Ibn 'UthayminAl‑Ma'idah · 5:1

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:1, continued

وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ مفعول ﴿خَلَقَ﴾، ولا مانع من أن نقول: إنها مفعول خلافًا لمن قال: إنه لا يصح أن تكون مفعولًا؛ لأن المفعول لا بد أن يرد الفعل عليه، وهو موجود، وخلق السماوات والأرض ورد عليها قبل أن تخلق، ولكن نقول: هذا تكلّف، والصواب الذي عليه أكثر المعربين: أن السماوات مفعول به.

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ من (سما يسمو) إذا علا، وقد بين الله تعالى أنها سبع، وأنها طباق، وأنها شداد، وأنها مبنية بأيد؛ أي: بقوة.

وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ﴾ معطوفة على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وهي لفظ مفرد، لكنه لا يمنع التعدد إذا ثبت أنها متعددة.

انتبه لهذا القيد: لا يمنع التعدد إذا ثبت أنها إيش؟ متعددة، ولو لم يثبت أنها متعددة لقلنا: إنها واحدة؛ لأن هذا مقتضى اللفظ، لكن نقول: إن المراد بها الجنس وحينئذٍ لا ينافي التعدد، وهي متعددة بدلالة ظاهر القرآن، وصريح السنة؛ أما ظاهر القرآن فقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنّ﴾ [الطلاق ١٢] أي: في العدد، ولا يمكن أن يقول قائل: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ في الكيفية، والصفة، هذا ما أحد يقوله؛ لأن الفرق بين السماء والأرض واضح، فيتعين أن يكون المراد العدد، وهو كذلك.

أما السنة فصريحة: قال النبي ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[أخرجه مسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد.]]. فصار المراد بالأرض الجنس فلا ينافي التعدد، وقد ثبت تعدد الأرَضين بظاهر القرآن وصريح السنة أنها سبع.

﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: خلق، ولكن إذا كانت بمعنى خلق، فما هي الحكمة في أن عُبّر عن الخلق بالجعل؟

قيل: إن الحكمة هي التفنن في العبارة؛ يعني تغيير اللفظ مع اتحاد المعنى أحيانًا يكون من البلاغة.

وقيل: إن الحكمة من ذلك أن النور لا يمكن أن يقوم إلا بغيره، النور لا يمكن أن يقوم إلا بغيره، مثلًا نور الشمس الآن، لا يمكن أن يتبين إلا إذا كان هناك جسم قابل له، ولذلك ما بيننا وبين الشمس ظلمة ما فيه نور؛ لأن النور لا يمكن أن يظهر أثره إلا أن يكون مقابلًا بجسم.

تجدون الآن الفرق بين أن تقابل الشمس جسمًا قابلًا للحرارة وجسمًا غير قابل، وقسمًا قابلًا لنصاعة البياض، وقسمًا غير قابل؛ لأن النور لا يمكن أن يكون قائمًا بنفسه، ولا يتبين إلا إذا كان منعكسًا على جسم، فهذا هو الحكمة من قوله: ﴿وَجَعَلَ﴾.

حكمة أخرى: أن الظلمات والنور تكون حسية ومعنوية.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة ٧٣ - ٧٧].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ وظني أننا تكلمنا على الآية.

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ فيها تأكيد؛ ثلاثة توكيدات؟

* طالب: (...).

* الشيخ: بارك الله فيك. لماذا يُؤَكِّد الله تعالى كلامه بالمؤكدات مع أنه عز وجل أصدق القائلين؟

* طالب: هذا خبر، والخبر فيه احتمال أن يُعَارض من قبل الكافرين؛ فجاء بهذا التوكيد حتى يُحَاجَّ على المخالف.

* الشيخ: لاحتمال المعارضة والتكذيب؛ طيب، لكن إذا قال: المكذب سيكذب ولو أُكِّد؟

* طالب: لا، فيه زيادة توكيد.

* طالب آخر: (...).

* الشيخ: لأن القرآن بلسان عربي مبين؛ فالأشياء المهمة يُقْسِم الله عليها وإن كانت ثابتة بخبره عز وجل.

مَن هؤلاء الثلاثة ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾.

* طالب: اليهود والنصارى (...).

* الشيخ: (...) ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، مَن هم؟

* طالب: النصارى.

* الشيخ: مَنْ هم الثلاثة؟

* طالب: (...).

* الشيخ: طيب، يقولون: إن الله ثالث ثلاثة فيقولون بتعدد الآلهة؛ بماذا أبطل الله قولهم؟

* طالب: أبطل الله قولهم بقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.

* الشيخ: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وهذا هل هو حصر ولَّا خبر مجرد عن الحصر؟

* طالب: خبر.

* الشيخ: خبر مجرد عن الحصر.

* طالب: حصر.

* الشيخ: ما طريقه، يعني بماذا كان الحصر؟

* طالب: بـ (ما من إله إلا إله).

* الشيخ: الظاهر أنك ما قرأت البلاغة، قرأتها؟

* طالب: قليل.

* الشيخ: قليل، ما طريق الحصر؟

* طالب: النفي والإثبات.

* الشيخ: النفي والإثبات، صح، النفي والإثبات ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ﴾ وهذا الحصر مؤكد بـ(من) الزائدة؛ هل لديك علم في البلاغة أن جميع الحروف الزائدة مؤكِّدة؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: نعم، صحيح كل الحروف الزائدة تعتبر مؤكدة.

* * *

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

الإعراب أولًا: (وإن لم ينتهوا ليمسن): (إن) شرطية لا إشكال فيها مسلطة على فعل مضارع منفي، و﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ هو جواب أيش؟

* طالب: جواب الشرط.

* الشيخ: جواب الشرط مشكل، إذا قلنا: إنه جواب الشرط فهو مشكل؛ لأن جواب الشرط لا يأتي بهذه الصيغة لكنه جواب قسم، جواب قسم مُقَدَّر مع لامه أيضًا، والتقدير: ولئن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم؛ لأن كلمة ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ لا تصح أن تكون جوابًا للشرط لوجود اللام الموطئة للقسم ووجود التوكيد في ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾.

وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هل هذا يتنافى مع قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾ ثم يقول: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾؟ لا؛ لأن المعنى: ليمسن الذين استمروا على كفرهم منهم عذاب أليم، وأما من تاب فيتوب الله عليه.

يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: من تعدد الآلهة، وأن الله تعالى ثالث ثلاثة ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ أي: ليصيبن ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ أي: الذين استمروا على الكفر لأنهم كافرون.

وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ عذاب فاعل (يمس)، و﴿أَلِيمٌ﴾ بمعنى مؤلم، وهو مؤلم -أعني عذاب الكافرين- مؤلم نفسيًّا وجسديًّا؛ أما نفسيًّا فإنهم يُوَبَّخون التوبيخ المهين حتى إنه يقال للواحد منهم تهكمًا: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩] وهذا لا شك أنه أعظم إهانة يُعَذَّب ويُصَبُّ من فوق رأسه الحميم، ثم يقال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ هذه إهانة، عذاب عظيم، ويقول الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨] هذا عذاب يقطع القلوب.

أما العذاب الجسدي فلا تسأل، إذا استغاثوا واشتد طلبهم للماء يُغاثون بماء كالمهل يشوي الوجوه قبل أن يقع في الأمعاء، فإذا وقع في الأمعاء قطع أمعاءهم -نسأل الله العافية- إذن فهو مؤلم ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء ٥٦] لأن الجلد إذا نضج ما يحس لكنهم يبدلون جلودًا أخرى ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ٥٦]، إذن فهو أليم أَلَمَ قلب وألم جسد.

* في هذه الآية فوائد؛ منها: أن من قال بتعدد الآلهة فإنه كافر؛ لأنه مُكذِّب للسمع والعقل والفطرة، مكذب للسمع، الأدلة لا تحصى في إثبات توحيد الله، أليس كذلك؟

* الطلبة: بلى.

* الشيخ: لا تحصى، مكذب للعقل؛ لأنه لو تعددت الآلهة ما استقامت الدنيا ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢] ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون ٩١] ولا يمكن أن تستقيم الحال مع تعدد المسؤولية، الآن فكر بها في نفسك لو كنتم في سفر، وكان المسؤول عن الجماعة متعددين هل يستقيم الأمر؟ لا، إلى أين نذهب، إلى فلان أو فلان أو فلان؟ ثم هل فلان ستتحد كلمتهم؟ لا، هذا دليل عقلي ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ولا بد، والآن الكون كله منسجم لا يتصادم ولا يتناقض مما يدل على أن مدبره واحد سبحانه وتعالى، نقول هذا عن يقين ليس لأننا عشنا في بلد التوحيد، لكن لأننا نتيقن أنه لا يمكن أن تتعدد الآلهة.

الفطرة كل إنسان مولود على الفطرة، كل إنسان، كما قال عز وجل: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٠]، فتعدد الآلهة باطل بالسمع والعقل والفطرة.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أنه لا إله إلا الله؛ لقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران ٦٢].

فإن قال قائل: أليست توجد آلهة سوى الله بتسمية الله لها؟ قال الله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١] وقال الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء ٣٩] وآيات متعددة تدل على وجود آلهة، وكيف يستقيم هذا مع هذا الحصر العظيم ﴿مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾؟

فالجواب سهل جدًّا، نقول: كل هذه الآلهة باطلة لا تُغْنِي شيئًا، ولهذا نقول: ما من إله هو موصوف بصفة محذوفة، والتقدير: وما من إله حق إلا الله، وحينئذ يزول الإشكال، ويدل على هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فتح باب التوبة لكل من أساء وإن عظمت إساءته؛ لقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا﴾ إلى آخره، فالله تعالى حكى عنهم الكفر، ومع ذلك عرض عليهم أن ينتهوا عما يقولون؛ فيستفاد منه كرم الله عز وجل وجوده وإحسانه وأنه يعرض على أعدائه أن ينتهوا عما وصفوه به حتى لا يصيبهم العذاب الأليم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عدل الله عز وجل، وهو أنه لا يعذِّب إلا من استمر على كفره ومعصيته.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير البليغ عن الاستمرار على الكفر والشرك، وأن مَن استمر عليه فله العذاب الأليم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском