Ibn 'UthayminFussilat · 41:8–14

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Fussilat 41:8–14, continued

هكذا قررها بعضهم وقال: إن في الآية دليلًا على أن الأرض تدور؛ لأن الله ألقى هذه الرواسي لتكون دورتها متزنة لا تتخلخل فتضطرب بالناس، ولكن هذا وإن كان قويًّا من حيث النظر لكنه ليس متعينًا؛ إذ يجوز أن يكون المعنى أن تميد بكم تضطرب ولو كانت واقفة، فالسفينة مثلًا على الماء تضطرب ولو كانت واقفة، فيكون المعنى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥] يعني أن تضطرب بكم، وسواء كانت تدور أو لا تدور؛ ولهذا ليس في الآية دلالة قطعية على أن الأرض تدور.

فإن قال قائل: إذا قلت: إنه يحتمل أنها تكون دالةً على أن الأرض تدور فما جوابك عن آيات كثيرة تدل على أن الشمس تجري، تطلع، تغرب، تزاور، توارى، تذهب؟ كل هذه الأفعال أسندت إلى الشمس، والأصل أن الفعل إذا أُسنِد إلى شيء أن يكون قائمًا به، فيكون ظاهر القرآن أن الشمس هي التي تدور على الأرض ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ [الكهف ١٧] إذن معناه هي التي كانت مختفية، ثم طلعت علينا، وهؤلاء الذين يقولون: الأرض تدور، يكون المعنى ﴿إِذَا طَلَعَتْ﴾ أي إذا طلعنا عليها؛ لأنا نحن الذين نأتي إليها أما هي ثابتة قارة أعني الشمس.

قلنا: يجوز أن تكون الأرض تدور، والشمس أيضًا تدور جائز، وإذا كان الدوران بالعكس فظاهر أنه يتعاقب الليل والنهار؛ يعني مثلًا لو كانت الأرض تدور نحو الشرق، والشمس تدور نحو الغرب، هذا ممكن بكل سهولة، فإن كانتا تدوران إلى اتجاه واحد فإن إحداهما إذا كانت أسرع من الأخرى تحقق اختلاف الليل والنهار، ومن قال: إنه لا يمكن أن نقول: إن الشمس تجري إلا إذا قلنا: إن الأرض ثابتة لا تدور فأما إثبات دوران الأرض مع دوران الشمس فهذا لا يمكن. فإن قوله غير صحيح.

الإمكان ممكن ولو قلنا بدورانهما جميعًا، لكن الشيء الذي نعتقده الآن أن الليل والنهار يحصل بتعاقب الشمس على الكرة الأرضية، لا بتعاقب الكرة على الشمس، هذا الذي نعتقده إلى الآن؛ لأن هذا هو ظاهر القرآن، والقرآن صدر من الخالق عز وجل وهو أعلم بما خلق.

ولا يمكن أن نحيد عن هذا قيد أنملة ما دام لم يظهر لنا أمر حسي لا يمكن التكذيب به، وعند بعضهم -أي بعض الذين يقولون بدوران الأرض- يقولون: عندنا أمر قطعي بدليل الصواريخ العابرة للقارات فإنها تقدر بتقدير معين بحيث يتماشى مع دوران الأرض فيصيب الهدف، وإلا لما أمكن.

على كل حال هذه أنا أردت يعني أن أتكلم فيها بعض الشيء؛ لأنها في يوم من الأيام كانت مثارًا للجدل بين الناس؛ بين طلبة العلم وبين عامة الناس وبين الذين لم يتمكنوا من العلم كثيرًا، فنحن نقول: أولًا: البحث العميق في هذا والجدل في هذا أمر لا ينبغي ولا فائدة منه.

ثانيًا: عندما نريد أن نحقق المسألة تحقيقًا علميًّا نظريًّا ننظر إلى الآيات، فإذا كان ظاهر قوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥] يقتضي أنها تدور قلنا بذلك ولا حرج، ولا مانع أن نقول: هي تدور وكذلك الشمس لا مانع، فنكون أخذنا بظاهر القرآن في الشمس، وبظاهر ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في الأرض، وإذا كان قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ لا يتعين أن يكون بحركتها وإنما قد تضطرب وهي ساكنة قارة فلا يبقى في الآية دليل على أن الأرض تدور.

* طالب: (...) أقرهم أنه لا يمكن يقرهم على قولهم (...) الشمس (...).

* الشيخ: نعم، نحن نقول: لا نقرهم على أن اختلاف الليل والنهار يكون باختلاف دورة الأرض بل نقول: هو باختلاف طلوع الشمس على الأرض.

* الطالب: ولا يمنع أن يكون الشارع (...) الأرض؟

* الشيخ: ولا يمنع، لكن لو فُرِض أنه جاءنا دليل حسي ملموس على أن اختلاف الليل والنهار بسبب دورة الأرض لقُلنا به، ويكون إضافة الأفعال هذه إلى الشمس على حسب رؤية الإنسان لها.

* الطالب: هم يقولون بثبوت الشمس..

* الشيخ: لا، أنا أقول: لا، هم يقولون: الشمس تدور في الجو أو تدور حول نفسها؟

* طالب: دوران الشمس (...) دورة سنوية (...).

* الشيخ: إي، المهم على كل حال ما يهمنا، الكلام على أن من جهة القرآن، الآن إذا قرأنا: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف١٧]، هذه فيها أربعة أفعال أُضِيفت كلها إلى الشمس، الأصل أن الأفعال المضافة إلى الشيء أنها قائمة به، فالشمس هي اللي تطلع هم يقولون: لا، الشمس ما تطلع علينا؛ نحن الذين نطلع عليها بسبب دوران الأرض؛ يعني الآن مثلًا اللمبة اللي فوقي يدي مثلًا كظاهر اليد مقابل لها الشمس طالعة، ثم تقول: هكذا تغيب الشمس؛ يعني نحن غبنا عن الشمس ونحن طلعنا عليها، نقول: إذا ثبت هذا ثبوتًا قطعيًّا لا شك فيه فالقرآن لا يخالف الحس أبدًا، وتُفسَّر الأفعال المضافة إلى الشمس بحسب رؤية الرائي.

* طالب: كيف تكون طاعة الكافر طاعة قدرية؟

* الشيخ: أليس الله يأمره أن يكون مريضًا فيمرض؟ ويكون صحيحًا فيصح؟ ويموت فيموت؟

* الطالب: بلى.

* طالب آخر: شيخ، أحسن الله إليك، يقول تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١] هل هذا يدل على أن الجمادات تريد وتنطق؟

* الشيخ: هذه ما هو وصلناها، بارك الله فيك.

* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ألا يشهد لقولهم: أنا نحن الذين نطلع على الشمس، قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف ٨٥، ٨٦] أسند الفعل للشمس، وفسر أهل العلم بأنها في عين الرائي..

* الشيخ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾.

* الطالب: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾ ﴿تَغْرُبُ﴾ الفعل أسند إلى الشمس، هذا وقال أهل العلم: إنه في عين الرائي ولا تغرب، إنما تغرب (...).

* الشيخ: تختفي عنه.

* الطالب: إي نعم.

* الشيخ: إيه، طيب.

* الطالب: هل هي تغرب في عين حمئة؟

* الشيخ: كيف؟ تختفي عنه في البحر لكن ما هي في وسط البحر طبعًا؛ ولهذا قال: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾.

* طالب: علمنا يا شيخ أن الأرض خلقت قبل الشمس فما الحكمة؟

* الشيخ: الأرض قبل الشمس؟

* الطالب: الأرض خلقت قبل الشمس.

* الشيخ: ما علمنا هذا، قبل السماء.

* الطالب: الحكمة في أن الله عز وجل ذكر السماء والأرض (...) السماء؟

* الشيخ: هذه ما وصلناها، الحكمة بأن الله تعالى يذكر الأعلى قبل الأسفل، أما التحدث عن خلْق السماء فبيَّن الله تعالى أن الأسفل يُخلق قبل الأعلى كالبناء الآن، عندما تريد أن تبني شيئًا، هل تبني السقف قبل أن تبني العمود؟ فعند الذكر والتحدث يبين الأشرف والأعلى يقدم، وعند التكوين والبناء يبدأ بالأسفل؛ لأنه هو الأصل. (...)

* * *

* الطالب: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت ١٤ - ١٨].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. كنا نتكلم على فوائد الآيات السابقة من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت ٩] وأخذنا عدة فوائد منها كم؟

* طالب: (...).

* الشيخ: ثلاثة؟

* طالب: (...).

* الشيخ: إلى؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: ما وصلناها.

* الطالب: منة الله تعالى على عباده حيث جعل في الأرض رواسي ثوابت (...).

* الشيخ: * ومن فوائد هذه الآيات: أن الله تعالى جعل الرواسي من فوق الأرض لما في ذلك من المنافع، ودفع المضار الذي أشرنا إليه في أثناء التفسير.

* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى بارك في الأرض، ووجه البركة ظاهر، فقد حملت الأحياء والأموات، وحملت من الدواب ما لا يعلم أجناسَه فضلًا عن أنواعه فضلًا عن أفراده إلا الله عز وجل.

* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله قدَّر في الأرض أقواتها؛ أي جعلها مُقدَّرة بقدر معلوم، ومن ذلك التقدير أن جعل في جهات من الأرض من الأقوات ما ليس في جهات أخرى حتى يتبادل الناس هذه الأقوات، وتتحرك التجارة إلى غير ذلك من الفوائد، ولعله يشير إلى هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ يعني المطر ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان ٥٠].

* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن خلق الأرض تم في أربعة أيام؛ لقوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾ [فصلت ١٠].

* ومن فوائدها: أن الله تبارك وتعالى يجيب السائلين أسئلتهم، سواء سألوا بلسان الحال أو بلسان المقال، فالإنسان مُتشوِّف إلى علم المسألة دون أن ينطق بلسانه، يقال: إنه سائل بلسان الحال، والإنسان الذي يتكلم باللسان سائل بلسان المقال، والسؤال عن خلق السماوات والأرض وكيف ذلك؟ هذا يكون بلسان الحال ويكون بلسان المقال.

* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن السماء كانت قبل أن تُخلَق كانت دخانًا، ثم حوَّل الله هذا الدخان إلى سماوات؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت ١١].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عُلُوِّ الله عز وجل على أحد القولين في تفسير ﴿اسْتَوَى﴾ وهما أيش؟ قَصَدَ أو ارتَفَعَ.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء قابل لمخاطبة الله عز وجل؛ أي قابل أن الله يخاطبه؛ لأن الله خاطب السماء والأرض وهي جماد، قال: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، لكننا نحن لو خاطبنا الجماد لعُدَّ ذلك سفهًا ونوعًا من الجنون، أما الرب عز وجل فإنه يخاطب ما شاء من عباده من عاقل وغيره وجماد وغيره؛ لأن كل من خاطَبَهُ الله فإنه يفهم خطاب الله.

* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن كل شيء خاضع لله عز وجل سواء كره أم رضي؛ لقوله: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت ١١].

* ومِن فوائد هذه الآيات الكريمة: كمال خضوع السماوات والأرض لله عز وجل حيث قالتا: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.

* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أنه يصح أن يُعبَّر عن غير العاقل بما يُعبَّر به عن العاقل إذا نُزِّل غير العاقل منزلة العقل؛ لقوله: ﴿طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١]، فإن هذا الجمع -جمع المذكر السالم- لا يصدر إلا من عاقل، وغيره يُقال: طائعات وما أشبهها لكن إذا نُزِّل غير العاقل منزلته بالخطاب صح أن يُعامل معاملة العاقل.

* من فوائد هذه الآيات الكريمة: إثبات الطواعية والكراهية لغير العاقل؛ لقوله: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، فهل هذا يعني أن لغير العاقل إرادةً؟ الجواب: نعم؛ لأن الطائع له إرادة، ومن يتصور إكراهه له إرادة أيضًا، وإرادة كل شيء بحسبه، وقد مر علينا أن الحصى تُسبِّح بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا تسبيح إلا بعد إرادة، وثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال في أُحُد: «يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠٨٣)، ومسلم (١٣٩٣/٥٠٤) من حديث أنس بن مالك.]]. والمحبة أخص من الإرادة، وعلى هذا فهذه الجمادات التي نحن لا نفقه تسبيحها هي لها إرادة، وتُسبِّح الله عز وجل.

* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن مُدَّة خلق السماوات أقل من مدة خلق الأرض مع أن السماوات أعظم، لكن لما كانت الأرض موضوعة للأنام كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن ١٠] كان خلقُها أكثر مُدَّة؛ لبيان عناية الله تعالى بهذه الأرض التي وضعها للأنام، وليعلم الأنام الذين على الأرض أن العبرة بالإتقان لا بالسرعة.

* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله أتم خلق السماوات حين أوحى في كل سماء أمرها، ورتَّبها الترتيب المحكم المتقَن.

* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى خلق هذه النجوم؛ لفائدتين: الفائدة الأولى: زينة السماء، والفائدة الثانية: حفظ السماوات من الشياطين، فهي تحفظ السماوات من الشياطين وهي كذلك زينة للسماء، هناك فائدة ثالثة ذكرها الله تعالى في سورة النحل في قوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل ١٦] ولهذا قال قتادة -وهو من أئمة التابعين-: خلقَ الله هذه النجوم لثلاث: زينةً للسماء، ورجُومًا للشياطين، وعلامَاتٍ يُهتَدَى بها[[أخرجه البخاري معلقًا (٤ / ١٠٧).]].

* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: كمال إتقان الله عز وجل لمخلوقاته؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت ١٢] وهذا التقدير لا شك أنه تقدير مُحكَم مُتقَن من جميع الوجوه.

* ومن فوائدها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز العليم، وهذان الاسمان يتضمنان صفتين هما: العزة والعلم، وهنا نسأل: هل في العزيز ما يسمى بالحكم أو بالأثر؟ الجواب: نعم، بناءً على أن من معناه: عزة القهر، والقاهر لا بد من شيء مقهور حتى يتم به القهر، فعلى هذا يكون الإيمان بهذين الاسمين يتضمن ثلاثة أمور:

الأول: الإيمان بالاسم اسمًا لله.

والثاني: الإيمان بالصفة.

والثالث: الإيمان بالأثر، وإن شئت فقل: بالْحُكْم.

41:13–14Page 478

فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ ١٣

But if they turn away, then say, "I have warned you of a thunderbolt like the thunderbolt [that struck] ʿAad and Thamūd.

إِذۡ جَآءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ قَالُواْ لَوۡ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ فَإِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ١٤

[That occurred] when the messengers had come to them before them and after them, [saying], "Worship not except Allāh." They said, "If our Lord had willed,1 He would have sent down the angels, so indeed we, in that with which you have been sent, are disbelievers."

ثم قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت ١٣] إلى آخره، قال المفسر: (﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ أي كفار مكة). ومعلوم أن الآية لم تنص على كفار مكة لكن السياق يدل على ذلك، حيث قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت ١٣].

(﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ أي كفار مكة عن الإيمان بعد هذا البيان ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ﴾ خوفتكم ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ أي عذابًا يهلككم مثل الذي أهلكهم).

﴿أَنْذَرْتُكُمْ﴾ الإنذار فسره المؤلف بأنه التخويف، وهو كذلك؛ لأن المنذِر هو من تكلم بكلام يخوف به غيره؛ ولهذا قيل: إن الإنذار هو الإعلام المتضمِّن للتخويف.

وقوله: ﴿صَاعِقَةً﴾ الصاعقة ما يصعق المرء أي: يُهلكه ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، والمثلية هنا لا تقتضي -والله أعلم- المماثَلة من كل وجه بل مِثلية في أصل الإهلاك، أو في مآل العذاب، ويحتمل أن الله تعالى أنذرهم ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾.

وصاعقة عاد وثمود نوعان: الرجفة، والريح الشديدة، الذين أُهلكوا بالريح الشديدة هم عاد، والذين أهلكوا بالرجفة والصيحة هم ثمود، وإنما ذكر الله عادًا وثمود؛ لأن العرب يعرفونهما فهم يمرون بديار ثمود إذا ذهبوا إلى الشام، وهم كذلك يعرفون محل عاد الأحقاف، ويذكرون ويتناقلون ما جرى لهم من العذاب، وإلا فهناك أناس أيضًا أهلكهم الله عز وجل لكن لما كان هؤلاء القوم -أعني عادًا وثمود- هم الذين تعرفهم العرب -أي كفار مكة- نص عليهم، ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، ﴿عَادٍ﴾ هم قوم هود، و﴿ثَمُودَ﴾ هم قوم صالح.

أُهلكت عاد بالريح، والحكمة من ذلك أن يريهم الله عز وجل ضعفهم، وكانوا قد افتخروا بقوتهم فقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، فقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]. وأما ثمود فأهلكهم الله عز وجل برجفة وصيحة، صِيح بهم وأرجفت بهم الأرض فهلكوا.

﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [فصلت ١٤] إلى آخره ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف للتعليل يعني عن تعليل الصاعقة التي أهلكتهم سبب ذلك أن الرسل جاءتهم من بين أيديهم ومن خلفهم قال المفسر: (أي مقبلين عليهم ومدبرين عنهم فكفروا كما سيأتي والإهلاك في زمنه فقط).

﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾. قوله: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ يقول المؤلف: (أي مُقبلين عليهم ومُدبرين عنهم) يعني تارة يقبلون فيدعون، وتارة يُدبرون فيهددون إذا لم يؤمنوا، ويحتمل أن يكون المراد من بين أيديهم ومن خلفهم أي أتوهم بالآيات الماضية والآيات المستقبلة، فلم يُقصِّروا في بيان الحق بل جاؤوا ببيان الحق من كل وجه.

وقوله: (فكفروا) هذا هو المقصود من الإنذار؛ أنهم كفروا فأُهلكوا، ولهذا قال: (والإهلاك في زمنه فقط) أي في زمن الكفر، وليس في زمن المجيء؛ لأن الرسل جاءت أولًا، ثم دعت ودعت، فلما أصروا على كفرهم أهلكوا، (أن أي بأن لا ﴿تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ ) أفادنا المؤلف رحمه الله أن (أن) هنا مصدرية، والتقدير: بألَّا تعبدوا. أي جاءتهم بعدم عبادة غير الله، ويحتمل أن تكون (أن) تفسيرية؛ لأنه سبقها معنى القول دون حروفه؛ لأن مجيء الرسل جاؤوا بكلام ووحي يتكلمون به، ففيه معنى القول دون حروفه، وكلما جاءت (أن) بعد ما فيه معنى القول دون حروفه فإنهم يسمونها تفسيرية مثل قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [المؤمنون ٢٧] أوحينا أن اصنع الفلك.

﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي﴾ [النحل ٦٨] فـ﴿أَن﴾ هنا تفسيرية، فكلما جاءت ﴿أَن﴾ بعد ما تضمن معنى القول دون حروفه فإنها تكون تفسيرية، إذن ﴿أَن﴾ هنا يحتمل أن تكون مصدرية كما مشى عليه المفسر، وأن تكون تفسيرية.

ينبني على هذا الخلاف كيف نعرب (لا)؟ إن أعربنا ﴿أَن﴾ مصدرية فـ(لا) نافية، والفعل منصوب بـ(أن)، وإن أعربناها تفسيرية فـ(لا) ناهية، والفعل مجزوم بـ(لا).

فإعراب ﴿تَعْبُدُوا﴾ إذن يتنزل على الخلاف في أيش؟ في ﴿أَن﴾ قل يا أخ! إذا جعلناها تفسيرية يكون الفعل مجزومًا بماذا؟

* طالب: (...).

* الشيخ: كيف تعرب الفعل إذا كانت ﴿أَن﴾ تفسيرية؟

* طالب: فعل مضارع مجزوم بـ(لا) الناهية.

* الشيخ: أحسنت، فعل مضارع مجزوم بـ(لا) الناهية، وإذا أعربنا (أن) مصدرية؟

* طالب: منصوبة بـ﴿أَن﴾.

* الشيخ: منصوبة بـ﴿أَن﴾ تمام، وتكون على هذا (لا) نافية بالفاء، وعلى الأول تكون ناهية.

﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا﴾ [فصلت ١٤] إلى آخره (لا تعبدوا إلا الله) هو معنى قول (لا إله إلا الله)؛ لأن (لا إله) بمعنى لا معبود حق إلا الله، وهؤلاء يقول: (لا تعبدوا إلا الله) فهي بمعنى لا إله إلا الله، وهي بمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥].

ومتى حقق الإنسان هذه الكلمة (لا إله إلا الله) فلا بد أن يقوم بطاعة الله، لا بد، ما دمت تشهد بأنه لا إله إلا الله فلا بد أن تتخذ الوسائل التي تُوصلك إلى هذا الإله الذي شهدتَ أنه لا إله سواه.

﴿قَالُوا﴾ الفاعل مَنْ؟ قوم عاد وثمود. (﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ﴾ علينا ﴿مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ على زعمكم ﴿كَافِرُونَ﴾ ).

هذا الجواب، جواب في غاية السقوط: لو شاء ربنا أن نهتدي وألا نعبد إلا الله لأنزل ملائكة، وعلى هذا التقدير الذي قلت لكم يكون مفعول ﴿شَاءَ﴾ محذوفًا أي: لو شاء ربنا ألا نعبد إلا إياه لأنزل ملائكة، فـ﴿لَوْ﴾ شرطية، و﴿شَاءَ﴾ فعل الشرط، وجواب الشرط ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [فصلت ١٤]، ومفعول ﴿شَاءَ﴾ محذوف، التقدير: لو شاء ألا نعبد إلا إياه لأنزل ملائكة.

هذه الحجة حجة باطلة؛ لأن المرسل إليهم هل هم ملائكة أو بشر، أجيبوا؟

* الطلبة: بشر.

* الشيخ: بشر، ما فيه إشكال، فكيف ينزل الله ملائكةً على بشر؟ ثم إن الله قال في جواب هذا: ولو أنزلنا ملكًا لجعلناه رجلًا؛ يعني بصورة رجل، لا يمكن أن ينزل ملكًا بصورة الملك على بشر، لو فُرِض أن الله أنزل ملكًا لجعله بصورة البشر، وحينئذٍ تعود الشبهة ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام ٩]، أرأيتم لو أرسل الله إلى بني آدم جبريل وله ست مئة جناح قد سَدَّ الأفق، يتطابق هذا مع الناس؟ أبدًا بل يهربون منه، ولا يقفون أمامه، فإذا كان كذلك بطلت هذه الحجة؛ لأننا نقول لهؤلاء ولمن قال مثل قولهم: لو أنزل الله ملكًا لجعله رجلًا، وحينئذٍ تعود الشُّبْهة.

إذن الحجة باطلة ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾. وقوله: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ﴾ علينا ﴿مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ الفاء هنا للتفريع أي: فبناءً على أنه لم يُنزل ملائكة إنا بما أرسلتم به كافرون.

نسأل الله العافية، أكدوا كفرهم وقالوا: ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. فقُدِّم المفعول؛ لأن ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ﴾ متعلق بـ﴿كَافِرُونَ﴾ فلماذا قدم عليه؟ لوجهين: الوجه الأول: مراعاة فواصل الآيات، لو قال: فإنا كافرون بما أرسلتم به؛ لم تتناسب الفواصل، ولما قال: بما أرسلتم به كافرون. تناسبت الفواصل ومراعاة المناسبة أمر ثابت، أرأيتم موسى وهارون أيهما أفضل؟

* الطلبة: موسى.

* الشيخ: ومن الذي يقدم في القرآن؟

* طلبة: هارون.

* الشيخ: موسى يا ناس، وين أنتم؟! إلا في آية واحدة؛ من أجل التناسب، في سورة طه ذكر الله عن السحرة أنهم قالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] مع أنهم كانوا قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ﴾ [الأعراف ١٢١] ﴿مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢]، هذا قول السحرة لكن لما نقله الله عنهم في سورة طه قدم ذكر هارون؛ لتناسب الآيات مع أن موسى أفضل، وموسى هو الذي نطق بتقديمه السحرة كما في آيات عدة لكن الله عز وجل نقل كلامهم في سورة طه مقدمًا هارون لماذا؟

* الطلبة: لتناسب الفواصل.

* الشيخ: نعم، لتناسب الفواصل، هنا ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ قُدِّم المتعلِّق وهو ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ﴾ على المتعلَّق؛ لسببين: السبب الأول: مراعاة الفواصل، السبب الثاني: الحصر، كأن هؤلاء المكذبين المعاندين قالوا: لو أنا آمنا بكل شيء لكفرنا بما أُرسلتم به، فكأنهم يقولون: لا نكفر بأي شيء إلا بما أُرسلتم به، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.

شوف العناد ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ كأنهم قالوا: لا نكفر إلا بما أُرسلتم به، هذا معنى الحصر، فيكون هذا أبلغ في العناد كأنهم يقولون: لو آمنا بكل شيء فلن نؤمن بما أُرسلتم به.

ثم إن قوله: ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ قالوه على سبيل التنزُّل؛ ولهذا قال المفسِّر: (على زعمكم). وإنما قلنا: إنهم قالوه على سبيل التنزل؛ لأنهم لو قالوه على سبيل الإقرار لآمنوا لكانوا مؤمنين، لكن قالوه على سبيل التنزل ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. في هذه الآية أمْر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ينذر هؤلاء المكذبين بعذاب من قبلهم؛ لقوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ﴾ [فصلت ١٣].

* ومن فوائد هذه الآية: إثبات القياس؛ لأن إنذار المكذبين إذا لم يكن المراد بذلك قياس حال المكذبين للرسول على حال المكذبين لهود وصالح لم يكن لهذا الإنذار فائدة، لولا القياس ما كان لهذا الإنذار فائدة؛ إذن ففيه جواز القياس والاعتبار بالنظير والمماثل، ولقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] وإثبات القياس دليلًا من محاسن الشريعة؛ لأن إثبات القياس دليلًا هو مقتضى العقل السليم؛ إذ إن العقل لا يمكن أبدًا أن يفرق بين متماثلين.

وعلى هذا فالذين أنكروا القياس خالفوا الدليل السمعي والدليل العقلي، الذين أنكروه وقالوا: لا قياس في الشريعة. سبحان الله! القرآن كله يشير إلى هذا، كل الأمثال المضروبة في القرآن كلها دليل على القياس لا شك وإلا لم يكن فائدة في الْمَثل، السنة أيضًا أتت بالقياس «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتِهِ؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٥٢)، ومسلم (١١٤٨/١٥٥) من حديث ابن عباس.]]. هم أيضًا مخالفون للعقل؛ لأنه لولا ثبوت القياس لكانت الشريعة ناقصة، حيث لم تجمع بين المتماثلين، إذن في الآية اللي معنا إثبات القياس.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل أتوا قومهم من كل جانب مُقبِلين ومُدْبِرين، يُرونهم الآيات الماضية والآيات المستقبَلة ولكن لا فائدة.

* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أتوا بتحقيق التوحيد؛ لقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [فصلت ١٤]، وهذه هي الأصل الأصيل الذي دعت إليه الرسل جميعًا الدليل على أنهم الرسل جميعًا؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا.

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦] وآية أصرح منها؟

* طالب: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥].

* الشيخ: نعم هذه صريحة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ذكرنا في قوله: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [فصلت ١٤] أن المؤلف يقول: (مقبلين ومدبرين). وقلنا معنًى آخر: آتيناهم بالآيات الماضية والمستقبلة، وهناك أيضًا انقدح في ذهني الآن ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ الرسل الذين جاؤوهم مباشرة يعني ثمود جاءهم صالح، وعاد جاءهم هود.

﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الرسل السابقة؛ ولهذا قال: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، ومعلوم أن الذي أرسل إلى عاد هود، وإلى ثمود صالح وهما اثنان، والرسل جمع فيقتضي أن يكون المعنى: إذ جاءتهم الرسل السابقون واللاحقون، ولعل هذا أقرب الاحتمالات الثلاثة.

* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن أهل الباطل يُشبِّهون بما ليس له حقيقة، وذلك حين ردوا دعوة الرسل بما لا يصح أن يكون ردًّا فما هو الذي ردوا به؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، ما هو الذي ردوا به، ويش شبهتهم؟

* طالب: ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [فصلت ١٤].

* الشيخ: أحسنت، هل هذه الشبهة حجة؟

* الطالب: لا، ليست بحجة.

* الشيخ: ليست بحجة، ما دليلك على أنها ليست بحجة؟

* الطالب: الدليل أن الله عز وجل يقول في آية أخرى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام ٩] وحينئذٍ لو أنزل الله عز وجل ملائكة لجعله رجلًا وتعود الشبهة.

* الشيخ: تمام.

* من فوائد هذه الآية: شدة عناد المكذبين لصالح وعاد.

* طالب: هود.

* الشيخ: نعم، وهود، أحسنت، وجهه؟

* الطالب: أنهم حتى مع إثبات الرسالة لهم فهم مصرون على عنادهم و(...).

* الشيخ: أيضًا وجه آخر أشرنا إليه؟

* طالب: أنهم بقولهم هذا حصروا التكذيب ..

* الشيخ: كفرهم.

* الطالب: حصروا كفرهم بما جاءت به رسلهم.

* الشيخ: كأنهم يقولون: لو آمنا بكل شيء لم نؤمن بما أرسلتم به خاصةً، ووجه الخصوصية تقديم الجار والمجرور على متعلقه.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المكذبين للرسل يؤمنون بالملائكة وهم كفار؛ لقوله: ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾.

* ومن فوائدِها أيضًا: أن المقر بالربوبية لا يُعتبر مؤمنًا حتى يقر بالألوهية؛ لقوله: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾، وهكذا الكفار الذين بُعِث فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام كانوا مقرين بالربوبية ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧] ولكن الإيمان بالربوبية لا يكفي في كون الإنسان مسلمًا لا بد من الإيمان بالألوهية إضافةً إلى الإيمان بالربوبية، أيهما المستلزِم للآخر، وأيهما المتضمِّن للآخر؟ المستلزم للآخر: مَنْ آمن بالربوبية؛ لزمه أن يؤمن بالألوهية، إذن المستلزِم هو الربوبية، ومن آمَن بالألوهية فقد تضمن إيمانه بالألوهية الإيمان بالربوبية، واضح؟

* الطلبة: واضح.

* الشيخ: فأحدهما متضمن للآخر والثاني مستلزم للآخر.

أيضًا ومن مظاهر العناد لهؤلاء أنهم أكدوا كفرهم بـ(إن (﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ فصار تأكيدهم لكفرهم وعنادهم من عدة أوجه: أولًا: التأكيد بـ(إن).

وثانيًا: الحصر، وذلك بتقديم ما حقه التأخير؛ أي بتقديم الجار والمجرور على متعلَّقه.

والثالث: أنهم أتوا به بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار بخلاف الفعلية، فهي دالة على الحدوث وعدم الاستمرار، وهنا أتوا بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار.

* طالب: قوله: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ يدل على أن الكفار كانوا يُوحِّدون الله في الأسماء والصفات؟

* الشيخ: قد يكونون وقد يكونون أقروا ببعض الأسماء والصفات؛ لأنهم ينكرون الرحمن.

* الطالب: البعض؟

* الشيخ: إي، البعض يثبتونه لا شك.

* طالب: (...) مقبلين أو مدبرين (...).

* الشيخ: ثلاثة احتمالات نعم، الأول: ما قاله المؤلف، والثاني: الإقبال بالآيات والإدبار بها، الآيات السابقة والآيات اللاحقة، والثالث: الرسل السابقون واللاحقون.

* طالب: قوله تعالى: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت ١١] هل كان الدخان قبل خلق السماوات والأرض قديمًا؟

* الشيخ: لا، قديمًا ماء، ثم تكوَّن من هذا الماء البخار حين خلق الله الأرض.

* الطالب: (عاد وثمود) يعني بالنسبة للناحية الإعرابية من ناحية الإعراب يعني: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت ١٣] ﴿ثَمُود﴾ معطوفة على أي شيء؟

* الشيخ: على ﴿عَادٍ﴾.

* الطالب: و﴿عَادٍ﴾ مجرورة؟

* الشيخ: و﴿ثَمُودَ﴾ مجرورة؟

* الطالب: لا، مو مجرورة؛ منصوبة.

* الشيخ: ما هو مجرور؟ مجرور، بشيء مؤكد أنه مجرور.

* الطالب: لا، عندنا ما هو مجرور.

* الشيخ: ورِّينا عند غيرك!! ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف ٧٣] ﴿إِلَى ثَمُودَ﴾ ﴿إِلَى﴾ ما هي بحرف جر؟!

* الطالب: نعم.

* الشيخ: و﴿ثَمُودَ﴾؟

* الطالب: منصوب.

* الشيخ: مجرور، الظاهر أنك ما تعلمت النحو؟ نعم، قل نعم ولَّا لا؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: لم تتعلم؟

* الطالب: تعلمت شوية.

* الشيخ: إي، إذن اصبر حتى تتعلم ويتبين لك، ما تقول: هل هو منصوب ولا مجرور؟ ﴿ثَمُودَ﴾؟ أنت.

* طالب: مجرور.

* الشيخ: كيف مجرور وعليه فتحة؟

* الطالب: مجرور وعلامة جره الفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف.

* الشيخ: إيه، شوف الممنوع من الصرف يا أخ يُجر بالفتحة ولا ينون.

* الطالب: إيه سببه، يعني السبب؟

* الشيخ: السبب اللغة العربية.

* طالب: شيخ، بالنسبة لقوله: ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت ١٢] كيف نستطيع نستنبط الصفة الثالثة من اقتران هذين الاسمين؟

* الشيخ: العزة والعلم، اجتماع العزة والعلم كمال؛ لأن العزيز بلا علم قد يبطش عن جهل، والعليم بلا عزة ضعيف.

* الطالب: الكلام اللي ذكره سبحانه وتعالى عن قوم عاد وثمود قولهم: ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ (...) هل هو اللفظ الذي قاله القوم أم أنه على لسان حالهم ومقالهم؟

* الشيخ: لا، قالوه.

* الطالب: نفس اللفظ هذا قالوه؟

* الشيخ: لا، هم لغتهم غير عربية لكن الله ينقل عنهم بالمعنى.

* الطالب: والعرب؟

* الشيخ: العرب؟ أيش العرب؟

* الطالب: (...) كفار قريش (...).

* الشيخ: لا، هذا حكاية عن عاد وثمود، لكن قريش كذبوا الرسول، معروف.

* طالب: نقل هذه الشبهة عنهم (...)، نقلها يكفي في إبطالها أو الرد في آية أخرى.

* الشيخ: كان يقال: تصور هذا القول كافٍ في رده وإبطاله، يعني حتى كفار قريش قالوا هكذا في سورة الأنعام: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام ٨- ١٠ ].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском