Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Az-Zukhruf 43:10–14
43:10–11Page 489
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠
[The one] who has made for you the earth a bed and made for you upon it roads that you might be guided
وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَنشَرۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١١
And who sends down rain from the sky in measured amounts, and We revive thereby a dead land - thus will you be brought forth -
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [الزخرف ٩، ١٠] (طُرُقًا) ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ هذا ليس من كلام الذين سألهم النبي ﷺ، انتهى كلامهم عند قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، أما ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ فهذا من كلام الله عز وجل.
ومعنى ﴿جَعَلَ﴾ صيَّر، ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ أي: كالمهد مُوَطَّأة، قرارٌ، يطمئن بها الإنسان.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ أي: صيَّر لكم فيها سبلًا؛ أي: طرقًا، هذه الطرق تكون بين الشعاب والجبال والوهاد، حتى إنه لتأتي الرياح الشديدة، وتبقى هذه الطرق معلومة، يُسْتَدل على هذه الطرق بالجبال والشعاب والنجوم، كما قال عز وجل: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل ١٦].
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل، ومن المعلوم أن (لعل) تأتي للتعليل كما هنا، وتأتي للترجي، وتأتي للتوقُّع، والذي يُعَيِّن المعنى هو سياق الكلام وقرائن الأحوال.
﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ بعدها، التفسير.
* طالب: (إلى مقاصدكم في أسفاركم).
* الشيخ: نعم، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: تعلمون الطُّرق، فالهداية هنا هداية الطرق، (إلى مقاصدكم في أسفاركم) الآن -والحمد لله- وُجِدَت طرق مُمَهَّدَة بيِّنة من المدن والقرى وغير هذا، كل ذلك بنعمة الله عز وجل، أظن عندكم ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: أنا عندي ﴿﴿مِهَادًا﴾ ﴾، ولم يُشر إلى القراءة التي في المصحف، وهي على حال قراءتان: ﴿﴿مِهَادًا﴾ ﴾، وقد جاءت في آية أخرى بهذا اللفظ، و﴿مَهْدًا﴾ وهي بمعنى مِهَاد.
﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الزخرف ١١] ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي: أنزله شيئًا فشيئًا، فتجد المطر ينزل من السماء نقطًا، ولو جاء كأفواه القِرَب لأفسد الأرض وهدَّم البناء، ولكن من رحمة الله عز وجل أن جعله ينزل شيئًا فشيئًا، ومع ذلك تسيل منه الأودية وهو على نقطة نقطة، لكن مع كثرته تسيل به الشعاب.
﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ السماء هنا المراد بها العلو. واعلم أن السماء يطلق على معنيين: المعنى الأول: العلو من حيث هو، والمعنى الثاني: السقف المحفوظ الذي هو السموات السبع.
فقوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤] المراد بالسماء هنا السقف المحفوظ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢].
وأما قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ فالمراد به العلو؛ لأن المطر ليس ينزل من السماء نفسها ولكنه ينزل من العلو، بدليل قوله: ﴿السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، السحاب ليس في السماء لاصقًا، ولكنه بين السماء والأرض، وهو إلى الأرض أقرب.
(﴿نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بقَدْر حاجتكم إليه، ولم ينزله طوفانًا) قوله: ﴿بِقَدَرٍ﴾ فسره المؤلف أي: بقدر ما تحتاجون إليه، وله معنى آخر ﴿بِقَدَرٍ﴾ يعني: أنه مُقَدَّر محددٌ، حتى النقطة قد عَلِمها الله عز وجل، وعلم كيف تنزل، وعلم متى تنزل، وعلم أين تنزل، كل شيء بقدَرٍ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر ٤٩]، فيكون المعنى على هذا أن هذا المطر الذي ينزل على كثرته وكثرة عدد نقاطه ينزل بقَدْرٍ محددٍ، والمعنى الذي ذكره المؤلف معنى صحيح، والآية تحتمل هذا وهذا، والقاعدة عندنا في التفسير: أن الكلمة في القرآن أو في السنة إذا كانت تحتمل معنيين على السواء ولا منافاة بينهما فإنه يجب أن تُحْمَل عليهما؛ توسعة للمعنى.
﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ ﴿أَنْشَرْنَا﴾ أي: أحيينا، كما جاء ذلك في آيات أخرى، في قوله: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الزخرف ١١] فإذن ﴿أَنْشَرْنَا﴾ بمعنى: أحيينا، وهذا شيء مشاهد؛ تجد الأرض قاحلة مجدبة ليس فيها خضراء، فإذا نزل المطر أصبحت تهتز من النبات من كل زوج بهيج.
وقوله: (أحيينا ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ﴾ أي: مثل هذا الإحياء، ﴿تُخْرَجُونَ﴾ ) يعني: كما أنا أحيينا الأرض بالمطر فكذلك نحييكم يوم القيامة، قال الله عز وجل في آية أخرى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ هامدة، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي: علتْ بنباتها، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩].
* في هذه الآيات فوائد:
* منها: بيان نعمة الله عز وجل؛ حيث جعل لنا الأرض مهادًا، ولو كانت صلبة ما استقررنا عليها ولا حرثناها ولا انتفعنا بها كثيرًا، ولو كانت رخوة كذلك لم ننتفع بها ولغاصت أقدامنا فيها، ولكن من نعمة الله أنه جعلها كالمهاد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: نعمة الله علينا بما جعل لنا من الطرق في هذه الأرض على تباعد أقطارها. ولكن بأي شيء نستدل على الطرق؟ ذكرنا أنه يُسْتَدل عليها بالشعاب وبالجبال وكذلك بالنجوم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكمة الله فيما يخلق في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وحكمة الله عز وجل فيما يخلق وفيما يشرع ثابتة، لكن من الحِكَم ما نعلم، ومن الحِكَم ما لا نعلم لقصور أفهامنا، ومن الحِكَم ما يعلمها كثير من الناس وتخفى على كثيرين آخرين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه إذا كان المقصود الحسي يحتاج إلى طرق فكذلك المقصود المعنوي، وهو الوصول إلى دار كرامة الله عز وجل، فإنه يحتاج إلى طرق، لا بد أن نسلك هذه الطرق حتى نصل إلى المقصود، فإن لم نسلكها فلن نصل إلى المقصود.
* ومن فوائد الآية الثانية: قدرة الله عز وجل بإنزال المطر.
* ومنها: رحمة الله عز وجل بإنزال المطر من فوق؛ لأنه لو كان من أسفل لغرقت الأرض السفلى دون أن يصل الماء إلى قمم الجبال، ولكن الله تعالى جعله ينزل من فوق حتى يُرْوِي العالي والنازل، وإذا ارتوى العالي نزل إلى النازل.
* ومن فوائد الآية: أن هذا الماء النازل من السماء ينزل بقدر على المعنيين اللذين ذكرناهما.
* ومن فوائد الآية: أن الله تعالى يحيي الأرض بعد موتها بهذا الماء.
* ومن فوائد الآية: إطلاق لفظ الموت على ما لا روح فيه؛ أي: ما لا روح فيه تُحِس؛ لقوله: ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾، وإلا فمن المعلوم أن الأرض ليست كحياة الحيوان حياة إحساس، بل هي حياة نمو.
* ومن فوائد الآية: قياس المعقول على المحسوس، وإن شئت فقل: قياس الغائب على الحاضر؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات القياس وأنه دليل. لكن هل هو دليل عقلي أو دليل سمعي؟
الجواب هو دليل عقلي ثابت بالدليل السمعي؛ وذلك لأن العقل ينتقل من المقيس عليه إلى المقيس، فهو دليل عقلي باعتبار كيفية الاستدلال به، ودليل سمعي لثبوته شرعًا.
43:12–14Page 490
وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ ١٢
And who created the species, all of them, and has made for you of ships and animals those which you mount
لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ ١٣
That you may settle yourselves upon their backs and then remember the favor of your Lord when you have settled upon them and say, "Exalted is He who has subjected this to us, and we could not have [otherwise] subdued it.1
وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ١٤
And indeed we, to our Lord, will [surely] return."
﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [الزخرف: ١٢] هذه عطف على ما سبق، وهو من باب عطف الصفات، وليس من باب عطف الذوات، والأصل في العطف أن يكون بين متغايرين في ذاتهما، هذا الأصل، فإذا قام الدليل على أن الذات واحدة صار من باب عطف الصفات.
اقرأ قول الله عز وجل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤] هذا العطف من باب عطف الصفات؛ لأن الموصوف واحد، لكن الأصل في العطف أنه من باب أيش؟ تغاير الذوات، ما لم يقم دليل على أن المعطوف عليه شيء واحد فيكون من باب عطف الصفات بعضها على بعض لموصوف واحد.
الآيات التي معنا من أي القسمين؟ من باب عطف الصفات؛ لأن الموصوف واحد.
﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ ﴿الْأَزْوَاجَ﴾ بمعنى: الأصناف كما قال عز وجل: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات ٢٢] أي: أصنافهم، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص ٥٨].
﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ أي: الأصناف، كل الأصناف الخالق لها هو الله عز وجل. وإنك لتعجب حينما تأتي إلى روضة تجد هذه الأشجار بعضها زهرها أحمر، وبعضها أزرق، وبعضها أصفر؛ ملونة، من الذي خلقها ولونها؟ هو الله عز وجل.
ويحتمل في الآية معنى آخر ﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ يعني الشيئين المزدوجين اللذين يتولد بينهما ثالث؛ كالذكر والأنثى، والسالب والموجب، وما أشبه ذلك، الآية تحتمل المعنيين جميعًا وهما لا يتنافيان فتُحْمَل عليهما جميعًا.
(﴿خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ السفن، ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ كالإبل، ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ ) ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ بمعنى صير، وقوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ مفعول ﴿جَعَلَ﴾ أي: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ وهي السفن البحرية، وكان الناس لا يعرفون سواها فيما سبق، الآن جاءت السفن الجوية، وهي؟
* طالب: الطائرات.
* الشيخ: الطائرات، أما الأنعام فمثل الإبل، والبغال وغيرها مما يركب.
﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف ١٢] أي: الذي تركبون، وهذه من نعمة الله عز وجل.
﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ اللام لام العاقبة، وليست لام التعليل؛ لأنه من الممكن أن يكون عند الإنسان أنعام كثيرة، إبل كثيرة، ولا يركبها، لكن اللام للعاقبة.
تأتي اللام للعاقبة في القرآن الكريم وغيره كثيرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾ ليست للتعليل؛ لأن آل فرعون لم يلتقطوه لهذا الغرض، لكن التقطوه فصارت هذه النتيجة، وتُسمَّى اللام في مثل هذا تُسمَّى لام العاقبة.
وقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي: تعلوا عليها، وتستقروا عليها، ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾ يقول: (ذكَّر الضمير وجمع الظهر نظرًا للفظ (ما) ومعناها).
﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ جمَعَ الظَّهر، ولم يقل: على ظهره، وأفرد الضمير، ولم يقل: على ظهورها؛ نظرًا للفظ (ما) ومعناها؛ لأن (ما) تصلح للمفرد وللجمع، فتارة يُراعى اللفظ، وتارة يُراعى المعنى، إذا رُوعي اللفظ أُفرِد الضمير، وإذا رُوعي المعنى صار بحسب المعنى المقصود، وكذلك (مَن) تارة يراعى لفظها، وتارة يراعى معناها؛ اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الطلاق ١١]، ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ﴾ راعى أيش؟
* طلبة: اللفظ.
* الشيخ: اللفظ أفرده، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ المعنى.
﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي: ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام، فجمعها باعتبار المعنى، وأفردها باعتبار اللفظ.
﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ لأنه إن استوى الإنسان على الفلك أو على الأنعام يتذكَّر نعمة الله عليه، حيث يسَّر له هذا المركوب، ولولا تيسير الله ما تمكن من هذا، لو جعل الله الإبل صعبةً لا يمكن أن تُرْكب ما انتفع الناس بها، ولو فُقِدت السفن ما استطاع الناس أن يعبروا من يابس إلى يابس، فليذْكُر الإنسان نعمة الله إذا استوى على ظهره، ﴿وَتَقُولُوا﴾ أي: بألسنتكم معترفين بقلوبكم، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ أي: ذللَّه لنا، (﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ مطيقين)، ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ قال: (لمنصرفون).
* من فوائد هذه الآية الكريمة: نعمة الله عز وجل على عباده؛ حيث جعل لهم من الفلك والأنعام ما يركبونه، وذكرنا أن الفُلك يشمل الفلك الجوي والبحري، ويمكن أن نقول: والبري أيضًا كالسيارات، فهذه أفلاك، فإذن الأفلاك جوية، وبحرية، وبرية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تذليل الله عز وجل الأنعام لنا؛ حيث سخرها لنركبها ونحملها وهي ذليلة بين أيدينا؛ لقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان إذا ركب الأنعام وكذلك الفُلك أن يجعل مركبه مريحًا؛ لقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾؛ إذ إنه لو لم يكن مريحًا لم تتم النعمة، فينبغي أن يجعله مريحًا بقدر الإمكان وعلى حسب الحال.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتذكر نعمة الله عليه بما سخر له من الفلك والأنعام؛ لقوله: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾، النعمة هنا مفرد مضاف فهل المراد أن نذكر جميع النعم أو نذكر النعمة المناسبة للحال؟ الظاهر هو الثاني؛ لأن الإنسان قد لا يستحضر حينما يركب كل النعم من الأموال والأولاد والأمن والطمأنينة، ولكن يذكر النعمة الحاضرة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استحباب هذا الذكر عند الركوب، وهو: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾.
فإن قال قائل: لماذا اختير كلمة (سبحان) دون (الله أكبر) مثلًا؟
فالجواب: أن تسبيحَ الله يعني: تنزيهه عن كل نقص وعيب، بخلاف الإنسان فإنه محتاج إلى الركوب، فهو ناقص، فناسب أن يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ حتى يتذكَّر بذلك أنه هو في حاجةٍ إلى هذه المركوبات، وأن الله عز وجل منزه عن الحاجة.
يعني لو قال قائل: لماذا لم يقل: ما أعظم منة الله عليكم أو الله أكبر؟
فالجواب: أنه لما رأى نفسه محتاجًا إلى الركوب نزَّه الله عز وجل عن الحاجة، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾.
* ومن فوائد الآية: أن نذكُر نعمة الله علينا بتسخير هذه الأنعام؛ لقوله: ﴿الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾؛ أي: مطيقين، لولا أن الله سخَّر البعير لنا ما أطقناها، البعير أقوى منا، وأكبر منا جسمًا، لو أن الله سبحانه تعالى جعلها صعبة هل يمكن لأحد أن يستقرَّ عليها، أو أن يحمِّل عليها، أو أن يدخلها إلى أي مكان شاء، أو أن يخرجها متى شاء؟ لا، ولكن الله سخرها لنا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اعترافُ العبد بقصوره وضعفه؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾؛ أي: مطيقين.
* ومن فوائد الآية: أن الإنسان إذا ركب هذه المركوبات يتذكَّر الركوب الذي هو غاية الدنيا؛ لقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، وتفسير المؤلف رحمه الله لها بالانصراف -أي: منصرفون إلى الله- فيه قصور، والصواب ما ذكرنا أنك إذا ركبت فتذكر ركوبك على النعش حين تنقلب إلى الله عزَّ وجل، فيكون في هذا تذكر للحال المستقبل لبني آدم، وهي حال الانقلاب إلى الله عز وجل.
هل هذا الذكر خاص بما إذا ركب للسَّفر أو هو عام؟
الجواب: عام، كلما ركبت السيارة أو البعير أو الطائرة فاذكر هذا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences