Ibn 'UthayminGhafir · 40:52–54

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:52–54

40:52Page 473

يَوۡمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعۡذِرَتُهُمۡۖ وَلَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٥٢

The Day their excuse will not benefit the wrongdoers, and they will have the curse, and they will have the worst home [i.e., Hell].

ثم قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ﴾ بالياء والتاء، بالياء ﴿يَنْفَعُ﴾، بالتاء ﴿تَنْفَعُ﴾ ، إذن هما قراءتان سبعيتان؛ لأن المؤلف إذا أتى بصيغة القراءة على هذا الوجه فمعناه أنهما قراءتان سبعيتان، أما إذا قال: وُقِرَئ فهو للقراءة الشاذة، بالتاء واضح؛ لأن معذرة مؤنث فالفعل يكون معها مؤنثًا، لكن بالياء، نقول:

أولًا: أنه فُصِلَ بين الفعل والفاعل.

وثانيًا: أن التأنيث هنا ليس حقيقيًّا، وابن مالك يقول:

وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصَلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ المراد بـ﴿الظَّالِمِينَ﴾ هنا الكافرون، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ عندي بالشرح قال: (عُذْرهم أو اعتذارهم) يعني: عذرهم فيما سبق، أو اعتذارهم فيما لحق في ذلك اليوم، هم يعتذرون لكن لا يُقْبَل ﴿لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات ٣٦].

(﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر ٥٢] أي البعد من الرحمة ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ) لهم اللعنة: كيف قال: لهم اللعنة، هل اللعنة مَطْلُوبة حتى تأتي باللام؟ قيل: إن اللام هنا بمعنى (على) كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٦١] عليهم، فاللام هنا بمعنى (على)، والصواب أن اللام على بابها، وأنها ليست بمعنى (على)، بل هي بمعنى الاستحقاق؛ يعني أنهم يُلْعَنون لعنًا يستحقونه، فهي أبلغ من قولك: عليهم، من وجه. وتلك أبلغ من وجه آخر.

المهم أن اللام هنا على معناها الأصلي: الاستحقاق.

وهنا نقول لكم: إذا ورد تفسيران في كتاب الله العزيز أحدهما يؤيده اللفظ والثاني لا يؤيده اللفظ، فبأيهما نأخذ؟ الأول، وإن كان كلٌّ من المعنيين مُحْتملًا، لكن ما يوافق ظاهر اللفظ هو الأولى.

﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر ٥٢] اللعنة هي البعد عن الرحمة، وقوله: ﴿اللَّعْنَةُ﴾ لم يُبَيِّن ممن فتعم ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة ١٦١]، وفي آية أخرى ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ فكل شيء يلعنهم، نسأل الله العافية.

(﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ الآخرة أي: شدة عذابها) لهم سوء الدار: يحتمل أن تكون من باب إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الدار السوء، ويحتمل أن يكون على بابها والمعنى: لهم سوء الدار، أي: السيئ في الدار، وعلى كل حال ما المراد بـ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾؟ يقول المؤلف: (شدة عذابها) ولكن لو قيل: إن سوء الدار: ما يسوء من العذاب الشديد وغير الشديد لكان أعم.

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ﴾ [غافر ٥٢] إلى آخره، موضع ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ﴾ مما قبل، نقول: هي بيان؛ يعني عطف بيان من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١].

* فيستفاد من ذلك فوائد:

* أولًا: أن الظالمين لا ينفعهم العذر ولا الاعتذار يوم يقوم الأشهاد؛ لقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾.

* من فوائدها أيضًا: أن الكافرين ظَلَمَةٌ وهو كذلك، والشرك بالله أظلم الظلم كما قال النبي ﷺ حين سُئِلَ: أي الذنب أعظم؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٦١)، ومسلم (٨٦ / ١٤١) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]] وهذا حق، الذي خلقك وأعدك وأمدك ثم تشرك به! هذا أظلم الظلم، إن الإنسان لو أهدى إليه شخص عشرة ريالات لاستحيى أن يناله بسوء، فكيف بمن أهدى إليك حياتك كلها، كيف تشرك به وتَكْفُر به؟! إذن هو أعني الشرك أيش؟ أظلم الظلم.

* من فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين يوم القيامة يعتذرون ولكن لا يُقْبَل؛ لقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾.

فإن قال قائل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات ٣٥، ٣٦]؟

الجواب بصفة عامة: أن ما ورد عليك مما يكون يوم القيامة أو من أوصاف يوم القيامة مما ظاهره التعارض فاعلم أنه لا تعارض فيه، سواء كان ذلك في وصف اليوم أو في وصف المحشورين أو في وصف العذاب فإنه لا يمكن أن يكون فيه التعارض أبدًا؛ لأن اليوم طويل، مقدار اليوم خمسون ألف سنة، فيمكن أن تتغيَّر فيه الأحوال، يكون أوله للناس حال وآخره للناس حال، وما أشبه ذلك.

فمثلًا قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات ٣٥، ٣٦] هذا يدل على أنهم في ذلك اليوم هم سكوت لا يُؤْذَنُ لهم بأي كلام فينتهزوا الفرصة بالاعتذار، لكن في موقف آخر يَعْتَذِرُون، ولكن لا ينفعهم الاعتذار، وهذا أولى من قول بعض العلماء: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ لو اعتذروا؛ لأنه على هذا التقدير يكون الكلام كلامًا فرضيًّا لا واقعيًّا، لا ينفعهم لو اعتذروا، فأيهما أولى أن نحمل الكلام على أنه واقع أو على أنه مفروض؟ الأول، على أنه واقع، نحن نقول: يَعْتَذِرون في وقت ولا يعتذرون في وقت آخر.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين مُسْتَحِقُّون للعنة الله. فهل يعني ذلك أنه يجوز أن نَلْعَن الكافرين؟

الجواب: أما على سبيل العموم فنعم، لنا أن نقول: لعنة الله على كل الكافر، وكان من قنوت أبي هريرة رضي الله عنه أنه يعلن الكفرة في قنوت الوتر: اللهم العن الكفرة الذين كذبوك وكذبوا رسلك. هذا لا بأس به.

وهل نلعن نوعًا معينًا من الكفرة كاليهود والنصارى؟ نقول: اللهم العن اليهود اللهم العن النصارى؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: الدليل؟

* الطالب: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، واليهود والنصارى هم كفار (...).

* الشيخ: بس هم مُعَيَّنُون.

* الطالب: (...).

* الشيخ: هذا خبر، لكن هل يجوز أني ألعنهم؟

* طالب: قال رسول الله ﷺ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيائِهِمْ مَسَاجِدَ»

* الشيخ: طيب، أحسنت. لكن قال بعض الناس إما اجتهادًا وإما محاباة لليهود والنصارى، قال: إن الرسول دعا عليهم باللعنة في حال مُعَيَّنَة حين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لعنهم كأنه يقول: لأنهم اتخذوا.

فيقال: التعليل لا يقتضى تخصيص المعلول، العلة لا تقتضي التخصيص، هم لُعِنُوا من أجل هذا ومن أجل غيره أيضًا.

فالصحيح أنه يجوز أن نلعن اليهود والنصارى على سبيل التخصيص فنقول: لعنة الله على اليهود والنصارى، سواء قَرَّرْنا بذلك فعلًا من أفعالهم يقتضي اللعن أو لا.

طيب إذن لنا أن نلعن الكفار على سبيل العموم، وهل نلعنهم على سبيل التعيين؟

أما إن كان حيًّا فلا يجوز، لا يجوز أن ألعن شخصًا معينًا ولو كان من أكفر الكفار ما دام حيًّا، الدليل أن النبي ﷺ لما صار يقول: اللهم العن فلانًا وفلانًا ممن عَيَّنَهُم من أئمة الكفر قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٨] فنهاه وقال: ليس لك من الأمر شيء؛ وإذا كان رسول الله ﷺ ليس له من الأمر شيء، فما بالك بمن دونه.

وأما التعليل فإننا نقول: لا تلعنْه، ادع الله له بالهداية؛ لأنك لا تدري ربما يكون هذا العدو للإسلام اليوم هو وَلِيُّ الإسلام في يوم آخر، ألم يكن عمر من أعدى أعداء الإسلام؟ بلى، ألم يكن خالدُ بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ممن اقتحموا الجبل في أحد ليقتلوا الرسول وأصحابه؟ بلى، وماذا كانوا؟ كانوا من قواد المسلمين، كان عمر الخليفة الثاني في هذه الأمة.

إذن يا أخي لا تدعُ على شخص معين من الكفار باللعنة، لكن هل يجوز أن أَدعوَ اللهَ له بالهداية؟

* طلبة: نعم، يجوز.

* الشيخ: ندعو لفلان وفلان ونعين أن الله يهديه؟!

* طلبة: نعم.

* الشيخ: طيب رئيس دولة؟

* طلبة: نعم.

* طالب: بالهداية من باب أولى.

* الشيخ: أحسن. طيب إذن الهداية لا بأس منها، أما اللعن فلا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الظالمين وهم الكافرون لهم سوء الدار يوم القيامة، وهي جهنم -والعياذ بالله- لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا العذاب؛ أي: هذا اللعن وهذا السوء، كان هؤلاء مستحقين له؛ لقوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾، والله أعلم.

* طالب: (...) الاعتذار يكون في النار ولا يكون (...)؟

* الشيخ: لماذا؟

* الطالب: (...) قبل يوم القيامة.

* الشيخ: وقبل.

* طالب: النصر إذا كان بمعنى تأييد هؤلاء الرسل، فكيف يكون النصر تأييدًا للرسل؟

* الشيخ: إي نعم، كون الله عز وجل يقول: ﴿اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم ٥٦]، اذكر في الكتاب فلانًا، اذكر في الكتاب فلانًا، (...) نصر، إن الله يرفع لهم ذكرهم ويُبَيِّن أنهم على حق.

* طالب: ماذا تقول يا شيخ في النصارى الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة في هذه الآية (...)؟

* الشيخ: يقولون: (إنا) للجمع أو للواحد؟

* الطالب: للجمع.

* الشيخ: للجمع؟ هذا الأصل (إنا) و(نحن) و(نفعل) و(نأمر) وما أشبه ذلك للجماعة، نحن نقول: هذا من المتشابه، واللغة العربية جاءت بإسنادِ مثلِ هذا إلى الواحد من باب التعظيم، ولذلك يقولون: (نحن) للواحد المعظم نفسه أو للجماعة.

* الطالب: (...).

* الشيخ: إي هو الضمير، ضمير جمع.

* الطالب: كل آية فيها ضمير يحتج بها؟

* الشيخ: كل آية فيها ضمير جمع.

* طالب: الفرق بين التوبيخ والتقريع؟

* الشيخ: ما أعرف بينهما فرقًا، اللهم إلا يكون فرقًا قليلًا يمكن، أو يقال: التوبيخ على أمر مضى، والتقريع والتنديم على أمر حاضر.

* طالب: إجابة دعوة الكافر (...) ألا يكون (...) الكافر على نفسه، تستجاب (...)؟

* الشيخ: نحن يا إخوان ذكرنا: إجابة دعوة الكافر إذا دعا لنفسه ولا عليها؟ لنفسه. أصل الكلام: هل ينتفع الكافر بدعائه أو لا؟ ومعلوم أنه إذا دعا على نفسه وأُجِيب فهذا ضررٌّ عليه.

* طالب: قلنا: إن الكافر لا يدعى عليه إذا كان حيًّا وإذا كان مفسدًا؟

* الشيخ: إذا كان ميتًا فإنه يُنْظَر هل في ذلك مصلحة؟ إن كان فيه مصلحة فلا بأس، يعني: إذا كان فيه مصلحة وأنك ستغيظ أتباعه فلا بأس، وإلا فقد قال النبي ﷺ: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا»[[أخرجه البخاري (١٣٩٣) من حديث عائشة رضي الله عنها.]].

* طالب: إذا كنا ندعو عليه بالهلاك؟

* الشيخ: بالهلاك؟ طيب عندنا الآن دعاء بالهلاك، ودعاء باللعنة، ودعاء بالهداية، أيهم أحسن؟

* الطلبة: الهداية.

* الشيخ: الأحسن الهداية، بدل ما تقول: اللهم أهلكه.

* طالب: يعني قد يشفي صدورهم.

* الشيخ: يعني: الله يقدر أن يهلكه ولا يقدر أن يهديه؟

* طالب: قد يشفي صدورهم (...).

* الشيخ: ما يمكن إنسان أن يقول: اللهم أهلكه بدل: اللهم أهده إلا من شدة الغيرة أو الغضب عليه، نحن نقول: هَدِّئ.

* طالب: أكثر (...).

* الشيخ: ما يخالف، لكن إذا هداه الله، جعل بدل هذه الأذية منحة وعطية، نعم إن أردت أن تقول: اللهم أهلكه ما دام مضادًا للمسلمين وما أشبه ذلك، فتُقَيِّدْ نعم.

40:53–54Page 473

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡهُدَىٰ وَأَوۡرَثۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٥٣

And We had certainly given Moses guidance, and We caused the Children of Israel to inherit the Scripture

هُدٗى وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٥٤

As guidance and a reminder for those of understanding.

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر ٥٣ - ٥٦].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ هذه الجملة ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ مُؤَكَّدة بثلاثة مؤكدات: الأول: القسم الذي دلت عليه اللام، والثاني: اللام، والثالث: قد. وهذه الصيغة تأتي في القرآن كثيرًا.

وقوله: ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا، يقال: أتينا، ويقال: آتينا، أتينا بمعنى: جئنا، وآتينا بمعنى: أعطينا، وهي تنصب المفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول هنا: موسى، والثاني: الهدى.

موسى هو ابن عمران أحد أولي العزم الخمسة؛ وهم: محمد، وإبراهيم، وموسى، ونوح، وعيسى.

وقوله: ﴿الْهُدَى﴾ أي: ما به الهدى، وهذا يشمل الهدى الذي أوتيه حتى اهتدى، والهدى الذي يهتدي به الناس، فيكون موسى عليه الصلاة والسلام هاديًا مهديًّا.

قال المفسر: (التوراة والمعجزات) أما التوراة فظاهر أنه هدى؛ لأنها كتاب شرعيٌّ فيه الهدى، وأما المعجزات والصواب أن يقال: البينات أو الآيات فإنها هدى لأنه يهتدي بها الناس؛ إذ أن الناس إذا رأوا الآيات اهتدوا. ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ ﴿أَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: جعلناهم وارثين، ويقول المؤلف: (أي: من بعد موسى) ويمكن أن نقول: أورثناه من بعد موسى ومن بعد فرعون، فيكون الله تعالى أورث بني إسرائيل الكتاب من بعد نبيهم ومن بعد فرعون كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩].

(﴿الْكِتَابَ﴾ التوراة) وسُمِّيَت كتابًا؛ لأنها مكتوبة، وعلى هذا فيكون كتاب بمعنى مكتوب، وهذه الصيغة -أعني (فِعَالًا)- تأتي في اللغة العربية بمعنى مفعول في مواضع كثيرة مثل: بِناء بمعنى مبني، وغِراس بمعنى مغروس، وفِراش بمعنى مفروش، وهَلُمَّ جَرًّا.

﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [غافر ٥٣، ٥٤] ﴿هُدًى﴾ يحتمل أن تكون -كما قال المفسر- مصدرًا بمعنى الحال، أن تكون مصدرًا بمعنى اسم الفاعل منصوبًا على الحال، حيث قَدَّرَها بقوله: (هاديًا)، ويحتمل أن تكون مفعولًا من أجله، أي: من أجل الهدى، أي: من أجل اهتداء الناس.

(﴿هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ تذكرة لأصحاب العقول) فهي هدى وهي تذكرة، هدى يهتدي بها الناس، وتذكرة يتذكر بها، ولكن لا يتذكر بها إلا أولي الألباب، فأولوا الألباب يعني أصحاب العقول، وسُمِّيَ العقل لُبًّا بمنزلة اللب من الحب؛ لأنه هو المقصود وهو روح الإنسان.

وقوله: ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ اجمعها إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران ١٩٠] يتبين لك أن الذين ينتفعون بالآيات الكونية كخلق السماوات والأرض والآيات الشرعية هم أصحاب العقول؛ لأنهم ينظرون ويتفكرون ويَقِيسون الأشياء حتى يهتدوا.

* في هذه الآية من الفوائد: مِنَّة الله سبحانه وتعالى على موسى ﷺ حيث آتاه الهدى، وهذه أعظم مِنَّة يَمُنُّ الله تعالى بها على العبد؛ أن يعطيَه الهدى يهتدي به بنفسه ويهدي به غيره.

* ومنها: تأكيد رسالة موسى من قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾، وعلى هذا فيجب علينا أن نؤمن بأن موسى رسول الله ﷺ لكن إلى من؟ إلى قومه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]] لكن نؤمن بأنه رسول حقًّا، وأنه جاء بالهدى والنور.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: مِنَّة الله على بني إسرائيل حيث قال: ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾.

ولكن هل هؤلاء الذين أُورِثُوا الكتابَ هل قاموا به؟

الجواب: لا. ما قاموا به، بل كانوا عُتاة ظلمة، بل حتى في عهد نبيهم ما قاموا به، لَمَّا قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة ٢١] ماذا قالوا؟

قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة ٢٢] إلى أن قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة ٢٤]، أما نحن ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤] مع أنه وعدهم بها قال: الأرض ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]، لكنهم كَذَّبوا الخبر واستكبروا عن الأمر، فهم -أعني بني إسرائيل ولا سيما اليهود منهم- أخبث أهل الأرض وأعتى أهل الكفر، لم يشكروا نعمة الله عليهم بهذه النعمة.

أما هذه الأمة فقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢] وهم هذه الأمة ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التوراة مكتوبة؛ لقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ كيف كتابتها؟ اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف ١٤٥].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوراة ذكرى ولكن ليس لكل أحد، بل لمن؟ لأولي الألباب.

* ومن فوائدها: أنه لا يَتَذَكَّر بالآيات الشرعية إلا أولي الألباب وكذلك الآيات الكونية.

* ومن فوائد الآية: الثناء على العقل؛ لأن أهله هم أهل التَّذَكُّر الذين ينتفعون بما سمعوا. والمراد بالعقل هنا هل هو عقل الإدراك أو هو عقل الرُّشْد؟ الثاني عقل الرشد، أما عقل الإدراك فهو الذي يُناطُ به التَّكْلِيف الذي تجدونه في كتب الفقهاء: من شروط الطهارة العقل. هذا عقل أيش؟ الإدراك الذي يُناط به التكليف، أما عقل الرشد الذي به الاهتداء فَقَلَّ مَنْ يَحْصُل عليه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل مَنْ لم يتذكر بآيات الله فإنه ليس ذا عقل.

فإن قال قائل: يَرِدُ عليكم أَنَّا نجد في أئمة الكفر مَنْ هو على جانبٍ كبير من الدهاء والذكاء.

فالجواب: أن هناك فرقًا بين العقل والذكاء؛ لأنَّ العقل يَعْقِلُ صاحبه عما يضره، ولهذا سُمِّي عقلًا بمنزلة العِقال للبعير، لكن الذكاء ليس كذلك، الذكاء غريزة أو كَسْب يجعله الله تعالى في الإنسان وربما يكون بعض الحيوانات أذكى من الإنسان، أليس كذلك؟

الغراب أذكى من ابن آدم الذي قتل أخاه؛ لأنه علَّمه كيف يواري سوءة أخيه.

في الحيوانات ما هو أذكى من بني آدم، النملة هذه التي تشاهدون من أذكى الحيوانات، إذا كان في أيام الحبوب حفرت لها جحورًا وأودعت فيها هذه الحبوب، ولكنها لا تودع الحب على ما هو عليه تأكل رأس الحبة لئلا تَنْبُت؛ لأنها تعرف أنه إن بقيت الحبة على ما هي عليه نبتت وخرَّبت على نفسها.

من الدهاء والذكاء؟

فالجواب: أن هناك فرقًا بين العقل والذكاء؛ لأنَّ العقل يَعْقِلُ صاحبه عما يضره، ولهذا سُمِّي عقلًا بمنزلة العِقال للبعير، لكن الذكاء ليس كذلك، الذكاء غريزة أو كَسْب يجعله الله تعالى في الإنسان، وربما يكون بعض الحيوانات أذكى من الإنسان، أليس كذلك؟

الغراب أذكى من ابن آدم الذي قتل أخاه؛ لأنه علَّمه كيف يواري سَوْأَة أخيه.

في الحيوانات ما هو أذكى من بني آدم، النملة هذه التي تشاهدون من أذكى الحيوانات، إذا كان في أيام الحبوب حَفَرَتْ لها جحورًا، وأودعت فيها هذه الحبوب، ولكنها لا تُودِع الحب على ما هو عليه، تأكل رأس الحبة لئلا تَنْبُت؛ لأنها تعرف أنه إن بقيت الحبة على ما هي عليه نبتت، وخرَّبت على نفسها، فتأكل رأسها حتى لا تنبت، فإذا قدَّر الله عز وجل ونزل المطر، وخافت أن يُعفِّن ويفسد؛ أخرجته إلى الشمس حتى ييبس ويجف ثم دخلته.

وأشياء تذكر عن بعض الحيوانات غريبة! إذن الذكاء شيء والعقل شيء آخر، وكم من ذكي قاده الذكاء إلى النار والعياذ بالله، وهذا شيء مشاهَد، الذكاء إذا لم يكن مقترنًا بعقل وإيمان فالغالب أن صاحبه يضل يهلك، وكم من أناس كانوا أذكياء، وتوقع فيهم بعض العلماء أن هؤلاء سوف ينحرفون؛ فصار الأمر كذلك.

إذن لا يرد علينا أننا نجد من أئمة الكفر من هو على جانب كبير من الذكاء والدهاء؛ لأن الذكاء شيء والعقل شيء آخر.

قال العلماء: ولذلك لا يجوز أن تقول: إن الله عاقل؛ لأن العقل يحجز صاحبه عما يضره، والرب عز وجل لا يمكن أن يضره شيء، ولا يمكن أن ينقصه شيء.

ومن ثم ذهب بعض النحويين إلى التعبير بقولهم: (مَنْ) للعالم، و(ما) لغير العالم. قال: ما يمكن يكون للعاقل ليش؟ لأنها تأتي عائدة إلى الله عز وجل، فقل: (مَنْ) للعالم، و(ما) لغير العالم. وعلى كل حال قد يُناقَش في هذه المسألة، لكني أنا قلت لكم هذا؛ لتعلموا أنه لا يجوز أن يُوصَف الله بأنه عاقل. صح؟ لماذا؟ العقل ما يحجز صاحبه عما يضره، والله عز وجل لا يضره شيء.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском