Ibn 'UthayminGhafir · 40:30–31

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:30–31

40:30–31Page 470

وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُم مِّثۡلَ يَوۡمِ ٱلۡأَحۡزَابِ ٣٠

And he who believed said, "O my people, indeed I fear for you [a fate] like the day of the companies1 -

مِثۡلَ دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ ٣١

Like the custom of the people of Noah and of ʿAad and Thamūd and those after them. And Allāh wants no injustice for [His] servants.

ثم قال: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ [غافر ٣٠]، في الأول قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، وهنا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾، فنقول: لماذا كرر هذا الوصف لهذا الرجل؟ لطول الحديث والفصل، قال: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ أما اختلاف الجملتين فإن الثانية تؤكد الأولى بأن هذا الرجل قد اصطبغ في الإيمان وحقق الإيمان.

﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ (يا قوم): يعني بذلك فرعون وقومه، وهذا من باب التلطف في المقال، ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ يعني: الطوائف السابقة، وكأن هذا الرجل الملهم عنده علم بأحوال الأمم السابقة، وسيأتي إن شاء الله الكلام على فائدة هذه الجملة.

﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ أي يوم حزب بعد حزب، ثم أبدل منه قوله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر ٣١] دأب: بمعنى عادة، وذكر قوم نوح؛ لأنه هو أول رسول أرسل إلى أهل الأرض ﴿وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ [غافر ٣١]، وكل هؤلاء متقدمون، بعيدو العهد قبل موسى وقبل فرعون، فهم من أوائل الرسل.

﴿قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ﴾ (عاد) معطوفة على أيش؟

* طلبة: قوم.

* الشيخ: على (قوم)، ولا يصح أن تكون معطوفة على (نوح)؛ لأنها لو كانت معطوفة على (نوح) لكان المعنى: مثل قوم عاد، ولا يستقيم الكلام، بل مثل عاد، وهم قوم هود، وثمود قوم صالح.

﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر ٣١] من الأمم، وسيأتي أنه أشار إلى يوسف عليه الصلاة والسلام بن يعقوب بن إبراهيم.

يقول: (مثل بدل من مثل قبله، أي مثل جزاء عادة من كفر قبلكم من تعذيبهم في الدنيا) إذن (مثل دأب) ما هو مثل عادتهم، إلا إذا أريد إضافتها إلى المفعول به؛ أي مثل العادة التي أوقعها الله بهم، لكن كأن المؤلف جعلها مضافة إلى الفاعل، وأنها على تقدير مثل جزاء عادتهم؛ لأن الجزاء من الله، والعادة من هؤلاء الأقوام من الأحزاب، العادة عادة الأحزاب، والعقوبة عقوبة الله، فإما أن نقول إن الكلام على تقدير مثل عقوبة عادة قوم نوح إلى آخره، أو نقول مثل دأب قوم نوح؛ أي مثل العادة التي فعلها الله بهم، والمعنى واحد، المراد أنه يخاف عليهم مثل هذه الأيام التي هي عقوبة لهؤلاء الذين كذبوا رسلهم.

﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر ٣١] ما: نافية تعمل عمل ليس لتمام الشروط، ولفظ الجلالة اسمها، ويريد جملة هي خبرها، ولو كانت اسمًا لكان التقدير: وما الله مريدًا ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ الظلم يتناول شيئين: إما الزيادة في الآثام وإما النقص في الحسنات، وكله ممتنع بالنسبة لله عز وجل، لا يمكن أن يقع منه ولا يمكن أن يريده، لماذا؟ لكمال عدله.

* في هذه الآية من الفوائد: شدة خوف هذا الرجل من عقاب الله، وهذا يدل على كمال إيمانه؛ لأنه لا يخاف أحد من شيء إلا وهو مؤمن به.

* ومن فوائدها أن عند هذا الرجل علمًا من نبأ الأولين لقوله: ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر ٣٠، ٣١] إلى آخره.

* ومن فوائدها أنه ينبغي للإنسان أن يكون عنده علم بأحوال الأمم السابقة من أجل أن يكون معتبرا بمن مضى فيمن بقي، وعلى هذا فعلم التاريخ علم مهم، ولكن يجب أن نعلم أن التاريخ أصابه شيء من الوضع؛ أي من التحريف والتغيير والكذب والزيادة والنقص، فعلى الإنسان أن يحتاط في ذلك، عليه أن يحتاط في هذا حتى لا ينقل أو لا يروي إلا الصحيح.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن قوم نوح وعاد وثمود كانوا أول الأحزاب لقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر ٣١].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء إرادة الظلم عن الله عز وجل لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا﴾ [غافر ٣١] وإذا انتفت الإرادة انتفى الفعل قطعًا؛ لأن الله تعالى يفعل ما يريد، فإذا لم يرد الظلم انتفى الظلم.

على أنه في آيات أخرى نفى الظلم نفسه، فقال: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦]، وقال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق ٢٩]، فيكون الله تعالى قد نفى الظلم عن نفسه، ونفى إرادة الظلم، وذلك لكمال عدله.

وهذه الصفة من الصفات التي يسمونها الصفات السلبية أو الصفات المنفية، ولدينا قاعدة في باب الأسماء والصفات أن النفي المحض لا يوجد في صفات الله أبدًا كل نفي في صفات الله فإنه يتضمن شيئين، أحدهما: نفي ما نُفِي عن الله، والثاني: إثبات كمال ضده، فيُقال: لا يظلم لكمال عدله، وإن شئت فقل: لكمال عدله لا يظلم؛ لأن العدل إذا لم يكن عدله كاملًا قد يظلم في بعض الأشياء، أما الرب عز وجل فإن عدله كامل لا يمكن أن يدخله ظلم بأي وجه من الوجوه.

وهذا الظلم المنفي عن الله لكمال العدل، هل هو مستحيل لذاته أو جائز لكنه مستحيل على الله تعالى لكماله؟

* طلبة: الثاني.

* الشيخ: الثاني، خلافًا للجهمية الذين قالوا: إن الظلم مستحيل على الله لذات الظلم؛ لأنه إذا كان مستحيلًا لذاته لم يكن مدحًا، ما يُمدح من استحال عليه على ذلك؛ لأنه مستحيل، وهم يقولون: إنه مستحيل لذاته؛ لأن الخلق كلهم ملكه، ويفعل في ملكه ما يشاء، ومن تصرف في ملكه فإنه لا يُقال: إنه ظالم، ولو قَدَّم شيئا على شيء أو نقص شيئًا عن حقه، ولكننا نقول: إن الله تعالى صرح بأنه حرم الظلم على نفسه، وهذا يدل على أن الظلم في حقه ممكن عقلًا، لكنه حرمه على نفسه لكمال عدله.

والخلاصة أن من قواعد الأسماء والصفات أنه لا يوجد النفي المحض في صفات الله، بل لا يوجد نفي في صفات الله إلا لكمال ضده: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] لماذا؟ لكمال قوته، لا لأن اللغوب لا يلحقه، لكن لكمال قوته لا يلحقه اللغوب، وليس المعنى أنه ليس مما يمكن أن يلحقه لغوب، لا، لكنه مستحيل لكمال قوته.

قال أهل العلم: وإنما قلنا بذلك؛ لأن النفي المحض عدمٌ محضٌ، صحيح أو لا؟ النفي المحض لو نفيتَ شيئًا معناه أنه غير موجود، والعدم المحض ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا؛ لأنه عدم، والعدم ما يُمدح عليه.

وإما أن يكون النفي متضمنًا لإثبات، هذا الإثبات قد يكون عجزًا، فمثلًا إذا قلنا: فلان لا يظلم؛ لأنه غير قادر على الظلم، فليس هذا يعني أننا مدحناه، بل هذا ذم له كقول الشاعر:

قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ وَلَا ∗∗∗ يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ

أول ما تسمع هذا الكلام تقول: ما شاء الله، هؤلاء أوفياء ذوو عدل، لكنه في الواقع ذم، يقول: إن هؤلاء ما يقدر الواحد منهم أن يغدر، ولا يقدر أن يظلم، والثاني يقول:

لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا؎يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وَمِـــنْ إِسَــاءَةِ أَهْلِ الـــسُّوءِإِحْــسَــانَا

يعني أنه إذا أساء إليهم الإنسان أحسنوا إليه، وإذا أساء إليهم غفروا له وتجاوزوا عنه، لكن لكمال إحسانهم وكمال عفوهم أو لعجزهم؟ لعجزهم، ولهذا قال:

فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَا رَكِبُوا ∗∗∗ شَنُّوا الْإِغَارَةَ فُرْسَانًاوَرُكْبَانَا

ليت لي بهم: أي بدلهم، وهذا يدل على أنه ذمهم ذمًّا عظيمًا.

وقد يكون النفي لعدم صلاحية هذا الوصف لما نُفي عنهم، قد يكون نفي الشيء عن الشيء؛ لأنه غير قابل وغير صالح لأنْ يوصف به، كما إذا قلت: الجدار لا يظلم، هل هذا مدح للجدار؟

* طالب: لا.

* الشيخ: ليش؟

* الطالب: لأنه غير صالح ولا..

* الشيخ: لأنه غير قابل ولا صالح للظلم أو عدم الظلم، فتبين بذلك أن الله تعالى لا ينفي عن نفسه شيئا إلا لكمال ضد هذا المنفي، لا لأنه غير قابل له أو غير صالح في حقه أو ما أشبه ذلك من الناحية العقلية.

﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر ٣١] إذن نستفيد من هذا نفي إرادة الظلم عن الله لكمال عدله.

(...)

* طالب: كيف استنبطنا يا شيخ من الآية أنها إشارة إلى يوسف؟

* الشيخ: مذكورة في هذا، هو سيقول: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر ٣٤].

* طالب: هل يستدل بقول موسى لفرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء ١٠٢]، هل استدل بذلك على الإغلاظ في الدعوة؟

* الشيخ: هو الإغلاظ في محله طيب؛ لأنه هو قال له كلمة أشد من هذه، قال: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ١٠١] فهل يغلظ له بالقول ويسكت؟! وموسى عليه الصلاة والسلام معروف بالقوة.

* الطالب: يا شيخ، من باب التلطف الداعية يقول: وإني أكثركم تقصيرًا، فيظن ضعاف النفوس الجهال فيقولون: ما دام هذا الداعية أو هذا الشيخ كثير التقصير نحن إذن من باب أولى، ثم يصيبهم ما يصيبهم.

* الشيخ: على كل حال هذه الكلمة ينبغي للإنسان أن ينظر في مصلحتها، وإلا فقد قالها عمر بن عبد العزيز رحمه الله في آخر خطبة خطبها، قال: إني لأقول لكم هذا وما أعلم أحدًا عنده من التقصير -أو قال: من الذنوب- أكثر مما عندي. هي في الحقيقة قد تكون مشجعة وقد تكون مخذلة، قد يقول قائل: إذا كان هذا الرجل الداعية العابد مقصرًا كيف بنا نحن، إذن فلنشمِّر عن ساعد الجد، وقد تكون كما قلت، فيه سلاح ذو حدين، فلينظر الإنسان للمصلحة، والإنسان أحيانًا يقول مثل هذا؛ لأنه يخشى على نفسه من العجب.

* طالب: قلتم يا شيخ من قبل: لا ينبغي أن يزوج ابنته من فاسق ويقول: لعل الله أن يهديه، لو حصل العكس وأراد الرجل أن يتزوج بامرأة غير مستقيمة، وقال: لعل الله أن يهديها بي وإلا طلقتها.

* الشيخ: نفس الشيء، لا، ما هو إلا طلقتها، قد يكون الإنسان عنده عزم في هذا أول الأمر، لكن إذا تزوجها ورغب فيها عصفته، جذب النساء للرجال ما هو هين.

* الطالب: لو ظن فيها قبول الدعوة؟

* الشيخ: كلمة الظن هذه غير واردة في الواقع، ولذلك أنت غير مكلف إلا بما بين يديك، حتى لو أخلفت الأمور فيما بعد فأنت مجتهد ولا لوم عليك ولا إثم عليك، لكن عليك إثم أنك تقدم على شيء تعرف أنه الآن غير صالح لكن رجاء أن يصلح، هذا خطأ.

والمرأة ربما تغلب الرجل، إذا أحبها حبًّا شديدًا ربما تقول له: اسجد لي، يقول: ما هو الله أكبر أنتِ أكبر، ألم تعلم أنه ذكر أحد العلماء -نسيت من هو- قال: إن مؤذنًا دعت عليه أمه بدعوة، وكان رجلًا صالحًا، فلما صعد إلى المنارة يؤذن وإذا بامرأة نصرانية في سطح بيتها جميلة، فأخذت بلُبِّه، فأرسل إليها يخطبها، فقالت: لا يمكن إلا إذا كنت نصرانيًّا، حاول، قالت: أبدًا، فتنصَّر، والعياذ بالله، صار نصرانيًّا، ارتد عن الإسلام الآن، فأعاد الخطبة قالت: الآن أنت لست مسلمًا ولا نصرانيًّا فلا أَحِلُّ لك، يعني هذا الرجل -نسأل الله العافية- ارتد عن دينه من أجل هذه المرأة، وصارت هذه المرأة كيدها أعظم من كيده، قالت له: لست مسلمًا ولا نصرانيًّا، والنصرانية لا تحل إلا للمسلم أو النصراني ارجع وراءك؛ نسأل الله العافية.

* طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، ذكرتم قاعدة وقلتم النفي المحض لا يوجد في صفات الله، وكل نفي في صفات الله تضمن شيئين..

* الشيخ: الشيء الأول: نفي الصفة، والثاني: إثبات كمال ضدها.

* طالب: (...).

* الشيخ: ما هي المشكلة؟

* الطالب: اتخاذهم فرعون (...).

* الشيخ: أبدًا (...).

* الطالب: (...).

* الشيخ: لا، يقولون بأن لهم ربًّا، لكن ربهم فرعون.

* الطالب: يعني يؤمنون بالربوبية.

* الشيخ: لفرعون.

* الطالب: لا لله.

* الشيخ: لا لله.

* الطالب: يعتبرون موحدين بالربوبية؟

* الشيخ: إي معلوم، موحدين بربوبية فرعون، عندهم توحيد فرعون ولّا لا؟

* طالب: إي نعم.

* الشيخ: (...)، أيش تقولون يا جماعة؟

* طلبة: لا، ما عندهم توحيد.

* الشيخ: ما عندهم توحيد، التوحيد هو توحيد رب العالمين، أما توحيد فرعون أو غيره فلا.

* الطالب: (...) الأنبياء والصالحين في القرآن، هل هي بنصها؟

* الشيخ: يعني باللفظ نفسه لا، ما هي بلفظها، بالمعنى، ولهذا تجد العبارات مختلفة، مما يدل على أن الله تعالى ينقلها بالمعنى، وإن أضافها إليهم قولًا لكن بالمعنى، ثم هم أيضًا لغتهم غير عربية.

* الطالب: بعض الآيات التي يحكي فيها الله عز وجل عن إنسان أو أحد مثل قوله عز وجل: ﴿أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف ٣٩] هل يقول الإنسان: قال الله تعالى حاكيًا عن رجل، أو يقول: قال الله تعالى: ﴿أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾؟

* الشيخ: لا، يقول: حاكيًا؛ لأنه قد يوهم أن الضمير يعود على الله.

* طالب: إذا كان الزوج كافرًا والزوجة مسلمة (...) فرعون وزوجته؟

* الشيخ: هذا الإشكال صحيح، يقول: هل يجوز للكافر أن يتزوج مؤمنة؟

فنقول: لا، فأورد علينا إشكالًا وهو أن امرأة فرعون كانت مؤمنة لا شك، وهو أكفر الكافرين.

الجواب: أن هذا شرع من قبلنا، أما شرعنا فلا، وتعرف القاعدة في الأصول: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه. هذا وجه، ومن وجه آخر قد يُقال: إن فرعون أكرهها على ذلك، وأنها لا تحبه، ولهذا تقول: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم ١١] لكن هو ظالم ولا يبالي.

* طالب: يا شيخ ذكرت أنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج امرأة مسلمة غير ملتزمة؟

* الشيخ: أنا قلت هذا؟! أعوذ بالله.

* الطالب: لا يجوز، لا يُستحب.

* الشيخ: بس فرق بين لا يجوز ولا يستحب، أنتم طلبتي وتعرفون كلامي وتعرفون أسلوبي، إذا نقلتم عني أنه لا يجوز للفاسق أن يتزوج مسلمة هذه داهية، معناه: ما نزوج أحدا أبدًا؛ لأن أكثر الناس فُسَّاق، عَدِّل العبارة.

* الطالب: لا يستحب له أن يتزوج المرأة غير الملتزمة؛ لأنها قد ترجعه إلى طريقتها.

* الشيخ: هذا صحيح، ولهذا قال النبي ﷺ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ»، ثم قال في النهاية: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦ / ٥٣)، والنسائي واللفظ له (٥٣١٨)، كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].

* طالب: (...).

* الشيخ: ويش الإشكال؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: «إن الله إذا عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم»[[أخرجه أبو داود (٤٦٩٩) من حديث أبي بن كعب وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.]].

* * *

* طالب: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر ٣٤، ٣٥].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ وقبل البدء في التفسير نقدم مقدمة نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها.

فنقول: إن من نعمة الله سبحانه وتعالى على العبد أن يحبب إليه العلم، وذلك لأن العلم الشرعي مفتاح كل خير؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧ / ١٠٠) من حديث معاوية رضي الله عنه.]] وهذه بشرى لكل من فقهه الله في دينه وعلمه أن الله أراد به خيرًا.

والفقه في الدين هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها، ثم تطبيق هذه الأحكام التي علمها؛ لأن من لم يطبق فليس بفقيه، بل هو قارئ، ولهذا «حذر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من أن يكثر القراء ويقل الفقهاء»[[أخرجه مالك (١٠٣٧ / ١٠٠) بسنده عن عبد الله بن مسعود، أنه قال لإنسان: إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، تُحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يطيلون فيه الصلاة، ويقصرون الخطبة، يبدون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، يُحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة، يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم.]]؛ فالفقيه في دين الله هو الذي يعلم شريعة الله ثم يطبقها على نفسه وعلى غيره بقدر استطاعته.

وطالب العلم عليه مسؤولية كبيرة؛ لأنه واسطة بين الخلق وبين الرسول ﷺ، إذ أنه ينقل شريعة الرسول ﷺ إلى أمته، ولهذا يجب أن يكون أسوة حسنة في عباداته وأخلاقه ومعاملاته؛ لأنه إذا كان أسوة حسنة في ذلك فقد أثمر العلم في حقه ثمراته الجليلة؛ ولأنه إذا كان أسوة للنبي ﷺ في ذلك أحبه الناس، وألفوه واقتدوا به، وصار إمامًا، وإن لم يكن إمامًا كبيرًا ولكنه إمام بحسب حاله، وكلما ازداد الإنسان علمًا وتمسكًا بما علم ازداد احترام الناس له واقتداؤهم به، وجعلهم إياه أسوة.

ثم إن طالب العلم يجب عليه الإخلاص لله عز وجل في طلبه؛ لأن الإخلاص هو أهم شيء، وهو الذي يكون به تحقيق ما أراده العبد، والإخلاص لله في طلب العلم أشار الإمام أحمد رحمه الله إلى شيء منه فقال: العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته. قالوا: وبم تصحيح النية؟ قال: ينوي بذلك رفع الجهل عن نفسه وعن غيره.

وهذا لا شك أنه من تصحيح النية، لكنه ليس كله تصحيح النية، بل هناك أشياء تجب ملاحظتها أيضًا، وذلك بأن ينوي بطلب العلم امتثال أمر الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله أمر بالعلم ورغب فيه فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد ١٩]، وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة ١١]، وهذا شيء مشاهد، بينوا لي تاجرًا من أكبر التجار في عهد الأئمة الأربعة حصل له من رفع الذكر ما حصل لهؤلاء الأئمة الأربعة، لن تجدوا إلى ذلك سبيلًا، فأهل العلم مرفوعون عند الله، ومرفوعون عند العباد، مرفوعون في حياتهم، مرفوعون بعد مماتهم، حتى وإن نال أحدًا منه ما يناله من التعذيب أو المضايقة أو ما أشبه ذلك فإنه يزداد بذلك رفعة عند الله، ورفعة عند العباد.

فأنت إذا نويت بطلبك للعلم امتثال أمر الله صارت كل حركة تتحركها في هذا المجال عبادة، إن راجعت الدرس فعبادة، وإن حفظت فعبادة، وإن مشيت فعبادة، «وقد ثبت عن النبي ﷺ أن «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩ / ٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذه مسألة تغيب عنا كثيرًا، كثيرًا ما نراجع الكتب لتحقيق مسألة ما، ولكن يغيب عنا أننا الآن في عبادة نرجو بها ثواب الله، لكن إذا استحضر طالب العلم أنه يمتثل أمر الله سبحانه وتعالى بطلبه العلم، صار طلبه للعلم عبادة.

الثاني: أن ينوي بطلب العلم حفظ الشريعة؛ لأن الشريعة تُحفظ برجالها، ولهذا قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَم يِجِدِ النَّاسُ عُلَمَاءَ يَسْتَفْتُونَهُمْ اسْتَفْتَوْا أُنَاسًا جُهَّالًا فَأَفْتُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (٧٣٠٧)، ومسلم (٢٦٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال، يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون».]] إذن حفظ الشريعة يكون بالعلماء، برجالها، فانْوِ بطلبك العلم حفظ الشريعة، ونعم الرجل أنت إذا كنت خزانة لشريعة الله عز وجل.

الثالث: أن ينوي بهذا -أي: بطلبه العلم- حماية الشريعة والذود عنها؛ لأن الشريعة لها أعداء معلنون بعداوتهم، وأعداء يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول، فلها أعداء، فأنت انْوِ بطلبك العلم حماية الشريعة والدفاع عنها، وإذا كان هذا مقصود طالب العلم فإنه سوف يختار الجهة التي يكون غزو أعداء المسلمين من ناحيتها، وعلى هذا يجب أن يكون على علم بما يجري في الساحة من الأفكار الرديئة أو العقائد الفاسدة، ونضرب مثلًا بوقت من الأوقات، مر على الناس وهم لا يعرفون مذاهب أهل التعطيل، ولا يعرفون الأفكار المنحرفة الهدامة؛ لأنهم لم يخرجوا من بلادهم، ولم يَفِد عليهم أحد من غيرهم، فهم ملتفون على علمائهم ولا يعرفون إلا الحق، هؤلاء لا يهمهم أن يشتغلوا بأمور أخرى من وسائل العلم أو الدفاع عن الشريعة؛ لأنهم آمنون، لكن إذا جاء العدو فلا بد أن نستعد له، وأن يكون استعدادنا بسلاح مناسب لسلاحهم، فمن المعلوم مثلًا أن من هاجمك بالمدافع والصواريخ لا يصح ولا يستقيم أن تدافعه بما يسمى بالسلاح الأبيض بالخناجر والسيوف وما أشبهها؛ لأن الواجب أن تستعد لكل عدو بما يناسب سلاحه.

فالآن صار في الساحة أفكار رديئة خبيثة إن لم تكن ملحدة فهي إلى الإلحاد أقرب من الاعتدال، ولا حاجة إلى التخصيص؛ لأنه معلوم عند كثير منكم.

نحتاج أن نعرف هذه الأفكار وكيف نبطلها، وإني أقول لكم: إن جميع الأفكار المنحرفة إبطالها سهل جدًّا، حتى وإن هولوا الأمر وإن ضخموه فهم كالإسفنج، اعصره بيدك يخرج كل ما فيه، ولا تتهيبوا؛ لأنهم ليس عندهم علم مسموع، ولا عقل مصنوع، فلا بد أن الإنسان إذا كان قد نوى بطلب العلم حماية الشريعة والدفاع عنها لا بد أن يعرف ما يكون في الساحة، حتى يستطيع أن يدافع، ولكل مقام مقال، ولكل مكان ما يناسبه.

وإني أقول لكم: إن حماية الشريعة والدفاع عنها لا يكون إلا برجالها، لو أنك كنت في مكتبة ومعك جماعة، ودخل رجل ملحد يقرر الإلحاد، وأنتم لا علم عندكم، لكن المكتبة مملوءة من الكتب التي ترد على الملحدين وتبين زيف ما هم عليه، هل يمكن أن يقفز كتاب منها من أجل أن يرد على هذا الملحد؟ لا يمكن، فالكتب وإن كثرت لا تفيد، لا بد من علماء، وإذا كان في هذا المكان الذي ذكرت، إذا كان فيه عالم فسوف يتكلم بما يرد قول هذا الملحد، حتى ينكص على عقبيه.

هذه أمور ثلاثة كلها تترتب على إخلاص النية.

الأمر الرابع: ما أشار إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أن ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره. ومتى كان ينوي ذلك فلا بد أن يجد في الطلب؛ لأن من أراد الغنى لا بد أن يكتسب، ولا بد أن يتجر، ولا بد أن يخوض جميع ميادين التجارة، فإذا كان يريد رفع الجهل عن نفسه فليس من الممكن ولا من المعقول أن يجلس من غير تعلم، لا بد أن يجدّ في الطلب، وإذا كان يريد رفع الجهل عن غيره فلا بد أن يحرص غاية الحرص على نشر علمه بالوسائل المناسبة، الوسائل القوية في كل مجال.

يمكن أن ينشر العلم عن طريق الحديث في المجالس العادية، جلس مجلسًا في وليمة، في أي مكان، يمكن أن ينشر علمه، ولكن كيف ذلك؟ بالطريقة اللبقة المحببة للنفوس، والتي لا توجب الملل والاستثقال، يمكن أن يورد مسألة من المسائل في هذا الجمع الذي عنده، يورد مسألة يقول: ما تقولون في رجل فعل كذا وكذا، أو قال كذا وكذا، أو يأتي بمسألة إلغاز حتى يفتح الأذهان، وحينئذ يدخل في تعليم الناس، لست أقول افرض نفسك في المجلس الذي أنت فيه؛ لأن هذا صعب على النفوس، لكن اجلبهم إلى العلم بالطرق المحببة المناسبة حتى يشتغل المجلس بالعلم، مناقشة أو إلقاء أو ما أشبه ذلك.

كذلك أيضًا ينشر علمه عن طريق الأشرطة، والأشرطة -ولله الحمد- نفع الله بها نفعًا كثيرًا، خصوصًا وأن الناس كثيرًا منهم -وخاصة من الشباب- يتلقون هذه الأشرطة بشغف ولهف، لا تكاد تخرج إلا والناس يتلقونها وينتفعون بها، فهذه الأشرطة ولله الحمد فيها مصلحة كبيرة ونشر للعلم، وليس في مكانك أو بلدك أو منطقتك، بل إنه يتعدى إلى خارج بلادك، كما سمعنا أن أشرطة الدعاة والعلماء تذهب إلى أماكن بعيدة، هذه من وسائل نشر العلم.

ثالثًا: يمكن أن تنشر العلم عن طريق الكتابة، كتابة الرسائل، تأليف كتب، نشرة ورقية، وما أشبه ذلك، بقدر المستطاع، حتى تنشر علمك وتنفع وتنتفع.

وهناك نشر للعلم بطريق خفي يخفى على طالب العلم أو على كثير من طلبة العلم ألا وهو نشر العلم عن طريق العمل به، كثيرًا ما يرقب الناس هذا العالِم ويرون ماذا يصنع فيقتدون به، قال بعض الناس: إنه كان يصلي، فقال بعض الذين شاهدوه: إنك تفعل كذا وكذا في صلاتك، فانظر كيف كان الناس يراقبون أفعال طالب العلم من أجل أن يقتدوا به، وهذا من طريق نشر العلم، بل قد يكون هذا من أبلغ الطرق التي يتأثر بها الناس؛ لأن تأثر الناس بالفعل قد يكون أشد وأقوى من تأثرهم بالقول، ولهذا نكرر ما أسلفناه من أن طالب العلم لا يكون فقيهًا إلا إذا عمل بعلمه، وإلا فهو قارئ وليس بفقيه.

وبهذه المناسبة أود أن أحثكم على مكارم الأخلاق من السماحة، وبذل السلام، وبذل المعروف، والتسامح فيما بينكم، وملاقاة الناس بالبشر وطلاقة الوجه، فقد كان من صفات النبي ﷺ أنه كان دائم البشر كثير التبسم صلوات الله وسلامه عليه، دائم البشر لا تجده منغلقًا ولا مكفهرًّا، كثير التبسم في محله، فلنا فيه صلوات الله وسلامه عليه أسوة حسنة، قال الله تعالى فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم ٤].

ومما ينبغي لطالب العلم: أن يحفظ وقته عن الضياع، وضياع الوقت يكون بأسباب، أو يكون له وجوه:

الوجه الأول: أن يدع المذاكرة ومراجعة ما قرأ.

والوجه الثاني: أن يجلس إلى أصدقائه وأحبائه، ويتحدث معهم بحديث لغو ليس فيه فائدة.

الوجه الثالث: وهو أضرها على طالب العلم، ألا يكون له هم إلا تتبع أقوال الناس وما قيل وما يقال، وما حصل وما يحصل في أمر ليس معنيًّا به، وهذا لا شك أنه من ضعف الإسلام؛ لأن النبي ﷺ قال: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيِه»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، والاشتغال بهذا القيل والقال وكثرة السؤال مضيعة للوقت، وهو في الحقيقة مرض إذا دب في الإنسان نسأل الله العافية صار أكبر همه، وربما يعادي من لا يستحق العداء، أو يوالي من لا يستحق الولاء من أجل تشاغله في هذه الأمور التي تشغله عن طلب العلم، بحجة أنه يقول له فكره هذا من باب الانتصار لصاحب الحق، وليس كذلك، بل هذا من إشغال النفس بما لا يعني الإنسان.

أما إذا جاءك الخبر بدون أن تتلقفه وبدون أن تطلبه فكل إنسان يتلقى الأخبار، لكن لا ينشغل بها، لا تكن أكبر همه؛ لأن هذا يشغل طالب العلم ويفسد عليه أمره، ويفتح في الأمة باب الحزبية والولاء والبراء فتتفرق الأمة، فنسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح، وأن يجمع القلوب على طاعته، ويرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا وزقًا طيبًا واسعًا يغنينا به عن خلقه.

* الطالب: (...).

* الشيخ: حقيقة أن الناس في كل أمورهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام -كل أمور الناس: طرفان ووسط، طرف مفَرِّط، وطرف مفْرِط، ووسط، من الناس من يشتغل بما يسمونه فقه الواقع ولا يكون له هم إلا تتبع الناس وقيل وقال وكثرة السؤال، وهذا لا شك أنه مضيعة وتشاغل بالمهم -إن كان مهمًّا- عن الأهم، وهذا غلط، ومن الناس من يتشاغل بالفقه الشرعي ويحرص عليه، لكنه لا يلتفت إلى أحوال الناس إطلاقًا، بل ربما ينكر من الفقه الشرعي ما يظن أن الدليل لا يدل عليه، وهذا أيضًا طرف خطأ، ومن الناس من يحاول الجمع بين هذا وهذا.

ونحن إذا سبرنا سيرة النبي ﷺ وجدنا أنه عليه الصلاة والسلام يفهم الواقع ويفهم الناس، ويفهم الخَيِّر من الشرير، لكنه ﷺ يهتم بالأمر الثاني، الذي هو الفقه في الدين، ولهذا قال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧ / ١٠٠)، من حديث معاوية رضي الله عنه.]]، لم يقل يفقهه في الواقع، فقه الواقع وسيلة للتطبيق فقط، فلا بد لطالب العلم من هذا ومن هذا، لا تجنح إلى طرف الفقه في الواقع، ولا تغلو في الفقه في الدين فتعرض عن كل شيء، فالإنسان يجب أن يكون وسطًا.

* طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، (...) حماية الشريعة، ولمن إذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر الآن وسائل الإعلام تدعو إلى الكفر والإلحاد والشرك وما إلى ذلك، وأهل الحق يمنعون من ذلك، فكيف تكون حماية الشريعة بالله، أحسن الله إليكم؟

* الشيخ: هو -بارك الله فيك- أنت انوِ بذلك حماية الشريعة، أما كونك تطبق ذلك في المجتمع هذا ليس إليك، هذا إلى الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]، وتعلمون ما جرى للإمام أحمد وغيره من الأئمة من المحن في محاولة تطبيق الشريعة في الناس، ومع ذلك هم صبروا واحتسبوا حتى ظهر الحق ولله الحمد، فتطبيق الشريعة ليس معناه أن طالب العلم إذا نوى تطبيق الشريعة وحمايتها أنه يستطيع ذلك، قد لا يستطيع، لكن هو ينوي هذا، ويجعل طلبه للعلم مركزًا على هذه النية، والله سبحانه وتعالى ييسر له الأمر، ثم إذا أوذي في الله فهو رفعة لدرجاته، ورفعة لذكره، لو تأملت من أكثر الناس إيذاء من العلماء لوجدت أنهم العلماء الكبار، هم الذين يلحقهم الأذى من حبس وضرب وإهانة، وربما قتل، فيكون هذا من رفعة الله لهم.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما العلوم التي يحسن لطالب العلم البدء فيها، (...)؟

* الشيخ: والله نرى أن أهم المهمات العلم بهذا الكتاب العزيز؛ كتاب الله، قبل كل شيء؛ لأن الصحابة لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، ثم العناية بما صح من السنة، ثم العناية بما كتبه أهل العلم وأخذوه من هذين المصدرين الأساسيين: الكتاب والسنة.

ولا يعني إذا قلنا: احرص على معرفة كلام الله وكلام رسوله أن تعرض عن كل شيء، لا بد أن ننتفع بأفكار العلماء الذين كرسوا جهودهم لخدمة العلم، وإلا ضِعْنَا، ولهذا كتب العلماء -رحمهم الله- في أصول الفقه، وفي أصول الحديث، وفي قواعد الفقه، وفي قواعد التحديث، وغير ذلك من أجل الضبط، حتى ينضبط الناس ويكونوا ماشين على قواعد معلومة.

* الطالب: بارك الله فيكم، من الملاحظ أن حفظ المتون فيه صعوبة، بعض الناس يقول: أنا أكرر المسائل مرات فأفهمها وأكتفي بذلك عن حفظ المتون، فحفظ المتون في الفقه مثلًا يقول: هذه إنما كلام أناس نحن نأتي بمثله، ما رأيكم؟

* الشيخ: أنا رأيي أن حفظ المتون هو الأساس، وما انتفعت بشيء انتفاعي بما حفظت من الكتب؛ لأن حفظ المسائل يطير، إلا مسائل تتكرر على الإنسان يوميًّا فهو لا ينساها من قِبَل العمل، فحفظ المتون هو العلم في الواقع، وكونه صعبًا على بعض الناس هذا صحيح، فبعض الناس يصعب عليه جدًّا أن يحفظ، تجده يكرر المتن تكرارًا كثيرًا ولكن ما يحفظه، لكن احرص على هذا، وكلما تقدمت السن بالإنسان قوي فهمه وضعف حفظه، يعني فهمه يقوى، ويتفتح عليه من الفهوم ما لم يكن يعرفه من قبل، لكن يقل حفظه، ولهذا ننصح الشاب بالحفظ، وأول ما يجب أن يحفظ كتاب الله الذي هو أساس كل شيء.

* طالب: هل ينصح طالب العلم بأن يسير في فن من الفنون مثل فن الفقه، أو أنه يتنقل في الفنون، من فن العقيدة إلى فن الفقه؟

* الشيخ: تعرف أن العلوم ليست سواء بعضها أهم من بعض، فأنت كرس جهودك على الأهم، ولا تخلي نفسك من العلوم الأخرى المساندة للأهم؛ يعني مثلًا رجل قال: أنا أهوى النحو، أبغي أكرس جهودي على النحو ولا أتعرض لغير هذا. نقول: غلط، كرس جهودك على ما تهواه نفسك لئلا يضيع عليك الوقت؛ لأن الإنسان إذا حاول أن يرغم نفسه في دراسة شيء لا يختاره سيضيع عليه الوقت، لكن لا تنسى العلوم الأخرى.

كذلك أيضًا لا تكثر على نفسك من العلوم؛ لأن كثرة العلوم تضعف الإنسان في همته وفي فهمه، والذين درسوا في المدارس النظامية يعرفون هذا، تجد مثلًا في المعاهد أو الثانويات تجد فيها مثلًا خمسة عشرة مادة تُضَيِّع على الإنسان، لو أردت أن تبحث معه في شيء عميق من المواد التي درسها ما وجدت عنده شيئا.

فإذا ركز الإنسان على العلوم واختصرها بقدر ما يستطيع صار هذا أجود له وأكثر استفادة، ويذكر أن بعض الناس يقول: إن من أتقن علمًا من العلوم إتقانًا جيدًا استغنى به عن سائر العلوم؛ وهذا لا شك أنه غلط، لو أنك أدركت النحو جيدًا، هل يغنيك عن معرفة الفقه؟

وما يذكر عن أبي يوسف والكسائي أنهما تناظرا في حضرة الرشيد، وقال الكسائي: إن الإنسان إذا أتقن العلم -أي علم أتقنه- يستغني به عن غيره، وأن أبا يوسف أورد عليه الرجل يسهو في سجود السهو، فقال الكسائي: ليس عليه سجود، قال: ومن أين يوجد هذا في علمك؟ -لأن الكسائي إمام في النحو- قال: من قواعد علمي أن المُصَغَّر لا يُصَغَّر؛ هذا يصح دليلًا في حكم شرعي؟ أبدًا، وأنا أظن أن هذه القصة مصنوعة، ما هي صحيحة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском