو الجزاء، فيُفَسَّر حينئذ بالعذاب، وأما إذا فَسَّرْنا السيئات بما يَسُوء دون العمل الذي يقع مِنَ العبد فإنه لا حاجة إلى أن نقول: عذابها، لماذا؟ لأن العذاب مما يسوء فكأنهم قالوا: وَقِهِم ما يسوؤهم من العذاب، والقاعدة في التفسير وفي شرح الأحاديث أنه إذا دار الأمر بين احتمال التقدير وعدم التقدير فالأولى عدم التقدير، وعلى هذا فنقول: السيئات هنا لا يُرَاد بها الأعمال السيئات التي هي فعل العبد قطعًا لأن هذا قد انتهى، وإنما يراد بالسيئات ما يسوء من أعمال ومن عقوبات ومن عذاب ومن غير ذلك.
(﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ ) (مَن) شرطية، جملة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ جواب الشرط، وإنما اقترن جواب الشرط بالفاء؛ لأنه مبدوء بـ(قد)، وجواب الشرط إذا بُدِئ بـ(قد) وجب اقترانه بالفاء، وله نظائر مما يجب اقترانه بالفاء، ينشدنا البيت فيه.. المهم أنه يجب ارتباط جواب الشرط بالفاء إذا وقع واحدًا من سبعة أمور، مجموعة في قول الناظم:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَ(قَدْ) وَبِـ(لَنْ)وَبِالتَّنْفِيسِ
التنفيس يشمل (سوف) والسين، هذه الآية من أي الأنواع السبعة؟ قوله: (وَقَدْ) ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾.
﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ﴾ المشار إليه وقاية السيئات والرحمة ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿هُوَ﴾ يجوز أن تكون مبتدأ والفوز خبره، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول، ويجوز أن تكون ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل لا محل لها من الإعراب، ويكون التقدير وذلك الفوز العظيم، ويؤيد هذا أنها تأتي بهذه الصيغة في بعض المواضع ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء ١٣].
وضمير الفصل من حيث الإعراب لا محل له من الإعراب، من حيث المعنى له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى الحصر، والفائدة الثانية التوكيد، والفائدة الثالثة التمييز بين الصفة والخبر. هذه ثلاث فوائد لضمير الفصل. الفائدة الأولى؟
* طالب: الحصر.
* الشيخ: هذه واحدة. الثانية؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد أو التأكيد؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد أفصح ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل ٩١] ولم يقل: تأكيدها، لكنه يجوز الهمزة. الفائدة الثالثة؟
* طالب: التمييز بين الخبر والصفة.
* الشيخ: التمييز بين الخبر والصفة، يظهر هذا في المثال؛ إذا قلت: زيد الفاضل، وأنت تريد أن تكون الفاضل خبر المبتدأ، فإنه يحتمل أن تكون الفاضل صفة والخبر لم يأت بعد، يحتمل أن يكون المراد زيد الفاضل فاهِمٌ، ويحتمل أن تكون الفاضل خبر المبتدأ، فإذا جاءت زيد هو الفاضل زال الإشكال وتعيَّن أن تكون الفاضل خبر المبتدأ، أما التوكيد والحصر فظاهر؛ لأنك إذا قلت: زيد هو الفاضل، أكدت أنه فاضل وحصرت الفضل فيه.
وقوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الفوز: حصول المطلوب والنجاة من المرهوب، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥]، ما هو النجاة من المرهوب في الآية؟ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾. حصول المطلوب؟ ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾، ولا تفسير أَبْيَن وأوضح من تفسير الله عز وجل، فالفوز هو النجاة من المرهوب وحصول المطلوب، والدليل ما سمعتم.
وقوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾ وصف له بالعظمة؛ لأنه لا فوز أعظم من هذا، لا فوز أعظم من أن يَمُنَّ الله عليك بسكنى هذه الدار -جعلني الله وإياكم من ساكنيها- التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كل الناس في الدنيا المؤمنون يسعون للوصول إلى هذه الدار، ولهذا لما قال الأعرابي للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله أنا لا أُحْسِن دندنتك ولا دندنة معاذ، ولكني أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار فقال: «حَوْلَهُمَا نُدَنْدِنُ»[[أخرجه أبو داود (٧٩٢) عن بعض أصحاب النبي ﷺ، وابن ماجه (٣٨٤٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]] نحن لا نريد إلا هذا، وهذا الحديث وإن كان في صحته ما فيه، لكن حقيقة هو هذا، كل المؤمنين يعملون للوصول إلى هذه الدار، وهو -أي العمل لها- يسير، لكن على مَنْ يَسَّرَهُ الله عليه، ومتى ييسر الله عليك ذلك؟ اسمع إلى قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ٧] اعمل أنت، كما قال النبي ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٤٩) ومسلم (٢٦٤٧ / ٦) من حديث علي رضي الله عنه.]].
يقول: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ نأخذ الفائدة في هذه الآية:
* من فوائد هذه الآية: أن الملائكة الذين يحملون العرش ومن حوله يسألون الله تعالى أن يَقِيَ الذين آمنوا أن يَقِيَهم السيئات أي: عذابها حتى يتم لهم المطلوب.
فإن قال قائل: أليس هذا حاصلًا مما سبق ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ﴿وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾؟
قلنا: بلى، ولكن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط لعدة أسباب:
السبب الأول: أن الدعاء عبادة، فكلما بسطت فيه ازددت تعبُّدًا لله، وازددت ثوابًا وأجرًا.
ثانيًا: أن البسط فيه التفصيل، والتفصيل خير من الإجمال؛ لأن الإجمال قد ينسى الإنسان فيه أشياء مهمة ولا تطرأ على باله لكن إذا فَصَّل تَبَيَّن الأمر.
الثالث: أن التفصيل في الدعاء انبساط مع الله عز وجل؛ لأن الداعي يناجي ربه، ومن المعلوم أن مناجاة المحبوب يُسْتَحَبُّ فيها التطويل، أو نقول بعبارة ثانية: من المعلوم أن مناجاة المحبوب يحب الحبيب أن تطول المناجاة بينه وبين حبيبه، وهذا شيء مشاهد، إذا جلس إليك مَنْ تحب فإنك تَوَدُّ أن يطول الحديث ويطول الجلوس حتى أن الزمن ينفرط بسرعة، وإن جلس إليك الثقيل، قلتَ:
إِذَا حَلَّ الثَّقِيلُ بِدَارِ قَوْمٍ ∗∗∗ فَمَا لِلسَّاكِنِينَ سِوَى الرَّحِيلِ
أحيانًا يجلس إليك الثقيل يخاطبك ويكلمك، كلما خاطبك بكلمة ولو كانت ثناء عليك كأنما صفع وجهك؛ لأنه يكون عندك كأنه جالس على قلبك، لكن الحبيب إذا جلس إليك لا تَوَدُّ أن تفارقه ولا تَمَلُّ حديثه، ولكن مَنْ خير الجُلَساء؟
لَنَا جُلَسَاءُ لَا نَمَلُّ حَدِيثَهُمْ ∗∗∗ أَلِبَّاءُ مَأْمُونُونَ غَيْبًاوَمَشْهَدَا
يعني بذلك الكتب.
أَعَزُّ مَكَانٍ فِي الدُّنَا سَرْجُ سَابِحٍ ∗∗∗ وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ
هؤلاء هم الجلساء الذين لا يَمَلُّون والذين ينفعون ولا يضرون.
على كل حال، نقول: إنه ينبغي البسط في الدعاء لثلاثة أسباب:
السبب الأول: أنه عبادة فكلما بسطت فيه ازددت تعبدًا وتقربا لله.
الثاني: أنه تفصيل والتفصيل خير من الإجمال، لأنه قد يكون في التفصيل ما يغيب عنك عند الإجمال.
والثالث: أنه انبساط مع الله الذي هو أحب شيء إليك، والحديث مع المحبوب لا شك أن كل أحد يحب أن يطول، انظر إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسَرَرْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي»[[أخرجه مسلم (٤٨٣ / ٢١٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] يكفي عن هذا كله أن يقول: اللهم اغفر لي ذنبي، لكن البسط له تأثير على القلب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَنْ وُقِيَ السيئات يوم القيامة فقد دخل في رحمة الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن الرحمة كما تكون في جلب المحبوب تكون في دفع المكروه؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا أعظم فوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، ووجهه أنه أشار إليه بإشارة البعيد للدلالة على علو هذا الفوز، ووصَفَهُ بالعظمة فيكون جامعًا بين عُلُوِّ المرتبة وعلو الماهية أنه عظيم.
* طالب: (...).
* الشيخ: أي فائدة في أجسام لا حركة فيها؟
* الطالب: يكفي يا شيخ أنها (...).
* الشيخ: لا، ما يكفي أنهم وقوا النار؛ لأنه لو كفى ذلك ما احتجنا إلى الجنة أصلًا، قلنا: يكفيكم أنكم نجوتم من النار ولا حاجة للجنة.
* طالب: إذا خالف الوصف في الدعاء المسؤول هل يكون اعتداء؛ يعني: بعض الناس إذا قلت: اللهم اهدِ (...) المهديين أو أذل الشرك والمشركين قلت: برحمتك يا أرحم الراحمين قال: هذا اعتداء في الدعاء.
* الشيخ: لا، غلط، أما سمعت: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ وهذا زوال مكروه، وإذلال الشرك لا شك أنه نعمة ورحمة.
* طالب: في قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥] وفي الجنة أثبتنا النظر إلى الله عز وجل، هل يدخل في هذه الآية؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: من أي وجه؟
* الشيخ: لأن دخول الجنة وما فيها فوز، وأعظم النعيم في الجنة هو النظر إلى وجه الله، ولهذا ذكرنا لكم يا إخوان أن قول الزمخشري: (أي فوز أعظم من هذه) قلنا: هذه كلمة حقيقة، ولا يُعْتَرض عليها إلا لأننا نعلم أن الرجل لا يثبت النظر إلى وجه الله، وإلا لقلنا: متى دخلت الجنة فأنت دخلت الجنة بكل ما فيها من النعيم.
* طالب: (...).
* الشيخ: هل كرروا الدعاء ولَّا كرروا المدعو له؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، اللهم اغفر لنا ولآبائنا وذرياتنا وإخواننا وجداتنا وأجدادنا وخالتنا وأخوالنا وعماتنا وأعمامنا والأصول والفروع والحواشي، هذا ما هو تكرار للدعاء تكرار للمدعو لهم، وأنت ترى الملائكة الآن ما دعت إلا لثلاثة أصناف فقط: الأصول، الفروع، والأصهار الزوجات، لكن على كل حال ما نقول: في هذا شيء، ما ننكر عليه، لكن كونه يطول على الناس بمثل هذه الأشياء قد يكون فيه مضرة على الناس تعب.
40:10Page 468
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوۡنَ لَمَقۡتُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُ مِن مَّقۡتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡ إِذۡ تُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلۡإِيمَٰنِ فَتَكۡفُرُونَ ١٠
Indeed, those who disbelieve will be addressed, "The hatred of Allāh for you was [even] greater than your hatred of yourselves [this Day in Hell] when you were invited to faith, but you disbelieved [i.e., refused]."
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر ١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ﴾ والنداء هو الكلام من بعيد، والمناجاة الكلام من قريب، ولم يبين الله تعالى مَن يناديهم لكن المفسر قال: (مِنْ قِبَل الملائكة) وذلك عند دخولهم النار، وهم يمقتون أنفسهم في ذلك الوقت أكبر مقت، والمقت هو أشد البغض، فهم في ذلك الوقت عند دخولهم النار يبغضون أنفسهم بغضًا شديدًا حيث لم يتوصلوا إلى النجاة منها، فيُنادَون فيقال لهم: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ اللام هنا لام الابتداء وتدخل على المبتدأ توكيدًا.
وقوله: (﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ إياكم) هذا أحد الوجهين في الآية، وعلى هذا فيكون المقت مضافًا إلى فاعله لا إلى مفعوله؛ يعني لبغض الله إياكم أشد من بغضكم أنفسكم. وقيل: إنه مضاف إلى مفعوله لا إلى فاعله، وعلى هذا يكون المعنى: لمقتكم الله حين تُدْعَون إلى الإيمان أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم؛ أي: أنهم كرهوا ما دُعُوا إليه في الدنيا من محبة الله وأبدلوا ذلك بأشد البغض، وهذا المعنى أقرب مما مشى عليه المفسر رحمه الله تعالى (لمقت الله إياكم)، وعلى ما رجحنا يكون المعنى لمقتكم الله فهو مضاف إلى مفعوله. متى مقتوا الله؟ ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ﴾ وعلى هذا فيكون قوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ متعلقًا بقوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾؛ أي: أنكم حينما دُعوتم إلى الإيمان كرهتم ذلك ولم تقتنعوا به بل أبغضتموه أشد البغض.
وقوله: ﴿أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ متى مَقَتُوا أنفسهم؟ حين قيل لهم: ادخلوا نار جهنم فأبغضوا أنفسهم.
وقوله: ﴿مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (مقت) هنا مصدر مضاف إلى أيش؟ ﴿مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (مقت) هنا مضاف إلى فاعلها أو مفعولها؟
* طالب: إلى فاعلها.
* الشيخ: إلى فاعلها؛ لا، ما هو على قول المؤلف، قول المؤلف في قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ﴾، لكن ﴿مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ هذا مصدر مصاف إلى فاعله؛ يعني: إنهم هم مقتوا أنفسهم، و(أنفس) مفعول (مقت).
وقوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ تُدْعَون في الدنيا إلى الإيمان، وأَبْهَم الداعي؛ لأن دعوتهم إلى الإيمان تكون من الرسل، وتكون من ورثة الرسل وهم العلماء، فالداعي لهم إلى الإيمان في الدنيا ليس واحدًا، بل الرسل يدعونهم، وورثة الرسل وهم العلماء يدعونهم كذلك.
﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ الإيمان بمن؟ أي: بالله وملائكة وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرِّه، هذا هو الإيمان كما فَسَّره النبي ﷺ حين سأله جبريل قال: «أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠) ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو عند مسلم (٨ / ١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا واللفظ له.]].. إلى آخره.
﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ والمراد بالإيمان هنا -كما ذكرت لكم- هو الإيمان بالأركان الستة، وكذلك الانقياد اللازم من الإيمان بهذه الأركان الستة، ولهذا هم دُعوا إلى الإيمان الذي في القلوب، ودعوا إلى الاستسلام أيضًا وهو أعمال الجوارح، وكفروا بذلك كله، ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الكافرين يُوَبَّخُون يوم القيامة توبيخًا يزيدهم ألَمًا إلى ألمهم؛ لقوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، ومن فوائد ذلك أنهم تبين لهم ما هم عليه من الضلال والكفر حين رأوا العقاب، وجهه أنهم مقتوا أنفسهم في ذلك الوقت حين رأوا العذاب، وهذا يدل على أنهم تبين لهم الضلال في ذلك اليوم.
* ومن فوائد الآية الكريمة على ما مشى عليه المؤلف: إثبات المقت لله؛ أي أن الله يمقت أي يبغض، هذا على ما مشى عليه المؤلف من أن مَقْت مضافة إلى الفاعل. وإذا قلنا بالقول الراجح لم يكن في الآية دليل على أن الله يَمْقُت، لكن الدلالة على أن الله يمقت وأن له مقتًا من أدلة أخرى مثل قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف ٣] والمقت أشد البغض، والبغض هو من الصفات الفعلية التي تتعلق بمشيئته وإرادته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يَكْرَهُ نفسَه. ومتى يكون ذلك؟ إذا رأى مِنْ تصرفه ما يسوؤه فإنه يكره نفسه ويقول: هذا من النفس الأمارة بالسوء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحجة قد قامت على هؤلاء المكذبين المعذبين؛ لقوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾. وهل الدعوة دعوة بإفهام أو دعوة بمجرد البلاغ؟
الأول دعوة بإفهام؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤] فلا بد من فهم الحجة، ولكن إذا بلغت الإنسان فالواجب عليه أن يبحث عن الفهم فإن لم يفعل كان مُقَصِّرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء كفروا عن عناد، من أين تؤخذ؟ لأنهم دُعُوا فكفروا وهذا كفرُ عنادٍ، والعياذ بالله.
40:11Page 468
قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَيۡنِ وَأَحۡيَيۡتَنَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ مِّن سَبِيلٖ ١١
They will say, "Our Lord, You made us lifeless twice and gave us life twice, and we have confessed our sins. So is there to an exit any way?"
ثم قال الله عز وجل: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر ١١] ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الإماتة هنا ما كان قبل الحياة وبعد الحياة، ما كان قبل الحياة أي: وهم أجنة في بطون أمهاتهم. وما كان بعدها وهو الموت الذي يكون بعد الوجود في الدنيا هاتان ميتتان.
﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الحياة وهم أجنة في بطون أمهاتهم، والحياة بعد البعث يوم القيامة أو حين البعث يوم القيامة.
وهذا كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة ٢٨] هذه أربعة؛ إماتتان وإحياءتان، فهم يقولون: (﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ إماتتين ﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ إحيائتين؛ لأنهم نُطَفٌ أموات فأُحْيُوا ثم أميتوا ثم أحيوا للبعث) هذا تفسير ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾، والإماتة الأولى ليست إماتة بعد حياة، ولكنها فَقْدُ حياة، فصح أن يطلق عليها اسم الموت، وقصدهم بهذا الإقرار بأن الأمر حق، فكما أننا ندرك أنه مرت بنا هذه الأطوار الأربعة: موت، فحياة، ثم موت، فحياة، فإننا نتيقن أننا أخطأنا؛ ولهذا قالوا: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ يعني: فقد اعترفنا بذنوبنا.
والذنوب جمع ذنب وهو المعصية، والمراد بها هنا الكفر كما قال المؤلف رحمه الله: (بكفرنا بالبعث ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ من النار) و(هل) هنا للتمني، يعني أننا نتمنى الخروج من النار ولكنه لا يحصل لهم ذلك.
(﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ﴾ من النار والرجوع إلى الدنيا لنطيع ربنا ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ من طريق؟ وجوابهم: لا) وهذا من المؤلف بناء على أن الاستفهام على بابه، أنهم يسألون هل لنا من طريق فنخرج؟ أما على ما قلنا: إنه للتمني فلا يحتاج إلى جواب فهو كقوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف ٥٣].
* هذه الآية فيها: إثبات اعتراف هؤلاء المكذبين بأنهم كفروا بالله وأنهم مستحقون لهذا العقاب.
* ومن فوائد الآية :إقرار الكفار بما كانوا ينكرونه من قَبْلُ من البعث، وهذا معنى قوله: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾.
* ومن فوائدها :أنهم في ذلك اليوم تبين لهم الحق وصحة القياس؛ لأنهم قالوا: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ فالميتة الأولى قبل أن تنفخ فيهم الروح قد أقروا بها، والحياة الدنيا قد أقروا بها، متى أقروا بها؟ أقروا بها في الدنيا وهم أحياء، لكن أنكروا البعث بعد الموت، وأما الآن فقالوا: نعم البعث بعد الموت كنفخ الروح في الجنين؛ يعني أنا تيقنا الآن أن ما ذكره الله عز وجل من قياس الإعادة على الابتداء أمر حقيقي، وأننا أُحْيِينا مرتين وأُمِتْنَا مرتين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: شدة حسرة هؤلاء على ما فعلوا وتمنيهم الخروج مما وقعوا فيه من العذاب بقولهم: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
وفي هذه الآية إعراب مُشْكِل وهو أن قوله: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ جملة خلت من أحد الركنين فيها وهو المبتدأ؛ لأن الذي أمامنا الآن جار ومجرور في الخبر، وفيما هو محل للمبتدأ.
* طالب: المبتدأ ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾.
* الشيخ: وهل يكون المبتدأ مجرورًا؟
* الطالب: لا، ومن هذه حرف زائد.
* الشيخ: إذن المبتدأ سبيل دخلت عليه حرف (من) الزائدة إعرابًا؛ ولهذا نقول في إعرابها: (من) حرف جر زائد، وسبيل مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences