Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Fussilat 41:37–39, continued
﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾، ثم قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ إلى آخره.
* طالب: قول شيخ الإسلام أن الملائكة أفضل ابتداءً والبشر أفضل انتهاءً (...).
* الشيخ: الملائكة أفضل من حيث البداية؛ لأنهم خلقوا من نور وامتثلوا أمر الله وليس فيهم من يستكبر عن عبادة الله، لكن في النهاية يكون مآل البشر أفضل، حتى الملائكة عملهم في يوم القيامة أنهم يدخلون عليهم من كل باب يهنئونهم يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد ٢٤] ولا ينالون من النعيم مثل ما يناله المؤمنون.
* طالب: (...) تفضيل صالحي البشر على الملائكة؟
* الشيخ: لا، على سبيل العموم لا.
* طالب: لا، على سبيل التعيين لصالحي البشر.
* الشيخ: (...) صالحي البشر ما يمكن، حتى صالحي البشر الجنس هذا فيه الكافر والمؤمن.
* طالب: في مسألة عدم عبادة صفات الله ذكرتم أنه لا يجوز، وأيضًا هناك عبارة شائعة بين العامة ألا وهو قولهم: نشكر فضل الله، أو عبارة نحوها ما أذكرها الآن؛ يعني يشكرون فضل الله عز وجل.
* الشيخ: اذكر الآن عشان نعرف.
* طالب: نحمد الله ونشكر فضله.
* الشيخ: إي، أليس الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [النحل ١١٤]؟!
* طالب: نعم.
* الشيخ: والمراد نعمة الله المخلوقة، ما هي الصفة؛ يعني: ما أنعم الله، كذلك أشكر فضل الله ليس معناه أني أجعل هذه الصفة مشكورة، لكن هذا الفضل الذي مَنَّ الله به علي أشكر الله عليه.
* طالب: يعني جائزة هذه العبارة؟
* الشيخ: ما فيها شيء.
* طالب: قولنا يا شيخ: ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بأن (الباء) هنا بمعنى (في) علماء البصرة الذين ينكرون أن تقوم الحروف بعضها ببعض، ما يقولون بالتضمين، كيف تجيبون على مثل هذه الآيات؟
* الشيخ: إحنا -بارك الله فيك- لدينا قاعدة، أنه إذا دل القرآن على شيء جائز فلا عبرة بمن خالف، هذه واحدة.
ثانيًا: إذا اختلف النحويون في مسألة فإننا نتبع الأسهل، ما فيه دليل شرعي مثلًا يؤيد هؤلاء أو هؤلاء فنتبع الأسهل، وأنا قد أعطيت طلابنا هذه القاعدة؛ على أنكم إذا رأيتم علماء البصرة وعلماء الكوفة مختلفين في شيء فاتبعوا الأسهل، وقولوا: الحمد لله على الراحة، خذ هذه القاعدة -إن شاء الله- معك عشان تحملها إلى قومك.
* طالب: (...) لأن شيخ الإسلام يُغلِّط..
* الشيخ: لا، هذه ما يُغلِّط بمثل هذه، شيخ الإسلام يُغلِّظ فيما إذا ضُمِّن الفعل معنًى يناسب حرف الجر، مثل: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] منهم من يقول: (بها) إن الباء بمعنى (من) يشرب منها عباد الله، ونحن نقول: لا، الأولى أن تضمن الفعل معنًى يناسب الحرف، أما الآيات التي معنا ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ﴾ فلا تستقيم.
* طالب: أحسن الله إليك، الذين يقولون: الله ليس داخل العالم ولا خارجه ولا كذا (...) ولا نصلي عليهم؟
* الشيخ: لا، هذه والله ما أستطيع أني أحكم عليهم بالكفر.
* طالب: الأدلة عقلية يا شيخ على علو الله (...).
* الشيخ: إي، ما يخالف، لكن هم يقولوا: ما ننكر علو الله لكن نفسره بالعلو المعنوي، يعني أنه عالي القدرة عالي السمع عالي البصر، وما أشبه ذلك.
* طالب: (...) تقول عن السحر بأنه علم، واستدلوا بهذه الآية ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فكيف نرد على هؤلاء الناس؟
* الشيخ: السحر؟ نحن نقول: السحر علم، أليس الله تعالى قال عن الملكين: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة ١٠٢] ما فيه إشكال أنه علم.
* طالب: يستدلون بهذه الآية.
* الشيخ: لا، هذا ما هو بصحيح، يعني كأنهم يريدون أن هذا ساحر؟! الذي عنده علم من الكتاب قال: ﴿عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل ٤٠] ما قال: علم من السحر، ثم إن السحر لا يمكن أن يغير الحقائق، السحر يخيل الأشياء، يعني بمعنى أنه يجعل المسحور يرى الساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا، أما أن (...).
41:39Page 481
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩
And of His signs is that you see the earth stilled, but when We send down upon it rain, it quivers and grows. Indeed, He who has given it life is the Giver of Life to the dead. Indeed, He is over all things competent.
طالب: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت ٣٩ - ٤٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ (من) للتبعيض و(آيات) جمع آية، وهي العلامة المعينة لمعلومها، فكل علامة تعين معلومها وتحدده فهي آية.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ ﴿أَنَّكَ﴾ الخطاب هنا لكل من يتأتي خطابه، وليس خاصًا بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واعلم أن الخطاب الموجه إلى واحد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما دل الدليل على أنه خاص برسول الله ﷺ فهو خاص به، والثاني: ما دل الدليل على العموم فهو للعموم، والثالث: ما لا دليل فيه على هذا ولا على هذا، فيصح أن يكون خاصًا بالرسول وأن يكون موجهًا لكل من يتأتي خطابه، ففي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح ١، ٢] الخطاب خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام، إذ أن هذا لا يتأتى لغيره، وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] هذا أيضًا خاص به، وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١] هذا عام دل الدليل عليه؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، وغالب ما يأتي ألا يكون فيه دليل لهذا ولا لهذا، فنقول: إما أنه موجه للرسول عليه الصلاة والسلام وأمته تكون متأسية به في ذلك، وإما أن يُقال: إنه خطاب لكل من يتأتي خطابه، في هذه الآية ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ﴾ هل الخطاب هنا خاص بالرسول؟ لا، بل هو عام له ولغيره، إما أن غيره داخل في ذلك في أصل المخاطبةـ، وإما بالتبع.
(﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ أي: يابسة هامدة ليس فيها نبات إطلاقًا، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ يعني المطر ﴿اهْتَزَّتْ﴾ تحركت ﴿وَرَبَتْ﴾ انتفخت وعلت) ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ أي: ماء المطر ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أي: اهتز نباتها من فوقها، وليس المراد أن الأرض نفسها تهتز؛ لأننا لا نشعر بذلك، وإن كنا نجوز أن يكون اهتزازها اهتزازًا يسيرًا، لكن الذي يظهر أنها اهتزت بالنبات، ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: علت.
وهل المراد ما أشار إليه المؤلف انتفاخ الأرض عندما تريد الحبة أن تخرج؟ فإن الحبة تنتفخ في باطن الأرض، ثم إذا أراد غصنها أن يخرج رفع الأرض، فهل هذا هو معنى (ربت)؟ أو المعنى: علت بالنبات؟ يحتمل هذا وهذا؛ أنها علت بالنبات، وأنه لما ذكر اهتزازها أولًا اهتزاز النبات الخفيف ذكر علو النبات، الأشجار الكبيرة التي تعلو، كل هذا ممكن.
ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ أي: أحيا الأرض الخاشعة ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ والجملة كما ترون مؤكدة بمؤكدين: (إن) و(اللام)، و﴿الْمَوْتَى﴾ جمع ميت، والمراد بهم كل من مات من بني آدم وغيرهم، فهو قادر على إحيائهم.
﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ أيضًا جملة مؤكدة بـ(إن)، و﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كل شيء فالله قدير عليه، قادر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، وعلى تغيير الثابت وعلى تثبيت المتغير، كل شيء قادر عليه.
* ففي هذه الآية فوائد: أوَّلًا: أن من آيات الله الدالة على قدرته أن الأرض اليابسة الهامدة إذا نزل عليها الماء نبتت واهتزت وربت وهل أحد يستطيع أن يفعل مثل ذلك؟ أبدًا قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة ٦٣، ٦٤]، لا أحد يستطيع مهما بلغ من القوة أن ينبت ورقة واحدة، وقد تحدى الله عز وجل جميع الخلق فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣] وهذا تحدٍّ بالأمر الكوني القدري، وتحدى الله الخلق بالأمر الشرعي فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء ٨٨] إذن فالإنسان عاجز مهما كان.
* مِن فوائد هذه الآية: الاستدلال بالمحسوس المنظور على الموعود المنتظر، وجهُهُ أن الله استدل بالشيء المنظور المحسوس -وهو نبات الأرض بعد أن كانت هامدة- على شيء منتظر وهو إحياء الموتى بعد موتهم.
* وفيه أيضًا: الاستدلال بالأدلة العقلية، أن الإنسان يستدل بالمحسوس على المعقول، يعني أن قدرة الله على هذا تدل على قدرته على الآخر.
* ومن فوائدها أيضًا: استعمال القياس وأن القياس ثابت؛ لأن الله تعالى قاس إحياء الموتى على إحياء الأرض.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد ما ينبغي تأكيده سواء كان ذلك؛ لإنكار المنكر أو شك شاك أو أهمية الأمر؛ لأن التأكيدات تكون إما لأهمية الأمر، وإما لرفع الشك والتردد في الشيء حتى يكون أمرًا يقينيًا، وإما لإثبات الشيء المنكر، فمثلًا إذا كانت الآية تخاطب الذين ينكرون البعث فهذا الإثبات لإثبات مُنكر؛ يعني: لإثبات شيء أنكره قوم، وإذا كانت الآية تخاطب من يترددون في ذلك فهي لرفع الشك والتردد، وإذا قدرنا أنها تخاطب من لا شك عنده ولا إنكار فهو لأهمية الأمر لأهمية الموضوع؛ لأن الإيمان بذلك هو الذي يحدو الإنسان إلى أن يعمل، لولا أن الإنسان يؤمن بأنه سوف يُبعث ويُجازى لكان غير نشيط على العمل، أكثر ما ينشط الإنسان على العمل هو خوفه يوم القيامة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فلا يعجزه شيء لتمام علمه وتمام قدرته، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]؛ لأن العاجز إما أن يكون لعدم علمه وإما أن يكون لعدم قدرته، فنفى الله عز وجل العجز، وبين أن ذلك بسبب كمال علمه وقدرته، إذن ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٠].
ذكر الجلال السيوطي -غفر الله لنا وله- في سورة المائدة كلامًا مُنكرًا، قال: (وخصَّ العقل ذاته، فليس عليها بقادر) يعني كأنه يقول: على كل شيء قدير إلا على ذاته فليس عليها قادرًا، وهذا لا شك أنه قول منكر، كأنه يقول مثلًا: هل يقدر الله عز وجل على أن يُفْنِي نفسه؟ على كلامه، نقول: هذا قول ساقط؛ لأن القدرة إنما تتعلق بالشيء الممكن، أما الشيء المستحيل فهو مستحيل، وليس مستحيلًا على قدرتنا، لا، المستحيل على قدرتنا غير المستحيل على قدرة الله، لكن المستحيل لذاته، فإنه لا يمكن أن تتعلق به قدرة ولا غير قدرة إلا العلم، ولهذا قال السفاريني في العقيدة:
بِقُـــدْرَةٍ تَعَـــلَّقَتْ بِمُمْـــــكِنٍ ∗∗∗ .......................
فيُقال للجلال -عفا الله عنا وعنه: إن أردت أن الله ليس بقادر على أن يفني نفسه فهذا أمر غير وارد إطلاقًا؛ لأن القدرة لا تتعلق بهذا، وإن أردت أنه غير قادر على أن ينزل إلى السماء الدنيا وأن يأتي للفصل بين عباده وأن يستوي على عرشه ونحو ذلك من الأفعال الاختيارية فهذا كذب، بل هو قادر على ذلك، لكن السيوطي -عفا الله عنا وعنه- ممن يرون أن الأفعال الاختيارية لا تقوم بالله؛ يعني يقول: إن الله ما يمكن ينزل ولا يستوي ولا يأتي يوم القيامة؛ لأن هذه على زعمه حوادث، والحوادث لا تتعلق إلا بحادث.
على كل حال، هذه فلسفة جاء بها أهل الكلام، وما أكثر ما جاءوا به من الكلام، وكلامهم كلام في كلام، لا فائدة فيه، تطويل بلا فائدة، إضاعة للوقت بلا فائدة، مؤدٍّ إلى الشك والتردد بلا فائدة، ولهذا قال بعضهم: أكثر الناس شكًّا عند الموت أهل الكلام، نعوذ بالله، لماذا؟ لأنهم لم يبنوا عقيدتهم على الكتاب والسنة، بنوها على وهميات ظنوها عقليات فَضَلُّوا وأضلوا.
نحن نقول كما قال ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٠] فقط ويكفي، أما العلم فهو أوسع من القدرة؛ لأن العلم يتعلق بالواجب والمستحيل والممكن؛ يعني علم الله متعلق بكل شيء، يتعلق حتى بالمستحيل، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، وهذا مستحيل، ومع ذلك تعلق به العلم، ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون ٧١]، وهذا أيضًا من المستحيل على حكمة الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالعموم على الخصوص، فالله تعالى استدل على قدرته على إحياء الموتى بدليلين: أحدهما خاص، والثاني عام، ما هو الخاص؟ إحياء الأرض بعد موتها، العام: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]، وينبني على هذه الفائدة أن العام يتناول جميع أفراده، وقد ذكر ذلك النبي ﷺ في قوله حين عَلَّم أمته التشهد، قال: «إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٠٢)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث ابن مسعود.]]، فمثلًا إذا قال الرجل: دُورِي وقف. يشمل جميع الدُّور؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ولو قال: سياراتي لفلان. يشمل جميع السيارات، ولو قال: نسائي طوالق. يشمل كل امرأة له، ولو قال: عبيدي أحرار، شمل كل عبد، المهم أن العام يتناول جميع أفراده.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences