Ibn 'UthayminAl‑Ma'idah · 5:99–101

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:99–101

5:99Page 124

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٩٩

Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allāh knows whatever you reveal and whatever you conceal.

ثم قال الله عز وجل: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.

﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ (ما) نافية، و﴿عَلَى الرَّسُولِ﴾ خبر مقدم، و﴿الْبَلَاغُ﴾ مبتدأ مؤخر.

وقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ (أل) هنا للعهد، أي العهود؟

* طالب: ذهني.

* الشيخ: ذهني، إذن (أل) للعهد الذهني.

فمن المعهود ذهنًا بأنه رسول بالنسبة لهذه الأمة؟ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عليه الصلاة والسلام.

و﴿الرَّسُولِ﴾ بمعنى المرسَل، وقوله: ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ أي: بلاغ الرسالة، وأما هداية الخلق فليست على الرسول عليه الصلاة والسلام، عليه أن يبلغ، وإذا بلغ انتهت وظيفته؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي: ما تظهرون، ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ أي: تخفون؛ يعني المعنى: أن أعمالكم ليست إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وليس مسؤولًا عنها، وإنما الذي يحاسبكم عليها هو الله الذي يعلم ما تبدون وما تكتمون.

* طالب: اتقاء المعاصي في الأشهر الحرم هل لها.. يعني الذنب أعظم؟

* الشيخ: هذا ينبني على قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة ٣٦]، هل الضمير في (هن) يعود على الأشهر الحرم أو يعود على ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾؟ وفيها خلاف، لكن لا شك أن الذنوب في الأشهر الحرم أعظم؛ لأن الضمير سواء قلنا: عائد على الجميع أو عليهن يدل على تأكيد النهي عن الظلم في هذه الأشهر الأربعة، وللعلماء قاعدة في هذه المسألة يقولون: إنها تضاعف الحسنات والسيئات في كل زمان ومكان فاضل.

* طالب: بالنسبة للكفار يا شيخ وأهل المعاصي يكونون في الدنيا بعافية والأموال وسعة في الرزق، ولكن في الآخرة يا شيخنا ما (...)؟

* الشيخ: في الآخرة يقول الله عز وجل في الحديث القدسي للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، وهم ليسوا من أهلها فلا رحمة، حتى إن الله عز وجل يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، لكن تعذيبهم رحمة بالمؤمنين أن يروا أعداءهم وهم يعذبون في النار، إي نعم.

* طالب: بعض الناس -يا شيخ- يستدلون على أهل المعاصي بالأرزاق والصحة والعافية يقولون: لو أن الله سخط عليهم ما أعطاهم الأموال هذه ولا (...)؟

* الشيخ: وبعض العوام بالعكس، أنا أسمع من العوام مثلًا يقول: عطاه ما يدل على رضاه، وهو كذلك، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٢]، وهذا استدراج من الله تبارك وتعالى، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام «أَنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ»[[أخرجه أحمد في المسند (٣٦٧٢)، والحاكم في المستدرك (٩٤) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، جعلنا الله وإياكم منهم.

* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، المراد بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]؛ أي: آلهة تصرف وتدبر شؤون الكون أو آلهة تعبد فقط؟

* الشيخ: لا، الأول، أو قال: آلهة حق؛ لأن الآلهة التي تعبد من دون الله وإن سموها آلهة فهي كما قال الله عز وجل عنها: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم ٢٣] مجرد أسماء على غير مسمى.

* طالب: حفظك الله، في درس الأمس سأل أحد الأخوة أثناء الأذان عن الحيوانات التي تعيش في البر وفي البحر عيشة كاملة لا حركة المذبوح؛ التماسيح، الضفادع، السلاحف، ما أدري يا شيخ هل هذه يغلب جانب البر فيعتبر أنها محرمة؟

* الشيخ: لا؛ لأن التي تعيش كحركة المذبوح، كثير من السمك الكبار ما تموت على طول، تبقى لساعات، لكنها تكون مضطربة ومغمى عليها وتموت بعدين.

* الطالب: لكن التي تعيش عيشة كاملة تبيض في البر وتعيش في البحر؟

* الشيخ: إي نعم، بعض العلماء يقول: المعتبر الأكثر، إذا كانت تعيش في هذا وهذا فالمعتبر الأكثر؛ لأن الوصف الغالب هو الذي يعتبر، وبعضهم يقول: لا، تحرَّم تغليبًا لجانب الحظر.

* الطالب: (...)؟

* الشيخ: واللهِ الاحتياط أن يتركها، لكن لو فرض أنه وجد ميتة من صيد البر أو هذه، فهذه أولى.

* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- قلنا: علم، وجهه، ما فهمت وجهه تعلق العلم؛ علم الله بالممكنات أو بالجائز، وجهه؟

* الشيخ: ويش معنى وجهه؟

* الطالب: يعني: تفسيره..

* الشيخ: مثلًا وجود الخلق من الممكنات أو المستحيلات أو الواجبات؟

* الطالب: الممكنات.

* الشيخ: من الممكنات، فالله تعالى يتحدث عن المخلوقات؛ خلق السماوات في ستة أيام، استوى على العرش، وما أشبه هذا، هذا من العلم بالممكنات، كذا؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: طيب، علمه أيضًا بما يكون من عقوبات المذنبين وإثابة الطائعين، هذا علم؟

* الطالب: بالممكنات.

* الشيخ: بالممكنات، علمه بالواجب؛ إذا تحدث سبحانه وتعالى عن كماله، فهذا حديث عن علم بشيء واجب، واضح؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: المستحيل كما سمعت.

* الطالب: بعضهم يقول: الجائز هذا ما عاد ممكن يا شيخ؟

* الشيخ: لا، الجائز والممكن سواء؛ يعني: بعضهم يعبِّر: جائز، وبضعهم يعبِّر: ممكن، ولا فرق.

* طالب: فيه بعض الأنواع من الأسماك تلتقط، ولكن لا تؤكل إلا إذا تغير طعمها، إذا تغيرت وقاربت على أن..

* الشيخ: تنتن يعني؟

* الطالب: تعفن، فيأكلها الناس، فما حكمها؟

* الشيخ: وقبل؟

* الطالب: هي مرغوبة على هذه الكيفية.

* الشيخ: يمكن، بعض الناس يرغب المخنز، بعض الناس يرغب هذا؟

* الطالب: هذا يا شيخ موجود بكثرة.

* الشيخ: والله ما أدري.

* طالب: هذا النوع من الأسماك يوجد بكثرة في بعض البلاد.

* الشيخ: ويش اسمه؟

* الطالب: اسمه سمك البوري الذي..

* الشيخ: البوري؟

* الطالب: البوري هذا يصنع يسمى فسيخًا، يؤخذ ويوضع في الشمس وينشر في الشمس الحار حتى يتعفن وينتفخ، ثم بعد ذلك يوضع في براميل ويوضع عليه ملح، وتغلق البراميل بإحكام لمدة مثلًا ستة أشهر أكثر أو أقل، ثم تباع، و..

* الشيخ: ولذيذة؟

* الطالب: إي، لذيذة.

* طالب آخر: شيخ فيه طريقة أخرى يا شيخ يوضع في ملح دون أن يوضع في الشمس.

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: يوضع في ملح وخل ويغطى، دون أن يترك؛ يعني يعفن (...) ويوضع عليه ملح وخل ويغطى حتى يؤثر فيه الملح ينضج.

* طالب: هذه نفس الطريقة يتحلل يعني..

* الشيخ: على كل حال، أنتم أهل البحار ما نعرفه، إلا أن تأتوا إلينا بشيء من ذلك يكون عين اليقين، ثم نأكل منه -إن شاء الله- ويكون حق اليقين.

* * *

* طالب: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة ٩٩ - ١٠٢].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ يعني بذلك محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فـ(أل) للعهد الذهني.

وقوله: ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ أي: إلا تبليغ ما أوحي إليه، وهذا الحصر -كما لا يخفى- حصر إضافي؛ لأن النبي ﷺ عليه واجبات أخرى؛ عليه الصلاة، الصدقة، الصيام، الحج، الجهاد، وغير ذلك، لكن ما عليه بالنسبة لكم إلا البلاغ؛ يعني: إلا أن يبلغكم وليس عليه هداكم، فالهدى أو فالهداية بيد الله، إذن هذا الحصر إضافي، ويش معنى إضافي؟ أي بالإضافة لما يجب لكم عليه، ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ يعني: لكم ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، أما الهداية فهي إلى الله عز وجل.

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ هذا الذي يتفرع عليه الإنسان، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي: ما تظهرونه من الأعمال القولية والفعلية، علمها قبل أن تكون أو بعد أن كانت؟ قبل أن تكون، وبعد أن كانت.

وقوله: ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ أي: ما تخفون في نفوسكم، وذلك الأعمال القلبية، بل أشد من الأعمال القلبية ما يوسوس به القلب، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، وهذا يعني أن حسابهم على الله عز وجل لا على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

* فمن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب إبلاغ الوحي على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن (على) ظاهرة في الوجوب، أين (على)؟

* طالب: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾.

* الشيخ: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ليس للنبي ﷺ أن يجبر الناس على أن يهتدوا، ويؤيد هذا آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٩٩].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾.

* ومن فوائدها: تحذير المبلغين من المخالفة؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، فإن إخباره بعلمه بعد أن قال: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ فيه التهديد والوعيد على من خالف.

* ومنها: سعة علم الله وعمومه؛ لقوله: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، وهذا عام للأمة كلها، و(ما) هنا -كما تعرفون- اسم موصول يشمل القليل والكثير.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعمال العباد تنقسم إلى قسمين: قسم يبدو للناس، وقسم لا يبدو؛ لقوله: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.

فإن قال قائل: هل الأفضل للإنسان أن يبدي ما عمل أو أن يكتم ما عمل؟

قلنا: كل ذلك خير؛ لأن الله مدح الذين ينفقون أموالهم سرًّا وعلانية، ولكن أيهما أفضل؟ ينظر للمصالح؛ إن كانت المصلحة في الإعلان أعلن، وذلك كإنسان يُقتدى به ويُتأسى به، فالأفضل أن يعلن حتى يتأسى الناس به ويعرف أن هذا حق، ويكون بذلك إمامًا لمن اتبعه، وإذا كان الإخفاء خيرًا فالإخفاء أفضل، كما لو تصدق إنسان على شخص متعفف لا يحب أن يطلع عليه، فهنا ما الأفضل؟ الإسرار، وإن تساوى الأمران -والغالب أنهما لا يتساويان من كل وجه- لكن على فرض أنهما تساويا من كل وجه فالإسرار أفضل؛ لأنه أدل على الإخلاص، وأقرب إلى الإخلاص.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة، وهذا مأخوذ من قوله: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، فالإنسان يريد أن يبدي ويريد أن يكتم، وهذا هو إثبات الإرادة للعبد.

الجبرية قوم يقولون: إن الإنسان غير مخير بل مجبر، ويستدلون بآيات، منها قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص ٦٨]، قالوا: نفى أن يكون للعبد الخيرة، فشبهتهم قوية، ولكنه لا شك أن هذه الشبهة باطلة؛ لأن المراد بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ يعني: في فعله عز وجل، يعني مثلًا: ﴿قَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١] يريدون أن يختاروا هم من يكون أيش؟ رسولًا، فقال الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف ٣٢]، فيكون معنى قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي فيما أيش؟ يفعله الله، أما بالنسبة لأفعالهم فلهم الخيار.

والدليل على هذا آيات كثيرة؛ منها: خصال الكفارة مثلًا في كفارة اليمين ثلاثة منها على التخيير: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، وغير ذلك من الأدلة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل العلم الذي هم ورثة الأنبياء إذا بلغوا برئت ذمتهم.

ولكن هل يجب عليهم التبليغ على كل حال أو إذا كانت الفائدة أو ماذا؟ نقول: الأصل أنه واجب لكل حال التبليغ، هذا هو الأصل؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي» أمر «وَلَوْ آيَةً»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]، لكن قد لا يجب التبليغ، ويجوز أن يكتم العلم إلى وقت ما إذا رأى في ذلك مصلحة، كما فعل معاذ بن جبل رضي الله عنه حين لم يبلغ قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ» لم يبلغها إلا عند موته تأثمًا[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٠ / ٤٩) من حديث معاذ.]]، وإلا فالأصل وجوب الإبلاغ.

أما إذا سئل الإنسان عن العلم؛ فإذا كان السائل مسترشدًا وجب أن يبلغ السائل، هذا إذا كان مسترشدًا، وأما إذا كان ممتحنًا فإن الإنسان بالخيار؛ إن شاء بلغ، وإن شاء منع؛ لأن هذا السائل غير مسترشد، لا يريد العلم، يريد أن يمتحن هذا المسؤول فهو بالخيار.

وهل الأفضل أن يبلغ أو الأفضل ألَّا يبلغ؟ في هذا تفصيل؛ إن كان هذا السائل إذا ترك صار في ذلك إذلالٌ له وخزيٌ فليتركه، وإن كان إذا ترك ازداد شره وطغى طغيانه، فإنه يجب أن يبلغ ويبين له ضلاله، فالمسألة يرجع فيها إلى المصالح.

فإن قلت: ما هو ميزان المصالح؟ قلنا: كل إنسان مسؤول عن نفسه، وكل قضية لها حكم؛ ولهذا يمر بكم أحيانًا في الإجابات عن بعض الأدلة يقال فيها: إنها قضية عين، كل إنسان حسب ما يرى، والله حسيبه.

5:100Page 124

قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠٠

Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allāh, O you of understanding, that you may be successful.

ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ قل يا محمد: لا يستوي، وتصدير الحكم بـ(قل) يدل على العناية به؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان مأمورًا أن يقول جميع القرآن، أن يقوله للناس ويبلغه، لكن إذا نصَّ على شيء معين دل هذا على أخصيته، فهو كالتخصيص بعد أيش؟ بعد التعميم، فيفيد العناية.

﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لكل من يصح خطابه ويدرك خطابك ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾، صدق الله، لا يستوي الخبيث والطيِّب من الأشخاص والأعمال والأعيان، لا يمكن أن يستوي هذا وهذا، صح؟ لا يستوي، هل تستوي الصلاة لله والسجود للصنم؟ لا تستوي، هذا من الأعمال.

من الأعيان: هل يستوي الشراب الطيب المستخلص من ثمرات طيبة والخمر؟ لا يستوي.

بالنسبة للأشخاص: هل يستوي المؤمن الطيب والكافر الخبيث؟ لا، وهلم جرًّا.

إذن الخبيث والطيب من كل شيء؛ من الأشخاص، والأعيان، والأقوال، والأفعال، من كل شيء، هل يستوي ذكر الله والغيبة؟ لا، إذن هذا عام ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾.

﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ قوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ الخطاب هنا ليس للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الرسول لا يعجبه كثرة الخبيث، لكن ولو أعجبك أيها المخاطب؛ أي: قل للإنسان: لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك أيها المخاطب ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾، وليس الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأننا نعلم علم اليقين أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعجبه كثرة الخبيث.

﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ أي: أعجبك؛ أي: بلغ منك موضع الإعجاب.

وهذا إذا طبقته على بني آدم فأيهما أكثر: الخبيث أو الطيب؟

* طلبة: الخبيث (...).

* الشيخ: الخبيث؟

* طلبة: نعم.

* الشيخ: الخبيث من بني آدم أكثر؟

* طلبة: نعم.

* الشيخ: صحيح، الخبيث من بني آدم أكثر لو أعجبك، كذلك لو أعجبك كثرة الخبيث بقوته وإنتاجه لا يهمنك؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة ٢٢١] لا يهمنك.

الخبيث باطل، والله عز وجل يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء ١٨]، شوف كلمات قوية ﴿نَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ يعني نرمي بشدة، ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ يصيب دماغه ولا يُفلت ولا يبقى لحظة عين، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾، والفاء للترتيب والتعقيب، و(إذا) فجائية تدل على مفاجأة الزهوق، وأنه يكاد أن يكون الزهوق قبل أن يُدمغ، ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾، ولكن لاحظوا يا إخوانا أن السيف بضاربه، يعني الحق لا بد أن يكون الحامل للحق قويًّا في ذات الله، لا يهمه أحد في ذات الله، وحينئذٍ يندحر الباطل ويقوم الحق.

﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [المائدة ١٠٠] الفاء للتفريع، أي فبناء على ذلك وعلى كثرة الخبيث اتقوا الله، لا يعجبنكم كثرة الخبيث، وبتقوى الله يحصل المطلوب ويزول المرهوب.

وقوله: ﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ شوف النداء كيف يداخل القلب ﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: يا أولي العقول، أي: يا أصحاب العقول، والمراد بالعقول: ذوات الرشد وحسن التصرف، وليس عقل الإدراك قد يكون عند الكافر من عقل الإدراك أكثر مما عند المؤمن، لكن عقل الرشد منفي عن الكافر مطلقًا (...) عقل الرشد لأنه لو كان عنده عقل الرشد.

* طالب: ما كفر.

* طالب آخر: لآمن.

* الشيخ: لآمن ولم يكفر، لكن ليس عنده عقل الرشد، إذن يا أصحاب العقول أي العقول؟

* طلبة: الراشدة.

* الشيخ: الراشدة التي تعرف ما ينفعها فتقوم به وما يضرها فتجتنبه.

و﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: لتفلحوا، فـ(لعل) هنا للتعليل، أين المعلل؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا هذا..

* طالب: (...).

* الشيخ: الاتقاء، تقوى الله يعني لأجل أن تفلحوا إذا اتقيتم الله عز وجل، والفلاح كلمة جامعة للفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، هذا الفلاح.

* طالب: بارك الله فيكم، دائمًا الإنسان يواجه بعض المنكرات وتكون كثيرة، ويعني يتحير هل ينكر أم لا، لم يكن منكرًا كثيرًا، ولو أنكر قد يحصل فيه خير، وقد لا يحصل خير، قد يواجه ضمن الاستهزاء مثلًا.

* الشيخ: أما مسألة الاستهزاء فلا بد من هذا في الغالب، لا بد من هذا، ولكن هل يحصل أذى؟

* الطالب: نعم، نفسي نعم.

* الشيخ: لا، ما هو نفسي، إلا أذى جسميًّا.

* الطالب: لا.

* الشيخ: لا يحصل الأذى، يصبر الإنسان ويحتسب، ورب كلمة انتفع بها واحد من هؤلاء فتنفعه، ولكن لا يشترط في الأمر الإعلان هكذا، يستطيع يمسك الرؤساء خاصة من هؤلاء القوم ويتكلم معهم بهدوء ويبين لهم، والرؤساء إذا وُفقوا للهداية اهتدى بهدايتهم كثير من الناس.

* الطالب: شيخ أحيانًا الواحد يواجه شخصًا يعني من شكله ما أكلمه (...) مضطر.

* الشيخ: ما أكثر هذا، وما أكثر الانتفاع، ترى بعض الناس ما هو على شكله، شكله صحيح يعني تظن أنه (...) لكن تجد نفسه لينة، وهذا مجرب، يعني: قد تقول: حليق اللحية مسبل الثوب وجهه ما هو بوجه الخيِّر، لكن سبحان الله قلبه لين أقل ما يبغي يقولك إذا لم تأته بعنف بيقول: جزاك الله خيرًا وأسأل الله الهداية، وهذا مجرب، خذ بيده بس بسهولة، تنَحَّ به عن الطريق قليلًا وكلمه تجد خيرًا كثيرًا، لكن بلانا من أنفسنا إذا شفنا الواحد يخالف فالإنسان يغار ما يتحمل ثم يبدأ يتكلم بكلام يعني ينفر صاحبه.

* طالب: ذكرنا بأن الأصل هو وجوب البلاغ، لكن المشكلة يا شيخ ما نقل عن بعض الأئمة وبعض العلماء أنهم يقولون: إني لا أعطي علمي إلا من يستحق العلم، ولا أبثه إلا في أهله، فهل من تعارض مع قولهم؟

* الشيخ: لا، هو قصده -إن صح هذا الخبر- قصده الجلوس للناس يعلم أنه ما يجلس إلا للناس يريدون العلم حقيقة، ما يريدون الضحك على الذقون.

* الطالب: بس يا شيخ مثلًا أحيانًا يكون الإنسان راكب السيارة، معه قوم، ويعرف أنهم ما يريدون النصيحة، ويريد استغلال الوقت، فهل يقوم مثلًا ينصحهم، يذكرهم، يعطيهم..

* الشيخ: لا، هذا ما يصح هذا، أحيانًا راكب السيارة ما يصعد على طول يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ويهم يجيب مواعظ، ما هم متحملين هذا، لكن يقدر يدخل على عقولهم بأشياء؛ إما قصص، ولتكن قصصًا مضحكة، ما يهم، أو مسائل علمية غريبة يلقيها عليهم؛ حتى تتهيأ أذهانهم لهذا. وإلا معلوم أن الواحد إذا جلس مجلسًا يقول: يَلّه بسم الله الرحمن الرحيم يعظهم، قد يستثقلون هذا، كل مقام له مقال.

* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، أحيانًا يجلس الإنسان مع جماعة يكونون على منكر، لو أنه قام لم يستفد منهم شيئًا، ولم يستفيدوا منه شيئًا، لو أنه أنكر عليهم مباشرة لن يتقبلوا منه، فهل يضغط على نفسه ويجلس مكرهًا في هذا المكان؟

* الشيخ: لا بأس، كالطبيب يشق الجرح ويشم رائحة كريهة من أجل إصلاحه، ولأحد العلماء تأثير بالغ في بعض جهات المملكة، كان يدخل معهم في منكرهم ويحتفل معهم باحتفالات (...).

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة ١٠١، ١٠٢].

* الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.

* طلبة: فوائد الآية السابقة.

* الشيخ: فوائد التي قبلها، الآية اللي قبلها فقط، قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة ٩٩] هذه الآية تتمة لما قبلها في قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨] يعني وسيحاسبكم، ثم بيّن وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام، ففي الآية: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾.

* طلبة: (...) فوائد التي قبلها.

* الشيخ: أخذتوها طيب ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ إلى آخره [المائدة: ١٠٠].

* من فوائدها: أنه لا يستوي الخبيث والطيب عند الله عز وجل، ولا عند أصحاب العقول، وهذا في مراتبهم عند الله وعند ذوي العقول، أما فيما يعملون من أمور الدنيا فإنه قد يكون الخبيث أكثر من الطيب عملًا، كما هو مشاهد الآن، فإن الدول الكافرة أقدم من الدول المسلمة فيما يتعلق بأمور الدنيا.

* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يعتبر بالكثرة، وإنما يعتبر بالكيف، لا بالكم؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾.

* ومن فوائدها: أنه إذا اجتمع قوم للشورى ثم تنازعوا في شيء فإننا نعتبر من هو أقرب إلى الصواب، إذا كان الفرق يسيرًا نعتبر من هو أقرب للصواب، فإن تساووا فهنا نعتبر الأكثر؛ لأن المقصود هو الحق، فإذا علمنا أن هؤلاء القلة في جانبهم الحق من حيث العلم والثقة والأمانة والمعرفة فإنهم يقدَّمون على الأكثر، لكن إذا تساووا اعتبرنا الأكثر؛ لأنه لا طريق لنا إلى الترجيح إلا هذا.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وصف الخبث والطيب يكون في الأعمال ويكون في الأعيان، فالمؤمن طيب في ذاته وعمله، والكافر خبيث نجس في ذاته وعمله، لكن نجاسته في ذاته ليست نجاسة حسية كنجاسة البغل والحمار، ولكنها نجاسة معنوية.

* ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان قد يعجب بما ليس محلًّا للإعجاب؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل، وأن من تقوى الله ألا يعجب الإنسان بالخبيث ولو كثر؛ لأنه ذكر الأمر بالتقوى بعد قوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذين يخاطبون بالتقوى وبمثل هذه الأحكام العظيمة هم أصحاب العقول؛ لقوله: ﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾، والمراد بالعقول هنا: عقول الرشد، لا عقول الإدراك.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التقوى سبب للفلاح؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وسبق معنى الفلاح.

5:101Page 124

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٠١

O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur’ān is being revealed, they will be shown to you. Allāh has pardoned it [i.e., that which is past]; and Allāh is Forgiving and Forbearing.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم﴾ إلى آخره.

الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ سبق الكلام عليه مرارًا فلا حاجة لإعادته.

﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم﴾ (أشياء) هنا ممنوعة من الصرف، وعلل الصرفيون كونها ممنوعة من الصرف أن الهمزة فيها للتأنيث وليست أصلية (...) لكن فيها إعلال بالتقديم والتأخير بحروفها، حيث قدمت الهمزة الوسطى إلى أولها فصارت (أشياء)، ولذلك لو أردت أن تزنها فوزنها فعلاء.

﴿عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ يعني: إنْ يُبدَ لكم الجواب عنها فإنه يسوؤكم الجواب، وهذا يشمل كل ما سكت الشرع عنه، ثم صار السؤال عنه سببًا للمشقة على الناس واستيائهم مما حصل، ومن ذلك ما كان بعض المسلمين يسألون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الرجل منهم يسأل: من أبي؟[[متفق عليه؛ البخاري (٩٢)، ومسلم (٢٣٦٠ / ١٣٨) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وأين أبي؟[[أخرجه مسلم (٢٠٣ / ٢٤٧) من حديث أنس. ]] وما أشبه ذلك، فإن هذا من الأمور الذي يجب السكوت عنها، لو أن رجلًا قال للرسول عليه الصلاة والسلام: من أبي؟ فقال: أبوك فلان، غير أبيه، لكان في هذا فضيحة له ولأبيه ولأمه، فالسكوت عنه هو الأدب، كذلك إذا قال: أين أبي؟ فإذا قال الرسول ﷺ: أبوك في النار أساءه بلا شك، وكان هذا أيضًا فيه إساءة إلى من؟ إلى الأب.

كذلك في الأشياء الواجبة، الأقرع بن حابس لما قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ» قال: أفي كلِّ عامٍ؟»[[أخرجه أبو داود (١٧٢١)، والنسائي في المجتبى (٢٦٢٠)، وابن ماجه (٢٨٨٦) من حديث ابن عباس.]] هذا سؤال غير وجيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لو قال: نعم لوجبت، ولشق ذلك على المسلمين أفرادًا وجماعاتٍ، أفرادًا لأن الإنسان إذا فرض عليه أن يحج كل عام يشق عليه، جماعات لو أن الأمة الإسلامية قيل لها: من قدر منكم الحج فليحج كل عام، ما الأرض التي تسعهم؟ لا تسعهم الأرض، فلهذا كان السؤال في غير وجهه، فما أعظم الجرم ممن سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته، أو لم يجب فوجب من أجل مسألته.

قال: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي: يظهر لكم جوابها ﴿تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ يعني: إن سألتم عنها في زمن الوحي الذي ينزل فيه القرآن تبد لكم، من يبديها؟ يبديها الله على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي وجه السؤال إليه.

﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ يعني عفا الله عما سكت عنه، ولهذا جاء في الحديث: «وَمَا سَكَتُّ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ»[[أخرجه الترمذي (١٧٢٦)، وابن ماجه (٣٣٦٧) من حديث سلمان الفارسي.]].

﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ غفور للذنوب، حليم في العقوبة، فلا يعاجل عباده بالعقوبة؛ كما قال عز وجل: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥].

* في هذه الآية فوائد: أولًا: أنه مما ينافي كمال الإيمان أن يسأل الإنسان عن شيء لم يكلَّف به؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا﴾.

وهل يشمل هذا زمن الوحي وما بعده، أو هذا خاص في زمن الوحي الذي يمكن أن يثبت به التحريم أو الإيجاب؟

الثاني، في زمن الوحي، أما فيما بعد الوحي فلا بد أن يسأل الإنسان عن دينه، ولذلك نقول: إن ما يفعله بعض العوام إذا قيل له: هذا حرام، هذا واجب، اسأل العلماء، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ هذا حرام، حرام من وجهين: الوجه الأول: أنه امتنع من السؤال مع وجود مقتضيه، والثاني: أنه نزّل الآية على غير تنزيلها، على غير ما أراد الله.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يسوؤه ما شرعه الله عز وجل من إيجاب أو تحريم، ولكن المؤمن وإن كره ذلك بطبيعته لا يكره من حيث كونه شرعًا لله عز وجل، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦]، ما المكروه؟ هل هو القتال أو فرضية القتال؟ القتال، دون فرضيته، المؤمن يرضى بكل ما فرض الله وبكل ما أوجب وبكل ما حرم ومنع، لكنه قد يكرهه من جهة مشقته وتعبه وما أشبه ذلك.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أي سؤال يرد في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا بد أن يجاب عنه؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾، ولذلك تجدون في القرآن الكريم أسئلة كثيرة موجهة للرسول عليه الصلاة والسلام فيجيب الله عنها: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة ٢١٩]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة ٢١٩]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة ٢٢٠]، فلا بد أن يجاب؛ لقوله: ﴿إِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾.

لكن إذا قال قائل: أليس النبي ﷺ يُسأل أحيانًا فلا يجيب؟ قلنا: بلى، لكنه لا يجيب لأنه لم ينزل عليه فيه وحي، ولو نزل عليه فيه وحي لأجاب.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما سكت الله عنه فهو عفو؛ لقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.

نضرب لهذا مثلًا: يسأل كثير من النساء عن حكم إزالة الشعور من الساقين أو الذراعين فهل هو حرام أو حلال؟

لننظر الشعور تنقسم ثلاثة أقسام: قسم نهي عن إزالتها، وقسم أمر بإزالتها، وقسم مسكوت عنه؛ مما أمر بإزالته ما جاء في الفطرة، ومما نهي عن إزالته اللحية، ومما سكت عنه بقية الشعور، فهل نقول: إنها مما سكت عنه فتكون حلالًا، أو نقول: الأصل في تغيير خلق الله أنه حرام فتكون حرامًا؟

الجواب: الأول، أنه مما سكت عنه، ولو شاء الله عز وجل لأنزل فيه قرآنًا، أو لتكلم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

الحشرات وأشباهها ثلاثة أقسام: قسم أُمر بقتله، وقسم نُهي عن قتله، وقسم مسكوت عنه، مما أُمر بقتله أيش؟

* طالب: الكلب والعقرب.

* الشيخ: العقرب والحية والكلب العقور، ومما نهي عن قتله النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد، ومما سكت عنه البقية، فهل نقول: إن البقية يجوز قتلها بدون إيذاء أو نقول: لا، الأصل أنها حيوان خلقه الله عز وجل ليُستدل به على قدرته وسعة علمه ورحمته، ولأنها تسبح بحمد الله فلا تُقتل إلا إذا كان فيه أذية.

في هذا ثلاثة أقوال: قولان معلومان عندي إلى الآن لم أنسهما، الثالث نسيت، الأول: أنه يكره أن تقتل هذه الحشرات بدون أذية؛ إذا لم يكن منها أذية، أما إذا كان منها أذية فتقتل، فيكره أن يقتلها؛ لأنها تسبح بحمد الله، ولأن فيها آية من آيات الله، وهي أن الإنسان كلما تأملها عرف بذلك سعة علم الله ورزقه ورحمته، فيكون فيها مصلحة للعباد، فلا تُقتل، ولكن على وجه الكراهة.

القول الثاني: أن ذلك مباح؛ لأنه مما سكت الله ورسوله عنه، وما سكت الله عنه فهو عفو.

والثالث: التحريم، لكنني لم أُجَوِّده؛ لأنه إذا لم يكن منها أذية كان قتلها مجرد عبث، وفيه أيضًا تعويد النفس على العدوان، هذا إذا لم تؤذ، أما إذا آذت فلا شك في جواز قتلها، ولكن الأفضل أن يدافعها بما هو أهون، فمثلًا إذا دخلت الحية في جحرها، وهذه مما أمر بقتله، وصار قتلها إما بالماء يغرقها أو بالنار تحرقها، أيها أولى؟ الماء، الأول، بالماء، هذه الحشرات أيضًا التي لم يؤمر ولم يُنهَ عن قتلها نقول فيها: إذا كان فيها نوع أذية فإن أمكن أن تطردها حتى تسلم من الأذية بدون قتل فهو أولى، وإذا لم يمكن إلا بالقتل فاقتلها ولا حرج عليك.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن منزل ممن؟

* طلبة: من الله.

* الشيخ: ﴿يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾ ما ذُكر الفاعل لكنه حُذف للعلم به؛ لأن المنزل للقرآن هو الله عز وجل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي ﷺ مبلغ عن الله؛ لقوله: ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾؛ لأن المبدي للبشر مباشرة هو الرسول ﷺ.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البناء على الأصل في براءة الذمة، تؤخذ من قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾، فالأصل عدم شغل الذمة بإيجاب أو تحريم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الأسمين لله عز وجل: الغفور والحليم، فهو غفور للذنوب حليم عند العقوبة، فلا يعاجل، لقد قال ابن القيم رحمه الله:

وَهْــــــوَ الْحَلِيـــــمُ فَـــــلَا يُعَاجِـــــلُعَبْـــــدَهُ ∗∗∗ بِعُقُوبَــــــةٍ لِيَتُـــــــــوبَ مِـــــــنْعِصْيَــــــــــــــانِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском