Ibn 'UthayminAsh‑Shuraa · 42:28–29

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ash-Shuraa 42:28–29

42:28Page 486

وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٨

And it is He who sends down the rain after they had despaired and spreads His mercy. And He is the Protector, the Praiseworthy.

ثم قال عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾، ينزله من أين؟ من السماء، ﴿الْغَيْثَ﴾ أي: ما يحصل به الإغاثة، وهي الإنقاذ من الشدة، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ أي: ما قنط العباد، قال المفسر: (﴿الْغَيْثَ﴾ المطر ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ أي: يئسوا من نزوله) لتأخره عن وقته قالوا: إذن هذا العام ما فيه مطر، فينزِل الله المطر، وإنزال المطر على حين شفقة له وقنوط من نزوله يكون أشد وقعًا في النفوس وأبين لرحمة الله تبارك وتعالى وفضله.

قال: (﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ يبسط مطره) هكذا قال المفسِّر، ولو كان المراد كما قال لقال: (ينزل الغيث من بعدِ ما قنطوا وينشره) ولكن الصواب: ينشر رحمته؛ أي: الرحمة التي تحصل بهذا الغيث من نبات الزرع ودَرِّ الضَّرع وسعة الرزق، وغير ذلك مما ينشأ عن المطر.

وقال بعض العلماء: ﴿يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾؛ أي: يجعل السماء صحوًا حتى تخرج الشمس. وفي هذا نظر، اللهم إلا إذا وصلت الأمطار إلى حدٍّ يخشى من ضررها، فحينئذٍ يكون انجلاء الغيم وخروج الشمس يكون رحمة، أما مجرد خروج الشمس وانجلاء الغيم فإنه ليس برحمة لكنه حكمة، نعلم أن الله تعالى يفعل هذا لحكمة ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾، فالمسألة أعم مما ذكر المؤلف.

(﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾ المحسن للمؤمنين، ﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود عندهم) قوله: (﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾ المحسن للمؤمنين) ففسَّر الولاية بالإحسان، والصواب أن الولاية أعم، فقوله: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾ أي: الذي يتولَّى أمور عباده، وقوله: ﴿الْحَمِيدُ﴾ أي: المحمود على هذه الولاية؛ لأنها ولاية رحمة وحكمة وعدل، فيُحْمَدُ عليها.

إذا كان الله تعالى هو الولي فإلى من يلجأ إذا ضاقت عليه الأمور؟ يلجأ إلى الله عز وجل؛ لأنه ولي، كما أن اليتيم يرجع إلى وليه في تصريف ماله.

وقوله: ﴿الْحَمِيدُ﴾ أي: المحمود على ولايته، وولاية الله تبارك وتعالى تنقسم إلى قسمين لا تخرج عنهما: إما إحسان، وإما عدل، والثالث: ممتنع وهو الظلم، فولاية الله تعالى لا تخرج عن هذين الأمرين؛ أعني: الإحسان والعدل.

* من فوائد الآية الكريمة: أن إنزال المطر بيد الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾.

* ومن فوائدها: أن بإنزال المطر زوال الشدة؛ لأن الغيث هو إزالة الشدة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن طبيعة الإنسان أنه لا يصبر، فيستولي عليه اليأس والقنوط من رحمة الله، والذي يجب على المرء ألَّا يقنط من رحمة الله، كما قال عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٣]، وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر ٥٦]، فالواجب عليك إذا مَسَّك سُوءٌ ألَّا تقنط، الواجب أن تصبر وتحتسب، ودوام الحال من المحال، لكن الله تبارك وتعالى يذكر الشيء بحسب الواقع لا بحسب ما ينبغي للإنسان من ملازمة الصبر وانتظار الفرج.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن نزول المطر رحمة؛ لقوله: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى ٢٨]، وهذا على تفسير المؤلف أن المراد بالرحمة المطر، وقد ذكرنا أن الرحمة أعم من ذلك، وهو هكذا تشمل نزول المطر، نبات الأرض، سمن المواشي، كثرة التصرفات والحركات.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ولاية الله عز وجل لجميع الخلق؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾ ولم يُقَيِّد.

واعلم أن ولاية الله تعالى نوعان: ولاية خاصة، وولاية عامة.

الولاية العامة هي التي تشمل ولاية الله سبحانه وتعالى لجميع العباد؛ مؤمنهم وكافرهم، بَرهم وفاجرهم، صغيرهم وكبيرهم، ذكَرهم وأنثاهم، هذه عامة، ومنها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢]، هذه من الولايات العامة؛ لأن المراد بهم الكافرون.

الولاية الخاصة هي التي للمؤمنين فقط، ودليلها قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة ٢٥٧].

إذن ما الفرق بين الخاصة والعامة؟ الفرق بينهما في المحل ظاهر؛ الولاية العامة تشمل كل أحد، الولاية الخاصة بالمؤمنين. الفرق بينهما أيضًا من حيث الأثر أو التأثير: أن الولاية الخاصة تستلزم توفيق الله تبارك وتعالى للعبد في الهداية وغير ذلك، والعامة لا تستلزم ذلك، فإن الكفار الله وليهم بالمعنى العام ومع ذلك لم يهدهم؛ لأن الحكمة تقتضي ألَّا يهديهم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ولاية الله تعالى محمودة على كل حال؛ لقوله: ﴿الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾، اقرِنْ بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥] تجد التناسب التام، فالغني الحميد الذي يُحْمَد على غِناه بحيث يُغني به من شاء، والولي الحميد الذي يُحْمَد على ولايته، بحيث يختص بالولاية الخاصة من شاء ويمنعها عمن شاء، وعلى كل حال فولايته حميدة، وغناه حميد عزَّ وجل.

* طالب: هل كلاهما صحيح؟

* الشيخ: نعم.

* طالب: ولا مرجح لأحدهما يحمل عليهما جميعًا؟

* الشيخ: بشرط ألَّا يتنافيان، هنا يتنافيان.

* طالب: وجهه يا شيخ؟

* الشيخ: وجْهُ ذلك أننا إذا قلنا: ﴿يَسْتَجِيبُ﴾ أنها عائدة على الله عز وجل، صارت (الذين) محلها النصب فهم مُجابون، وإذا قلنا: إنها تعود على الله، صارت (الذين) مفعولًا به.

وأيضًا يُضَعِّف القول الثاني -أن ﴿يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: أن الذين هم الذين استجابوا لربهم- قولُه: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فإن الأصل أن الضمائر تكون واحدة، ومعلوم أن الزيادة من الفضل خاصة بالله عز وجل، فالقول بأنها تحتمل المعنى الثاني ضعيف؛ لأنه مرجوح.

* طالب: شيخ أحسن الله إليك، من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ ذكر بعضهم أن الفقير الذي أفقره الله سبحانه وتعالى لحكمته، لا يجوز لأحد أن يغنيه (...) يعني يعطيه شيئًا يستغني به يأكله فقط، كونك تعطيه ما يستغني به سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى؟

* الشيخ: من قال هذا؟!

* طالب: ذكروه في كتاب تقديس الصوفية للأشخاص، هذه فتوى واحد من العلماء؟

* الشيخ: لا عبرة بأقوال الصوفية، هل أنت كنت صوفيًّا من قبل؟

* طالب: إي، كنت صوفيًّا.

* الشيخ: والحمد لله الذي أنقذك منهم، هذه نعمة كبيرة، وهذا غير صحيح؛ لأنه لو كان كذلك لم يجعل الله للفقراء حظًّا من الزكاة، أليس الله تعالى جعل للفقراء حظًّا من الزكاة؟ وأمر بالإحسان إلى الفقراء؟ فتبين ضعفُ هذا القول.

* طالب: ما الفرق بين اليأس والقنوط؟

* الشيخ: القنوط أشد اليأس؛ يعني إذا ارتفع اليأس حتى لم يبقَ في الإنسان أيُّ أملٍ فهذا قنوط.

* طالب: عطف عليه؟

* الشيخ: لا، (الذين) مفعول به.

* طالب: (...).

* الشيخ: وأيضًا المرجح عندنا مرجح على أن المجيب هو الله وهو قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾، لو كان كذلك لقال: فيزيدهم بالفاء؛ يستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيزيدهم إذا استجابوا، فلما جاء حرف العطف الذي يقتضي تساوي المعطوف والمعطوف عليه لم يصح ما قلت، وإلا لقال: ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيزيدهم؛ أي: بسبب استجابتهم يزيدهم من فضله.

* طالب: (...).

* الشيخ: وعلى الإجابة قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران ١٩٥]؛ يعني: أجابهم.

هذا من القنوط؛ إذا نزل بالإنسان ضائقة وقدَّر في نفسه أنه لا يمكن زوالها، فهذا قنوطٌ بلا شك، لكن إذا قدَّر في نفسه أنه لا تمكن إزالتها من المخلوق فهذا حق؛ لأن بعض الأمراض -مثلًا- حسب المعروف أنه لا يمكن للمخلوق أن يزيلها، لكن قد تزول بإذن الله عز وجل.

يُذْكَر لنا أن بعض القراء الذين وهبهم الله تعالى إيمانًا وتقوى يقرأ على المصاب بالسرطان فيبرأ بإذن الله، والسرطان حسب الطب الحسي يرونه من الأمراض الميئوس منها، إذن اليأس من أن هذه الضائقة لا تزول على يد المخلوق حق ولا مانع فيها، أما من عند الخالق فلا يجوز؛ لأن الله على كل شيء قدير، والذي خلقك من ماء مهين قادر على أن يشفيك من هذا المرض مثلًا، والذي أخرجك من بطن أمك ليس عليك ثيابٌ حتى هيأ الله لك الثياب قادر على أن يكسوك بالغنى بعد الفقر، فلا تيأس من رحمة الله أبدًا، انتظر الفرج ولكن اصبر، لا تتعجل الأمور؛ فالله تعالى جعل لكل شيء سنة وطريقة تأتي بها في النهاية.

* * *

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾، ما المراد بالغيث؟

* طالب: ما يحصل به الإغاثة.

* الشيخ: وهو هنا؟

* طالب: المطر.

* الشيخ: وهو المطر. هل هناك فرق بين الغيث والمطر؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: ما هو؟

* طالب: الغيث هو الذي تزول به الشدة.

* الشيخ: تزول به الشدة.

* طالب: والمطر قد ينزل ولا يزول به الشدة.

* الشيخ: زين، ولا يزول به الشدة. هل هناك دليل على هذا؟

* طالب: قول النبي: «لَيْسَتِ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا».

* الشيخ: قول النبي ﷺ: «لَيْسَتِ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، وَلَكِنَّ السَّنَةَ أَنْ تُمْطَرُوا فَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا»[[أخرجه مسلم (٢٩٠٤ / ٤٤) من حديث أبي هريرة.]]، قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾. هل في هذا تقرير للقنوط وأنه جائز أو بيان للواقع؟

* طالب: بيان للواقع.

* الشيخ: بيان للواقع؛ لأن القنوط حكمه شرعًا؟

* طالب: لا يجوز.

* الشيخ: لا يجوز، بل هو من كبائر الذنوب، طيب، الإخبار عن الواقع لا يعني إقراره. ودليل هذا؟

* طالب: (...).

* الشيخ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْمَعَازِفَ»[[أخرجه البخاري (٥٥٩٠) من حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري.]]، وقوله: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ»[[أخرجه البخاري (٧٣٢٠) والحاكم (٨٦١٠) واللفظ له، من حديث أبي سعيد الخدري.]] اليهود والنصارى، وإخباره بأن «الظعينة تخرج من كذا إلى كذا لا تخشى إلا الله»[[أخرجه البخاري (٣٥٩٥) من حديث عدي بن حاتم.]]، هذا الإخبار عن الواقع لا يقتضي حله وإقراره.

ولاية الله تبارك وتعالى تنقسم إلى عامة وخاصة، الخاصة تختص بمن؟ بالمؤمنين. ما الدليل؟ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧]. الولاية العامة قوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢]، وهي عامة لجميع الناس.

﴿الْحَمِيدُ﴾ (فعيل) بمعنى المحمود. هل هناك في اللغة العربية صيغة (فعيل) بمعنى مفعول؟ (قتيل) بمعنى المقتول، طيب، يعني أن الله يُحْمَد على ولايته، (حميد) يعني على ولايته، فكل ما أجراه عز وجل في ملكه فإنه محمودٌ عليه.

ماذا كان يقول النبي ﷺ إذا أصابه ما يسوؤه؟ يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ». وإذا أصابه ما يسرُّه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة.]]، وأما ما يقوله بعض الجهال: الحمد لله الذي لا يُحْمَد على مكروهٍ سواه، فهذه عبارة بدعية لا تجوز؛ لأنها تنبأ عن كراهة الإنسان لما يفعله الله عز وجل، ثم هناك تناقض بين مكروه ومحمود، ثم إن كل ما يجريه الله عز وجل فإن الإنسان يجب عليه أن يرضى به؛ لأن من الإيمانِ الإيمانَ بالقضاء خيره وشره.

فالمهم أن هذه عبارة محدثة يُنْهَى عنها، ويقال لمن يقولها: قل ما قاله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو: الحمد لله على كل حال.

42:29Page 486

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٞ ٢٩

And of His signs is the creation of the heavens and earth and what He has dispersed throughout them of creatures. And He, for gathering them when He wills, is competent.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (مِن) للتبعيض، وآيات جمع (آية)، وهي العلامة المعيَّنة لما كانت له، العلامة التي تُعيِّن الشيء وتحدده يقال لها: آية، (من آيات الله) أي: مِن علاماتِه الدالة على كمال قدرته عز وجل وكمال سلطانه خلق السماوات والأرض، فإنه لا يمكن لأي أحد أن يخلق مثلهن. وسبق الكلام على السماوات والأرض ولِمَ جُمِعَت الأولى والثانية أُفْرِدَت، وما أشبهه.

(وخلق ﴿مَا بَثَّ﴾ فرَّق ونشَرَ ﴿فِيهِمَا﴾ ) أي: في السماوات والأرض، (﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ وهي ما يدُبُّ على الأرض)، قوله: ﴿وَمَا بَثَّ﴾ يعني: خلَقَ، ﴿مَا بَثَّ﴾ (بَثَّ) بمعنى فرَّق ونشر، ﴿فِيهِمَا﴾ أي: في السماوات والأرض، ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: مما يدُبُّ على الأرض من الإنسان وغيره فهو من آيات الله، من آيات الله في هذه المخلوقات أن الله سبحانه وتعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى؛ تجد الحيوانات وهي بُهمٌ لا عقول لها، تجدها تكسب رزقها وتذهب تطلبه، وتخزن ما تخزن منه إن كانت مما يخزن من الأقوات، وتجدها تَحِنُّ إلى أولادها وترحم أولادها وتجوع لشِبَعِهم، إلى غير ذلك مما إذا تأملته عَجِبْت من هذه المخلوقات البُهم.

الطيور أعطاها الله عزَّ وجل قوَّة نظر بعيدٍ، بدليل أنها ترى الحَب وهي في جو السماء، والآدمي لا يرى هذا بلا شك، لكن لما كانت الطيور لا تمشي على الأرض يسَّر الله لها بصرًا نافذًا قويًّا؛ حتى ترى الحب وهي في جو السماء، فتنزل وتأخذه وتطير، إلى غير ذلك من الآيات العجيبة.

انظر مثلًا إلى الذَّرِّ الصغير كيف يهتدي إلى جحره وهو يأتي إليه من بعيد، ثم إنه يمشي على خطٍّ واحد، شاهدناه بأعيننا يمشي على خط واحد على البساط الذي ليس فيه أثر تراب، فتجده يصل إلى النهاية وإذا به ينحرِفُ على زاوية، كيف اهتدى إلى هذا؟ إلا بهداية الله عز وجل. وقد قيل: إنه كلما مشى فإنه يخرج منه شيء -أي مادة- يشُمُّها الذر الآخر فيمشي تبعه، هذا من آيات الله عز وجل.

تجد النمل -وهو أكبر من الذَّرِّ- يحرص على أن يأتي بزاده من بعيد ثم يخزنه في جحره، وإذا أراد أن يخزنه أكل رؤوس الحَب من أجل ألَّا ينبت؛ لأنه لو بقي الحَب برؤوسه نبت وفسد عليه، فتجده يقضَم أعلى الحبة وأسفلها حتى لا تنبت، ثم إذا جاء المطر وابتلَّت الأرض ووصل البلل إلى جحره تجده ينقل هذا الحَب ليخرجه إلى الشمس والهواء حتى ييبس. من الذي علَّمه؟ الله عز وجل لا شك، فهو من آيات الله.

وما أحسن الاستعانة على هذا بقراءة كتاب مفتاح دار السعادة لابن القيم رحمه الله، مفتاح دار السعادة هذا ذكر فيه عجائب، حتى ذكر فيه قصة: أن رجلًا وضع طعمًا لذرة من الذرات إما لحمة أو غيرها، حاولت الذرة أن تحملها عجزت، فرجعت إلى جحرها واستغاثت بأخواتها، فأقبلن إليه يزفون، لما أقبلن عليه نزعه رفعه من الأرض، فجعلت الذر تطلبه ما وجدت شيئًا، فانصرفت وبقيت الأولى التي كانت قد دلت عليه، فوضع الطعم، فلما تيقنته ذهبت إلى قومها فدعتهم، فلما أقبلن نزعه، فطلبنه فلم يكن رجعن، ثم وضع الطعم للمرة الثالثة فتأكدته هذه الذرة، ثم رجعت إلى قومها تستفزعهم، فلما أقبلن نزعه، فلما طلبنه ولم يجدنه أكلن هذه الذرة نهائيًّا؛ قطعنها أوصالًا. يقول: فحكيت ذلك لشيخ الإسلام ابن تيمية متعجبًا منه، قال: نعم، كل شيء مفطورٌ على عقوبة الظالم الكاذب، وهذه كذبت عليهن وظلمتهن فلم يَبْقَ إلا أن تُعْدَم؛ لأن الساعي في الأرض فسادًا يجب إعدامه حتى الآدمي.

ولكني أسألكم هل عليه دية هذه المقتولة، الرجل؟ نعم، هو ظالم لها، نسأل الله أن يعفو عنه.

على كل حال، قصدي بذلك أن كل شيء هداه الله عز وجل لما خلقه له حتى الذَّر، شاهدته أنا في حوض نخلة لما سقيت النخلة الماء دخل الماء من تحت الأرض إلى جحر الذر، فجعلت الذر تحمل بيضها الأبيض وبسرعة حتى أخرجته عن الماء. من الذي هداها لهذا؟ الله عز وجل.

وآيات الله كثيرة، ولهذا قال عز وجل: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الجاثية ٤]، فأتى بالماضي وأتى بالمضارع الدالِّ على الاستمرار.

قوله: (﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ وهي ما يدُبُّ على الأرض من الناس وغيرهم، ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ للحشر، ﴿إِذَا يَشَاءُ﴾ جمعَهم ﴿قَدِيرٌ﴾ ) ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ أي: جمع هذه المخلوقات، ﴿إِذَا يَشَاءُ﴾ أي: إذا يشاء جمعهم، فالمفعول به محذوف دَلَّ عليه السياق، ﴿قَدِيرٌ﴾ أي: لا يعجزه شيء، يقول المفسِّر رحمه الله: (في الضمير تغليب العاقل) الضمير يعني في ﴿جَمْعِهِمْ﴾، تغليب العاقل؛ لأن الميم الدالة على الجمع لا تكون إلا في العقلاء، وأما غير العقلاء فيؤتى بنونِ النسوة، لكن هنا أتى بضمير الجمع مع أن ما في الأرض من دابة أكثره غير عقلاء، لكن يقول المؤلف رحمه الله: (تغليب للعاقل).

* في هذه الآية الكريمة: بيان أن خالق السماوات والأرض هو الله؛ لقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولم يشاركه أحد في ذلك.

* ومن فوائدها: أن هذه المخلوقات من آيات الله عز وجل. ولكن يا إخواننا لا يتبين أنها من آيات الله إلا بالتأمل والتدبر؛ لأننا اعتدنا هذه المخلوقات؛ اعتدنا طلوع الشمس وغروبها، وطلوع القمر وغروبه، فلم يكن ذلك محركًا لقلوبنا لأنه شيء معتاد، لكن لو أننا تدبرنا هذه المخلوقات لتبين لنا أنها من آيات الله العظيمة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من آيات الله عز وجل ما يبث في السماوات والأرض من دابة من الآدميين وغير الآدميين، فإن في كل شيء منها آية تدل على كمال وحدانيته عز وجل ورحمته وحكمته.

* ومن الفوائد: أن ظاهر الآية أن في السماوات دواب؛ لقوله: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، أما الأرض فالدواب فيها معلومة لنا، أكثرها معلوم لنا نعرفه ونشاهده، أما السماوات ففيها دواب لكن لا ندري ما هي.

إن قلت: (الملائكة) صار في ذلك إشكال، إن قلت: غير الملائكة، قلنا: إن الله على كل شيء قدير؛ لأن الملائكة بيَّنَ الله تبارك وتعالى أنهم أولو أجنحة فقال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر ١]، وذو الجناح يطير، وربما يكون يمشي أيضًا.

على كل حال نحن لسنا مكلفين إلا بما نفهمه من ظاهر الآية ولا نتجاوز ذلك، فنقول: ظاهر الآية الكريمة أن السماوات فيها دواب كالأرض، وإذا سألنا سائل: ما هذه الدواب؟ قلنا: إما الملائكة أو غيرها، الله أعلم.

وقال بعض العلماء: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: في الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن ١٩] إلى قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن ٢٢]، وزعموا أن ذلك لا يكون إلا في المالح، والصواب أن الآية على ظاهرها في آية الرحمن ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾، وأن البحرين المالح والعذب كلاهما يخرج منه اللؤلؤ والمرجان وإن كان في أحدهما أكثر.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل في جمع هذه الدواب ليوم الحساب؛ لقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على أولئك المنكرين للبعث الذين قالوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، المنكرون للبعث يقولون: إن كنتم صادقين هاتوا آباءنا، فيقال: إن الله تعالى لم يشأ ذلك، وسيشاؤه فيما بعد، وأنتم لم يقل لكم: إنكم مجموعون اليوم بل قيل: ﴿إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠]، وأما تحديهم بما لم يلتزمه المتكلم فهذا ضائع سُدًى.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله تبارك وتعالى بجمع هذه المخلوقات.

فإن قيل: هل في الآية ما يدل على تقييد القدرة بالمشيئة؟

فالجواب: لا؛ لأن المقيد بالمشيئة ليس القدرة ولكن الجمع، وبهذا نعرف أن بعض الناس الذين يقولون: إنه على ما يشاء قدير قد أخطؤوا خطأ عظيمًا وقيدوا ما أطلقه الله؛ فإن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٠] على ما يشاؤه وما لا يشاؤه، وهؤلاء يقولون: إنه على ما يشاء قدير، فقدَّموا المعمول، وتقديم المعمول يفيد الحصر، إذن هو قدير على الذي يشاء، وأما الذي لا يشاؤه فليس قدير عليه، وهذا غلط عظيم، الله قادر على كل شيء؛ اللي يشاؤه واللي ما يشاؤه.

إذن هل ننهى من نسمعه يقولها؟ نعم، ننهاه عن ذلك ونقول: يا أخي قل ما قاله الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]، لا تقل: على ما يشاء قدير. نسأل الله تعالى أن يجمعنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском