Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Fussilat 41:44–45
41:44Page 481
وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا أَعۡجَمِيّٗا لَّقَالُواْ لَوۡلَا فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥٓۖ ءَا۬عۡجَمِيّٞ وَعَرَبِيّٞۗ قُلۡ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدٗى وَشِفَآءٞۚ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٞ وَهُوَ عَلَيۡهِمۡ عَمًىۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٤٤
And if We had made it a foreign [i.e., non-Arabic] Qur’ān, they would have said, "Why are its verses not explained in detail [in our language]? Is it a foreign [recitation] and an Arab [messenger]?" Say, "It is, for those who believe, a guidance and cure." And those who do not believe - in their ears is deafness, and it is upon them blindness. Those are being called from a distant place.1
ثم قال عز وجل: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت ٤٤] ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ الضمير يعود على القرآن والمفسر قال: (أي الذكر) وإنما قال: ذكْر لأنه سبق ذكرُه قريبًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ [فصلت ٤١] ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ﴾ وعلى كل حال المعنى مُتَّفَقٌ عليه أنّ الضمير الهاء في ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ يعود إلى القرآن ﴿لَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ أي بلغة العجم وهو قد نزل على من؟ على العرب ﴿لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ﴿لَقَالُوا﴾ أي المكذبون للرسول ﷺ (﴿لَوْلَا﴾ هلَّا ﴿فُصِّلَتْ﴾ بُيِّنَت ﴿آيَاتُهُ﴾ حتى نفهمَها) ولكنَّ الله تعالى قد قطَع عليهم الحجة فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣] وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف ٢] وقوله: ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى هلَّا أفادنا المؤلف رحمه الله أنَّ (لولا) تأتي للتحضيض وتأتي شرطيَّة ويُقال في إعرابها: حرف امتناع لوجود، وهنا تتقاسم هذه الحروف تتقاسم الوجود والعدم فـ(لو) حرف امتناع لامتناع، و(لَمَّا) حرف وجود لوجود، و(لولا) حرف امتناع لوجود تقول: لَمَّا جاءني أكرمته. هنا الإكرام وُجِد لوجود المجيء وتقول: لو جاء زيد لأكرمتُه. هنا امتنع الإكرام لامتناع الوجود، وتقول: لولا زيدٌ لهلكْت أو لفعَلْت كذا وكذا فهنا امتناع لوجود، هنا (لولا) ليست من هذا ولا مِن هذا (لولا) هنا انتقلت عن معنى الشرطية إلى معنى التحضيض، مِن بقيَّة كلامهم (﴿أَ﴾ قرآنٌ ﴿أَعْجَمِيٌّ وَ﴾ نبيٌّ ﴿عَرَبِيٌّ﴾ استفهام إنكار منهم) يعني لو كان القرآن بلغة العجم لقالوا: لولا فُصِّلَت آياتُه وبُيِّنَت باللغة العربية ثم لقالوا أيضا: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ يعني لا يمكن أن يكون القرآن بلغة العجم نزلَ على نبي عربي، وهذا الذي قالوه استفهام حقيقة يعني بمعنى أنَّ قولَهم حق لا يمكن أن ينْزِل قرآنٌ أعجمي على نبي عربي، وقد نصَّ الله على ذلك في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤] فكلامُهم هذا حقّ فنحن نقبل كلامهم هذا، أما قولهم: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ فنقول: هي مُفَصَّلَة لكنها حجَّة لو كان القرآن أعجمِيًّا وعلى هذا قولهم يكون صحيحًا لو كان القرآن باللغة الأعجمية لصار لهم حجة في قولهم: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ وحقّ في قولهم: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ قال المؤلف: (بتحقيق الهمزة الثانية) تحقيق الهمزة الثانية أن تقول: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾ كما هي القراءة المشهورة، يقول: (وقلبِها ألِفًا) ﴿ءَاعْجَمِيٌّ﴾ قلبنا الثانية ألفًا (بإشباع ودونه) ﴿ءَاعْجَمِيٌّ﴾ بمعنى أنك تمُدّ الألف مدًّا طبيعيًّا أو تمدُّها مدًّا زائدًا على ذلك، والمد الطبيعي قوله: (ودونه) والمد الزائد قوله: (بإشباع) وعلى هذا فيكون فيها كم قراءة؟ ثلاث قراءات، ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾ ﴿ءَآعْجَمِيٌّ﴾ ﴿ءَاعْجَمِيٌّ﴾ ثلاث قراءات، والقراءات -كما هو معلوم- كلها سنة القراءات كلها سنة لأنها ثبتَت عن النبي ﷺ، وينبغي للإنسان الذي أتقنَها وحفظَها أن يقرأَ بهذا مرة وبهذا مرة كما نقول في العبادات التي وردت على وجوه متنوعة إنَّه ينبغي أن تَفعَلَ هذا مرة وهذا مرة، ولكن هل نقرَأ بما يخالِف القرآن الذي بين أيدي العوام بقراءة أخرى؟ الجواب: لا ولهذا نرى أنَّ مِن عدم الحكمة ما يفعلُه بعض الطلبة إذا كان يعرِف القراءات يقرَأ في القراءة التي ليست بين أيدي العوام فإنَّ هذا خطأ عظيم؛ لأنَّ العامِيَّ لا يدرك هذه الأشياء وسوف يهبِطُ قدْرُ القرآن في نفسِه وتقِلُّ عظمَتُه عنده، ثم ربما يتهم هذا القارئ بأنَّه أخطَأ وغلِط، لكن بعض الناس يكون عنده علم وليس عنده حكمة، وهذا خلَلٌ في توازُنِ العبد وسيْرِ العبد أن يكون عندك علم ولكن لا حكمة، إذا كان الصحابة رضي الله عنهم تنازعوا وهم مَن هم في اختلاف القراءات فكيف بعوامِّ هذا الزمن، يقول: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿قُلْ﴾ يعني: قل يا محمد في جوابِهم (﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ مِن الضلالة ﴿وَشِفَاءٌ﴾ من الجهل) ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على القرآن الذِّكْر ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ أي علم ونور ﴿وَشِفَاءٌ﴾ يقول المؤلف رحمه الله: (مِن الجَهل) وهذا فيه نظَر لأن (مِن الجَهْل) داخِل في قوله: ﴿هُدًى﴾ إذ أنَّ الهدى هو العلم وضدُّه الجهل، لكنْ ﴿شِفَاءٌ﴾ يعني مِن المرض مرض القلوب كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس ٥٧] فالصواب أنَّ قولَه: ﴿هُدًى﴾ مِن الضلالة وهي الجهل فهو هدًى مِن الجهل والضلالة ﴿شِفَاءٌ﴾ مِن المرض مرْض القلوب بل هو أيضًا شفاءٌ مِن مرض الأبدان فإنَّ القرآن يُستَشْفَى به في أمراض القلوب ويستشفى به كذلك في أمراض الأبدان، وكم مِن إنسانٍ مريض مرضًا بدنِيًّا شفاهُ الله تعالى بالقرآن، وقصة اللديغ مشهورة لديكم أو عند أكثركم الذي كان سيِّدَ قومِه ونزل به سريَّةٌ من الصحابة ولم يُضِيفُوهم فسخَّرَ الله تعالى عقربًا كبيرَةً شديدة فلدَغَتْ سيدَهم فطلبوا راقيًا من الصحابة قالوا: لا نرقى لكم إلا بكذا وكذا من الغنم فأعطَوْهم فذهب أحدُهم يقرأ عليه سورة الفاتحة حتى قامَ كأنما نُشِطَ من عقال لكنهم تربَّصوا في الغنم التي أخذوها خافوا ألا تكون تَحِلُّ لهم حتى أتوا النبي ﷺ فسألوه فقال: «خذوا واضربوا لي معكم بسهم»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١ / ٦٥) من حديث أبي سعيد الخدري.]] قال ذلك لا حاجةً إلى اللحم ولكن تطيِيبًا لقلوبِهم واطمئنَانًا لنفوسهم ليتبَيَّنُوا أنه حلال لا إشكال فيه، المهم أنهم أخبروا النبي ﷺ أنهم قرئوا على هذا اللديغ الفاتحة فقال: «وما يدريك أنها رقية؟» » فتبيَّن بهذا أنَّ القرآن شفاءٌ من أمراض القلوب وأسقام الأبدان لكن لِمَن؟ للذين آمنوا آمنوا بالقرآن وبأنه مِن عند الله وبأنه شفاء أما رجلًا لم يؤمِن به ولم يرفع به رأسًا ولم ير بمخالفته بأسًا فإنَّ هذا لا ينتفع به.
قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ نسأل الله العافية ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة خبر المبتدأ الأول الذي هو ﴿وَالَّذِينَ﴾ يعني كأنه قال: ﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ وأما الذين لا يؤمنون ففي ﴿آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ لا يؤمنون بإيش؟ لا يؤمنون بالله ولا بالرُّسل ولا بالكتب هؤلاء ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي ثِقَل لأنَّ الوقْر بمعنى الحِمْل الثقيل قال الله تعالى: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات ٢] يعني السَّحاب تحمِل الماءَ الكثير، فعلى هذا يكون ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي ثِقَل وصَمَم فلا يسمعون والعياذ بالله ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ فلا يبصرون فصارَت منافذ الفهم عند غير المؤمنين مسدودة، لا يسمعون ولا يبصرون فلا يصِل هدى القرآن إلى قلوبهم ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ فإذا قال قائل: كيف يكون الكلام الواحد لقوم هدى وشفاء ولآخرين عمًى وضلالة؟ قلنا: هذا بحسب ما في القلب
أنهم أخبروا النبي ﷺ أنهم قرؤوا على هذا اللديغ الفاتحة، فقال: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١ / ٦٥) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. فتبين بهذا أن القرآن شفاء من أمراض القلوب وأسقام الأبدان لكن لمن؟ للذين آمنوا، آمنوا بالقرآن، وبأنه من عند الله، وبأنه شفاء، أما رجل لم يؤمن به ولم يرفع به رأسًا، ولم يرَ بمخالفته بأسًا فإن هذا لا يُنتفع به.
قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت ٤٤] نسأل الله العافية، ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة خبر المبتدأ الأول الذي هو ﴿وَالَّذِينَ﴾ يعني :كأنه قال: هو للذين آمنوا هدى وشفاء، وأما الذين لا يؤمنون ففي آذانهم وقر، لا يؤمنون بأيش؟ لا يؤمنون بالله، ولا بالرسل، ولا بالكتب، هؤلاء في آذانهم وقر؛ أي ثِقَل؛ لأن الوقر بمعنى الحِمْل الثقيل، قال الله تعالى: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات ٢] يعني السحاب تحمل الماء الكثير، فعلى هذا يكون ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي ثقل وصمم، فلا يسمعون والعياذ بالله.
﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ فلا يبصرون، فصارت منافذ الفهم عند غير المؤمنين مسدودة، لا يسمعون ولا يبصرون، فلا يصل هدى القرآن إلى قلوبهم ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٤٤].
فإذا قال قائل: كيف يكون الكلام الواحد لقوم هُدًى وشفاء ولآخرين عمى وضلال؟
قلنا: هذا بحسب ما في القلب؛ لأن الله قال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥] ونحن نرى الغذاء الحسي يكون لقوم غذاءً وشفاءً ويكون لآخرين مرضًا وعلَّة، مثلًا بعض الناس يُحجب عن التمر مثلًا، عن العنب، عن كل ما فيه حل فيضره، وآخرون ينفعهم الحلال مع أن الطعام واحد لكن المحل يكون قابلًا محل هؤلاء قابل له ومحل الآخرين غير قابل.
﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٤٤]، ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم الذين لا يؤمنون، وأشار إليهم بصيغة البعيد ليس رفعةً لشأنهم ولكن إظهارًا للتبرؤ منهم وإبعادهم.
﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ يعني كالذي يُنادَى من مكان بعيد، والذي يُنادَى من مكان بعيد يعوقه عن الحضور والاستجابة أمران:
الأمر الأول: أنه لبُعده قد لا يسمع النداء.
الأمر الثاني: أنه لبُعده قد يرى أن الاستجابة شاقة عليه فلا يجيب، وعلى هذا فكونهم ينادون من مكان بعيد يتعلق بندائهم آفتان: الأولى: الأخ؟
* طالب: (...) يرون المسافة بعيدة (...).
* الشيخ: نعم، يرون المسافة بعيدة فيكسلون، ويرون أنه من المشقة فيدعون إجابة المنادي، والثاني؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أنهم لا يدركون المنادي؛ لبعدهم عنه، فلا يجيبون على الوجه المطلوب، (﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي هم كالمنادى من مكان بعيد لا يسمع).
* في هذه الآية الكريمة فوائِد، منها: حكمة الله عز وجل في كون الوحي النازل على النبي على وفق لغة القوم الذين أُرسِل إليهم، يؤخذ من قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت ٤٤] إلى آخره، والله تعالى جعله قرآنًا عربيًّا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحجة لا تقوم حتى يفهم الإنسان معنى هذه الحجة، وأن مجرد البلاغ لا يعد حجة قائمة حتى يفهمها من بلغته؛ لأنه لو ألقيت كلامًا عربيًّا بأفصح ما يكون على قوم عجم، وهم لا يعرفون مقصودك أصلًا، هل يفهمون شيئًا؟ وكذلك بالعكس لو جاء رجل أعجمي، وقام يتكلم بأفصح ما يكون من لغة العجم ونحن لا نعرف مراده؛ لم نفهم منه شيئًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤].
فإن قال قائل: يرد على قولكم هذا -وهو أنه لا بد من فهم الحجة بعد بلوغها- يرد على ذلك قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩] ولم يقل: ومن بلغ وفهم.
قلنا: هذا مطلق لكن الآيات الأخرى تقيده أنه لا بد من البيان والمعرفة.
وكذلك لو قال قائل: يرد على قولكم هذا قول النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِه الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة.]]. فقال: «لَا يَسْمَعُ بِي». فيقال: نعم؛ لأنه إذا سمع به يجب عليه أن يبحث حتى وإن كان لا يفهم يجب عليه أن يبحث، أما أن يترك فهو لا يعذر لتفريطه وتهاونه، وعلى هذا فلا بد من بلوغ الحجة، ولا بد من فهمها.
ونحن في الحقيقة لا نتهاون في تكفير من كفَّره الله، ولا نبالي أن نكفر من كفره الله، لكننا لا نتجاسر أن نكفر من لم يكفره الله عز وجل؛ لأن الحكم ليس إلينا، الحكم بالتكفير وعدم التكفير إلى الله عز وجل، ليس إلينا ولا إلى عواطفنا، وإلا لو كان إلينا أو إلى عواطفنا لكنا نكفر من كان فاسقًا، بل قد نكفر من كان تاركًا للأولى؛ لأن الإنسان لا شك أن معه غيرةً يبغض بها من خالف الشرع، لكن كوننا نحكم عليه بالكفر أو بعدم الكفر ليس إلينا بل هو إلى الله، والخلق عبيد الله عز وجل ليسوا عبيدنا حتى نحكم عليهم بما نرى بل نحكم عليهم بمقتضى كلام الله ورسوله، فإذا دار الأمر بين أن نقول: هذا كافر وهو ينتسب إلى الإسلام وبين أن نقول: ليس بكافر، أيهما أحوط؟ أن نقول: ليس بكافر؛ لأنا بهذا سالمون، لكن لو نكفره، ثم بناءً على التكفير نستبيح دمه وماله؛ لأن المسألة ما هي سهلة، ونستبيح ألا نصلي عليه ولا ندعو له بالرحمة، المسألة صعبة جدًّا؛ ولهذا خطأ من يتسرعون بالتكفير أشد من تهاون من لا يكفرهم؛ أشد لما يترتب على التكفير من المصائب والبلاء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التناقض بين الرسول والوحي مستحيل، الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ وهذا مستحيل أن يتناقض الوحي ومن أُوحِي إليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن يكون لأقوام رحمة ولآخرين نِقمة، ويشهد لهذا قوله عليه الصلاة والسلام: «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣ / ١) من حديث أبي مالك الأشجعي.]]. رحمة لمن؟ للمؤمنين ونِقمة على الكافرين، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة ٥٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يُبتغى الهدى من غير القرآن؛ لقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ فمن ابتغى الهدى من غير القرآن أضله الله قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه ١٢٣، ١٢٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن شفاء من أمراض القلوب وأسقام الأبدان؛ لقوله: ﴿هُدًى وَشِفَاءٌ﴾، وقد فهمنا أثناء التفسير أن الفاتحة رقية، كذلك أيضًا إذا أردت أن ترقي أحدًا فانظر مع الفاتحة الآيات المناسبة، فمثلًا إذا كنت تريد أن ترقيه من السحر فاقرأ إضافةً للفاتحة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق ١]، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس ١]؛ لأنهما السورتان اللتان رُقِي بهما الرسول ﷺ، كذلك انظر إلى آيات السحر التي تبطل السحر مثل قوله تعالى عن موسى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٨١] وأمثال ذلك، إذا كنت تريد أن ترقي من مرض اقرأ الآيات المناسبة مثل: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء ٨٠]؛ لأن التناسب بين الآيات التي هي الدواء وبين المرض الذي هو الداء لا بد أن يكون أمرًا مهمًّا، يراعيه الإنسان كما يراعي ذلك في الأدوية الحسية، الحار يعالج بأيش؟ بالبارد؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحمى قال: «إِنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ؛ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٦٣)، ومسلم (٢٢١٠ / ٨١) من حديث عائشة.]]. وقد شهد الأطباء الآن أن البرودة لمن أصيب بالحمى من أكبر العلاج حتى كانوا يجعلون المريض أحيانًا إلى جنب مراوح المكيف من أجل البرودة، وحتى يضعون أحيانًا على المريض بالحمى ثوبًا مبلولًا بالماء من أجل التبريد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان كلما كان أقوى إيمانًا كان أهدى وأشفى، من أين نأخذه؟ ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ وقد أخذنا قاعدة مفيدة مهمة أن كل حكم مرتب على وصف فإنه يقوى بقوة ذلك الوصف كل حكم مُعلَّق بوصف، أو مرتب على وصف فإنه يقوى بقوة ذلك الوصف، ويضعف بضعف ذلك الوصف. أنتم معنا يا جماعة؟ انتبهوا لهذا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بلاغة القرآن بتصوير المعقول في صورة المحسوس، هؤلاء الذين لا يؤمنون لو أنك نظرت إليهم نظرة حسية لم تجد في آذانهم وقرًا؛ لأنهم يسمعون وقد يكونون أقوى سمعًا من المؤمنين، ولم تجد أيضًا أنهم إذا قرئ عليهم القرآن عميت أعينهم كما قال: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾، ولم تجد أنهم يُنادون من مكان بعيد، بل تُعرض عليهم الدعوة وهم إلى جنب الداعي، لكن هذا من بلاغة القرآن أن يصور الشيء المعقول بصورة المحسوس؛ حتى يكون أقرب إلى الفهم، فهنا صور الله حال هؤلاء بأنهم صم وبأنهم عمي وبأنهم بعيدون مِنَ الداعي.
41:45Page 481
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ٤٥
And We had already given Moses the Scripture, but it came under disagreement.1 And if not for a word [i.e., decree]2 that preceded from your Lord, it would have been concluded between them. And indeed they are, concerning it [i.e., the Qur’ān], in disquieting doubt.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [فصلت ٤٥]، ﴿آتَيْنَا﴾ أعطينا، والإيتاء هنا إيتاء شرعي قدري: إيتاء شرعي؛ لأنه أُضيف إلى الوحي، قدَري؛ لأنه وقع فعلًا، وموسى عليه الصلاة والسلام هو أفضل أنبياء بني إسرائيل، وهو بالنسبة لأولي العزم بالمرتبة الثالثة؛ لأن أولي العزم خمسة أفضلهم محمد ﷺ، ثم إبراهيم ثم موسى، وهو -أي موسى- أكثر الأنبياء أتباعًا بعد الرسول ﷺ؛ لحديث: أنه عليه الصلاة والسلام «رَأَى سَوَادًا عَظِيمًا قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٠٥)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس.]].
(﴿الْكِتَابَ﴾ التوراة)، وسميت كتابًا؛ لأنها مكتوبة، قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥] فهي نزلت مكتوبة.
(﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ [فصلت ٤٥] بالتصديق والتكذيب كالقرآن) (اختُلِف فيه) من الذي اختلف فيه؟ أقوامه، قوم موسى، اختلفوا، فمنهم من صدَّق، ومنهم من كذَّب، لكن قوم موسى مشهورون بالعُتُوِّ والطغيان، والاستكبار العظيم، والجهل العميق، لما مروا بأقوام يعبدون غير الله ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف ١٣٨]، ولما صنعوا من الحلي عجلًا قالوا: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه ٨٨]. فجعلوا العجل الذي صنعوه بأيديهم جعلوه إلهًا نسأل الله العافية، وإلى التتمة إن شاء الله.
* طالب: أحسن الله إليكم (...) يشكل عليَّ قوله عليه الصلاة والسلام: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِي».
* الشيخ: أجبنا عنه.
* طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة للرقية الشرعية، بعض الناس يتوسع فيها، ويجعل طرقًا من عنده بل إنه (...) الرقية على ما جاء عن السلف (...) لهم أن يتوسعوا.
* الشيخ: لكن بالكيفية ولَّا بالكلمات؟
* طالب: بالكيفية يأتي بطرق من عنده.
* الشيخ: أنا أرى أن الأولى بالقارئ أن يقتصر على ما جاء عن السلف، هذا الأولى، أما غير ما جاء عن السلف، فهذا ربما نقول: إنه خاضع للتجربة، إذا جُرِّب ونفع فالمقصود النفع، وإذا لم يُجرَّب ولكن الإنسان يتخرَّص فالظن بعضه إثم.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، سبق في القواعد أن الأصل إبقاء المطلق على ما جاء، وهنا يا شيخ بعض أهل العلم يقيدون بعض الأمراض بآيات معينة يقول: تقرأ آية كذا وكذا وكذا. هكذا فهل يا شيخ هذا يخالف القاعدة أم..؟
* الشيخ: لا، ما هي مخالفة للقاعدة، هذه موافقة للحكمة، كما ذكرنا قبل قليل، ماذا قلنا؟
* طالب: قلنا: نقرأ الآيات المناسبة.
* الشيخ: إن المرض يُعالج بما يُناسبه.
* طالب: يا شيخ، من أين عرفوا هذا؟
* الشيخ: حِكمة الله عز وجل، نعرف هذا من الحكمة.
* طالب: يا شيخ (...) كثير من النساء مثلًا يتكشفن (...).
* طالب آخر: قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ ألا يكون هدًى من الضلالة وشفاءً من الغي، فتكون الأولى لمرض الشبهات، والثانية لمرض الشهوات؟
* الشيخ: ذكرنا هذا، لكن اختلاف اللفظ.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، قلنا: إنه يشترط في الرقية أن يكون المرقي الذي يُتلى عليه القرآن مؤمنًا به، المريض مؤمنًا به.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: وزعيم القوم هذا -يا شيخ- لم يكن مسلمًا؟
* الشيخ: لا، مؤمن، هو ما هو مؤمن بالقرآن، ما ندري عنه هل آمن بالقرآن ولَّا لا، لكن مؤمن بأن قراءتهم سوف تفيد، وهذا لا بد منه؛ لأنه إذا لم يُؤمن لم تنفعل النفس وتكون قابلة، لا يمكن أن تنفعل النفس لقبول هذا العلاج إلا إذا آمن بأنه مفيد.
* طالب: الكافر يا شيخ يُتلى عليه القرآن؟ الكافر يُعالج بالقرآن؟
* الشيخ: إي نعم، يُعالج بالقرآن، وربما يكون علاجه بالقرآن أولى من علاج المؤمن به؛ لأنه إذا عرف أنه مؤثر يكون ذلك سببًا لإسلامه.
* طالب: قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف ٢٤] هذه ﴿لَوْلَا﴾ شرطية أم ماذا؟ تُشكل علي..
* الشيخ: اقرأ اللي قبلها: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف ٢٤] يعني لفعل فهي شرطية لكن محذوفة الجواب.
* طالب: الهم ما حصل منه؟
* الشيخ: بلى، يعني لولا برهان ربه لفعل؛ يعني لأجابها إلى ما دعت، ما هو بـ(لولا برهان ربه لما هم)؛ لأن لو كان كذلك تناقض الكلام بل هو هَمَّ بها لكن لولا أنه رأى برهان ربه لأجابها إلى ما دعت.
* طالب: استنطاق الجن بالقرآن، هناك بعض من يرقي يقول: إنه يستنطق الجن، وقالوا له كذا وقالوا له كذا، هل هذا يمكن؟
* الشيخ: والله يا أخي ما ندري عن هذا، دائمًا يقولون مثلما قلت: إنهم يستنطقون، ودائمًا يعالجون بالتخييل، يضع القارئ يده على رأس الإنسان، ويقول: غمِّض، ويقول: شوف، أشوف كذا وكذا، من تتهم؟ أتهم فلانًا، ما ندري، هذه طرق غريبة، فهذه تحتاج إلى دراسة؛ يعني أحوال هؤلاء القارئين تحتاج إلى دراسة ومعرفة كيف يتوصلون إلى هذا، ومن أين جاءهم؟
* طالب: أحسن الله إليكم، إذا قلنا: إن الضابط في إقامة الحجة الفهم؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: كيف الجواب يا شيخ عن قول الله عز وجل: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة ٧]؟
* الشيخ: نعم، إي، ختم عليهم بعد الفهم؛ لأن الختم معناه قد يكون ختم يمنع الفهم، وقد يكون ختم يمنع الانقياد كقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤].
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ لما ذكر الله تعالى هذا الكتاب العزيز، وأنه للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى بَيَّنَ ما كان من الأمم السابقة نحو كتبهم فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا، الجملة هذه مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي القسم واللام وقد، وتقدير الكلام: والله لقد آتينا، وهو يقع كثيرًا في الكتاب العزيز؛ أي: مثل هذه الصيغة تقع كثيرًا في القرآن.
وقوله: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ هذا الإتيان إتيان كوني وشرعي، فالله تعالى قد أنزل عليه التوراة فعلًا، وقد آتاه الحكم بها، وموسى هو ابن عمران أفضل أنبياء بني إسرائيل، وهو في المرتبة الثالثة بالنسبة لأولي العزم؛ لأن أولي العزم هم خمسة أفضلهم محمد ﷺ، ثم إبراهيم، ثم موسى.
وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة، وسماها الله تعالى كتابًا؛ لأن الله تعالى كتبها بيده كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥].
قال: (﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بالتصديق والتكذيب كالقرآن) (اختُلف)؛ أي اختلف الناس فيه، فمنهم المصدِّق ومنهم المكذِّب كما كان الناس أيضًا بالنسبة للقرآن وهكذا جميع الأمم بالنسبة لما جاءت به الرسل منهم المصدق ومنهم المكذِّب.
﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ كذلك أيضًا جميع ما جاءت به الرسل يختلف الناس فيه بين مؤمن وكافر، وهذا تسلية للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (لولا) هذه كلمة شرطية حرف شرط وهي -كما قال النحاة- حرف وجود أيش؟ لوجود ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ﴾ هذا موجود ﴿لَقُضِيَ﴾ هذا معدوم حرف وجود بعدم.
وقوله: ﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ يقول المفسر: (بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة)، فإن الجزاء الكامل إنما يكون يوم القيامة، أما في الدنيا فهو جزاء لا شك يُعاقَب فيه المجرمون، ويفلح فيه المؤمنون، لكنه ليس الجزاء الكامل من كل وجه.
(﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدنيا فيما اختلفوا فيه) والمراد بذلك القضاء التام فلا يُنافِي هذا ما وَقَعَ لآل فرعون من الغرق والهلاك لما كذَّبوا موسى ﷺ (﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي المكذبين به ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ مُوقِع في الريبة).
* في هذه الآية من الفوائد أوَّلًا: تأكيد الكلام إذا دعت الحاجة إليه؛ إما لأهميته، وإما للشك فيه، وإما لإنكاره، قال علماء البلاغة: والمخاطَب له ثلاث حالات:
الحال الأولى: حال ابتداء، وهي ألا يكون عند المخاطَب عِلْم، ولا تردد، ولا إنكار، هذا تُلقَى إليه الجملة غير مؤكدة؛ لأنه لا حاجة للتوكيد مثل أن يُقال: قدم فلان اليوم. لإنسان لم يكن في قلبه شيء من قدومه إثباتًا ولا نفيًا، وتسمى هذه الجملة ابتدائية.
الحال الثانية: أن يكون المخاطَب مترددًا في الأمر شاكًّا فيه لكنه لا ينكره، فهذا يحتاج إلى توكيد لكنه ليس بواجب مثل أن تُخاطِب رجلًا في أمر يستبعده لكنه لا ينكره فهنا يحسن أن تؤكد له الكلام من أجل أن يزول عنه الشك والتردد.
الحال الثالثة: أن يكون منكرًا مُكذِّبًا، فهذا يتعين توكيد الخبر له؛ لأن ذلك أبلغ في إقامة الحجة عليه وإقناعه. إذن أحوال المخاطب ثلاث: ابتداء، وتردد، وإنكار. ولكل حال حكمها فيما يتعلق بالتوكيد.
فإن قال قائل: يرد على كلامكم هذا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون ١٥، ١٦]، والمراد الجملة الأولى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ فلا أحد ينكر الموت حتى يُؤكَّد له؟
أجابوا عن ذلك بأن تكذيبهم وإنكارهم واستكبارهم وتمردهم يفعلون ذلك فِعل الْمُنكِر فخُوطِبوا خطاب المنكِر، وهذا لا شك أنه جواب صحيح.
الذي معنا الآن: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ مؤكد بثلاثة مؤكدات، هل هو لإنكار المخاطب أو لتردده أم ماذا؟ قلنا: لأهمية الموضوع؛ لأن الموضوع مهم، فيحتاج إلى التوكيد لتسلية الرسول عليه الصلاة والسلام.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات رسالة موسى، تؤخذ من أين؟ وجه ذلك؟
* طالب: وجه ذلك أن الكتاب لا يؤتى إلا لنبي.
* الشيخ: أحسنت، وجه ذلك أن الكتاب لا يُؤتى إلا لنبي.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإيمان بأن الله تعالى آتى موسى كتابًا؛ لأن الله أخبر به وخبرُهُ حق؛ ولأن ذلك من الإيمان بكُتُب الله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخلاف لم يكن بِدعًا في الأمم، وقد سبق هذه الأمة مَن اختلفوا في كُتبهم ورسلهم؛ لقوله: ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية المصاب بذِكْر المشارِك له؛ لأن الغرض من ذلك؟ الغرض من إخبار أن الله آتى موسى الكتاب فاختلف فيه تسلية النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا فينبغي تسلية المصاب، ومنه ما يسمى بتعزية المصاب بالموت، فمن أُصيب بموت فإن من السنة أن يُعزَّى أي يُقوَّى على الصبر على المصيبة.
إذن * من فوائد الآية: تسلية المصاب وهل هذه التسلية سُنَّة أو هي مُباحة؟ نقول: هي سنة لما في ذلك من رفع ألم المصيبة عن أخيك المسلم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حِكمة الله عز وجل بتأخير العذاب عمن كذبوا الرسل؛ لأن الله تعالى جعل لكل شيء قدرًا، فمِن حكمته تأخير العذاب عن الأمم لعلهم يرجعون.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام سلطان الله عز وجل، وأنه جل وعلا هو المدبِّر للأمور أخذًا ورفعًا؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رفعة منزلة الرسول عليه الصلاة والسلام عند الله تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، رفعة منزلته؛ لأنه قال: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ فأضاف الربوبية إليه، وهذه ربوبية خاصة وهي تفيد علو منزلة المربوب عند الله عز وجل، وقد اجتمعت الربوبيتان العامة والخاصة في قول السحرة من آل فرعون: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] الأولى: (رب العالمين) عامة، والثانية خاصة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يُكنِّي عن الشر ببناء الفعل لما لم يُسمَّ فاعله؛ لقوله: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ ولم يقُلْ: لَقَضى بينهم، وهذا هو المطرد في القرآن والغالب، وانظر إلى أدب الجن حيث قالوا: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠] أدب عالٍ، وفي الشر قالوا: ﴿أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ولم يضيفوه إلى الله، وفي الرَّشَد قالوا: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ ولم يقولوا: أم أُرِيد بهم رشدًا، بل قالوا: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ وهذا من أدب الجن، والجن أحيانًا يكونون آدَب من الإنس ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف ٢٩] أوصى بعضهم بعضًا أن ينصتوا حتى يستمعوا استماعًا تامًّا ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ أيضًا لم يتوقفوا أو يكسلوا ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩] بادروا إلى قومهم منذرين ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾ [الأحقاف ٣٠] إلى آخره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المكذِّبين بكتاب موسى في شك مريب مُوقِع في الريب وهو الشك مع القلق؛ يعني الفرق بين الريب والشك قريب؛ ولهذا يُفسِّر بعض العلماء الريب بالشك، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله قال: هذا تفسير قريب، والريب أخص من مطلق الشك؛ إذ إن فيه قلقًا مع الريبة، وذلك لأن الأمر المشكوك فيه إما ألا يكون ذا أهمية فتجد الشاك فيه يقول: ما يهمني ثبت أم لم يثبت، وإما أن يكون ذا أهمية فحينئذٍ إذا شك فيه سيكون في قلق أيؤمن بهذا أم ينكر؛ لأنه أمر هام؟ فالغالب أن الريبة لا تأتي إلا في الأمور الهامة، وأما الشك الذي يشك هل فلان قدم أو ما قدم، وليس له أهمية في قدومه أو غيابه فهذا لا يُوجب الريبة.
﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾، * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان يجب ألا يخالطه شك، وأنه إذا وَرَد على القلب شك ولو يسيرًا بشرط ألا يدافعه بل يركن إليه فإن هذا مُحبِط للإيمان، أما لو ورد الشك على القلب وطرده، وجاهد نفسه على دفعه فهذا لا يضره شيئًا؛ ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس يتساءلون: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقولوا: من خلق الله؟ وهذا شك، ولكن الرسول أخبر قال: «فَإِذَا بَلَغَ أَحَدَكُمْ ذَلِكَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- فلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ»[[أخرجه مسلم (١٣٤ / ٢١٢) من حديث أبي هريرة.]]. وأخبره الصحابة أنهم يجدون في نفوسهم ما يحبون أن يكونوا حممة -أي فحمة محترقة- ولا ينطقون به، فقال ﷺ: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»[[أخرجه مسلم (١٣٢ / ٢٠٩) من حديث أبي هريرة.]].
فالحاصل أن الشك الوارد على القلب إن اطمأن به الإنسان وركن إليه فليعلم أنه ليس بمؤمن؛ لأن الإيمان ينافيه شيئان؛ الشك والإنكار، أما إذا ورد على القلب وطارده وجاهد نفسه على تركه ففي هذه الحال يضره أو لا؟ لا يضره، بل هذا صريح الإيمان وخالص الإيمان، وذلك أن الشيطان لا يُورد مثل هذه الأمور على قلب ميت، القلب الميت مستريح منه، إنما يورده على قلب حي ليميته.
ولما ذكر اليهود لابن مسعود أو لابن عباس أنهم كانوا لا يُوسوسون في صلاتهم، يريدون بهذا أن يفتخروا على المسلمين، قال: صدقوا، وما يصنع الشيطان بقلب خراب؟! كلمة عظيمة؛ يعني يقول: إن قلوبهم خربة، والشيطان ماذا يصنع في قلب خراب؟! أيأتي إليه ليخربه؟ الجواب: لا، إنما يأتي الشيطان بهذه الوساوس إلى قلب حي ليهلكه أو يمرضه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences