Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Fussilat 41:27–29
41:27Page 479
فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابٗا شَدِيدٗا وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٧
But We will surely cause those who disbelieve to taste a severe punishment, and We will surely recompense them for the worst of what they had been doing.
قال الله تعالى: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت ٢٧]، ﴿فَلَنُذِيقَنَّ﴾ الجملة هذه مؤكَّدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدَّر، ويدُلُّنا على القسم توكِيد الفعل واللام أيضًا، والثاني: اللام، والثالث: النون.
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾؛ أي: لنُعَذبَنَّهم عذابًا يذوقون ألَمَه، وهو كنايةٌ عن شدة هذا العذاب الذي يصِل إلى مذاقهم حتى كأنه شيء محسُوس يتذَوَّقُونه بأفواههم، ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المراد بالذين كفروا مَن سبق، وهم الذين قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [فصلت ٢٦].
وحينئِذٍ قد يقول قائل: لماذا لم يُضمِر فيقول: فلنذِيقنهم؟
نقول: هنا إظهار في موضع الإضمار، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد:
الفائدة الأولى تنبيهُ المخاطَب. كيف ذلك؟ لأنه جرَتِ العادة أن الكلام إذا كان السياق يقتضي الإضمار فإنه يأتي الإضمار، فإذا جاء الإظهار صار هذا على خلاف العادة، العادة أن الكلام إذا كان في سياق الإضمار فإنَّ الذي يأتي هو الإضمار؛ يعني الضَّمير، فإذا جاء الظاهر موضِع الضمير فسوف يتوقف الإنسان: لماذا جاء الظاهر موضع الضمير؟ فيكون في ذلك انتباه له. هذه فائدة.
الفائدة الثانية: الحكم على مَرْجِع هذا الضمير بمقتضى هذا الاسم الظاهر، ففي الآية التي معنا ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، إذن يكون الفائدة الحكم عليهم بالكفر، وهكذا كلما جاء الإظهار في موضع الإضمار فاحكُم عليه بهذه الفائدة.
الفائدة الثالثة: العموم، لو قال: (فلنُذِيقَنَّهم(صار هذا الوعيد خاصًّا بالذين قالوا: لا تسمعوا لهذا القرآن، فإذا قال: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ صار عامًّا لهم ولغيرهم. من يعيدها علينا؟
* طالب: أولًا: تنبيه المخاطب، ثانيًا: العموم، وثالثًا..
* الشيخ: الحكم على مرجع الضمير بما يقتضيه، هذا الظاهر، انتبه، ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾، هنا ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ منصوب، فما الذي نصبَه؟
* طالب: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، الفعل ﴿فَلَنُذِيقَنَّ﴾.
* الشيخ: الذي نصبه ﴿فَلَنُذِيقَنَّ﴾، هل (نُذِيق) تنصِب مفعولًا واحدًا أو مفعُولين؟
* الطالب: تنصب مفعولًا واحدًا.
* الشيخ: مفعولًا واحدًا؟
* الطالب: مفعولين.
* الشيخ: مفعُولين؟ كيف مفعولين؟ ويش الدليل أنها تنصب مفعولين؟ لأن لدينا قاعدة: إن الفعل إذا تعدَّى لواحد فأُدْخِلَت عليه همزة التعدية، تعدَّى لاثنين، وإذا كان يتعَدَّى لاثنين فأُدخِلَتْ عليه الهمزة، تعدى إلى ثلاثة.
مثال ذلك: (ذاق) ذاق تتعدى إلى كم؟ واحد، «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا»[[أخرجه مسلم (٣٤ / ٥٦) من حديث عن العباس بن عبد المطلب.]]، فإذا دخلت عليها الهمزة تعَدَّت إلى مفعولين.
و(رأى) تقول: رأيتُ الرجل قائمًا، تنصب مفعُولين فإذا أدخَلْت عليها الهمزة، تعدَّت إلى ثلاثة، فتقول: أرَيْتُ زيدًا الرجلَ قائمًا.
هذه قاعدة عربِيَّة مُطَّرِدة؛ أن الفعل إذا كان لازمًا، فدخَلت عليه الهمزة تعدَّى لواحد، إذا كان متعدِّيًا لواحد فدخلَت عليه الهمزة، تعدَّى لاثنين، إذا كان متعَدِّيًا لاثنين فدخلت عليه الهمزة، تعدَّى لثلاثَة.
طيب ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ﴿عَذَابًا﴾ أي: عقوبَة، ﴿شَدِيدًا﴾ قويًّا، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ معطوف على ﴿لَنُذِيقن﴾، ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ﴿لَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ هذه تنصب مفعولين؛ الأول الهاء، والثاني ﴿أَسْوَأَ﴾.
(﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: أقبحَ جزاءِ عملِهم)، شوف ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هل هم يُجزَون أسوأ الذي كانوا يعملون أو يجزون جزاءهم؟ نعم، هم يُجزَوْن الجزاء، العمَل منهم، ليسوا مَجْزِيِّين به، هم الذين عملوا، فإذا قال: ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ صار المراد بذلك أسْوَأ الجزاء، وليس المراد: أسوأ العمل؛ لأن العمل فعل العبد، والجزاء فعلُ الله به. والمراد هنا فعل العبد أو فعلُ الله به؟ فعل الله به، ولهذا قال: ﴿لَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾.
فإذا قال قائل: لماذا عبَّر بالعمل عن جزائهم؟
نقول: إشارةً إلى أن الجزاء بقدْر العمل. ولهذا قال العلماء: الجزاء من جنس العمل، لكنه بالنسبة للسيئات عدْل، وبالنسبة للحسنات فضْل؛ الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، والسيئة بمثلِها.
وقوله: ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ظاهر الآية أن الله يجزيهم أسْوأ أعمالِهم، وغير الأسوأ؟ غير الأسوأ ما دون الأسوأ؛ يعني السيئ، فهل يُجازَى الكافر بأقبحِ أعماله أو بكل أعماله؟ هذا ينبني على هل الكافر مخاطبٌ بالفروع أو غير مخاطَب؟ تعرفون معنى المسألة هذه؟ يعني مثلًا: الكافر هل هو مُخاطب بصلة الرحم؟ هل هو مُخاطب بالصِّدْق؟ هل هو مخاطب بالصلاة؟ هل هو مخاطب بالزكاة؟ وما أشبه ذلك.
في هذا خِلَاف بين العلماء، والصحيح أنه مُخاطَب بفروع الأعمال؛ لأنه إذا كان المسلم مُخاطبًا بها فالكافر من باب أولى، كيف نقول: إن المسلم يُجازَى ويُعاقَب على عقوق الوالدين والكافر لا يُعاقب؟! لا يمكن هذا، فالصواب أنهم مُخاطَبُون بفروع الشريعة لكنهم غيرُ مخاطبِين بفعلها؛ يعني ما يقال الكافر اللي يشْرَب الدخان، نقول له: تعال، لا تشرب الدخان، حرام عليك، لائِق هذا ولَّا غير لائق؟ غير لائق، رجل كافر؛ ادعُه أوَّلًا للإسلام ثم كلِّمْه.
إذن (يخاطب بفروع الشريعة) ليس معناه أنَّه يُؤمَر بفعلها، لا، هل (يُخاطب بفروع الشريعة) يعني يقضيها إذا أسلم؟ لا؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨].
إذن أيش الفائدة؟ قال العلماء: الفائدة بقولنا: (إن الكافر مُخاطَب بفروع الشريعة) هو زيادة عقوبتِهم في الآخرة؛ أنهم يعاقبون عليها، وهذا حَقٌّ؛ أصحابُ اليمين يتساءلون عن المجرمين ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر ٤٢]؛ يعني: ما الذي أدخلكم في النار؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر ٤٣ - ٤٧]، فذكَرُوا الصلاة وإطعَام المسكِين وهما مِن فروع الشريعة، فعلى القول بأنهم لا يُجازون بفروع الشريعة، نقول: نعم، يوم القيامة لا يُجازَون إلا على أسوأِ أعمالهم وهو الكفر، ولكن على القول الراجح -أنهم يخاطبون بفروع الشريعة ويُعاقبون عليها- يكون هنا ﴿أَسْوَأَ﴾ ذكَرَ الأسوأ لأنه هو الأشَدُّ، والمقصود هنا التهديد. وهل الإنسان يُهدَّد بالأخف أو بالأشد؟ بالأشد، هذا هو الظاهر، الله أعلم، (﴿الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: أقبح جزاءِ عملِهم(.
* في الآية الكريمة هنا: وَعِيد هؤلاء الكفار بالعَذَاب الشديد، وهذا مِن أساليب القرآن؛ أن الله تعالى يُهَدِّد الكافر والمجرِم وغيرَهما ممن أسَاؤوا.
* وفيه دليل على: أنَّه ليس مِن القدح أن يقُومَ الإنسان بطاعَة الله خوفًا مِن عذاب الله؛ أنه لا حرج، وليس من القدح أن يتجَنَّب الإنسان معصية الله خوفًا من عقابه، خلافًا لِمَن قال: اعبُدِ الله لله، لا طمعًا في ثوابِه، ولا خوفًا من عقابِه.
وهؤلاء ترُدُّ عليهم النصوص كلُّها، بل إن الله تعالى جعل عقوبة الدنيا سببًا للردع عن المعاصي؛ قال الله تعالى في قضية السارق: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة ٣٨]، فلم يشرَعِ اللهُ الحدود إلا من أجل أن يخاف الناس منها ويجتَنِبُوا المعاصي، والقرية التي دُمِّرَت -قرية بني إسرائيل- حتى صار أهلها قِرَدَةً خاسئين، لماذا؟ ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة ٦٦]، فالحاصل أنَّه لا حرَجَ على الإنسان أن يدعَ المعاصي خوفًا من عقوبة الله الدنيوية أو الأخروية، ولا يُعَدُّ ذلك قدحًا في سلوكه ومنهجه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العذاب. وهل يكون في الدنيا، أو في القبر، أو في الآخرة، أو في الجميع؟ في الجميع، قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ [السجدة ٢١] وهو عذاب الدنيا، ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ وهو عذاب الآخرة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وهذا يتعين أن يكون المراد بالعذاب الأدنى ليس عذابَ القبر كما قيل، بل هو عذاب الدنيا؛ لأن عذاب القبر لا يمكن فيه الرجوع، فإذن العذاب الأدنى هو عذاب الدنيا، والعذاب الأكبر هو عذاب الآخرة، ولهذا جاء في الحديث -حديث المتلاعِنَين- أن الرسول قال: «عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ»[[أخرجه مسلم (١٤٩٣ / ٤) من حديث عبد الله بن عمر.]].
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء بالأسوأ؛ لقوله: ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الجزاءَ مِن جنس العمل؛ فالجزاء الصالح للعملِ الصالح، والجزاء السَّيِّء للعمل السيء، وهذا -سبحان الله!- حتى في مجازاة الدنيا؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، فإذا أساءَ إليك إنسان بسيِّئَة فلك أن تقابلَه بمثلها، وإن عفوت وأصلحت فأجرُك على الله.
* طالب: شيخ بارك الله فيكم، كما تفضلتم أن كثيرًا من الناس يُشَّغِلون القرآن في المنازل والمتاجر، لكن إذا كان القرآن في منزل وكان أهله لم يعتادوا اللغط والسب والشتم، لكن ربما تحدثوا أحاديث جانبية؛ كأن يكونوا في المطبخ -مثلًا- أو ما أشبه ذلك، ثم إن القرآن على إذاعة القرآن يأتي مرة حديث، ومرة قرآن، وهم يبغون بهذا، يعني يُحِبُّون القرآن ويأنَسُون به ويستفيدون فائدة كثيرة، يقولون: إذا لم نشغل قرآنًا تأتي هواجس، وتأتي الإنسان..؟
* الشيخ: على كل حال، هذه ما تحتاج تطول الشرح، هل هم يلْغُون فيه ولَّا لا؟
* الطالب: لكن لا ينتبهون أحيانًا.
* الشيخ: هذه حتى الإنسان اللي يقرأ والمصحف بين يديه لا ينتبه أحيانًا، أحيانًا يقرأ بفمِه وقلبُه ليس بقارئ.
* الطالب: المحظُور اللغو فقط؟
* الشيخ: المحظور اللغو نعم، المحظور أن -مثلًا- الناس داجِّين وصاجِّين بدنياهم والقرآن يُقرَأ، أما -مثلًا- امرأة تطبخ أو تصلِّح شاهي أو تغسل ثيابها وتستمِع للقرآن فهذا ما يُوجب التَّلاهي عنه.
* طالب: شيخ، ألا يمكن الأخذ من قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أنه يجازيهم أسوأ عملِهم هذا، وهم اللغو بألَّا يهتَدوا إلى معانيه التي تهديهم إلى الخير، فتكون مجازاتُهم من جنس عملهم كذلك؟
* الشيخ: لا؛ لأن هذا ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ هذا في الآخرة، الوعيد هنا في الآخرة.
* طالب: أحسن الله إليك، بعض أهل العلم استدل بقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ [السجدة ٢١] على عذاب القبر، ما وجه استدلالهم من هذه الآية؟
* الشيخ: ظنُّهم أن العذاب هنا عقوبة الآخرة، وقالوا: إن عقوبة القبر قبل عقوبة يوم القيامة.
* الطالب: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ كيف يوجِّهونَها؟
* الشيخ: يمكن يوجهونها؛ يعني يحرفُونها عن ظاهرِها، فيقول: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ يعني: أخبرْنَاهم بذلك لعلهم يرجعون، لكن هذا خلاف ظاهر اللفظ.
* طالب: إذا قلنا: إن هذه في عذاب الدنيا، كيف نُثبِت مِن القرآن إثبات عذاب القبر؟
* الشيخ: كثير في القرآن، ما مرَّ عليك؟ ما فيه إلا هذه الآية اللي فيها إشكال عندك؟
* الطالب: آل فرعون بس.
* الشيخ: ويش آل فرعون؟
* الطالب: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر ٤٦].
* الشيخ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال ٥٠]، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣].
* طالب: بعضهم يستدل بهذه الآية على..
* الشيخ: أي آية؟
* الطالب: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾، بعضهم يستدل بها على عذاب القبر يقول: إن العذاب الأدنى هو عذاب الدنيا، ولكن ﴿مِنَ﴾ في الآية للتبعيض، فعلى هذا تبقى لهم بقية من هذا العذاب يُعَذَّبون به في القبر.
* الشيخ: لا، هذه ﴿مِنَ﴾ للبيان؛ بيانية، هذا هو الأقرب، يجوز أن تكون للتبعيض: ولنذيقنهم بعض العذاب الأدنى، ما له حاجة؛ يعني إثبات عذاب القبر -والحمد لله- جاء في آياتٍ صريحة، ما يحتاج أن نأتي عليه بآية تحتمل هذا وهذا، وهي في غيرها أرجح (...) في الدنيا ليس لها ثمرة إطلاقًا.
* طالب: شيخ، مَن يشغل القرآن في مسجِّل ويرَدِّد معه؟
* الشيخ: يعني للتَّحَفُّظ؟
* الطالب: للتحفظ ولتحسين النطق.
* الشيخ: لا بأس، ما فيه مانع.
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، بالنسبة للصحيح في الحكم لمن يتكلَّم أثناء قراءة القرآن في غير الفاتحة، هل يجب الاستماع أم لا يجب؟
* الشيخ: في الصلاة يعني؟
* الطالب: يعني: في غير الصلاة.
* الشيخ: لا، الصحيح أنه ما يجب الاستماع لكن لا يجوز اللغط، ولهذا قال الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٤]، قال: أجمَعُوا أنَ هذه في الصلاة، أما غير الصلاة ما يجب أن نستَمِع؛ لأنه لو قلنا بوجوب الاستماع لقلنا: إذا شرَعَ قارئ يقرَأ وأنتَ إلى جنبِه حرُمَ عليك أن تقوم؛ لوُجوب الاستماع، وهذا ما أظن أحدًا من العلماء يقول به، الممنوع اللَّغْو واللَّغَط.
41:28Page 479
ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعۡدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ لَهُمۡ فِيهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٢٨
That is the recompense of the enemies of Allāh - the Fire. For them therein is the home of eternity as recompense for what they, of Our verses, were rejecting.
طالب: (...) ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت ٣١ - ٣٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت ٢٨].
يقول المؤلف رحمه الله المفَسِّر: (﴿ذَلِكَ﴾ العذاب الشديد، وأسوأُ الجزاء ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ بتحقيق الهمزة الثانية وإبدالها واوًا) يعني أن في ذلك قراءتين؛ الأولى تحقيق الهمزة: ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾، والثانية قلبُها واوًا: ﴿﴿جَزَاءُ وَعْدِاءِ اللَّهِ﴾ ﴾، وهذا مُطَّرِد في كل همزةٍ بعد واو؛ أن تُحققَ أو تُقْلَبَ واوًا.
ومِن ذلك قول المؤذن: الله وكْبر؛ يعني أنَّه يجُوز إبدالُ الهمزة واوًا وتحقيقُها: اللهُ أَكبر، وهذه اللغة تهَوِّنُ علينا ما يفعله بعض المؤذنين من قلبِ الهمزة واوًا، فتجدُهم يقولون: اللهُ وَكبر، كما أنه يهوِّن علينا أيضًا اللغة التي تنصِب الجزأين في (إن) وأخواتها، حيث إن بعض المؤذنين يقول: أشهد أن محمدًا رسولُ الله، فإنَّ نصبَ الجزأين بـ(أن) لغة عربية ثابِتَة.
﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ مَن أعداء الله؟ أعداء الله تعالى هم الذين نصبُوا له العداوة، وذلك بمحاربته بالمعاصي، ومنهم الذين آذَنُوا بحرْبٍ مِن الله ورسوله أكَلَةُ الربا؛ لقولِ الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٨، ٢٧٩]. المهم أن عدُوَّ الله مَن نصبَ له العداوة وذلك بمحاربَته بمعاصيه.
وقوله: (﴿النَّارُ﴾ عطف بيان للجزاء المخبَر به عن ذلك، ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ )، يعني: أن كلمة (النار) (عطفُ بيان للجزاء المخبَر به عن ذلك)، فأفادنا أن (ذا) مبتدأ، و(جزاءُ) خبر المبتدأ، و(النار) عطف بيانٍ له ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾، كأنَّ الكلام على إعراب المؤلف انتهى ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾.
ثم قال: ﴿النَّارُ﴾ عطف بيان لهذا الجزاء، ويحتمِل أن تكون ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، و﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ عطف بيان له، لكن ما مشى عليه المؤلف أقرَب للقَواعد.
(﴿النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت ٢٨] أي: إقامةٌ لا انتقالَ منها) ﴿دَارُ الْخُلْدِ﴾ أضاف الدار إلى الخُلد مِن باب إضافة الموصُوف إلى صفتِه؛ يعني: دار الخلود التي ليس فيها انتقال، ويجوز أن تكون مِن باب إضافة الشيء إلى نوْعِه؛ لأن الدور تنقَسِم إلى أقسام: دورٌ هي دورُ انتقال، ودورٌ هي دار خلد؛ فدُور الانتقال بطْن الأم، والثاني: الحياة الدنيا، والثالث: البرزخ، ودار الخلد هي الأخيرة.
ويُذْكَرُ أن أعرابِيًّا سمِع قارئًا يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢]، فقال: والله ما الزائر بمُقِيم، وإنَّ هناك دارًا أخرى. وهذا لا شكَّ أنَّه مِن قوة الاستنباط والفهم.
(﴿جَزَاءً﴾ منصوب على المصدر بفعله المقَدَّر) منصوب على المصدر، والمصدر لا بد له مِن عامل، والعامل تارة يكون مِن لفْظِ المصدر، وتارة يكون من معناه؛ فإذا قلت: قمتُ وقوفًا، فالعامل مِن معناه، وإذا قلت: وقَفْت وقوفًا، فالعامل مِن لفظه.
المقَدَّر يُقَدَّر مِن لفظِه ولا يُقَدَّر مِن معناه؛ لأننا لا نلْجَأُ إلى تقْدِير المعنى إلا إذا وُجِد أمامنا ما يختَلِف في لفظه، وأما إذا لم نجدْ فيُقدَّر مِن لفظه.
وعلى هذا فيكون التقدير: يجزون جزاءً، ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾؛ أي: بكونهم يجحَدون، وعلى هذا فـ(ما) هنا مصدرية، ولا تصِحُّ أن تكون موصولة، وقال: (﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ القرآن ﴿يَجْحَدُونَ﴾ ) أي: يُكَذِّبُون، وإنما قدَّرنا يكذبون مِن أجل تعدِّيها بالباء؛ لأن (جَحَدَ) تتعَدَّى بنفسها، فيقال: جَحَدُّت الشيء؛ يعني: أنكَرْتُه، لكن إذا عُدِّي المعمُول بالباء صار الجَحْد مُضَمَّنًا معنى التكذيب؛ أي: بما كانوا يُكَذِّبُون بآياتنا.
* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن جزاءَ أعداء الله هي النار ولا بد، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾، وبَيَّنَ أن هذا الجزاء هو النار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان خُلْدِ أهل النار فيها؛ لقوله: ﴿دَارُ الْخُلْدِ﴾.
وهل التَّخليد مؤَبَّد أو مُؤَقَّت؟ المقطوع به أنه مُؤَبّد؛ لأن الله تعالى صرَّح به في آياتٍ ثلاثة: في النساء، وفي الأحزاب، وفي الجن؛ ففي النساء قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثباتُ عَدْلِ الله عز وجل، وأنَّه لا يعذِّبُ أحدًا إلا بذنب؛ لقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.
* ومن فوائدِها: إثباتُ الأسباب، يستفَاد مِن قوله: ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾؛ لأن الباء هنا للسببية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التكذيب بآياتِ الله رِدَّة؛ لأن الله وصَفَ المكذبين بأنَّهم أعداء، وأنَّ جزاءَهم دارُ الخلد، وهذا أمرٌ متفق عليه؛ أن مَن كذَّبَ الله ورسوله فإنه مرتدٌّ كافر يستتاب، فإن تاب وأقَرَّ، وإلا قُتِل.
فإن قال قائل: من المعلوم أن مَن كذَّبَ شيئًا من القرآن فهو مرتدٌّ؛ لأن القرآن ثبَتَ بالتواتر فهل مَن كذَّبَ بشيءٍ من السنة يكون كذلك؟
نقول: إذا صحَتِّ السنة وقال القائل: أنا أعلَم أن هذا مِن كلام الرسول لكنَّه ليس بصحيح، فهذا مرتدٌّ؛ لأنَّه أقَرَّ بصِحَّة نسبتِه إلى الرسول ثم كذَّبَه، أما لو كذَّبَه بناءً على استبعادِ أن يكون صَدَرَ من الرسول ﷺ، فهذا لا يكفُر؛ لأنه متَأَوِّل، لكنه يجِبُ عليه أن ينظُر مرة بعد أخرى؛ حتى يتبَيَّنَ له الأمر.
إذن مَن كذَّب شيئًا من القرآن فهو كافر بدون تفصيل؛ لثُبُوت القرآن ثُبوتًا متَوَاتِرًا لا توَاتُر مثله في أي كُتبٍ من الكتب. ومَن كذَّبَ شيئًا من سنة الرسول ﷺ؟
* طالب: (...) صحت نسبته إلى النبي ﷺ ثم كذَّبه، فهو كافر، أما إذا كذَّبها تأولًا وأنكر أن يكون النبي ﷺ قالها، فلا.
* الشيخ: نقول: إذا قال: إن هذا كلامُ الرسول حَقًّا لكنَّه ليس بصحيح، فهو كافِر؛ لأنه كَذَّب ما اعتَرَفَ بأنه قولُ رسولِ الله، وأما إذا قال: لا، أنا، إنه ينكِرُه؛ لأنه لم يثْبُتْ عنده، فإنه لا يكفر وإن ثبَتَ عند غيرِه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن آياتِ الله عز وجل بيِّنَة ظاهرة لا يمكن أن يُكَذِّبَ بها أحد؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، وتخصيص المؤلف رحمه الله ذلك بالقرآن فيه شيءٌ من النظر بل يقال: إنَّه أعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ عظمة الله، حيث أتَى بضميرِ الجمع ولم يقل: بآياتي بل قال: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، ولا شك أن الله تعالى له العظمة المطلقة مِن كُلِّ وجه.
41:29Page 479
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيۡنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ نَجۡعَلۡهُمَا تَحۡتَ أَقۡدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٢٩
And those who disbelieved will [then] say, "Our Lord, show us those who misled us of the jinn and men [so] we may put them under our feet1 that they will be among the lowest."
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [فصلت ٢٩]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا﴾ كفروا بمن؟ كفروا بالله عز وجل بسبَب إضلالِ الشيطان من الجِنِّ والإنس.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي يقول المؤلف: (في النار)، ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ قوله: (في النار) هذا قيد لا يدل عليه القرآن فإنه يحتمل أنهم يقولون ذلك في النار أو في عرصات القيامة، الله أعلم، لكنَّهم لا بد أن يقولوا هذا القول.
قال: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ ﴿أَرِنَا﴾ أي: اجعَلْنا نرَى، و﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ ﴿اللَّذَيْنِ﴾ اسم موصول مثَنى، والمراد الجنس لا الواحد.
وقوله: ﴿أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ بيانٌ لـ(الذين)، قال المؤلف: (أي: إبليس وقابيل سنَّا الكفر والقتل) يعني معناه: أن المؤلف رحمه الله حمَل هذا العموم على التَّعْيِين، فقال: ﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ مثنَّى (اثنين)؛ أحدُهما إبليس سَن الكفر، هو أوَّل مَن كفَرَ، والثاني: قابيل سَنَّ القتل، فالأول عدوانه في حق الله، والثاني عدوانه في حق عباد الله.
أمَّا إبليس فأوَّل من سَنَّ الكفر؛ لأن الله أمره أن يسجد لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين، وأما قابيل فأوَّلُ مَن سَنَّ القتل بغير حَقٍّ؛ لأنه قتَلَ أخاه حسدًا وبغْيًا، قرَّبا قربانًا فتُقُبِّل مِن أحدهما ولم يُتَقَبَّل من الآخر. وكيف عَلِما أنه تُقُبِّلَ من أحدهما دون الآخر؟ الله أعلم، إما أن يكون بنارٍ نزلت، فأكلَت ما تُقُبِّل، كما يكون ذلك في الغنائم سابقًا، وإما بغيرِ ذلك من العلامات، المهم أن أحدَهما تُقُبِّل منه، الثاني لم يُتَقَبِّل؛ الذي تُقُبِّلَ منه هو هابيل، والثاني قابيل لم يُتَقَبَّلْ منه، فحسدَه وقال: لأقتلنك. لماذا؟ حسدًا؛ لأن الله تقبَّل منه، فقال له أخوه هابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة ٢٧]. كأنَّه يقول له: اتَّقِ الله فيتقَبَّل منك، ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ٢٨]؛ يعني أنك إن أرَدت أن تقتلني (...) لأني أخاف الله، ولعلَّ هذا كان في شريعة مَن سبَقَ.
الذي تُقُبل منه هو هابيل، والثاني قابيل لم يُتقبل منه، فحسده، وقال: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة ٢٧]، لماذا؟ حسدًا؛ لأن الله تقبل منه فقال له أخوه هابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة ٢٧]، كأنه يقول له: اتق الله فيتقبل منك.
ثم قال له: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ٢٨] يعني: أنك إن أردت أن (...) لأني أخاف الله، ولعل هذا كان في شريعة من سبق أنه لا يجوز للإنسان أن يدافع عن نفسه، أو أنه خاف من مفسدة أكبر، ومعلوم أن دفع المفسدة الأكبر أمر واجب.
﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ [المائدة ٢٩، ٣٠] أي: سهلته له ﴿فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة ٣٠]، فكان قابيل أول من سن القتل بغير حق، وصارت كل نفس تُقتل بغير حق فعلى قابيل شيء من وزرها، والعياذ بالله؛ لأنه أول من سن القتل، ومن سن سُنَّة سيئة فعليه وزرُها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، لكن هل الأمر -كما قال المؤلف- إنه الشيطان؛ يعني إبليس الذي أبى واستكبر عن السجود لآدم وقابيل، أو المراد الجنس؟
الصواب: الثاني بلا شك؛ لأن كثيرًا من الكافرين لا يخطر ببالهم أنهم كفروا تأسيًا بالشيطان الذي أبى واستكبر، وكثير من القتلة لا يتأتى بباله أنه فعل ذلك تأسيًا بقابيل، فإذا كانت الآية تدلُ بلفظها على العموم والمعنى يقتضي ذلك فإنه لا وجه لكوننا نخُصُها بمعين.
وهذه قاعدة يجب أن نفهمها من قواعد التفسير: أن اللفظ العام لا يجوز أن يُقتصر فيه على بعض أفراده إلا بدليل، فإن لم يكن دليلٌ فالواجب العموم.
هنا نقول: الواجب العموم؛ لأن اللفظ عام؛ ولأن المعنى يقتضيه؛ لأن كُل إنسان كافر قد لا يخطُر بباله أنه متأسٍّ بالشيطان؛ بإبليس، كلُ إنسان يقتُل عمدًا بلا حق لا يخطُر بباله أنه قتل تأسيًا بقابيل، وحينئذ فاللفظ لا يساعد، والمعنى لا يساعد؛ أعني: لا يساعدان على التخصيص بإبليس وقابيل.
وقولُه: ﴿أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [فصلت ٢٩]، (الجن) -على كلام المؤلف- هو إبليس، والإنس: قابيل.
والصواب: العموم.
فإن قال قائل: نحن نعلم أن الإنسان يضله البشر، يأتي إنسان سيء ويضله، لكن كيف يكون من الجن؟
نقول: لأن الجن وعلى رأسهم الشيطان يأمر الإنسان بالفحشاء ويأمره بالمنكر ويأمره بالكفر فيكون بذلك مُضلًّا له، أرأيتم ما حصل من آدم وزوجه ألم يكُن الشيطان قد أضلهما؟ بلى، قد أضلهما؛ نهاهما الله عن الأكل من الشجرة فجاء الشيطان ودلاهما بغرور وجعل يُقسم لهما أنه ناصح، ووسوس إليهما حتى أكلا من الشجرة.
﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فصلت ٢٩] (نجعلهما): بالجزم جواب الأمر في قوله: ﴿أَرِنَا﴾ [فصلت ٢٩] يعني: إن أريتنا إياهما نجعلهما تحت أقدامنا في النار، ولا شك أن الذي يجعله الإنسان تحت قدمه قد أذله أعظم إذلال، ولهذا من الأمثال السائرة أن الإنسان إذا أراد إعزاز شخص قال: أنت مني على الرأس، وإذا أراد إذلاله قال: أنت تحت قدمي، فهم يقولون: أرنا هذين الذين أضلانا نجعلهما تحت أقدامنا.
﴿لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت ٢٩] (أي: أشد عذابًا منا)، كما كانا عاليين علينا من قبل فلنجعلهما نحن الآن تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إقرار الكفار بربوبية الله، وأنه المجيب للدعاء لقولهم: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ [فصلت ٢٩] وهذا كلام الكفار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له أن يبتعد، بل يجب عليه أن يبتعد عن قُرناء السوء؛ لقوله: ﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [فصلت ٢٩]، وقد حذر النبي ﷺ من جليس السوء فقال: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمُ مَنْ يُخَالِلُ»[[أخرجه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨) من حديث أبي هريرة.]] أي: على دين صديقه ومحبه «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمُ مَنْ يُخَالِلُ»، وقال عليه الصلاة والسلام: «مَثَلُ الْجَلِيسِ السُّوءِ كَنَافِخِ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةُ خَبِيثَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، فاحذر قرين السوء، لا تجتمع به، لا تُصادقه، لا تستأمنه على أي شيء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تبرؤ التابعين من المتبوعين يوم القيامة، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة ١٦٦]، فالمتبوعون في آية البقرة يتبرؤون من التابعين، كما أن التابعين أيضًا يتبرؤون من المتبوعين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإضلال يكون من الجن والإنس؛ لقوله: ﴿أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [فصلت ٢٩] فمصاحبة الإنسي للإنسي واضحة، مُصاحبة الجني للإنسي أيضًا مستفادة من قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت ٢٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: شدة حنق هؤلاء الضالين على المضلين؛ لقوله: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت ٢٩].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences