Ibn 'UthayminAsh‑Shuraa · 42:17–19

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ash-Shuraa 42:17–19, continued

هذه المسائل لو فكرتم لوجدتم الطريق الأسلم والأعلم والأحكم طريق من؟ طريق السلف، واستمع إلى القولة المشهورة الباطلة التي تجدونها في كتب من عُرفوا بالصلاح والإصلاح، يقولون: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم. سبحان الله! كيف تكون أعلم وأحكم وليست بأسلم؛ لأنا نعلم أن الأعلم والأحكم يجب أن يكون الأسلم، ونعلم أيضًا أنكم إذا أقررتم أن طريقة السلف أسلم فهي الأعلم والأحكم، لكن هؤلاء أُتوا حيث لم يفهموا طريقة السلف، ظنوا أن طريقة السلف التفويض، وأن نكون أمام آيات الصفات وأحاديثها كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، يظنون أن السلفي إذا قلت له: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر ٢٢] ويش معنى (وجاء؟) الله أعلم، فُكَّنِي مِن شَرِّك، ما أدري. ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] ويش معناه؟ قال: ما أدري. ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن ٢٧] ويش معناه؟ قال: ما أدري. هذا رأيهم في مذهب السلف، وهل هذا حقيقة مذهب السلف؟ أبدًا، السلف يقولون: نعرف المعنى، نعرف ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أنه أتى عز وجل على وجه يليق بجلاله، أن له وجها يليق بجلاله، أن له استواء يليق بجلاله، نعلم هذا ونعرف المعنى، لكن تسألني عن الكيفية لا، لا أستطيع أن أتكلم لأنه ليس لي علم بهذا، هم لما ظنوا أن مذهب السلف هو التفويض، يعني تفويض المعنى والكيفية، قالوا: طريقة الخلف أعلم وأحكم، ونحن معهم إذا كان مذهب السلف أنهم لا يفهمون المعنى فالذي يفهم المعنى أحسن من الذي لا يفهم، لا شك في هذا، وإن كان فهمهم خاطئًا لكن طريقتهم سليمة، إلا أننا نقول لهم: طريقة السلف إثبات المعاني، وهذا مشهور متواتر عنهم، يقولون في آيات الصفات وأحاديثها: أمروها كما جاءت بلا كيف. هذه الجملة التي اتفق عليها السلف تدل على أنهم يثبتون المعنى من وجهين:

أولًا: أنهم قالوا: أمروها كما جاءت، ونحن نعلم أن الله تعالى أتى بها ورسوله، أتى بها لإثبات معانٍ، ما هي لتقرأ ألفاظًا جوفاء.

ثانيًا: قولهم: بلا كيف يدل على ثبوت أصل المعنى؛ لأن نفي الكيف عما ليس بموجود لغو من القول، فإذا أصل المعنى موجود والكيفية مجهولة، والإمام مالك رحمه الله قال حين سئل عن الاستواء قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة[[أخرجه البيهقي في الاعتقاد (٥٤)، والأسماء والصفات (٨٦٧). ]]. هم لما ظنوا أن السلف لا يثبتون المعاني قالوا: إنها أسلم؛ ونحن نقول لهم: إما أن تكونوا كاذبين على السلف أو جاهلين بحقيقة مذهبهم، لا تخرجوا عن هذا، فكلامهم هذا عن السلف لا يخلو من ظلم، وهو إما القول بلا علم أو الكذب على السلف، وكلاهما ظلم، فهم ظالمون للسلف في هذا الكلام الذي قالوا: إنه مذهب السلف.

* طالب: (...).

* الشيخ: إذا قلنا: بمعنى العلم فسرناها بلازمها وقصرنا في معناها؛ لأنه معهم بعلمه وسمعه وبصره وسلطانه وغير ذلك كما ذكر ذلك ابن كثير في التفسير رحمه الله، وذكره ابن رجب أيضا في جامع العلوم والحكم، يعني ليس معهم بالعلم فقط، بل بكل ما تقتضيه الربوبية من علم وسمع وبصر وقدرة وسلطان وغير ذلك.

ثانيًا: المعية شيء، والعلم من لازمها ومقتضياتها، فهي أشمل إحاطة ومعنى، لكنهم يفسرونها بالعلم ردًّا لقول أولئك القوم الذين يقولون: إن الله معنا في نفس المكان، والعامي عندما تقول له: المعية لها معنى والعلم مقتضاها ولازمها ما يفهم، والحملة الشديدة في ذلك الوقت في زمن الأئمة بالنسبة لتحريف المعية، فلذلك أتوا بهذا المعنى السهل الذي يتصوره الإنسان عن قرب.

* طالب: متى يكون التأويل كفرًا؟

* الشيخ: إذا لبست ثوبك فقلت: أكلت خبزة تعني لبست ثوبي، هل له وجه؟ إذا كان التأويل ليس له وجه لا لغة ولا شرعًا فهو كفر؛ لأنه تكذيب، ولهذا نقول: جحد الصفات نوعان:

إما تأويلًا وإما تكذيبًا، إن كان تكذيبًا فلا شك أنه كفر، لو قال قائل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥]: إنه لم يستو على العرش كذب، ماذا نقول؟ نقول: كفر؛ لأنه مكذب، لو قال: نعم استوى على العرش لكن معناه استولى، قلنا: هذا تأويل، عاد ينظر إن كان للتأويل مساغ إن دل عليه دليل أخذنا به، وإن لم يدل عليه دليل رددناه، لكن إن كان له مساغ لم يكفر، وإن لم يكن له مساغ فإنه يكفر.

42:18Page 485

يَسۡتَعۡجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِهَاۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشۡفِقُونَ مِنۡهَا وَيَعۡلَمُونَ أَنَّهَا ٱلۡحَقُّۗ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٍ ١٨

Those who do not believe in it are impatient for it,1 but those who believe are fearful of it and know that it is the truth. Unquestionably, those who dispute concerning the Hour are in extreme error.

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى ١٨] يقولون: متى تأتي؟ ظنًّا منهم أنها غير آتية، ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا﴾ أي: يستعجلونها، يقولون: أين هي؟ متى تكون؟ ليس ذلك حرصًا عليها ولا رغبة فيما يكون فيها من الخير، ولكنه استبطاء لها وإنكار لها، يقولون: وين الساعة اللي تقولون؟ كما قال عز وجل: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، وهم بهذا ملبسون مشبهون؛ لأنه لم يقل لهم: إنهم يأتون في الدنيا، يأتون يوم القيامة، فالرسل لم تقل: إن آباءكم سيأتون وأنتم أحياء؛ لأنه من مات لا يُبعَث إلا يوم القيامة: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون ١٥، ١٦] اللهم إلا أن تكون آية من آيات الرسل كما جرى لعيسى.

﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ أما الذين آمنوا فاسمع ماذا يقول الله عنهم: (﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ﴾ خائفون ﴿مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ )، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ﴾ والإشفاق: أشد الخوف، وتفسير المؤلف له بالخوف تقريبي، وليس على وجه التحديد؛ لأن الإشفاق خوف وزيادة، ﴿مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ خائفون منها؛ لأنهم يعلمون أنها الحق وأنها ستقوم، وستكون الأهوال العظام، ستكون الجبال كالعهن المنفوش، وستُدك الأرض، وكل ما ذكر في الكتاب والسنة مما يكون في الآخرة فإن الذين آمنوا مؤمنون به مشفقون منه.

قال الله تعالى: (﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ﴾ يجادلون ﴿فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ ) ﴿أَلَا﴾ أعربها؟

* طالب: (...).

* الشيخ: أداة استفتاحية يعني أداة استفتاح، الفائدة منها التنبيه والتحقيق والعناية، ولهذا تأتي بعدها غالبًا (إن)، و(إن) للتوكيد، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس ٦٢]، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٢]، فإذن ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح تفيد التوكيد والتنبيه والتحقيق.

* طالب: والعناية.

* الشيخ: والعناية، ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾، (إن) للتوكيد، واللام في قوله: ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ لام التوكيد داخلة على الخبر ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: لفي ضلال بعيد عن الهدى؛ لأن الضلال قد يكون قريبًا ويهتدي الإنسان عن قرب، وقد يكون بعيدًا فلا يهتدي والعياذ بالله إلا بعد الَّتي واللُّتيا.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن منكري الساعة يستعجلونها، يقولون: متى؟ والمراد بقولهم: متى الإنكار كما قال عز وجل: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن بالساعة خائف منها؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾، ولكنهم ﴿مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ يعني خائفين خوفًا يحملهم على العمل لها، لا خوف ذعر فقط، بل خوف يحملهم على العمل لها، وهذا هو الخوف النافع، أما مجرد الذعر فلا يكفي.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى ترجيح جانب الخوف؛ لأن الله تعالى امتدح الذين يخافون من الساعة، وهذه المسألة اختلف فيها أرباب السلوك والمعارف: أيما أفضل؛ أن يغلب الإنسان جانب الخوف أو جانب الرجاء؛ فقال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب جانب الخوف وقع الإنسان في القنوط من رحمة الله، وإن غلب جانب الرجاء وقع في الأمن من مكر الله، وكلاهما خطر على الإنسان. وقال بعض العلماء: ينبغي عند إرادة العمل السيئ -يعني عند إرادة المعصية- أن يغلب جانب الخوف لئلا يقع فيه، وعند فعل الطاعة أن يغلب جانب الرجاء. وهذا جيد جدًّا؛ لأنه عند الهم بالمعصية إذا لم يغلب جانب الخوف وقع فيها، وعند فعل الطاعة إذا لم يغلب جانب الرجاء لم ينشط على الطاعة.

فعليه نقول: إن تغليب أحد الجانبين -الخوف والرجاء- يرجع إلى حال الشخص؛ في حال الهم بالمعصية يغلب جانب الخوف، وفي حال فعل الطاعة يغلب جانب الرجاء؛ لئلا يقنط من رحمة الله وييئس من رَوح الله، فيغلب جانب الرجاء، ويكون رجاؤه هذا مبنيًّا على أنه لما يسر الله له فعل الطاعة فإن رجاءه بالله يكون أعظم وأمكن، فيكون الله تعالى عند حسن ظنه به. هذان قولان.

القول الثالث: في حال المرض ودنو الأجل يغلب جانب الرجاء حتى يموت وهو محسن ظنه بالله عز وجل، وفي حال الصحة يغلب جانب الخوف؛ لأن الإنسان إذا كان صحيحًا فإنه يكون عنده شيء من البطر والأشر، وربما يقدم على المعاصي والتهاون بالواجبات، فيغلب هنا جانب الخوف.

ولهذا جاء في الحديث: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ»[[أخرجه البخاري (٦٤١٢) من حديث عبد الله بن عباس.]]. وعند العوام يقولون: نعمتان مجحودتان؛ الصحة في الأبدان والأمن في الأوطان. هذا ما هو صحيح، الصحيح: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ». ولم يكن فارغًا إلا لأنه غني؛ لأن الفقير لا يكون فارغًا يعمل ويكدح ويكتسب، فهاتان النعمتان كثير من الناس مغبون فيهما لأنه لا يربح فيهما، إذن هذا قول ثالث ما هو؟ في حال المرض يغلب جانب الرجاء، وفي حال الصحة يغلب جانب الخوف، ولكن القول الوسط وما أشرنا إليه هو القول الثاني: إذا هم بالمعصية فليغلب جانب الخوف، وإذا فعل الطاعة فليغلب جانب الرجاء.

* طالب: بالنسبة (...) الساعة، فيه كتاب نازل في الأسواق يتحدث عن تاريخ نهاية أمة الإسلام، وهذا الكتاب يستند على أحاديث أقلها يصححها الشيخ الألباني، ونزلت ثلاثة كتب الآن: العلامات الصغرى يقول: أنها كلها خرجت، والذي بقي منها هذه تسمى أحداثًا تقع بعد خروج بعض العلامات الكبرى، مثل كنز الفرات وتعود مروجًا وأنهارًا جزيرة العرب، ويذكر أيضا في الكتاب -طبعا الكتاب مزكى من بعض علماء الأزهر- والأحاديث اللي فيه صحيحة أغلبها يعني إلى درجة الحسن، يحسنها الشيخ الألباني، ويستدل بأحاديث في حصار العراق، حصار العراق هذا ورد في حديث عن النبي ﷺ هذا الحصار، ويقول: إن الأمة ويستدل بأحاديث الأجراء، ويأتي بكلام لشيخ الإسلام، الأجراء الأمم اللي عملت بالنهار، والأمم اللي عملت بالليل، يعني طويلة بصراحة، وجاب أغلب الكتاب الثالث ردًّا على اللي ردوا عليه وقال: أنا ما هو أول واحد يعني سلك هذا المسلك، ابن حجر وأيضا ابن رجب وابن عساكر، وكثير من أهل العلم، والسيوطي تكلموا في هذا الباب، فلماذا تنكرون علي؟ طبعا هو بيقول: باقٍ عليها سبعون سنة أو ثمان وستون سنة وتنتهي أمة الإسلام، يقول: قد تزيد قليلًا وتنقص قليلًا، أما علم الساعة فعند الله سبحانه وتعالى، وهذا عمر أمة الإسلام، والله أعلم.

* الشيخ: لا شك أن هذا كذب ودجل واتباع للمتشابه، عندنا آيات صريحة مثل الشمس: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف ١٨٧] كرره، كيف يجي واحد يقول: أنا أعلم. أما عمر الأمة الإسلامية بمعنى أن الإسلام يزول بعد هذه المدة فهذا قد يقول قائل: إنه ممكن وقد يقول: إنه غير ممكن العلم به؛ لأن قيام الساعة يكون على شرار الخلق حتى لا يقال: الله الله، لكن هذا ما عندنا علم منه، فكل هذا باطل، وكل هذا يجب أن يكذب وينكر، وأما الأحاديث التي يستدل بها فينظر أولًا في سندها وصحتها، وليس كل ما صححه فلان أو فلان يكون صحيحًا، البخاري رحمه الله قد يذكر تعاليق هو يجزم بصحتها كما قالوا: إنه إذا ذكر التعليق مجزومًا به فهو صحيح عنده، ومع ذلك هي ضعيفة، إمام المحدثين، وثانيًا: إذا تم النظر في صحتها وصارت صحيحة ينظر في دلالتها، فلا يمكن أن تدل الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ بخلاف ما جاء في القرآن، وبخلاف ما هو صريح في السنة. وقول الرسول ﷺ: «أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٨/ ١) من حديث عمر بن الخطاب.]] يدل على أن من ديننا أن نؤمن بأنه لا علم لأحد بقيام الساعة.

42:19Page 485

ٱللَّهُ لَطِيفُۢ بِعِبَادِهِۦ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ١٩

Allāh is Subtle1 with His servants; He gives provision to whom He wills. And He is the Powerful, the Exalted in Might.

ثم قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ الجملة استئنافية وهي أيضًا مبتدأ، آية ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ لا يخفى أنها مبتدأ وخبر، ومعنى اللطيف: اللطيف هو الذي يلطف بالعبد، فيقدر له من التيسير ما لا يخطر له على بال، قال ابن القيم رحمه الله في النونية:

وَهُوَ اللَّطِيفُ بِعَبْدِهِ وَلِعَبْدِهِ ∗∗∗ ........................

لطيف به يرفق به وييسر له الأمر، لطيف لعبده يقدر له من الأمور الخارجية ما يكون فيه اللطف، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف ١٠٠].

إذن اللطافة تعتبر عن أيش؟ كناية عن تيسير الأمر وتسهيل الأمر لمن شاء من عباده.

لكن هنا يقول: (﴿بِعِبَادِهِ﴾ برهم وفاجرهم) حتى الفاجر الله لطيف به؟ نعم لطيف به بالمعنى العام، ولهذا ينزل عليهم مطر، وينبت لهم النبات، ويدفع عنهم الشرور، إلى آخره، فالله عز وجل لطيف بالعباد كلهم، أي البر والفاجر، لكن لطفه بالبر لطف خاص مستمر في الدنيا وفي الآخرة، ولطفه بالفاجر لطف عام يكون ابتلاء وامتحانًا، وربما يزداد به الفاجر فجورا بما لطف الله به، كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١) من حديث أبي موسى الأشعري.]].

(﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ حيث لم يهلكهم جوعًا بمعاصيهم)، وإنما فسرها بقوله: (حيث لم يهلكهم جوعا) توطئةً لقوله تعالى: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿يَرْزُقُ﴾ أي: يعطي، فالرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ﴾ [النساء ٨] أي: أعطوهم.

يقول: (﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من كل منهم ما يشاء) من وما يشاء؛ لأن المسألة فيها مرزوق وفيها رزق، المرزوق عبر عنه بقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فأتى بـ(من) التي للعقلاء، والمرزوق قدرها الشارح بقوله: (ما يشاء). إذن لدينا رزق ومرزوق؛ المرزوق عبر الله عنه بقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، والرزق حُذف للعلم به. وقدَّره المفسر بقوله: (ما يشاء). ونظير هذا قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء ١٨] وقوله: (ما يشاء) ترد كثيرًا في القرآن أشياء معلقة بالمشيئة، فأنا بأسألكم: هل هذه الأشياء المعلقة بالمشيئة هي لمشيئة مجردة أم لمشيئة مقرونة بالحكمة؟ الثاني، يتعين هذا؛ لأن الله سبحانه وتعالى في أفعاله لا يفعل إلا لحكمة، كلما وجدت مضافًا إلى الله معلقًا بالمشيئة فاعلم أنه مقرون بالحكمة. دليل ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] ففي هذا إشارة إلى أن مشيئة الله عز وجل صادرة عن علم وحكمة، فخذها بقلبك، كلما وجدت شيئًا من أفعال الله أو أحكام الله الشرعية معلقًا بمشيئة فاعلم أنه مقرون بالحكمة، خلافًا لمن قال من الجهمية وغيرهم: إن أفعال الله تعالى لمجرد المشيئة وليست مقرونة بحكمة.

﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ القوي ضد الضعيف، يعني: ذو القوة الكاملة التي لا يلحقها ضعف، ولنسأل أنفسنا: هل لدينا قوة كاملة؟

* طلبة: لا.

* الشيخ: لا، ثم لا، ثم لا، وهل قوتنا الناقصة تستمر؟ لا، وهل قوتنا الناقصة ثابتة لنا من حين وُلدنا؟ لا، واسمع إلى قول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ هذا واحد (...) ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤] هكذا حال الإنسان، ولا مفر منها، الرب عز وجل هو القوي ذو القوة التامة التي لم تزل ولا تزال، واستمع إلى عاد حين فخروا بقوتهم وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ فقال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] الله أكبر! لو قالت أمريكا الآن: (من أشد منا قوة) ماذا نقول؟ الله الذي خلقكم، أنتم الآن مخلوقون ضعفاء، ولو شاء الله لسلبكم القوة والقدرة والعقول؛ لأن الله هو الذي خلقكم هو أشد منكم قوة، وكذلك غيره من الدول الذين يعتزون بقوتهم المادية، نقول: إن فوقكم رب العباد عز وجل الذي خلقكم ولم تكونوا شيئًا، فهو أشد منكم قوة، وقد يكون تفتيت القوة من نفس القوة، أرأيتم الاتحاد السوفيتي أليس يهدد العالم من قبل؟ أليس قد قال رئيسهم حين قال وزير الدفاع الأمريكي: إن لدينا صواريخ يمكن أن نضرب بها موسكو فقال له رئيسهم: ولكنها إذا رجعت لأمريكا لم تجد أمريكا، وين راحت؟ دمرها الروس قبل أن تصل صواريخهم إلى الروس، تفاخر بالقوة، الآن الاتحاد السوفيتي فتته الله من داخل، والقادر على هذا قادر على أن يفتت أمريكا، نسأل الله أن يفتتها، قادر على هذا، فالمهم أن الله هو القوي الكامل القوة ولا يمكن أن يلحقها ضعف.

هنا فائدة: هناك قدرة وقوة، وهناك ضعف وعجز، ما الذي يقابل القوة؟

* طلبة: الضعف.

* الشيخ: الدليل ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ [الروم ٥٤]، وما الذي يقابل القدرة؟ العجز، الدليل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] ما قال: عليمًا قويًّا، عليم قدير أيهما أشد وأكمل؟ نقول: كل شيء بحسبه. القدرة لا يُوصَف بها إلا ذوو الإرادة، فالجدار مثلًا لا تقول: إنه قدير. والقوة يوصَف بها ذوو الإرادة وغيرهم، تقول: الجدار قوي، والحجارة قوية، لكن تقول: قديرة؟ لا.

القوة أكمل من جهة أخرى؛ لأنه ليس كل قادر قويًّا، فلو امتحنا واحدًا منكم وقلنا: احمل هذا الحجر، فأراد أن يحمله عجز أن يقله عن الأرض، هل نقول: هذا غير قوي ولَّا غير قادر؟

* طلبة: غير قوي.

* طلبة آخرون: غير قادر.

* الشيخ: لا، غير قادر؛ لأنه عجز، لم يزحزحه، ولو قلنا لآخر: احمل هذا الحجر، فكشف عن ذراعيه ثم حمله لكن (...) تعسر (...) ماذا نقول: غير قوي أو غير قادر؟ غير قوي، هو قادر الآن حمله لكنه غير قوي، فصارت القوة من هذه الناحية أكمل؛ لأنها هي القدرة على الشيء بلا ضعف.

هنا يقول عز وجل: ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾، ﴿الْعَزِيزُ﴾ يعني الغالب على أمره. وقد قسم العلماء رحمهم الله عزة الله إلى ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، ثلاثة؟

* طالب: عزة القدر، عزة القهر، عزة الامتناع

* الشيخ: بارك الله فيك، عزة القدر: يعني أن قدره عظيم لا نظير لها، ومنه قول العرب: هذا عزيز، يعني نادر الوجود، هذا عزة القدر، عزة القهر: يعني الغلبة، وهذا أكثر ما ترد بهذا المعنى، فالعزيز بمعنى الغالب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨] ردًّا على قول المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨].

الثالث: عزة الامتناع، يعني أنه يَمتنع عليه السوء عز وجل، ويمتنع عليه النقص، يحاول المجرمون أن يصفوه بالنقص ولكنه يمتنع عليه، ومنه قولهم: هذه أرض عزاز، أرض عزاز يعني إيه؟

* طالب: ممتنعة.

* الشيخ: شديدة صلبة، الشديدة الصلبة التي لا تؤثر فيها المعاول، يقولون: إنها عزاز، وفي لغتنا نحن العامة يقولون: عزا، فيحذفون الزاي الثانية: أرض عزا، يعني صلبة. إذن العزيز من أسماء الله عز وجل له ثلاث معانٍ: الأول؟

* طالب: القهر والغلبة.

* الشيخ: هو القهر

* الطالب: القدر والقهر.

* الشيخ: نعم.

* طالب: القدر والقهر والامتناع.

* الشيخ: بارك الله فيك، كل هذه ثابتة لله عز وجل قال ابن القيم:

وَهُوَ الْعَزِيزُ فَلَنْ يُرَامَ جَــــــــــنَابُهُ ∗∗∗ أَنَّى يُرَامُ جَنَابُ ذِي السُّلْطَانِ؎وَهُوَ الْعَزِيزُ الْقَاهِرُ الْغَلَّاُب لَمْ ∗∗∗ يَغْلِبْهُ شَــــــــيْءٌ هَـــذِهِصِفَـــــــــــتَانِ؎وَهُوَ الْعَزِيزُ بِقُوَّةٍ هِيَ وَصْــــــــــفُهُ ∗∗∗ فَالْـــعِزُّ حِينَئِذٍ ثَـــــلَاثُمَعَـــــــــــــانِ؎ ∗∗∗ ِالعز له ثلاثة معانٍ، الله عز وجل هو القوي وهو الغالب، وإذا جمع بين القوة والغلبة كمل السلطان؛ لأن من الناس من يكون قويًّا ولكن لا يغلب، أرأيتم لو كان هناك رجل قوي جدًّا قوة الحصان لكنه جبان، يَغلب ولَّا يُغلَب؟

* طلبة: يُغلب.

* الشيخ: يُغلب؛ لأنه جبان، إذا اجتمعت القوة والعزة كمل السلطان، ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ إلى آخره، إن شاء الله يأتي غدًا.

سبق لنا أن (ألا) أداة استفتاح وأنها تفيد؟

* طالب: التنبيه.

* الشيخ: التهديد!

* الطالب: التنبيه.

* الشيخ: التنبيه، وأنها تفيد التنبيه، مثاله؟ مثال ألا الاستفتاحية التي تفيد التوكيد والتنبيه؟

* طالب: (...).

* الشيخ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس ٦٢] وفي الآيات التي معنا: ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٣٧] ما معنى يرزق؟

* طالب: يعطي.

* الشيخ: يعطي، وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فيه إثبات المشيئة، ولكن هل مشيئة الله عز وجل مجرد مشيئة أو أنها مشيئة مقرونة بشيء آخر؟

* طالب: (...).

* الشيخ: بالحكمة نعم؛ إذ لا يشاء شيئًا إلا والحكمة تقتضيه إيجادًا أو إعدامًا.

ما هو الدليل على أن مشيئة الله مقرونة بالحكمة؟

* طالب: (...).

* الشيخ: قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] يعني: فلا يشاء إلا ما الحكمة تقتضيه إيجادًا أو إعدامًا، والله الموفق، نسأل الله تعالى أن يشملنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском