Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
الزخرف
Az-Zukhruf
The Ornaments of Gold · Meccan · 89 ayahs
43:1–3Page 489
حمٓ ١
Ḥā, Meem.1
وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢
By the clear Book,
إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٣
Indeed, We have made it an Arabic Qur’ān that you might understand.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، ففي هذا الصباح صباح يوم السبت الخامس عشر من شهر ربيع الأول عام واحد وعشرين وأربع مئة وألف نستفتح الدروس الصيفية في الجامع الكبير في عُنَيْزَة، والتي تستمر خمسة أيام في كل أسبوع: السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، من الساعة الثامنة إلى تقريب الساعة العاشرة والنصف، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، ورزقًا طيبًا واسعًا.
نبتدئ جلسة هذا اليوم بالتفسير كما هو مُقَرَّر في الجدول، فليقرأ أحدكم ممن أعطاه الله حَلْقًا واسعًا وأداءً جيدًا، ليقرأ ما سنبدأ به اليوم من سورة الزخرف.
* طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف ١ - ٤].
* الشيخ: الزخرف التي نبتدئ دراسة التفسير بها، ولكني أُقَدِّم بين هذا مُقَدِّمَات:
أولًا: القرآن الكريم ما عقيدة أهل السنة فيه؟
الجواب: عقيدة أهل السنة في القرآن الكريم أنه كلام الله عز وجل، كلام الله حقيقةً، تكلَّم به حرفيًّا، وأراد معناه حسب اللغة العربية، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، هذا القرآن ينزل شيئًا فشيئًا كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء ١٠٦]، أي: شيئًا فشيئًا حسب ما يحتاج الناس ينزل في وقت نزوله.
ومنها –أي: من المقدمات- أن القرآن الكريم نزل على وجهين؛ الوجه الأول: ما له سبب، والثاني: ما لا سبب له، الأول: ما له سبب، أي: نزل بسبب حادثة وقعت فنزل فيها.
ومن الضوابط في هذا أن كل آية فيها ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ فإنها لسبب، (يسألونك عن كذا) هذا سبب، فكلما رأيت في القرآن الكريم آية مُصَدَّرَة بكلمة ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ فإنها نزلت لسبب، وقد يذكر فيها ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ حسب ما ذُكِر في كتب التفسير.
إذا نزلت الآية لسبب فهل تختص بذلك السبب، أو تكون عامَّة له ولما يشاركه في العلة؟
الجواب: تكون عامة له ولما يشاركه في العلة، ولهذا قال العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فمثلًا: أول سورة المجادلة نزلت في قصة رجل معين -أوس بن الصامت- فهل نقول: إن هذا الحكم خاص به، أو نقول: إنه عامٌّ له ولمن يشاركه في المعنى؟ الثاني، فكل مَن ظاهر من امرأته فله حكم ظِهَار أوس بن الصامت رضي الله عنه.
وهذه القاعدة تفيدك في استعمال الاستدلال بالقرآن الكريم، وأن الأصل هو العموم.
القرآن الكريم له خصائص كثيرة، منها: أنه لا يمسه الإنسان إلا على طهارة، يعني أن الْمُحْدِث لا يحل له أن يمس المصحف حتى يتوضأ؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما كتبه لعمرو بن حزم: «أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ»[[أخرجه الطبراني (١٣٢١٧) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.]] أي: طاهر من الحدث؛ لأن الطهارة من الحدث تسمى طهارة، كما قال عز وجل في آية الوضوء والغسل والتيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة ٦].
واستثنى بعض العلماء -رحمهم الله- الصغار غير الْمُكَلَّفِين، فقال لهم أن يَمَسُّوا المصحف بدون وضوء؛ لأنهم غير مُكَلَّفِين.
وفي هذا الاستثناء نظر؛ لأننا لو قلنا بهذا لقلنا: يجوز لهؤلاء الصغار أن يُصَلُّوا بغير طهارة، ولا قائل به فيما أعلم، وعلى هذا فلا بد من الطهارة حتى للصغار.
لكن ما دعت الحاجة إلى مَسِّهِ بدون طهارة؛ كألواح الصغار الذين يتعلمون في المدارس، هؤلاء لا يحتاجون إلى وضوء؛ لأننا لو كَلَّفْنَاهم بذلك لشقَّ عليهم.
هذا القرآن الكريم لا يحل للجُنُب أن يقرأ منه آية فأكثر حتى يغتسل، فإذا كان على الإنسان جنابة فإنه لا يَحِلُّ له أن يقرأ شيئًا من القرآن آية فأكثر إلا إذا اغتسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم كان يُقْرِئ أصحابه القرآن ما لم يكن جُنُبًا، أو قال: ما لم نكن جُنُبًا[[أخرج الترمذي (١٤٦) عن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جُنُبًا.]].
فإن قال قائل: هل يجوز للجُنُب أن يقرأ آية لا لقصد القرآن ولكن لأنها آية دعاء مثلًا، مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران ٨]؟
فالجواب: نعم، يجوز له هذا؛ لأنه لم يقصد تلاوة القرآن.
فإن سأل سائل: ما تقولون في قراءة الحائض القرآنَ؟
فالجواب: اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين؛ القول الأول: أن الحائض لا يجوز لها أن تقرأ القرآن؛ لأنها كالجنب، والقول الثاني: لها أن تقرأ القرآن؛ لأنه ليس في السنة دليل صحيح صريح يمنع الحائض من قراءة القرآن، ولو كانت الحائض لا تقرأ القرآن لبُيِّنَ ذلك، من كثرة وقوع الحيض واحتياج النساء إلى بيان الحكم، فلما لم يَرِد في ذلك حديث صحيح صريح فما الأصل؟ الأصل الجواز؛ لأن القرآن من الذِّكْر، والحائض لا تُمْنع منه.
وعندي أن الحائض تقرأ القرآن لحاجة أو مصلحة؛ الحاجة كأن تقرأ وِرْدَها من القرآن، مثل: آية الكرسي، (قل هو الله أحد)، (قل أعوذ برب الفلق)، (قل أعوذ برب الناس)، هذه حاجة، أو تقرأ القرآن لئلا تنساه، هذه حاجة أيضًا.
لمصلحة؛ مثل: أن تُقْرِئ ابنتها أو طفلها القرآن؛ أي: تُعَلِّمه القرآن؛ لأنه إذا لم يَرِد دليل صحيح صريح في المنع وكانت المسألة فيها احتمال فالاحتياط أولى.
إذن الحكم الآن الذي اخترناه أن لها أن تقرأ القرآن لحاجة أو مصلحة؛ لعدم الدليل الصحيح الصريح على منعها.
القرآن الكريم مختص بأن كل حرف منه حسنة، في كل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وليس ذلك موجودًا في السُّنَّة، حتى الأحاديث القدسية لا يثبت لها ذلك، إنما هذا خاصٌّ بالقرآن الكريم.
القرآن الكريم يختص بالإعجاز، أي بأن الْخَلْق لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، أي: مُعِينًا، وليس ذلك موجودًا في أي كلام من كلام البشر، إنما هو في القرآن الكريم، لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، بل ولا بعَشْر سورٍ منه، بل ولا بسورة منه، بل ولا بآية منه.
القرآن كاملًا سمعتم الآية: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾، عشر سور في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود ١٣]، سورة في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس ٣٨]، آية في قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور ٣٣، ٣٤]، حديث أيُّ حديثٍ، عجز العرب عن ذلك، أي: عن أن يأتوا بشيء من مثل القرآن، مع أنه قد تَوَفَّرَت لهم أساليب البلاغة والفصاحة، وصار الداعي لمعارضة القرآن عندهم قويًّا، فلما كان السبب الداعي قويًّا ولم يُوجَد مانع عُلِم أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثله.
ولذلك تجد القرآن الكريم -سبحان الله!- لا يَمَلُّ الإنسان من قراءته، ولا من تكراره، وغيره يَمَلُّ من تكراره، ويَمُجُّه السمع، ويَثْقُل على اللسان، لكن القرآن الكريم لا يَخْلَقُ مع الترداد أبدًا، تجده طريًّا كلما قرأته.
ثم إذا كان الله تعالى قد فتح عليك وكان عندك نية وقصد صحيح في معرفة المعنى فكل قراءة تقرؤها يفتتح لك بها معنى غير الأول، جَرِّبْ تَجِدْ، هذا شيء معلوم، لكن هذا لمن؟ لمن عَلِمَ اللهُ منه صدق الطلب في معرفة المعنى، أما مَن أعرض عن ذلك فإنه لا يستفيد، لكن مَن علم الله منه صدق الطلب فإن الله يفتح عليه كلما قرأ القرآن من المعاني ما لم يكن سابقًا.
القرآن الكريم أنزله الله عز وجل وجعله مباركًا، مباركًا في أيش؟ مباركًا في تأثيره، مباركًا في ثوابه، مباركًا في آثاره.
مباركًا في تأثيره، يعني أنه مؤثر على القلب، ويلين القلب، ويكسبه خشية لله عز وجل؛ لأن الله قال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر ٢١]، سبحان الله! وهو جبل حصى يكون خاشعًا ذليلًا ويتصدع من خشية الله عز وجل، فما بالكم بالقلب لو كان القلب حيًّا؟ يكون من باب أولى، ولهذا قال ابن عبد القوي رحمه الله:
وَحَافِظْ عَلَى دَرْسِ الْقُرَانِ فَإِنَّهُ ∗∗∗ يُلَيِّنُ قَلْبًا قَاسِــــيًا مِثْلَجَلْمَدِ
وما أكثر الذين يشكون قسوة قلوبهم اليوم لأسباب ليس هذا موضع ذكرها، ولكن إذا أحسوا بقسوة القلب فعليهم بالقرآن، نسأل الله أن يلين قلوبنا، عليهم بالقرآن، هذا من جهة التأثير.
من جهة التأثير أيضًا القرآن الكريم رُقْيَة من كل داءٍ، كل مرض فالقرآن الكريم رقية له، إي نعم، فالقرآن الكريم دواء له، دواء لكل مرض، أيّ مرض؛ الجسمي أو القلبي أو هما؟
* طلبة: هما.
* الشيخ: نعم، المرض القلبي؛ وهو الشبهة التي تَرِدُ على القلوب، أو إرادة السوء شفاؤها القرآن، المرض الجسمي العضوي شفاؤه القرآن، نزل قوم من الصحابة على قوم من العرب، نزلوا ضيوفًا، ولكن هؤلاء العرب لم يُضِيفُوا الصحابة، أَبَوْا أن يضيفوهم، تنحَّى الصحابة إلى جانب ونزلوا، فسلَّط الله على سيد العرب عقربًا فلدغته وآلَمَتْهُ، فقال بعضهم لبعض: ألا تنظرون إلى هؤلاء القوم لعل فيهم مَن يقرأ، فأتوا إلى الصحابة وقالوا: إن سيدهم لُدِغ، فهل فيكم قارئ؟ قالوا: نعم، فينا قارئ، ولكننا لن نقرأ عليه - على هذا المريض- إلا بقطيع من الغنم؛ لأن هؤلاء العرب لم يُكْرِمُوهم، فأرادوا أن يأخذوا حقهم منهم، قالوا: ولكم ذلك، فقام رجل من الصحابة على هذا اللديغ وجعل يقرأ عليه سورة الفاتحة حتى قام كأنما نُشِطَ من عقال، والسم قد سَرَى في جسمه، لكن زال هذا وطار، هذا تأثير ولَّا غير تأثير؟ هذا تأثير عجيب، وما أكثر ما نقرأ الفاتحة وغير الفاتحة والمريض يَتَلَبَّط في مرضه، لماذا والآية واحدة؟ لأنه -كما يقال- السيف بضاربه، السيف حديد قاطع، لكن إذا كان مع جبانٍ هل ينفعه أو لا ينفعه؟
* طلبة: لا ينفعه.
* الشيخ: تقولون هذا موافقةً لي ولَّا واقع؟
* طلبة: واقع.
* الشيخ: واقع، السيف مع جبان لا ينفعه، ربما إذا رأى العدو مُقْبِلًا عليه ألقى بالسيف وهرب، لكن بيد الشجاع ينفع، ويدافع عن نفسه ويقتل عدوه.
ولهذا يُذْكَر عن رجل كان الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- يقرأ عليه وكان به صرع من الجن، فيخرج الجني، ولما مات الإمام أحمد عاد الجني، فقام رجل يقرأ على هذا المصروع بما كان الإمام أحمد يقرأ به، ولكن الصارع أَبَى أن يخرج، وأجاب بأن الآية هي الآية، والقارئ غير القارئ.
فلا تظن إذا لم تجد تأثير القرآن مباشرة لا تظن أن القرآن غير مؤثِّر، ولكن القارئ غير مُؤَثِّر.
مبارك في آثاره، كيف ذلك؟ بماذا فتح المسلمون مشارق الأرض ومغاربها؟ بأيش؟ بالقرآن، أي بالعمل بالقرآن، فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ بالقرآن ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢]، فتحوا مشارق الأرض ومغاربها بالقرآن حين كان القرآن باليد اليمنى، والسيف باليد اليسرى، والآن كثير من الممالك الإسلامية بيدها القانون الوضعي بدلًا عن القرآن الكريم، ولذلك كان التأخر والذل في الأمة الإسلامية بسبب عمل مَن ينتسبون إليه، فالذنب إذن في تأخر المسلمين اليوم ليس ذنب الإسلام ولكن ذنب المسلمين، هذا من آثار القرآن الكريم؛ أن مَن تَمَسَّك به فهو منصور، والشاهد ما سبق من سلفنا الصالح.
مبارك في ثوابه؛ الحرف الواحد فيه حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وما أكثر حروف القرآن.
وبهذه المناسبة عرض عَلَيَّ في الرياض في الأسبوع الماضي إنسانٌ ورقة مكتوبًا فيها: الإعجاز العددي في القرآن، جدول ذكر فيه أن جميع حروف القرآن كلها تقبل القسمة إذا جُمِعَت على تسعة عشر، ولكن هذا افتراء على الله عز وجل ومناقض للواقع، ولا يجوز تداول هذه البطاقة؛ لأنه لا يمكن لإنسان أن يشهد أن الله تعالى تَكَلَّم بالقرآن بحيث تكون حروفه منقسمة على تسعة عشر، مَن يقول هذا؟! لكنه افتراء على الله عز وجل، ثم إن القرآن الكريم لا يمكن أن يقال: إنها تنقسم على تسعة عشر مع اختلاف القراءات، فمثلًا (تَبَيَّنُوا) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦]، والقراءة الثانية: ﴿﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ ﴾، إذن اختلفَا، أتت الثاء بدلًا عن الباء؛ تثبتوا، وبدلًا عن النون، فاختلَّت القسمة.
كذلك في القرآن الكريم ﴿﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴾ و﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]، اختلت، زاد حرف.
لكن هؤلاء المشغوفون بما يَدَّعُون أنه ذكاء وأنهم اطَّلَعُوا على ما لم يطلع عليه أحد يأتون بمثل هذه الخرافات (...) القرآن، هل القرآن جاء ليُحْسِن الناس العدد ويقسموه على تسعة عشر؟ لا والله، ولا يمكن أن ينزل هذا القرآن الكريم من أجل هذه المعجزة كما يقولون، مع أنها ليست معجزة، فاسدة باطلة.
أحببت أن أُنَبِّه على هذا؛ لأنه ربما تشيع؛ لأن الذي سألني عنها يريد أن يطبع منها الملايين ويوزعها على الناس، ويقول: انظروا للقرآن الكريم، نقول: هذا غلط، القرآن ما نزل لهذا المعنى، ولا يمكن أن يُرَاد به هذا المعنى، انتبهوا لمثل هذه الأمور التي تُنْشَر، قد تكون من ملحد كافر، أو فاسق فاجر يريد بها صَدَّ الناس عن المعنى الذي من أجله نزل القرآن.
قال الله عز وجل: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ أي: ليتفكَّرُوا فيها ويُرَدِّدُوها بأفكارهم حتى يتبين لهم المعنى، فالقرآن الكريم لم ينزل لتلاوته لفظًا فقط، بل ولِتَدَبُّر معناه، ولا يمكن العمل به إلا بمعرفة معناه، ولا يمكن معرفة معناه إلا بتدَبُّرِه، إذن فالتكفير في معناه أمر واجب، يجب أن تتعلم معنى القرآن كما تتعلم معنى الآجرومية، أتعرفون الآجرومية؟ كتاب صغير في النحو، لا يمكن أن يستفيد منه الإنسان حتى يعرف معناه، كذلك أيضًا القرآن الكريم لا يمكن أن يستفيد الإنسان منه حتى يعرف معناه.
لو أن هناك كتابًا في الطب من أفصح الكتب وأنت لا تعرف المعنى فهل يمكن أن تستفيد منه؟ أجيبوا يا جماعة، لا يمكن، إذن لا يمكن أن تستفيد من القرآن حتى تعرف معناه، ولقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»[[أخرجه البخاري (٥٠٢٧) من حديث عثمان رضي الله عنه.]]، وهذا يشمل التعلم اللفظي والتعلم المعنوي، ولهذا قال: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾.
وإذا شئت أن تعرف هذا فاقرأ آية من القرآن مع التدبر، واقرأها مع الغفلة، تجد الفرق العظيم بين هذا وهذا، لذلك أَحُثُّكُم أيها الإخوة على تعلُّم المعنى؛ معنى القرآن الكريم.
اقرؤوا كتب التفسير الموثوقة، واحذروا الكتب التي لا يُعْرَف مَن ألَّفها، أو التي عُرِف من ألَّفها بأنه منحرف، أو ما أشبه ذلك؛ لأن من المفسرين مَن حَرَّفَ القرآن ونقله إلى ما يعتقده هو لا إلى ما يدل عليه القرآن، فاحذروهم، وإذا لم تتمكنوا من هذا فاسألوا أهل العلم حتى تستفيدوا من القرآن الكريم.
﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، ثانيًا: قال: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، يتذكر أي: يَتَّعظ أصحاب العقول.
وانظر للفرق بين قوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، حيث عَمَّمَ فيها، وقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، حيث خَصَّ؛ لأنه لا يتذكر بالقرآن ويَتَّعِظ به إلا أصحاب العقول، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧].
فإذا قال قائل: إلى مَن نرجع في تفسير القرآن؟
فالجواب: نرجع إلى القرآن، نُفَسِّر القرآن بالقرآن، فإن لم نجد ففي السنة، فإن لم نجد فبأقوال الصحابة، ولا سيما المفسرون منهم، فإن لم نجد رجعنا إلى أقوال التابعين، أعني المفسِّرين منهم، كمجاهد بن جبر وغيره.
مثال تفسير القرآن بالقرآن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٧ - ١٩]، ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة ١ - ٤]، والأمثلة كثيرة.
مثاله من السنة قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، ﴿الْحُسْنَى﴾ يعني: الجنة، زيادة هي النظر إلى وجه الله عز وجل، فَسَّر ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو أعلم الخلق بكتاب الله تعالى.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال ٦٠]، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]، مرتين أو ثلاثًا، ففسر القوة بالرمي؛ لأن الرمي أشد ما يكون فتكًا بالنسبة للأسلحة.
وإلى يومنا هذا الرمي هو قوة، كان الناس في الأول يرمون بالسهام بالقوس، الآن يرمون بأيش؟
* طلبة: بالصاروخ.
* طالب آخر: بالمدفع.
* الشيخ: لا، المدفع الآن ليس بشيء، بالصواريخ والقنابل، فلا تظن أن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» خاصًّا بما كان في عهده، بل هي عامة فيما يحدث إلى يوم القيامة.
على كل حال، نرجع في تفسير القرآن إلى تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ولا نعدل عن أقوال الصحابة إلى تفسير المتأخِّرين أبدًا، خصوصًا في العبادات، أما في الأمور التي تحدث ويكون في القرآن إشارة لها فهذه قد لا يَرِدُ عن السلف فيها تفسير، ولكن تُفَسَّر حسب الوقت؛ لأن هناك أشياء من الأمور الكونية الفضائية والأرضية لم يتكلم فيها السلف، ولكن تكلم فيها المتأخِّرون، فنقول: يُرْجَع إلى قول المتأخرين في هذا؛ لأن السلف لم يكونوا يعرفون ذلك.
أما مسائل العبادة والمعاملات وما أشبهها فإنه يُرْجع في ذلك إلى تفسير الصحابة على كل حال.
ثم بعد ذلك المرتبة الرابعة..
* طلبة: التابعون.
* الشيخ: لا، كبار التابعين، أو كبار المفسرين من التابعين، ومرتبتهم أدنى بكثير من مرتبة الصحابة، أسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يتلون كتاب الله حق تلاوته، وأن يرزقنا تَعَلُّمَه لفظًا ومعنى، والعمل به، إنه على كل شيء قدير.
هذه المقدِّمات قد تكون أفيد مما لو شرحنا أو فَسَّرْنَا القرآن الذي هو محل الدرس اليوم، ولكن -إن شاء الله تعالى- أمامنا الأيام.
* طالب: شيخ، أثابكم الله، إذا جلس جماعة -مثلًا- وقرأ أحدهم، وكلهم منصت، ويتدبرون القرآن معًا، هل لهم الأجر مثل أجر القارئ؟
* الشيخ: يقول: إذا اجتمع جماعة على كتاب الله يستمعون القرآن وينصتون له فهل لهم أجر القارئ؟ الجواب: نعم، لهم أجر القارئ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٤]، ولذلك يُشْرَع لهم إذا سجد القارئ سجود التلاوة أن يسجدوا معه، فحكمهم حكمه.
* طالب: قلنا: الحائض تقرأ القرآن لمصلحة..
* الشيخ: أو حاجة.
* الطالب: أو حاجة، هل تمس القرآن؟
* الشيخ: لا، القرآن لا يمسه إلا طاهر، ولكنه ليس فيه منع من قراءة القرآن، ممكن أن تمسك المصحف بقفازين أو من وراء ثوب.
* طالب: أثابكم الله، هل نأخذ منه أن الاستماع له نفس الحكم؟
* الشيخ: هل نأخذ؟
* الطالب: هل نأخذ أن الاستماع الذي يستمع له نفس أجر القارئ، هل نأخذ منه مشروعية ما يُفعل في بعض الدول من أنهم يُشَغِّلون مُسَجِّلًا يوم الجمعة ويجلسون يستمعون؟
* الشيخ: لا، هذا يسأل يقول: هل للمستمعين إلى التسجيل أجر؟ فالجواب: لا، ليس لهم أجر القراءة؛ لأن هذا حكاية صوت قارئ قد يكون ميتًا وليس قراءة، ولهذا لا (...) الأذان من مُسَجِّل، كما يفعل بعض الناس، في بعض الأمكنة عنده مُسَجِّل إذا وقت الأذان فتح الْمُسَجِّل للمؤذن، هذا غلط عظيم، ولا ينفع.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾.
البسملة آية من كتاب الله، يعني أن الله عز وجل أنزلها كما أنزل باقي القرآن، فهي كلام الله عز وجل، تُفْتَتح بها كل سورة من الفاتحة إلى (قل أعوذ برب الناس)، إلا (...) فإنها لم تنزل لافتتاحها، وليست البسملة من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، وعلى هذا فلا تُحْسَب من آياتها.
الفاتحة -مثلًا- افتُتِحَت بالبسملة، والبسملة ليست منها، بل هي آية مستقلة، وأول الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والدليل على هذا ما جاء في الحديث الصحيح أن الله عز وجل قال في الحديث القدسي: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ «قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قَالَ اللَّهُ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ «قَالَ اللَّه: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ مقارب.]]، فبدأ بـ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ويدل لهذا أيضًا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لا يجهر بها –أي: بالبسملة- في القراءة الجهرية، ولو كانت من الفاتحة لجهر بها كسائر آياتها.
ويدل لهذا أن الله تعالى قسمها بينه وبين عبده نصفين، فلنقرأ ثلاث آيات لله، وثلاث آيات للعبد، وواحدة بينهما، الثلاث الآيات لله هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٢ - ٤]، الثلاث للعبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، المشتركة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فتجد هذه المشتركة تجدها هي النصف، وهي بين العبد وبين الله نصفين، هي النصف من بين سبع آيات.
فإذا قال قائل: نحن نجد في المصحف أن البسملة قد رُقِّمت على أنها من آياتها، وأن ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قد جُعِلت آية واحدة؟
فالجواب: أن هذا على رأي بعض العلماء، وكأن الذين طبعوا المصحف أَوَّل ما طبعوه طبعوه على هذا الرأي، واستمر الناس عليه.
على أنني وجدتُ مصحفًا مطبوعًا فيه أول آية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والآية السابعة ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، والبسملة لم تُرَقَّم، مصحف مطبوع، وهذا هو المطابق للصواب.
مما يدل على ذلك أيضًا أن الآيات لا تكون متناسبة في الطول والقصر إلا إذا قسمنا الآية الأخيرة قسمين؛ لأنك إذا قلت: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ صارت الآية هذه طويلة بالنسبة لبقية الآيات، فلا تناسبه.
فعلى كل حال القول الراجح المتعيِّن أن أول الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأن البسملة ليست منها كسائر السور.
بقينا البسملة معمول مجرور بالباء؛ لأن كل اسم مجرور بالباء فإنه معمول على كل حال، ويش معنى معمول؟ يعني: لا بد له من عامل محذوف، ولهذا قال ناظم الْجُمَل:
لَا بُدَّ لِلَّجَــارِ مِـــنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِي
البسملة معمولة لعامل محذوف، أعطيتكم الآن قاعدة ما هي؟ كل اسم مجرور فلا بد له من عامِل، فأين عامل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ نقول: العامل محذوف، يُقدَّر فعلًا متأخرًا مناسبًا للمقام؛ يُقدَّر فعلًا، ثانيًا: متأخِّرًا مناسبًا للمقام، أنا أريد أن أقرأ فأقول: باسم الله، قَدِّر العامل؟ أقرأ، التقدير: باسم الله أقرأ.
لو سألت: لماذا نُقَدِّرُه فعلًا ولا نُقَدِّره اسمًا، فنقول: باسم الله قراءتي؟
فالجواب: الأصل في العمل هو الأفعال، ولذلك لا تجد اسمًا عاملًا إلا بشروط، نحن الآن نعطيكم ضوابط يا إخواني، نقول: قَدَّرْنَاه فعلًا لماذا؟ لأن الأصل في العامل أو في العمل أن يكون فعلًا، ودليل ذلك أنه ما من اسم يكون عاملًا إلا بشروط.
لماذا قَدَّرْنَاه متأخِّرًا ولم نقل: أقرأ باسم الله؟ لفائدتين:
الفائدة الأولى: التَّبَرُّك ببداءة الكلام باسم الله.
الثانية: الحصر، يعني: باسم الله لا باسم غيره؛ لأنه إذا تَقَدَّم المعمول على العامل كان ذلك دليلًا على الحصر، يعني الاختصاص، فكأن القارئ يقول: باسم الله أقرأ لا باسم غيره.
لماذا قَدَّرْنَاه فعلًا مناسبًا؟ لأنه أَدَلُّ على المقصود، فمثلًا حين نريد أن نقرأ، نقول: التقدير: باسم الله أقرأ.
لو قال قائل: لماذا لا نقول: باسم الله أبتدئ؟
قلنا: لأن كلمة (أبتدئ) صالحة لكل فعل ابْتُدِئَ به، وإذا قلت: أقرأ، صار خاصًّا، وهو أدل على المقصود، هذا تقرير إعراب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ كلما أَتَتْكَ.
عندما يُقَدَّم الغداء تقول: باسم الله، كيف نُقَدِّر؟
* طلبة: باسم الله آكل.
* الشيخ: آكل؟ لا، فيه شيء أخص، أَتَغَدَّى أو آكل الغداء؛ لأنه أخصّ.
أردت أن تشرب تقول: باسم الله أشرب، أردت تدخل المسجد تقول: باسم الله أدخل، وهلم جرًّا.
أما قولنا: (باسم الله) فالمراد بكل اسم لله، وإنما حملناه على العموم؛ لأن المفرد إذا أُضِيف صار للعموم؛ أي: أبتدئ بكل اسم من أسماء الله، الرحمن، أي: ذو الرحمة الواسعة، الرحيم، أي: ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين، كما قال عز وجل: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣].
﴿حم﴾ قال المفسِّر: (الله أعلم بمراده به)، ﴿حم﴾ هذان حرفان هِجَائيَّان؛ أحدهما حاء، والثاني ميم، لا إعراب لهما.
وهل لهما معنى؟ المؤلف –المفسِّر- يقول: (الله أعلم بمراده به)، إذن لا ندري هل لها معنى أو لا؟ ولا ندري ما المراد بالمعنى؟ فموقفنا من هذا أيش؟ التفويض، الله أعلم، وهكذا يُقَالُ في كل حرف هجائي ابتُدِئَت به السورة، فيه غير (حم)؟ فيه؛ الم، الر، ن، ق، ص، وما أشبهها.
فالمؤلف رحمه الله يقول: ما لنا ولتفسيره، الله أعلم بمراده به، قد يكون أراد معنى، وقد لا يكون أراد معنى، وقد يكون أراد معنى تدل عليه السورة، وقد يكون أراد معنى آخر.
ولكن القول هذا ضعيف، والصواب أن نقول: لا معنى له، (لا معنى له) ليس معناه أنه حَشْوٌ لا فائدة منه، لا، لا معنى له ذاتيًّا، بدليل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف ٢]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣]، وقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥]، ثلاث آيات، اللسان العربي هل وُضِعَ فيه حروف هجائيَّة لها معنى؟ لا، اللسان العربي وُضِعَت فيه حروف هجائية لتركيب الكلام منها، وهي في اللغة العربية ثمانية وعشرون حرفًا.
عندما تقرأ في اللوح: أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، ويش معناها؟ ليس لها معنى، إنما هي حروف تُكَوَّن منها الكلمات، فإذا كان كذلك والقرآن الكريم نزل بلسان عربي فإننا نجزم بأنه ليس لهذه الحروف معنى، كيف نجزم؟ أعوذ بالله! وإذا كان الله قد أراد بها شيئًا؟ نقول: لا يمكن أن يريد بها شيئًا وهو نازل باللسان العربي، واللسان العربي لا يجعل لهذه الحروف الهجائية معنى، نحن نجزم لقوله: ﴿عَرَبِيٍّ﴾.
قوله عز وجل: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه ١، ٢]، هل (طه) اسم من أسماء الرسول؟ لا، (طه) مثل (الر)، ومثل (حم)، حرفان هجائيَّان ليس لهما معنى، إذا قال إنسان: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ الخطاب، نقول: إذن اجعل (ن) من أسماء الرسول؛ لأن الله قال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم ١، ٢]، ولا قائلَ به.
إذا قال قائل: ما الفائدة من هذه الحروف الهجائية إذا لم يكن لها معنى في حد ذاتها؟
أقول: الفائدة أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء الذين سبقوه ولحقوه، الفائدة التنبيه على أن هذا القرآن الكريم الذي عجز الناس أن يأتوا بمثله لم يأتِ بحروف جديدة فيحتج الناس ويقولوا: هذه حروف ما نعرفها، جديدة، القرآن الكريم جاء بالحروف المعروفة عند المخاطبين، ومع ذلك أعجزهم، قال شيخ الإسلام وغيره: ولذلك لا تكاد تجد سورة مُفْتَتَحَةً بهذه الحروف الهجائية إلا وجدت بعدها ذِكْرَ القرآن.
قل لي يا أخي، اذكر ثلاث سور مُفْتَتَحَةً بالحروف الهجائية بعدها ذِكْر القرآن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢]، هذه واحدة.
* طالب: مريم.
* الشيخ: مريم ما فيها ذكر القرآن، لا تَبْغ تدور؛ لأن الكتاب (...). مَن يعرف الثانية؟
* طالب: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
* الشيخ: البقرة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ذكرها الأخ.
* طالب: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾.
* الشيخ: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾.
* طالب: هذه السور المجموعة ﴿حم﴾.
* الشيخ: إي، صحيح، ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، الباقي على هذا قِيسُوه، فيه بعض السور قليلة ما فيها ذِكْر القرآن، لكن فيها ما يختص به القرآن، كعلم الغيب، مثل: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم ١ - ٣]، هذا ما فيه ذِكْر القرآن لكن فيه شيء يختص به القرآن، وهو علم الغيب في المستقبل.
نقول: ﴿حم﴾ ما هو التفسير الصحيح لها؟
نقول: ليس لها معنى في حد ذاتها، ولكن لها مغزى، وهذا الذي قَرَّرْنَاه هو الذي ذكره مجاهد رحمه الله إمام المفسرين في عهده، نقله عنه ابن كثير في تفسيره.
قال: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، ﴿وَالْكِتَابِ﴾، الواو حرف قسم، وفَسَّره بأنه القرآن؛ لأن الله تعالى سَمَّى القرآن كتابًا، فقال: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، وسُمِّيَ كتابًا لأنه كُتِبَ في اللوح المحفوظ، ولأنه كُتِبَ في المصاحف التي بأيدي السَّفَرَة الكرام البررة، ولأنه كُتِبَ في المصاحف التي بأيدينا، ثلاثة أوجه؛ كُتِب في اللوح المحفوظ، ثانيًا: في صُحُف الملائكة، ثالثًا: في صُحُفِنا التي بأيدينا.
وقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ يقول الشارح: (الْمُظْهِر طريقَ الهدى وما يُحْتَاج إليه من الشريعة)، ﴿الْمُبِينِ﴾ من: أَبَانَ الشيء؛ إذا أظهره، فمعنى كونه مُبِينًا أنه مُظْهِر للحق مُوَضِّحٌ له، بل لكل ما يحتاج الناس إليه، ﴿الْمُبِينِ﴾ من (أبان) أي: أظهر، يعني أن القرآن أظهر كل شيء يحتاج الناس إليه في دينهم ودنياهم.
وقيل: المراد بـ﴿الْمُبِينِ﴾ البَيِّن.
وأيهما أعم؛ البَيِّن أو الذي بَيَّنَ الشيء؟ الأعم أنه مُظْهِر للحق؛ لأنه لا يُظْهِر الحق إلا إذا كان هو ظاهرًا، وعلى هذا ففسِّرِ المبين بأنه الْمُظْهِر، وإن فسَّرْتَه بهما فلا بأس، فقلت: إنه بَيِّنٌ مُبِينٌ؛ لأن الكلمة إذا احتملت معنيين -وهذه قاعدة- الكلمة إذا احتملت معنيين لا ينافي أحدهما الآخر وليس أرجح منه فإنها تُحْمَل عليهما، أعيد ها القاعدة مرة ثانية: إذا احتمل اللفظ معنيين متساويين لا ينافي أحدهما الآخر حُمِل عليهما جميعًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences