Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ghafir 40:82–85, continued
القول الأول: أنه لا يجوز أن يُرسم القرآن إلا بالرسم العثماني على كل حال حتى وإن كنت تعلمه الصبيان، فعلى الرسم العثماني، فتكتب: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣] تكتب (الصلوة) بالواو، حتى وإن كنت تدرس صبيًّا اتباعا للرسم. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة ٤٣] الصلاة بالواو و(الزكوة) بالواو؛ لأن هذا هو الرسم العثماني.
وقال بعضهم: بل لا يجب؛ لأن الرسم العثماني حين رُسِم المصحف صادف أنه على هذا الوجه، ولو كان الرسم العثماني على غير هذه القاعدة لكُتِب بحسب القاعدة التي كانت في ذلك الوقت؛ فالمسألة ليست توقيفية لكن صادف أن الرسم في ذلك الوقت على هذا الوجه، فرُسِم القرآن عليه؛ وذلك لأن القرآن لم ينزل مكتوبًا حتى نقول: لا بد أن يكون كما كتب بل نزل مقروءًا، وقاعدة الرسم تختلف من حيث لآخر، وهذا القول له وجه قوي؛ لأنا نعلم عِلم اليقين أنه لو كانت قاعدة الرسم على غير هذا الوجه في ذلك العهد لكُتِب بمقتضى القاعدة المعروفة في ذلك العهد.
والقول الثالث يقول: إن كان القرآن مكتوبًا للصبيان للتعلم فاكتبه على القاعدة المعروفة بينهم، وإن كان للكبار، يعني يكتب الإنسان مصحفًا فليكتبه على حسب الرسم العثماني، وهذا فيه جمع بين القولين؛ لأنك لو ترسم القرآن للصبي على حسب الرسم العثماني لَحَرَّفَه؛ لأن القواعد التي بين يديه تُخالف الرسم فيُحرِّفه، فيقرأ مثلًا: الزكاة - الزكوة، الصلاة - الصلوة، الربا - الربو، وهُلم جرًّا، واضح.
فأنا أميل إلى أنه لا بأس أن يُكتب بمقتضى القاعدة الحاضرة بالنسبة للمتعلم لا شك في ذلك، بالنسبة لغيره فيه احتمال ولكن القول بالمنع فيه نظر.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت ١ - ٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
* من فوائد هذه الآية ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بيان حِكمة الله عز وجل ورحمته، وذلك أنه جعل الآيات التي تأتي بها الرسل آيات بينات حتى لا يبقى حجة.
* ومن فوائدها: أن الكفار يفخرون بما عندهم من العِلم، ولو كان باطلًا؛ لقوله: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر ٨٣]، وهذا الذي كان فيما سبق موجود الآن، فإن بعض أولئك القوم الذين آتاهم الله من علم الدنيا ما آتاهم تجدهم يفرحون بها، ويقولون: هي خير من عِلم أولئك المقوقعين على أنفسهم، ويعنون بهم علماء الشريعة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير البالغ من رد ما جاءت به الرسل؛ لقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر ٨٣].
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولئك القوم المكذبين للرسل إذا رأوا العذاب قالوا: آمنا، والمثال على ذلك فرعون لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠].
* ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين يؤمنون بعد أن نزل بهم العذاب لا يستفيدون من إيمانهم شيئًا؛ لقوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن سُنَّة الله عز وجل في العباد واحدة، فإنه لا يُحابي أحدًا لغناه أو لفقره أو لغير ذلك، بل إن أكرم الخلق عند الله أتقاهم؛ لقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من تكذيب الرسل، وأن من كذَّب الرسل فإنه سينالهم ما نالهم من العذاب، أي: ما نال الأمم السابقة من العذاب.
* ومن فوائدها أيضًا: ظهور الخسران لهؤلاء المكذبين قبل أن يموتوا؛ لقوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ﴾ أي: حين جاءهم البأس تبين لهم الخسران ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.
ثم قال تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى آخره، البسملة تقدم الكلام عليها كثيرًا، وبينا أنها آية من كتاب الله، ولكنها ليست آية تابعة للسورة التي بعدها ولا التي قبلها، بل هي آية يُؤتى بها لابتداء السور ما عدا سورة براءة.
أما معناها فإن الإنسان يقول: أبتدئ بكل اسم من أسماء الله، وإنما جعلنا المعنى بكل اسم من أسماء الله؛ لأن (اسم) مفرد مضاف، والمفرد المضاف يفيد العموم، كل مفرد مضاف إلى معرفة فإنه يفيد العموم، ألم تروا إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ لو نظرنا إلى لفظها لقلنا: إنها واحدة لكنها كثيرة لا تُحصى، فيكون هذا المفرد الذي أُضيف يكون للعموم، وهذه هي القاعدة: كل مفرد مضاف لمعرفة فإنه مفيد للعموم؛ ولهذا قلنا: بكل اسم من أسماء الله.
و(الرحمن الرحيم) صفتان للفظ الجلالة، لكن الأولى رُوعِي فيها الوصف، والثانية رُوعِيَ فيها الفعل وهو إيصال الرحمة، أما مُتعلَّق هذا الجار والمجرور فإنه محذوف، ويُقدَّر مؤخرًا مناسبًا للمقام، فإذا كنت تريد أن تقرأ فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم؛ قَدِّر أَقْرَأ، وإنما اختير ذلك؛ أي اختير أن يكون فعلًا؛ لأن الأصل في العمل الأفعال، ولهذا يعمل الفعل بلا شرط، والأسماء التي تعمل عمل الفعل لا بد لها من شروط كما هو معروف في علم النحو، وإنما اخترنا أن يكون متأخرًا لفائدتين:
الفائدة الأولى: تيمنًا بذكر اسم الله.
والفائدة الثانية: إرادة الحصر؛ لأنه إذا تأخر العامل كان ذلك حصرًا، فإذا قلت: زيدًا أَكْرِم، المعنى لا تُكْرِم غيره، لكن لو قلت: أكرم زيدًا، لم يمتنع عن تكريم غيره، إذن أخَّرناه لفائدتين: الفائدة الأولى: تيمنًا بذكر الله عز وجل، والثاني؟
* طالب: الحصر.
* الشيخ: إفادة الحصر. وقدَّرناه مناسبًا؛ لأنه أبين المقصود، فلو قال قائل: باسم الله أبتدئ، قلنا: صحيح، لكن لا تبين المراد مثل ما تبينه: باسم الله أقرأ، وذلك لأن الابتداء يكون للقراءة ولغير القراءة؛ ولهذا اختير أن يكون مناسبًا للمقام، والخلاصة الآن أن متعلق الجار والمجرور هو محذوف، فعل، متأخر مناسب للمقام.
قال الله تعالى: ﴿حم﴾ وقال المفسر: (الله أعلم بمراده به)، وهذا هو الأدب مع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن الذي لا تعرف معناه قل: الله أعلم بمراده به؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦].
ولكن قد يقول قائل: إننا نعلم أنه لا معنى لهذه الحروف الهجائية التي تُوجد في كثير من السور، نعلم ذلك بدلالة القرآن، فقد قال الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥].
واللسان العربي لا يكون التعبير بمثل هذه الحروف له معنى في حد ذاته، لو قلت: (أ، ب، ج، ح، خ) ما لها معنى، فإذا لم يكن لها معنى بمقتضى اللسان العربي قلنا: إن قوله: ﴿حم﴾ ﴿والم﴾ ﴿والر﴾ وما أشبهها ليس لها معنى في حد ذاتها.
يرد على هذا إذا لم يكن لها معنى صارت لغوًا، وكلام الله تعالى لا لغو فيه، فيقال: إنها ليست لغوًا، وإنما المراد إقامة الْحُجَّة على أولئك المشركين حيث عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن ولا بآية واحدة، عجزوا، مع أن هذا القرآن هل أتى بحروف لا يعرفونها حتى يعتذروا ويقولوا: إنه جاء بحروف ليست معروفة لنا؟ الجواب: لا، القرآن جاء بحروف يعرفونها.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (ولذلك لا تكاد ترى سورة مبدوءة بهذه الحروف إلا وبعدها ذكر القرآن) وابدأ من أول البقرة إلى أن تأتي إلى آخر السور المبدوءة بهذه الحروف، تجد أن بعدها ذِكْر القرآن، إشارة إلى أن هذا القرآن الذي أعجزكم معشر العرب كان من هذه الحروف التي تكونون منها كلامكم، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله واضح جدًّا، وأما القول بأنه ليس لها معنى فقد قاله مجاهد بن جبر أعلم التابعين بكتاب الله عز وجل.
قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت ٢، ٣] قال المؤلف رحمه الله المفسر: (﴿تَنْزِيلٌ﴾ مبتدأ ﴿كِتَابٌ﴾ خبره) ولو قيل بالعكس لكان أوضح، لو قيل: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ لأنه يُخبَر بالمعنى عن الذات، ولا يُخبَر بالذات عن المعنى، هذا الأصل، فتقول: زيد قائم، (قائم) خبر، ولا تقول: (زيد) خبر، لكن ما ذهب إليه المؤلف من الإعراب له وجه؛ يعني ليس باطلًا، لكن لو قيل إن: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ هو الخبر مقدم و﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر لكان أوضح وأبين.
﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مَنْ يعني به؟ يعني به الرب عز وجل؛ أي: تنزيل من الله الرحمن الرحيم، لكنه أتى بهذين الاسمين الكريمين إشارةً إلى أن القرآن رحمة؛ لأن إنزاله من مقتضى رحمة الله عز وجل.
أليس من الممكن أن يقال: تنزيل من الله؟ نعم، كما جاء في آية أخرى لكنه قال: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى أن هذا القرآن نَزَلَ بمقتضى رحمة الله عز وجل، وأن الله رَحِمَ به العباد.
و(الرحمن الرحيم) اسمان من أسماء الله، من أشرف أسماء الله عز وجل، ويأتيان مقترنين، ويأتيان منفصلين بعضهما عن بعض، فإن انفصلا فكل واحد متضمن معنى الآخر، فقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] هذا منفرد عن (الرحيم)، فيتضمن الصفة والفعل، أي أن الله تعالى موصوف بالرحمة الواسعة، وهو سبحانه وتعالى يرحم بهذه الرحمة من شاء من عباده.
وفي قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيضًا نقول: ﴿الرَّحِيمُ﴾ هنا تشمل الوصف والفعل؛ لأنها انفردت عن الرحمن، أما إذا اجتمع (الرحمن) و(الرحيم) كانت (الرحمن) للصفة و(الرحيم) للفعل؛ ولهذا جاءت (الرحمن) على وزن (فَعْلَان)، وهذا الوزن في اللغة العربية يقتضي الامتلاء..
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences