Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Az-Zukhruf 43:1–4, continued
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ يقول: (أَوْجَدْنَا الكتاب ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: بلغة العرب، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿تَعْقِلُونَ﴾ تفهمون معانيه).
قوله عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾، الضمير -ضمير الفاعل- يعود على الله عز وجل، وضمير المفعول يعود على القرآن، ومعنى ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ -على كلام المؤلف- أوجدناه قرآنًا عربيًّا، والصواب أن المعنى: صَيَّرْنَاه قرآنًا عربيًّا، أي: صَيَّرْنَاه بلغة العرب.
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون، والخطاب في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ على كلام الْمُفَسِّر يعود إلى أهل مكة، والصواب أنه يعود إلى العرب كلهم؛ لأن العرب هم أهل مكة وغيرهم، فيكون المعنى: صَيَّرْنَاه بلغة العرب لتفهموه أيها العرب، انتهى الكلام على الآيات من حيث اللفظ.
المعنى: أن الله تعالى أقسم بالقرآن أنه جعله باللغة العربية من أجل فَهْمِه، * فيُسْتَفَاد من هذه الآيات فوائد، منها: جواز القسم مع تأكد صحة الْمُقْسِم بدون القسم، يعني جواز أن الإنسان يقسم على الشيء مع أن قوله مقبول على كل حال.
وجه الدلالة: أن الله عز وجل أقسم وقوله مقبول على كل حال، وصدق بلا يمين.
حينئذ يتولَّد من هذا: كيف يُقْسِم الله عز وجل على الشيء وهو الصادق بدون قسم؟
فنقول: لفائدتين؛ الفائدة الأولى: بيان أهمية هذا الشيء، وأنه جدير بأن يُقْسَم عليه.
والثانية: أن القسم من فصاحة الكلام في اللغة العربية، فإذا كان من فصاحة الكلام فالقرآن نزل بأيش؟ باللغة العربية، فيكون هذا مطابقة لأسلوب اللغة العربية.
يَرِد على هذا إشكالٌ، على هذا القسم بالقرآن يَرِد عليه: كيف أقسم الله بالقرآن مع أنه لا يجوز القسم بغير الله؟
والجواب على هذا أن القرآن صفة من صفات الله؛ لأنه كلام الله، والقسم يجوز بالله وبصفة من صفاته، فزال الإشكال، أفهمتم الآن؟
ما هو الإشكال الوارد؟ كيف يقسم الله بالقرآن والقسم لا يكون إلا بالله عز وجل؟
والجواب: أنه يجوز الإقسام بصفات الله عز وجل؛ لأنها مُعَظَّمَة، والقرآن من صفات الله؛ لأنه كلام الله عز وجل.
* من فوائد هذه الآية: بيان عظمة القرآن؛ لأن الله لا يقسم إلا بشيء عظيم، بل إن القسم نفسه -كما قال مَن فسَّره- تأكيد الشيء بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ بصفة مخصوصة بأحد حروف القسم، اضبطوا القسم: تأكيد الشيء بذِكْرِ مُعَظَّمٍ بصيغة مخصوصة بأحدِ حروف القسم، وحروف القسم ثلاثة: الواو، والباء، والتاء.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن مُبِين؛ أي: مُظْهِر، لأيش؟ مُظْهِر للحق ولكل ما يحتاج الناس إليه، بل هو مُظْهِر حتى للباطل، مُبَيِّن للباطل، مُحَذِّر منه، بل إنه تِبْيَان لكل شيء، كل شيء فالقرآن مُبَيِّنُه، كل شيء؟ نعم كل شيء.
فإذا قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى ذَكَرَ أشياء لا مجال للعلم فيها، فأين بيانها؟
قلنا: بيانها في قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] فيما يتعلَّق بالصفات؛ لأن بيانها على وجه التفصيل لا تحتمله العقول، فكان من الحكمة ألَّا تُفَصَّل، وإلا فهو تبيان لكل شيء.
ذُكِرَ أن أحد العلماء كان في مطعم، وكان حوله رجل من النصارى، فاستغلّ النصراني الفرصة ليُلْقِي على هذا العالِم سؤالًا يتحداه به، فأتى إليه وقال له: أيها الشيخ، قال: نعم، ماذا تريد؟ قال: القرآن كتابكم يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فكيف نصنع هذه السَّلَطة؟ تعرفون السَّلَطَة؟ كأن بعضكم ما يعرفها.
* طالب: معروفة.
* الشيخ: معروفة؟ ما هي؟ على كل حال السلطة هي الزَّلَطة، والسين والزاي تتعاوران، أي: كل واحد منهما يستعير الآخر.
كيف نصنع هذه السلطة؟ أين هذا في القرآن؟ وكان العالِم المسلم ذكيًّا، قال: هذه موجودة في القرآن، موجود كيف نصنعها، قال: أين هو؟ فنادَى الطبَّاخ وقال: تعالَ، كيف صنعت هذا؟ فجعل الطبَّاخ يشرح له، فقال: هكذا جاء في القرآن، قال: كيف؟ قال: إن الله قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣]، فأحالنا فيما لا نعرف على مَن يعرف، وهذا بيان، لم نتحيَّر الآن، لم نتحير في معرفة كيف تُصْنَع هذه السلطة.
لو قال لنا قائل: القرآن تِبْيَان لكل شيء، كيف نصنع هذا التليفون؟ هل في القرآن وَصْف لصناعته؟ كيف نصنع هذا التليفون؟ أين ذِكْرُه في القرآن؟
نقول: الحمد لله، الله عز وجل أحالنا إلى سؤال مَن يعرف إذا كنا لا نعرف، وهذا بيان، ما أوقفنا متحيِّرِين.
إذن ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، في هذه الآية دليل على أن القرآن مُبَيِّن لكل شيء، ولكن -يا أيها الإخوة- القرآن يحتاج إلى تدبُّر، بدون تَدَبُّر لا يمكن أن تهتدي، ثم اعلم أنك كلما أَمْعَنْتَ وتعمقت في تدبُّر القرآن فتح الله لك من أبواب المعرفة ما لم يكن من قبل، وصرت تستنبط من الآية الواحدة من الأحكام ما لا يستنبطه غيرك، فاحرصوا على التدبر، ويأتي -إن شاء الله- بقية الفوائد في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
* طالب: أحسن الله إليك، سياق الآيات التي فيها ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ إنما كان في رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، فهل يصح بها الاستشهاد على..؟
* الشيخ: على العموم، نعم يصح؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
* طالب: شيخ، بعض طلاب العلم يا شيخ يستنبط دائمًا من الآيات؟
* الشيخ: طيب، بس بشرط أن يكون هذا الاستنباط تحتمله الآية، يعني بعض الناس يستنبط من الآيات ما لا تحتمله الآيات، أرأيتم أول ما خرج وصول البشر إلى القمر، ولعله حصل قبل أن يُمَيِّز أكثركم، أكثركم شباب -والحمد لله-، لما حدثت هذه الحادثة وقالوا: إن البشر وصلوا إلى القمر، وأخذوا منه عينة وجاؤوا بها إلى الأرض، وادَّعوا أنها من القمر، أحجار سوداء رأيناها، أتدرون ماذا قال الناس؟ قالوا: هذا موجود في القرآن، استمع يا ولد، بأي مكان؟ قال: إن الله قال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن ٣٣]؛ أي: بعِلْم، وهؤلاء وصلوا إلى أقطار السماوات بأيش؟ بالعِلْم، قالوا: الآية هذه تدل على هذا.
لكن هذ التفسير مُحَرَّم، وقول على الله، وكذب على الله، الآية في سياق التحدي: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾، وهل يمكن أن يتحدى الله عز وجل أحدًا بما يستطيع؟ لا يمكن، التحدي معناه أن المخاطَب لا يستطيع، هذه واحدة.
ثانيًا: الآية ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فبدأ بالسماوات، فهل هؤلاء يمكن أن ينفذوا من أقطار السماوات؟ لا يمكن، إذا كان أفضل رسول في البشر وأفضل رسول في الملائكة لم يدخلَا السماء الدنيا إلا باستفتاح وإذْن، كيف هؤلاء؟ فهؤلاء إن نفذوا من أقطار الأرض لم ينفذوا من أقطار السماوات.
ثالثًا: قال الله عز وجل بعد قوله: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾، قال: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن ٣٥]، وهل أُرْسِلَ على هؤلاء شُوَاظ من نار ونحاس؟ لا، فتفسير القرآن بما لا يحتمله هذا مُحَرَّم؛ لأن المفسِّر يشهد أن الله أراد كذا.
ومثل قول بعضهم: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل ٨٨]، قال: هذا دليل واضح على أن الأرض تدور، والمسألة هذه حصل فيها معركة؛ هل الأرض تدور أو ما تدور؟ تدور أو ما تدور، قصدي أحكي الخلاف، صار فيها معركة كثيرة، وكُتِبَ في ذلك منشورات في الصحف ورسائل صغيرة إنكارًا وتأييدًا، فجاء هذا الرجل الْمُتَعَيْلِم قال: هذا في القرآن: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، قيل: هذا يوم القيامة، قال: يوم القيامة ما يمكن يرى الشيء إلا على حقيقته، لا يراه على غير حقيقته، فقيل له جوابًا على هذا: ألم تقرأ قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج ١، ٢]، شوف ﴿تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾، وهذا رؤية الشيء على غير حقيقته، وهو ممكن، فالآية ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ متى؟ يوم القيامة، ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ لأنها تكون هباءً.
هذا أيضًا من الغلط وتحميل القرآن ما لا يحتمل.
* طالب: ما في القرآن من الكلمات ما ليس بعربي؟
* الشيخ: لا، أبدًا، كل ما في القرآن عربي، لكن بعضه من صميم اللغة العربية، وبعضه مُعَرَّب، أصله غير عربي ولكنه عُرِّب، وإذا عُرِّب صار عربيًّا، أرأيت أنت إذا أخذت الجنسية في بلد تكون منهم ولَّا لا؟ تكون منهم وأنت في الأصل من غيرهم، فليس في القرآن ما ليس بعربي.
فإذا قال قائل: فيه سندس، إستبرق، وما أشبه ذلك؟ فالجواب: إن هذه عُرِّبَت فصارت من كلام العرب.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- الآيات التي أقسم الله بالنجم والقمر والشمس، بعضهم يُعَلِّل بأن الله يقسم بما شاء، أما المخلوق فلا يقسم إلا بالله، فهل هذا التأويل صحيح؟
* الشيخ: هذه صحيح، لله أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لنا أن نقسم إلا به.
* الطالب: ولنا في هذه الآية أن ..
* الشيخ: لا، هذه الآية قسم بصفات الله، ما فيها إشكال.
* * *
* طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف ١ - ٨]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، ما هو القول الراجح في ﴿حم﴾؟
* طالب: أنها ليس لها معنى مُعَيِّن، وأن لها مغزى للإعجاز القرآني.
* الشيخ: السؤال: ما هو القول الراجح فيها؟
* الطالب: ليس لها معنى.
* الشيخ: ليس لها معنى في حد ذاتها، ما هو الدليل على أنه ليس لها معنى في حد ذاتها؟
* طالب: لأن الله خاطبنا بالقرآن الذي هو أُنْزِل بلسان عربي مُبِين، والعرب لم تستعمل الحروف في معنى مُعَيَّن.
* الشيخ: لأن الله أنزل القرآن بلسان عربي مُبِين، وهذه الحروف الهجائية ليس لها معنى في اللغة العربية، تمام.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وهذا قول مجاهد بن جبر رحمه الله إمام الْمُفَسِّرين في التابعين.
الواو في قوله: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ما معناها؟
* طالب: الواو للعطف.
* الشيخ: للعطف؟ خطأ.
* طالب: للقسم.
* الشيخ: الواو للقسم، القسم يحتاج إلى مُقْسِم ومُقْسَم به ومُقْسَم عليه، مَن الْمُقْسِم؟
* طالب: الْمُقْسِم الله عز وجل.
* الشيخ: المقسِم هو الله، والْمُقْسَم به؟
* الطالب: الكتاب.
* الشيخ: الكتاب وهو القرآن، والْمُقْسَم عليه؟
* طالب: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾.
* الشيخ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، بارك الله فيك. حروف القسم؟
* طالب: حروف القسم الواو والباء والتاء.
* الشيخ: ثلاثة؛ الواو والباء والتاء، مثال الواو؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.
* الشيخ: نعم، كقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، والواو هي أكثر ما يُسْتَعمل في القسم، الباء؟
* طالب: كقول القائل، كما جاء في الأحاديث: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ»[[ومنه ما أخرجه البخاري (٢٦١٥)، ومسلم (٢٤٦٩ / ١٢٧) عن أنس رضي الله عنه، قال: أهدي للنبي ﷺ جبة سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: «والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا».]].
* الشيخ: (والذي)، ما أريدها، أنا أريد الباء.
* الطالب: كقول القائل: باللهِ الذي قلت لك هو حق.
* الشيخ: نعم، أقسم بالله إن هذا حق، التاء؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات ٥٦].
* الشيخ: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾، تمام. ﴿الْمُبِينِ﴾ ما معناها؟
* طالب: الْمُظْهِر للحق والباطل وكل شيء.
* الشيخ: الْمُبِين لكل شيء يحتاج إلى بيان من أمور الدين والدنيا، تمام، هل لهذا القول الذي قلته شاهد في القرآن؟
* طالب: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
* الشيخ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، بارك الله فيك.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، هذه تكلمنا عليها، ﴿جَعَلْنَاهُ﴾؟
* طالب: صَيَّرْنَاه.
* الشيخ: صَيَّرْنَاه، وما معنى ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾؟
* طالب: أي: صَيَّرْنَاه باللغة العربية.
* الشيخ: أي: صَيَّرْنَاه باللغة العربية، تمام، قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ مَن يُبَيِّن لنا معنى (لعل)؟
* طالب: العرب.
* الشيخ: لا، (لعل) أيش معناها؟
* طالب: رجاء.
* الشيخ: غلط.
* طالب: (لعل) هنا المراد بها التعليل.
* الشيخ: (لعل) للتعليل، أي: من أجل؟
* الطالب: أن تعقلوا.
* الشيخ: أن تعقلوا، طيب، والمراد بالعقل هنا؟
* الطالب: المراد به عقل الرشد والفهم.
* الشيخ: لا، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عقلَ الفهم؛ لأجل أن تفهموه.
ويشبه من هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤].
* من فوائد هذه الآية: أن هذا القرآن الذي أعجز العرب من الحروف التي يُرَكِّبُون منها كلامهم، ومع ذلك أعجزهم.
* ومن الفوائد: جواز تأكيد الخبر بالقسم ولو كان الْمُخْبِر لا يحتمل خَبَرُه الكذب، وجه ذلك أن الله تعالى أقسم مع أن كلامه لا يحتمل الكذب، ولكن هذا من أجل أهمية الْمُقْسَم عليه.
* ومنها: فضيلة القرآن الكريم وعِظَمه؛ لأن الله أقسم به، ولا يُقْسَم إلا بالشيء الْمُعَظَّم.
* ومنها: أن القرآن الكريم مكتوب، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ومكتوب في الصحف التي بين أيدينا.
* ومنها: أن القرآن الكريم مُبَيِّنٌ لكل ما يحتاج إلى البيان؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾، ولكن هل هذا البيان حاصل لكل أحد؟ اسمع للجواب: لا، ليس حاصلًا لكل أحد، من الناس مَن يفهم من القرآن أشياء كثيرة، ومن الناس مَن هو دون ذلك، ومن الناس مَن لا يفهم شيئًا، الأقسام ثلاثة: من الناس مَن يفتح الله عليه فيفهم من الآية الواحدة عشرات المسائل، ومن الناس مَن هو دون ذلك، ومن الناس مَن لا يفهم شيئًا.
ولهذا لما سُئِل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «هل عهد إليكم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشيء؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عهد إلينا بشيء إلا فَهْمًا يؤتيه الله تعالى مَن شاء في القرآن، وإلا ما في هذه الصحيفة»[[أخرج البخاري (١١١) بسنده عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.]]، وإنما سئل عليٌّ عن ذلك لأنه أُشِيعَ في زمنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عهد إليه بالخلافة، وقال: أنت الخليفة من بعدي، فَبَيَّن -رضي الله عنه- أن ذلك لم يكن.
والشاهد من هذا الأثر قوله: إلا فهمًا يؤتيه الله من شاء من عباده، ولذلك ترى بعض العلماء إذا تكلَّم على الآية مستنبطًا فوائدها يأتي بالعجب العجاب، ومن أبلغ ما قرأت ما يحصل لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم؛ فإن الله تعالى يفتح عليهما من فَهْم القرآن ما لا يكون لغيرهما.
ومن الناس مَن فَهْمُه دون ذلك، لكن درجات، ومن الناس مَن لا يفهم شيئًا، دليل الأخير قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، يعني: إلا قراءة، جمع أُمْنِيَّة، ومنه قول الشاعر في أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه:
تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وَآخِرَهُ لَاقَى حِمَامَ الْمَوَارِدِ
(تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ) ويش معناها؟ أي: قرأ كتاب الله؛ لأن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه قُتِل شهيدًا في داره وهو يتهجد ويقرأ القرآن.
هل الذي لا يفهم يقدح في كون القرآن تبيانًا لكل شيء؟ لا؛ لأن القرآن في حد ذاته تبيان لكل شيء، كما أن الجبان الذي بيده سيف بتَّار لا يقدر فيقتل به، وليس هذا عيبًا في السيف.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن الكريم حادث، يعني أنه بإرادة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، والله قادِر على أن يجعله بلغة أخرى لكن صَيَّره باللغة العربية، ومعلوم أن العرب حادثون أو أَزَلِيُّون؟ حادثون، فيكون ما نزل بلغتهم حادثًا، وهذا هو الحق؛ أن كلام الله عز وجل حادث، بمعنى أنه يتكلم متى شاء، متى شاء يتكلم، ومتى شاء لم يتكلم، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ غَيْرَ نَسْيَانٍ»[[أخرجه الدارقطني في السنن (٤٣٩٦)، وابن المقري في معجمه -واللفظ له- (٤٧١) من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه.]].
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بكلام حقيقي متى شاء، فيما شاء، كيف شاء.
قلنا: إن كلام الله تعالى حادث، المعنى أنه يُحْدِث من كلامه ما شاء، ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يتكلم بكلام حقيقي متى شاء، فيما شاء، كيف شاء.
ألم تعلموا أن الأشعرية الذين ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري يقولون: إن الله ما يتكلم متى شاء؟ أبدًا، ليش؟ قال: لأن الكلام معنى قائم بنفسه أَزَلِيّ، لكنه يُحْدِث أصواتًا يخلقها متى شاء فتُسْمَع، فيرون أن الكلام لا يتعلق بمشيئته، بالله عليكم أيهما أكمل؛ من يتكلم بمشيئته ومتى شاء وكيف شاء، ومن لا يستطيع هذا؟ الأول، لكن أَبَتْ بدعتهم إلا أن يقولوا (...)، وقد ألَّف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كتابًا سَمَّاه التسعينية بيَّن بطلان هذا القول من تسعين وجهًا، رحمه الله وجزاه عن أمة محمد خيرًا.
* من فوائد هذه الآية: أن كون القرآن باللغة العربية مَنْقَبَةٌ كبرى للعرب؛ أن يكون القرآن العظيم نزل بلغتنا؛ لقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾.
فإذا قال قائل: هذه عصبية وحَمِيَّة للعرب، ويفتخر بها العرب الْمُلْحِدون، فما الجواب؟ لأن هذا مشكل، العرب الْمُلْحِدُون الذين يبنون الولاء والبراء على القواميس العربية يفخرون بهذا.
فنقول: من كان كافرًا فلا فخر ولو كان من صميم العرب، الدليل: أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنزل الله في حقه سورة كاملة تُتْلَى في الصلاة وفي المساء وفي كل مكان مما يُتْلى فيه القرآن إلى يوم القيامة، في مدحه أو ذَمِّه؟ في ذَمِّه، وهو من صميم العرب، عم النبي ﷺ، فالعروبة لا تجزي شيئًا مع الكفر، لكن إذا اجتمع الدين والدنيا فما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا، إذا صار مسلمًا وعربيًّا.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحجة لا تقوم إلا بالفهم، أن الحجة لا تقوم على العباد إلا إذا فهموها؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، والعقل هنا بمعنى الفهم، فلو تُلِيَ القرآن على رجل أعجمي لا يدري معناه ولم يُقَل له: هذا كلام الله، فإنه لا حجة قائمة، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]، اسمع يا رجل، أفهمت الآن؟ هذه مسألة عظيمة؛ الحجة لا تقوم على العباد إلا بفهمها ومعرفة معناها، وإلا فأي حجة في رجل يتكلم كلامًا لا نفهمه؟ لا حُجَّةَ، ولذلك لو قام أعجمي أمامنا ونحن عرب لا نعرف لغته وتكلم بأفصح ما يكون في لغته، أنفهم شيئًا؟ أبدًا، فلا بد من فهم الحجة.
فإن قال قائل: ماذا تقولون في قول الله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩]، ولم يقل: ومَن فهمه؟
فالجواب أن نقول: ﴿مَنْ بَلَغَ﴾ مُقَيَّد بالنصوص الأخرى الدالة على أنه لا بد من الفهم، أو يقال: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ من العرب الذين يفهمونه ..
43:4Page 489
وَإِنَّهُۥ فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ٤
And indeed it is, in the Mother of the Book1 with Us, exalted and full of wisdom.2
قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف ٤] (إنَّه) الضمير يعود على ﴿الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ وهو القرآن.
﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ هو اللوح المحفوظ، وسُمِّي أُمًّا؛ لأنه مرجع لجميع ما يُكْتَب من بعده، والكتابة أنواع؛ الكتابة العظمى العامة الشاملة: ما كتب في اللوح المحفوظ.
﴿لَدَيْنَا﴾ أي: عندنا، والظرف هنا حال من ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾؛ يعني أن الذي لدى الله في هذه الآية هو أم الكتاب؛ أي: اللوح المحفوظ عند الله عز وجل، وهو محفوظ من التغيير والتبديل؛ لأنه أم الكتاب.
وأما الكتب التي جاءت بها الملائكة ففيها تغيير وتبديل كما قال عز وجل: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد ٣٩].
﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَعَلِيٌّ﴾ أي: ذو علو، ﴿حَكِيمٌ﴾ أي: ذو حُكْم وحكمة، وصفان عظيمان للقرآن الكريم وصف الله بهما نفسه، (عَلِيٌّ) بمعنى عالٍ لكنه أبلغ؛ لأن (عَلِيّ) على وزن فعيل صفة مشبهة، والصفة المشبهة تدل على الثبوت والاستمرار.
﴿حَكِيمٌ﴾ أي: ذو حكم وحكمة، فالقرآن حاكم والقرآن مشتمل على الحكمة، معنى قولنا: حاكم؛ أي: مرجع للحكم لا يُحْكَم بغيره، ومعنى (حاكم) أنه مهيمن على جميع الأمور، حاكم عليها.
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ هل المراد (إنه) أي: ذكره أو المراد نفس القرآن في اللوح المحفوظ؟
* طالب: الثاني.
* طالب آخر: الأول.
* الشيخ: يحتمل أن المراد ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: ذكره، كما قال عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٩٦] ومعلوم أن القرآن ليس في زبر الأولين ولكن في زبر الأولين ذكرُه.
ولكن إذا تأملنا قلنا: الأصل الضمير يرجع إلى نفس المضمر الذي دلَّ عليه، وحينئذ يكون (إنه) أي: القرآن كله في اللوح المحفوظ.
فإن قال قائل: هذا القول يَرِدُ عليه أن في القرآن الكريم كلمات تحدَّث الله بها عن شيء مضى؛ مثل قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة ١] هذا الخبر بعد المجادلة ولَّا قبل؟
* طلبة: بعد.
* الشيخ: طيب، قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران ١٢١] إشارة إلى غزوة أحد، ﴿غَدَوْتَ﴾ خرجت في الغداة، هذا الخبر بعد وقوع المخبَر عنه أو قبله؟
* طلبة: قبله.
* طلبة آخرون: بعده.
* الشيخ: اللهم افتح علينا، ﴿إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾.
* الطلبة: بعد.
* الشيخ: ﴿إِذْ غَدَوْتَ﴾ هل هذا الخبر الآن قبل أن يخرج ولَّا بعد أن غدا؟
* الطلبة: بعد.
* الشيخ: بعد أن غدا؛ لأن (غدا) فعل ماضٍ ﴿إِذْ غَدَوْتَ﴾، فهنا يُشْكِل؛ يقال: كيف كانت في اللوح المحفوظ يتحدث الله عن شيء حصل قبل أن تنزل الآية؟
فيقال: لا إشكال، والجواب أن الله كتب هذا في اللوح المحفوظ لعلمِه أنه سيقع، ثم أنزله بعد وقوعه، كما أن الحوادث الكونية مكتوبة في اللوح المحفوظ لعلمِه تعالى أنها ستقع، ثم تكون حين يريد الله أن تكون.
وكنت قبل ذلك أرجِّح، بل أقول: يتعين أن الذي في اللوح المحفوظ ليس القرآن، لكن الذي في اللوح المحفوظ ذكر القرآن؛ أي: أنه سينزل قرآن على هذه الأمة، واستدلوا على هذا بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٩٦]، والذي في زبر الأولين هو ذكر القرآن بلا شك، مستندًا إلى مثل الآيات التي ذكرت لكم ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾، حتى عثرت على كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وبيَّن ما ذكرت لكم أخيرًا؛ أنه لا مانع من أن يُكْتَب في اللوح المحفوظ بلفظ الماضي؛ لأن الله علم أنه سيكون وأنه سَيُنْزل هذه الآية بعد أن يكون.
وبناء عليه تبيَّن لي أن الذي في اللوح المحفوظ القرآن، بناء على ظاهر الآيات؛ ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢]، والحمد لله الذي فتح عليَّ، وجزى الله شيخ الإسلام ابن تيمية خيرًا. وهذا يدل على أن الإنسان مهما كان لا بد أن يعتريه النقص.
وقوله: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ قلنا: معناه حكمة وحكم.
* نأخذ فوائد الآية:
* من فوائد الآية: عناية الله تبارك وتعالى بهذا القرآن، وهذا يدل على شرفه (...)؛ حيث جعله عنده في أم الكتاب.
* ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن عالٍ، بل عَلِيٌّ، وهذا يدل على أن من تمسك بهذا القرآن فله العلو؛ كقوله عز وجل: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد ٣٥]، فنقول: القرآن عليٌّ ومن تمسك به فله العلو.
وشاهدُ هذا الواقعُ؛ لما كانت الأمة الإسلامية متمسكة بالإسلام كان لها العلو والظهور وملكت به مشارق الأرض ومغاربها، ولما تقاعست وتخاذلت وتنازعت وتباغضت صار الأمر بالعكس؛ صار لها الذل، الآن أمة العرب يدعون اليهود إلى السِّلم ويكررون ذلك، ويمدون أيديهم إلى دول النصارى لتساعدهم على السِّلم. لماذا؟ لأننا لم نتمسك بالقرآن، فكنا أذلة نتوسل بأعدائنا أن يقع السلم بيننا وبين أعدائنا. واضح؟ أجيبوا.
* طلبة: نعم، واضح.
* الشيخ: واضح يا جماعة؛ يعني لو قال لنا (...) في القرآن ومع ذلك فالناس في ذلٍّ؟ قلنا: لأننا لم نتمسك بالقرآن، ولو تمسكنا بالقرآن لغنمنا لأنفسنا العلو والغلبة والظهور، لكن الأمر بالعكس؛ الآن غالب المسلمين يلهثون وراء الدنيا معرضين عن الدين؛ ما الذي ينمي الاقتصاد؟ ما الذي يحصل به الترف؟ وما أشبه ذلك، لكن ما الذي يُقوِّي الدين؟ هذا قليل أو معدوم.
إذن الكلمة ﴿لَعَلِيٌّ﴾ على ظاهرها وعلى معناها، لكن بشرط أن نتمسك بهذا القرآن.
* ومن فوائد هذه الآية: أن مَنْ جادل بالقرآن فهو غانم؛ لأن الذي له العلو هو القرآن، أي إنسان يناظرك ووسيلة إقناعه ودحره القرآن، فإنَّك ستغلبه بلا شك، لكن لما عدل كثير من الأمة إلى كلام أهل الكلام -الكلام الفاضي- هل هُدوا إلى الصراط المستقيم؟ لا، هل غلبوا الأعداء؟ لا، تسلط عليهم الأعداء، حتى الفلاسفة الملحدون صاروا يحتجون بعمل الأشاعرة على ما هم عليه من الباطل، ويقولون: أنتم أيها الأشاعرة، أنتم أيها المعتزلة حرفتم النصوص إلى ما ترونه عقلًا، ونحن أيضًا انصرفنا عن النصوص إلى ما نراه عقلًا، فاحتجوا أهل البدع هؤلاء على إلحادهم وقالوا: نحن وأنتم سواء، أنتم حرَّفتم ونحن حرَّفنا.
لكن لو تمسَّكْنا بالقرآن أيستطيع هؤلاء الفلاسفة أن يجادلوننا؟ لا يستطيعون. لكن اقرأ كتب أهل الكلام تجد صفحة صفحتين لا تأتي منهما بفائدة واحدة؛ ولهذا صح أن نقول: إنهم أهل الكلام وكلامهم كلام؛ بمعنى أنه كلام باطل لا فائدة منه.
وانظر إلى قوله صلى الله عليه وعلى آله سلم لما شكى إليه الصحابة ما يجدون في نفوسهم من وساوس الشيطان قال: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»[[أخرجه مسلم (١٣٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وأمر مَنْ وجد هذه الوساوس أن يستعيذ بالله وينتهي؛ «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (٣٢٧٦)، ومسلم (١٣٤ / ٢١٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، كلمتان.
ماذا يكتب الفلاسفة والمتكلمون على هذا؟ يكتبون كثيرًا مما يدَّعون أنه عقليات وهو وهميات، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم التمسك بهذا الكتاب العزيز وأن يعزنا به.
* طالب: شيخ -جزاكم الله خيرًا- هل فهم القرآن يكون على حسب ذكاء الشخص أو على حسب تقواه لله جل وعلا؟
* الشيخ: كلاهما؛ ولهذا يقول عليٌّ.. هذا يسأل يقول: هل فهم القرآن على حسب الفهم أو على حسب التقوى؟
الجواب على هذا وهذا، ولذلك قال علي رضي الله عنه: «إلَّا فهمًا يؤتيه الله تعالى مَنْ شاء في كتابه»[[أخرج البخاري (١١١) بسنده عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم.. الحديث.]]، والتقوى لها تأثير في فهم القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧]، وقال في القرآن: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢].
* طالب: ما هو القول الراجح في أن للقرآن نزولًا واحدًا أو له نزولَيْن؛ أي: أنه نزل إلى السماء الدنيا أولًا، وبعد ذلك نزل؟
* الشيخ: لا، الظاهر أنه نزول واحد، نزل من عند الله عز وجل، تكلم به سبحانه وتعالى، ثم سمعه جبريل ثم نزل به.
* طالب: شيخ، ذكرتم -حفظكم الله- أنكم وجدتم فائدة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فأين وجدتموها؟
* الشيخ: الظاهر أنها في الفتاوى.
* طالب: شيخ، قولكم: إن الحجة لا تقوم إلا بفهم، هل ينبني على هذا -حفظكم الله- أن القبوريين الذين لم يفهموا باب العبادة حق الفهم، ويقرؤون القرآن أنهم معذورون بذلك؛ لأن البعض يقول: الحجة قائمة بوجود الكتاب والسنة؟
* الشيخ: هؤلاء مُقصِّرون؛ يعني أنهم يُعْرَض عليهم الحق، ولكنهم لا يقبلون، لكن لو فرضنا أن أناسًا بعيدين عن الهدى وعن العلم وهم مسلمون يصلون ويعملون كل أعمال الإسلام وهم قبوريون، هؤلاء لا تقوم عليهم الحجة، لكن غالب القبوريين الآن -إن لم يكن كلهم- قد قيل لهم: إن هذا شرك، ولكن قَصَّروا وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢].
* طالب: شيخ، القول بأن للقرآن نزولًا واحدًا؛ يعني كيف نفسر ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر ١]؟
* الشيخ: أحسنت، نفسر هذا بأن الله بدأ إنزاله في ليلة القدر.
* طالب: الأعاجم الآن (...) وسب للدين (...) على الإسلام أنا أقول: إنهم (...)؟
* الشيخ: لا، هم معاندون، غالبهم معاند، لكن جحدوا (...)، لو كان الناس بعيدين عن نور الوحي، والعلم فهم معذورون، لكن هم معاندون، تأتي -مثلًا- للراهب وتقول: مذهبكم هذا باطل، يقول: لا، قال آية الله، قال حجة الله، (...) هذا معاند.
* طالب: هل يوصف القرآن بالحدوث؟
* الشيخ: نعم، أو محدث، محدث أو حادث كله واحد، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء ٥]، لكن لاحظوا لا تظن أن معنى (محدث) أي: مخلوق، لا، (محدث) يعني أن الله تكلم به حين نزوله.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences