Ibn 'UthayminFussilat · 41:51–52

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Fussilat 41:51–52

41:51Page 482

وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٖ ٥١

And when We bestow favor upon man, he turns away and distances himself; but when evil touches him, then he is full of extensive supplication.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت ٥١]، المراد بالإنسان هنا الجنس كما قال المؤلف؛ يعني أن جنس الإنسان بالنظر إلى كونه إنسانًا فقط هذه حاله، إذا أنعمنا على الإنسان أعرَض عن الشكر، وما هو الشكر؟ الشكر حقيقةً هو طاعة الله عز وجل، هذا هو الشكر، ويكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح.

ويدل على أن الشكر هو طاعة الله قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:» ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، «وَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ «»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]]. فجعل النبي ﷺ الشكر لله هو العمل الصالح؛ يعني القيام بطاعة الله، فالشكر إذن هو القيام بطاعة الله، ويكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح؛ أما بالقلب فهو شعور الإنسان بأن هذه النعمة من الله سبحانه وتعالى، وأنه لولا فضل الله ما حصلت له فيقر بقلبه، ويعترف أن ذلك من عند الله وليس بحوله وقوته، وأما اللسان، الشكر باللسان، فالتحدث بنعمة الله عز وجل اعترافًا بفضله لا افتخارًا على خلقه، بأن يقول: الحمد لله، قد رزقني الله أموالًا وأولادًا وعِلْمًا وجاهًا وما أشبه ذلك، ومن الشكر باللسان جميع الطاعات القولية فإنها من الشُّكر باللسان، فقراءة القرآن، الأخ هل هي من الشكر أو لا؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: من الشكر؛ لأن كل طاعة باللسان فهي من شكر الله عز وجل، الشكر بالجوارح العمل كالركوع، والسجود، والقيام، والقعود، والصدقة، وما إلى ذلك، وفي هذا يقول الشاعر:

أَفَادَتْـــــكُمُ النَّعْــــمَـــاءُ مِنِّيثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا

يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت ٥١]، يقول المؤلف في تفسير: ﴿نَأَى بِجَانِبِهِ﴾ (أي ثنى عطفه متبخترًا)؛ يعني أعرض ببدنه وبقلبه مُفتخرًا مُتعاظِمًا، هذا بالنسبة لحاله، بالنسبة لما يطلب منه من الشكر: يعرض ولا يشكر الله عز وجل، وهذه حال كثير من بني آدم؛ ولهذا عمَّمها الله، قال: ﴿إِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾؛ لأن أكثر بني آدم على هذا الحال.

وقوله: ﴿نَأَى﴾ أنا عندي ﴿﴿نَاءَ بِجَانِبِهِ﴾ ﴾ (وفي قراءة بتقديم الهمزة) في قراءة سبعية، واعلم أن اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعية؛ أي من القراءات السبع، وإذا قال: (وقرئ) فهي من القراءات الشاذة، إذن (ناء) و(نأى) معناهما واحد كـ(أيس) و(يئس) بتقديم الهمزة وتأخيرها، ومعناهما واحد أيِس من كذا، يئس من كذا، معناهما واحد، ناء بكذا، أو نأى بكذا؛ معناهما واحد، والمقصود أنه كما قال المؤلف: (ثنى عطفه وانصرف متبخترًا ومتعاظمًا).

﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ [فصلت ٥١] أقبل ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ (أي كثير)، إذا مسه الشر لجأ إلى الله وأطال الدعاء وأكثر منه. وانظروا ما حكى الله سبحانه وتعالى عن المشركين إذا كانوا في البحر، وهاج البحر ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس ٢٢] ولكنهم يعدون ويكذبون، إذا أنجاهم عادوا إلى الكفر والعياذ بالله.

﴿إِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾.

* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الإنسان من حيث هو إنسان بطر عند النَّعْماء لكنه مُقبِل عند الضراء؛ لقوله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾.

* ومن فوائدها: أن ما يتمتع به الإنسان من النعيم فإنما هو من عند الله؛ لقوله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.

* ومن فوائدها: التحذير من هذه الحال، فإذا رأى الإنسان من نفسه أنه عند النعمة يفرح ويبطر ويتهاون بما أوجب الله عليه فليعلم أنه داخل في هذا الإنسان المذموم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان يعرف من نفسه الضعف إذا أصابه الضرر، ويلجأ إلى الله، حتى الكافر يعرف من نفسه الضعف، ويلجأ إلى الله عز وجل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار يؤمنون بالله، وبأنه هو كاشف الضر؛ لقوله: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت ٥١]، الإعراض في قوله: ﴿إِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ هذه جملة شرطية، فأين الجواب؟ الأخ، أنت؟ ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أنت رفعت اليد اليُسرى، وهذا ليس من الأدب؛ ولذلك سوف يكون تعزيرك بحرمانك من الإجابة.

* طالب: أعرض ونأى بجانبه.

* الشيخ: ﴿أَعْرَضَ﴾ هذا الجواب. ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ معطوف عليه، هذا صحيح، وأين الجواب في قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾؟

* الطالب: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾.

* الشيخ: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾. ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ أين عاملها؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: مُقدَّر؟ قلها على التقدير؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: فهو ذو دعاء عريض. لماذا اقترنت الفاء بجواب الشرط؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: لأن جواب الشرط جملة اسمية، وإذا كان جواب الشرط جملةً اسمية وجب قرنها بالفاء، ولا تسقط إلا نادرًا، ما هي الجمل التي إذا وقعت جوابًا للشرط فإنها تقترن بالفاء؟

* طالب: (...) اسمية طلبية.

* الشيخ: مجموعة في قول الناظم:

اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِلَنْ وَقَدْ وَبِالتَّنْفِيسِ

نعم، إذا وقع جواب الشرط جملةً من هذه الجمل السبع وجب اقترانه بالفاء، ولا تُحذف إلا نادرًا مثل قول الشاعر:

مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ ............................

الأصل: من يفعل الحسنات فالله يشكرها. لكنها سقطت، فإما لضرورة الشعر، وإما للقلة؛ لأنها تسقط حتى في النثر لكن ذلك قليل.

المهم افهموا الآن: أنه متى وقعت جملة الجواب إحدى هذه الجمل، فإنه يجب اقترانها بالفاء.

41:52Page 482

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرۡتُم بِهِۦ مَنۡ أَضَلُّ مِمَّنۡ هُوَ فِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ٥٢

Say, "Have you considered: if it [i.e., the Qur’ān] is from Allāh and you disbelieved in it, who would be more astray than one who is in extreme dissension?"

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت ٥٢] كما قال النبي ﷺ، ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٥٢] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى أخبروني. وقوله: ﴿إِنْ كَانَ﴾ يعني (القرآن) من عند الله وكفرتم به وأنكرتم أن يكون من عند الله ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٥٢] أصل الجملة: من أضل منكم، أرأيتم إن كان من عند الله، وتبين لكم أنه من عند الله، ثم كفرتم به ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ الأصل: من أضل منكم، ولكنه أظهر في موضع الإضمار لفائدة نذكرها إن شاء الله.

قوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي القرآن، وتبين لكم ذلك واتضح، ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت ٥٢] أتى بـ(ثم) الدالة على الترتيب والتراخي إشارة إلى أن هؤلاء أنكروا وكفروا بعد التروِّي، وبعد المدة التي يؤمن بها من أراد الإيمان ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾.

وقوله: ﴿بِهِ﴾ الضمير يعود على القرآن، ويجوز أن يكون عائدًا إلى الرسول ﷺ؛ لأنه هو الذي نزل عليه القرآن.

﴿مَنْ أَضَلُّ﴾ قال المؤلف: (أي لا أحد أضل) إشارة إلى أن الاستفهام هنا بمعنى النفي، واعلم أن الاستفهام يأتي بمعنى النفي كثيرًا، وإتيانه في موضع النفي أعظم من النفي؛ لأنه إذا أتى الاستفهام في موضع النفي صار مُشْربًا معنى التحدي كأنه قال: أروني أحدًا أضل. وهذا لا شك أنه مشتمل على النفي وعلى التحدي.

وقال: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿مَنْ﴾ هذه مبتدأ اسم استفهام مبتدأ و﴿أَضَلُّ﴾ خبره. ﴿مِمَّنْ هُوَ﴾ أي من الذي ﴿هُوَ فِي شِقَاقٍ﴾ (خلاف) ﴿بَعِيدٍ﴾ بل الشقاق أخص من الخلاف؛ لأنه قد يخالفك ولا يشاقك لكن هؤلاء خالفوا وشاقوا.

وقوله: ﴿بَعِيدٍ﴾ أي (بعيد عن الحق أوقع هذا موقع منكم بيانًا لحالهم) (أوقع هذا) يريد ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (موقع منكم) أي: موقع الضمير فهو إظهار في موضع الإضمار؛ لبيان حالهم؛ أي: بيان أنهم هم أضل من كل أحد، وأن حالهم الشِّقاق البعيد، ففيه إظهار في موضع الإضمار، وعبدالله يبين لنا فائدة الإظهار في موضع الإضمار؟ يلَّا.

* طالب: ذكر قبل قليل.

* الشيخ: لا تقول: ذكر قبل قليل معناه أنك أعدت ما قيل.

* الطالب: (...) الإظهار في موضع الإضمار؟

* الشيخ: إي نعم، فائدته؟

* الطالب: فائدته منها: بيان الصفة التي يستحقها المتحدث عنه مثل (...) على هؤلاء (...).

* الشيخ: تمام.

* الطالب: ومن فوائده أيضًا: بيان العموم يعني أن كل من فعل هذا فإن هذا..

* الشيخ: الوصف ينطبق عليه، نعم أحسنت، ثلاثة؟

* الطالب: ومن فوائده أيضًا.

* الشيخ: الآن نحتج عليك بقولك: تقدم قبل قليل.

* الطالب: التنبيه.

* الشيخ: زين، تنبيه المخاطب حيث صار السياق على خلاف ما كان يتوقع، وهذا يؤدي إلى تنبهه.

﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ في هذه الآية فيها فوائد:

* أولًا: تحدي هؤلاء المكذبين للرسول ﷺ الكافرين بالقرآن، وأنهم بعد أن علموا الحق كفروا به.

* من فوائدها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وجه ذلك: أن القرآن وصْف وصفة لا بد أن يقوم بموصوف، وإذا كان من عند الله لزم أن يكون الموصوف به هو الله عز وجل، انتبه يا أخ، الآن هذه الآية فيها دليل على أن القرآن كلام الله وجه ذلك: أن القرآن وصف؛ لأنه كلام، والوصف لابد أن يقوم بموصوف، وإذا كان من عند الله فمن الموصوف به؟ هو الله عز وجل، وهذا ما نؤمن به، ويؤمن به السلف، أهل السنة والجماعة بأن القرآن كلام الله، تكلم به حقيقة بحروفه وسَمعه منه جبريل، وألقاه على قلب النبي ﷺ.

يرى أهل التعطيل أن القرآن كلام الله لكنه مخلوق، ليس وصفًا من صفاته بل هو مخلوق من مخلوقاته، وهذا رأي الجهمية والمعتزلة، هذا الرأي يبطل الأمر والنهي، ويبطل الشريعة كلها؛ لأنه إذا كان كذلك صار مجرد أصوات أو مجرد حروف لا مدلول لها كما نسمع صوت الرعد مثلًا، لا نستفيد منه شيئًا، إنما هو شيء يُسمع فقط وليس له معنى، أو حروف خُلِقت على هذا النحو كأنها نقْش في جدار أو في باب، نُقوش ليس لها معنى؛ ولهذا يُعتبر هذا القول من أشد الإلحاد؛ لأنه تبطل به الشريعة تامة، فمثلًا (قل) إذا قلنا إنها مخلوقة إن رسمتها في ورقة، صارت صورة كلمة فقط كأنها نقش؛ لأنها ما هي كلام، وإن تكلمت بها فالصوت مخلوق، بل والله عز وجل حين تكلم بها وأوحاها إلى جبريل يُعتبر خلق صوتًا ليس له معنى؛ لأنه مخلوق من المخلوقات.

والله عز وجل فرَّق بين الخلق والأمر، فقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢] ولَّا من خلقنا؟ من أمرنا، فالقائلون بأن القرآن كلام الله لكنه مخلوق قد عطلوا الشرائع نهائيًّا؛ إذ إنه ليس هناك أمر ولا نهي.

وهناك قول آخر للأشاعرة يقولون: إن القرآن كلام الله لكنه -أي الكلام- هو المعنى القائم بنفسه، أما ما سمعه جبريل فإنه مخلوق، فالقرآن عندهم كلام الله، لكن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأما ما يُسمع من الله عز وجل كمناجاته موسى، وكلامه بالوحي إلى جبريل فإنه مخلوق عبارة عن المعنى القائم بالنفس، هذا المعنى أشد وأخبث من قول المعتزلة لماذا؟ لأن المعتزلة يقولون: ما نقرؤه في المصاحف كلام الله حقًّا. والأشاعرة يقولون: عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، والكل متفقون على أن ما نقرؤه في المصاحف مخلوق لكن المعتزلة يقولون: هو كلام الله، والأشعرية يقولون: عبارة عن كلام الله، فصاروا من هذه الناحية أخبث وأشر من المعتزلة والجهمية، أما نحن فنؤمن بأن ما كُتب في المصاحف وحُفظ في الصدور فإنه كلام الله، وهو غير مخلوق.

فإن قال قائل: أرأيت القارئ يقرأ، نسمع صوته بالقراءة، هل هذا الصوت مخلوق أو غير مخلوق؟

فنقول: هو مخلوق؛ لأن صوت الإنسان وَصْف من أوصافه، فهو مخلوق كأصله، لكن الملفوظ به والْمُصَوَّت به غير مخلوق، وهناك فرق بين الصوت والنطق وبين الْمُصَوَّت به والمنطوق به، أليس كذلك؟

أنا لو قرأت كتابًا ألفه عالم من العلماء فأنا أقرؤه، الصوت صوتي لكن المقروء للعالِم الذي كَتَبَ الكتاب؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب العقيدة الواسطية: الكلام إنما يُضاف حقيقةً إلى من قاله مبتدئًا لا إلى ما قاله مُبَلِّغًا مُؤديًا. فصار لو أراد الإنسان يستفصل هل لفظ الإنسان بالقرآن مخلوق أو لا؟ ماذا نقول؟

نقول: لفظه الذي هو تلفُّظه مخلوق؛ لأنه حركات لسانه وشفتيه وصوته، وأما الملفوظ به فإنه كلام الله غير مخلوق؛ ويدل لهذا أن الله تعالى قال في القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير ١٩، ٢٠] من الرسول هنا؟ جبريل. وقال ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة ٤٠، ٤١] من الرسول هنا؟ محمد عليه الصلاة والسلام، ولا يمكن أن يكون كلام واحد لمتكلمين اثنين لكن أضافه إليهما؛ لأنهما رسولان مُبَلِّغان عن الله؛ ولهذا قال: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ في الآيتين، فتنبه لهذا وتفطن له.

ذكر عن الإمام أحمد رحمه الله: أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي ومن قال: غير مخلوق؛ فهو مبتدع. هكذا رُوِي عنه.

وفي رواية من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد القرآن؛ فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق؛ فهو مبتدع. فالرواية الثانية عنه فسرت الرواية الأولى؛ أي: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق يريد القرآن الذي هو الملفوظ به. فإن قال قائل: هل يمكن أن يُراد باللفظ الملفوظ؟

قلنا: نعم؛ لأن لفظ مصدر، والمصدر يأتي أحيانًا بمعنى اسم المفعول كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة.]]. و«رَدٌّ» بمعنى مردود، وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق ٦] أي أولات محمول، فالحمل مصدر ويراد به اسم المفعول.

على كل حال نحن نقول في كلام الله عز وجل: إنه كلام مسموع بحرف وصوت، وأنه غير مخلوق، وأنه صفة من صفاته..

أي: مَن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد القرآن الذي هو الملفوظ به.

فإن قال قائل: هل يمكن أن يُرَاد باللفظ الملفوظ؟ قلنا: نعم؛ لأنَّ (لفظ) مصدَر، والمصدر يأتي أحيانًا بمعنى اسم المفعول، كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له من حديث عائشة.]]، (رَدّ) بمعنى مردود، وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق ٦]، أي: أولات محْمُول، فالحَمْل مصدر، ويُراد به اسم المفعول.

على كل حال نحن نقول في كلام الله عز وجل: إنه كلام مسموع بحرْف وصوت، وأنَّه غير مخلوق، وأنَّه صفةٌ من صفاته، ولكن هل هو من الصفات الذاتية، أو من الصفات الفعلية؟

نقول: أمَّا باعتبار أصلِه، وأنه تعالى لم يزَلْ ولا يزالُ متكلِّمًا فهو من الصفات الذاتية، وأمَّا باعتبار آحاده فهو من الصفات الفعلية؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [يس ٨٢]، متى صارَت (كن)؟ صارت بعد الإرادة، وهذا دليل على أنَّ كلام الله من حيث آحاده وأفراده من الصفات الفعلية.

* طالب: قول الأشاعرة هل يكفرهم بهذا القول؟

* الشيخ: يجب أن تعلموا قاعدة مهمة؛ أنَّ المجتهد من هذه الأمة ولو أخطأَ فإنَّه مغفور له، هم يريدون بهذا أنَّ الله مُنَزَّه عن أن تقوم به الحوادث؛ لأنهم يعتقدون بعقولهم السخيفة أنَّ الحوادث لا تقوم إلا بحادِث، وهم يعلمون أن الكلام حادث؛ كل حرف حدَث بعد الحرف الذي قبله، لكن لعقولهم السخيفة ظنُّوا أنَّ مَن يقوم به الحادث فهو حادث، وهذا خطأ، التكفير لا نكفِّرُهم بهذا، نعم لو أن الإنسان تبيَّن له الحق وقال: إنه لا يريد الحق وإنما يتَّبِع هواه فقد يُكَفَّر، نعم.

* طالب: قول الله تعالى: (...) هل هذا إشارة بأن السياق للكفار، أو أن مَن فعل هذا الأوصاف كفر وارتد.

* الشيخ: بعض العلماء يقول: هذا في الكافر، الإنسان أي: الكافر، والقرينة ما ذَكَرْت، وبعضهم يقول: هو في الكافر والمؤمن، ولكن الله خَصَّ الكافر؛ لقوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت ٥٠].

* * *

* طالب: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت ٥٤].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾، أخذنا فوائدها.

﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت ٥١]، ما المراد بالإنسان في قوله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾؟ (...) وعلى الأول يكون المؤمن خارجًا من قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ ولّا أيش؟

* طالب: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ خرج المؤمن بقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾.

* الشيخ: يعني معناها حتى المؤمن إذا مسَّه الشر دعا ربَّه.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت ٥٢]، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني.

وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (يعني القرآن) ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.

وقوله: ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٥٢]، ذكرنا أنَّ هذا إظهار في موضع الإضمار، وأصله: لا أحد أضل منكم، ولكنه أظهر في موضع الإضمار، وذكرنا أنَّ للإظهار في موضع الإضمار فوائد، منها: تنبيه المخاطب، ثانيًا: بيان الصفة التي استحَقَّ بها صاحب الضمير هذا الوصف.

* طالب: (...).

* الشيخ: يعني العموم؟ طيب العموم، فيه رابعة، لكن ما هو في كل مكان، وهي مراعاة فواصل الآيات، نعم.

ثم قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت ٥٣] إلى آخره، ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ السين للتنفيس.

* طالب: (...) أهل التعطيل يرون أن القرآن كلام الله، لكنه مخلوق ملفوظ.

* الشيخ: لا، هذه ما هي من الفوائد، إذن نبدأ من جديد.

أولًا: أن القرآن كلام الله، وجه الدلالة قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ثم زيادة على ذلك وجه الدلالة كونه من عند الله، وأنَّ الكلام صفة وليس عينًا قائمةً بنفسها حتى نقول: إنَّه مخلوق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٦]، لكنَّ الكلام صفة قائمة بموصوف، فهو دليل على أنَّه من عند الله.

* إذن يستفاد: أنَّ القرآن كلام الله، من قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ووجه ذلك أنَّ الكلام صفة لا يمكن أن يقوم بنفسه، فلَزِمَ أن يكون كلام الله.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الكفر بعد التبيُّن أشدُّ قُبْحًا من الكفر مع الجهل، بدليل قوله: ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾، فإنَّ (ثم) تدل على الترتيب والتراخي، وأنَّ كفرَهم كان بعد أن تبَيَّن الأمر.

* ومن فوائدها: أنَّه لا أحد أضَلُّ ممن شاقَّ الله ورسوله؛ حيث إنَّه في شقاق بعيد؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بلاغة القرآن التامة، حيث يختار في كل تركيب ما يناسب الحال؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وقوع الاستفهام موقع النفي، وإنَّ إيقاع الاستفهام موقع النفي أسلوبٌ عربيٌّ صحيح، وما فائدته؟ أنه إذا كان بصيغة الاستفهام كان مُشرَبًا بالتحدِّي، فقوله: ﴿مَنْ أَضَلُّ﴾ أبلغ من قوله (لا أضل).

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском