Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:106–108, continued
هذا أيضًا محلُّ خلافٍ، وسبب القول باختصاصه بالوصية أن هذه خارجة عن قواعد الشهادة، والخارج عن القواعد قاعدته أن يُقتصَر فيه على ما أيش؟ على ما خرج فقط؛ يعني على ما ورد فقط، وسيأتي إن شاء الله أن القول الراجح أنه تجوز شهادة غير الكتابيَّينِ، وأنه تجوز الشهادة في الوصية وغيرها وفي السفر وغيره، وهذا قد يقع أحيانًا؛ عندنا الآن كثيرٌ من المستشفيات القائمون على العلاج نصارى، فإذا حضر الموتُ أحدًا من هؤلاء المرضى وأشهدَ مَن عنده من الأطباء فهذا حكمه كذلك.
* * *
* طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة ١٠٦ - ١٠٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذه الآية والتي بعدها قرأناها أولًا وفسرناها، بقي الفوائد.
* من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي الإشهاد على الوصية؛ لقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾، وظاهر الآية الكريمة أنه لا بد من رجلين؛ لقوله: ﴿اثْنَانِ﴾، واثنان عدد للمذكر، فهل هذه الآية على ظاهرها؟
الجواب أن يقال: هذه الآية تقيَّد بآية البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة ٢٨٢]؛ لأن الأموال وما يُقصَد به الأموال إذا لم يُقِرّ المدَّعَى عليه يكفي في إثباته واحدٌ من أمورٍ ثلاثة: شهادة رجلينِ، شهادة رجلٍ وامرأتينِ، شهادة رجلٍ ويمينُ المدَّعي. هذه بيِّنات المال وما يتعلَّق به المال، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿اثْنَانِ﴾ هذا مبنِيٌّ على الأكمل؛ يعني أن الأكمل في الإشهاد على الوصية أن يكون الشاهدان رجلين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الوصية عند حضور الموت؛ لقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾، وهذا مقيَّد بما إذا لم يتغير تمييز الموصِي، فإن تغير تمييز الموصِي فلا عبرة بقوله؛ يعني لو كان عند موته اضطرب وصار كلامه غير مرتَّب فإنه لا عبرة به بهذا الكلام، وهذا معروفٌ من قواعد الشريعة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يُشترط للإشهاد أن يكون الشاهدان ذَوَيْ عدلٍ؛ لقوله: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾، وسبق لنا تعريف العدالة، ولكن إذا لم يوجد عدلٌ ووُجِد فاسقٌ مأمونٌ فهل يقوم مقام العدل؟
اختار بعض أهل العلم أن ذلك يقوم مقام العدل وأن اشتراط العدالة إنما هو عند التحمُّل؛ بمعنى أنك إذا أردتَ أن تُشهِد فلا تُشهِد إلا عدلين، أما عند أداء الشهادة فالضرورات لها أحكام؛ إذا لم نجد مَن يشهد إلا هذين الفاسقينِ لكنهما في الأمانة موثوقانِ فإننا نقبل شهادتهما، وهذا الأخير هو الصواب: أن العدالة شرط مع الإمكان، وأما إذا لم يمكن فإنه تُقبل شهادةُ الفاسق بشرط أيش؟ أن يكون ثقة، وكم من إنسان يكون فاسقًا في عبادته لكنه أمينٌ في شهادته، ونعلم أننا لو اتبعنا اشتراط العدالة في أداء الشهادة معتبرين الشروط التي ذكرها الفقهاء في العدالة؛ أن كثيرًا من الحقوق سوف تضيع؛ لأن كثيرًا من الناس ليسوا على الاستقامة التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز شهادة الكافر إذا عُدِم المسلم؛ لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾.
وهل يختص هذا بالكتابيين أم بكل كافر؟
ظاهر الآية: كل كافر؛ لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ سواء كان يهوديًّا أو نصرانيًّا أو بوذيًّا أو شيوعيًّا، أيًّا كان؛ لقوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن شهادة الكافر لا تُقبل مطلقًا، وأجابوا عن هذه الآية بأنها منسوخة؛ لأن الله تعالى اشترط العدالة في الشهود، والكافر ليس بعدلٍ.
والقول الثاني: أن شهادة الكافر جائزة بشرط أن يكون كتابيًّا وأن يكون عند الضرورة، فاشترطوا شرطين؛ الأول: الضرورة بأن لا يوجد مسلم، والثاني: أن يكون الشاهدان كتابيَّينِ، وهؤلاء احتجوا لاشتراط الضرورة بقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخره، وقيَّدوا ذلك بالكتابيَّيْنِ أو بالكتابيِّينَ، قيَّدوا ذلك لأن القضية التي وردت فيها الآية كان الشاهدان من أهل الكتاب، وقالوا في تقرير الاستدلال: إن عدم اشتراط الإسلام في هذه الصورة خرج عن الأصل، وما خرج عن الأصل وجب اختصاصه بما ورد فيه فقط.
ولا شكَّ أن الجواب على هؤلاء سهل؛ نقول: الآية الكريمة عامة، والعبرة بعموم اللفظ، ولذلك إذا أراد الله تعالى تخصيص الحكم بأهل الكتاب قيَّده؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة ٥]، فأمَّا أن نقيِّد ما أطلقه الله هذا ليس بصواب، وهذه قاعدة يجب على طالب العلم أن يسلكها: كل شيء ورد مطلقًا في القرآن والسُّنة فلا يجوز إضافة قيدٍ إليه أبدًا؛ لأنه إذا فعل ضيَّق ما وسَّعه الله واتخذ نفسَه مشرِّعًا ومستدرِكًا على الحكم الشرعي، وهذا خطير، فالقاعدة إذن أن كلَّ ما أطلقه الله ورسوله فالواجب أيش؟ إبقاؤه على الإطلاق، ولا يحلُّ أن نُضيف إليه قيدًا إلا بدليل لا بد من اتباعه، وحينئذٍ نقول: الصواب أنه يجوز أن يشهد اثنان على الوصية عند عدم المسلم سواء كانا كتابيَّينِ أو من غير الكتابيِّينَ.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: علوُّ مرتبة المسلم على الكافر، وهذا لا إشكال فيه؛ وجه ذلك: أن شهادة الكافر لا تُقبل إلا إذا لم يوجد مسلم، وهذا يدل على أن المسلم أعلى مرتبةً ومنزلةً من غير المسلم.
فإن قال قائل: فهمنا أن شهادة الكافر فيما يتعلق بأمور المسلمين لا تجوز إلا عند الضرورة، فهل تقبلون شهادة الكفار بعضهم على بعض؟
الجواب: نعم، سواء كان للضرورة أو غير ضرورة، شهادة الكفار بعضهم على بعض مقبولة، لكن بشرط أن يكون عدلًا في دينه، كما اشترطنا في شهادة المسلم أن يكون عدلًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السفر يطلق عليه: الضرب في الأرض؛ لقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. والقرآن الكريم تارةً يذكر السفر بلفظه وتارةً يذكر عنه الضرب في الأرض؛ فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة ٦] هذا ذكر السفر ولم يقُل: أو ضربتم في الأرض، وقال تعالى في الصيام: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة ١٨٤].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إطلاق الضرب في الأرض، ولم يقيده بمسافة القصر أو أكثر أو أقل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا أراد الشاهدان من غير المسلمين أداء الشهادة فإنهما يُحبسان من بعد الصلاة؛ يعني: يوقَفان من بعد الصلاة، وذلك لانتفاء التهمة؛ لأن الصلاة معظَّمة، والإنسان يخاف أن يشهد بباطل بعد هذه الصلاة التي ذكرها الله عز وجل.
ولكن هل هذا مشروطٌ بالارتياب في شهادتهما، أو نقول: إنهما يُحبسان على كل حالٍ ليظهر الفرق بين أداء الشهادة من المسلم وأداء الشهادة من غير المسلم؟
الآية فيها احتمال؛ لأن قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يحتمل أن تكون ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قيدًا في قوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ وقولِه: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، ويحتمل أن تكون قيدًا لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ فعلى الاحتمال الثاني يكون حبْسهما واجبًا، وعلى الأول لا يكون حبْسهما واجبًا إلا إذا ارتبْنا منهما.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُحلَف بغير الله؛ لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، فلو أقسم بغير الله حتى بمن يُعَظَّم عندهم كالمسيح مثلًا فإنه لا تُقبل يمينُه ولا يُعتَدُّ بها؛ لقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن إقسامهما لا يلزم إلا عند الارتياب في شهادتهما، تؤخذ منين؟ من قوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾.
فهل يؤخذ من هذا أن للقاضي أن يُحلِّف الشاهدَينِ عند الارتياب في شهادتهما؟
نقول: نعم، له ذلك، ولا يقول قائل: إن هذا إنما ورد في ارتيابنا في الكفار، لا، لو قال قائل: إن هذا إنما ورد في ارتيابنا في شهادة الكفار فالجواب: الحكم يدور مع عِلَّته؛ لأننا لم نُحَلِّفهما بالله إلا عند الارتياب لا لكونهما من الكفار، إذن للقاضي أن يُحلِّف الشهودَ إذا ارتاب في شهادتهما.
هل له -أي: للقاضي- أن يفرق الشهود أيضًا عند الارتياب بأن يخلو بكل واحدٍ منهما ويسأله سؤالًا تفصيليًّا؛ حتى إذا اختلفا عرف أن شهادتهما غير صحيحة؟
الجواب: نعم، له ذلك.
وهل له أن يُوَرِّي فيُظهِر لهما خلافَ ما يريد لاستظهار الحق؟
الجواب: نعم، ويدلُّ لذلك قصة سليمان مع المرأتين اللتين خرجتا بحاجة لهما، ثم أكل الذئب ولد إحداهما، فتخاصمتا إلى داود فقضى به للكبرى، ثم تخاصمتا إلى سليمان فطلب السكِّين، دعا بالسكِّين؛ قال يريد أن يشُقَّ الولد نصفين ويعطي الكبرى نصفًا والصغرى نصفًا، الكبرى وافقت على هذا، ليش؟ ما في قلبها رحمة له، وولدها قد مات؛ أكله الذئب، فلْيكنْ هذا تبعًا له، الصغرى قالت: يا نبيَّ الله، هو لها، هو لها. فتنازلت عن دعواها ليش؟ لشفقتها ورحمتها، تنازلت، وليس معنى قولها: (هو لها) أنه عبدٌ لها، لا؛ (هو لها) يعني أنها قد تنازلت عن الدعوى، فقضى به سليمان عليه الصلاة والسلام لمن؟ للصغرى[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٢٦) ومسلم (١٧٢٠ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]].
فإذا ارتاب القاضي في شهادة الشهود فلا بأس أن يُوَرِّي في الحكم من أجل استظهار الحق.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن يكون صفة الإقسام على هذا: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة ١٠٦]، فهل يُكتفى بالمعنى أو لا بد من هذا اللفظ بعينه؟
الصواب أنه يكفي المعنى؛ لأن هذا اللفظ لا يُتعبَّد به حتى نقول لا يمكن أن يُغيَّر، بل عبَّر الله عز وجل عن المعنى بهذا اللفظ، إذن فالمرجع يا إخواننا إلى أيش؟ المرجع إلى المعنى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن للقرابة تأثيرًا في الميل والعاطفة؛ لقولهما: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، وهذا شيء فطريٌّ معروفٌ، وقد أشار الله تبارك وتعالى إلى هذا في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة ١١٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء ١٣٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كتمان الشهادة إثمٌ؛ لقوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾، وقد قرر الله تعالى هذا بقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة ٢٨٣]، ولا شك أن الشهادة إذا كتمها الإنسان لزِم من ذلك إخفاء حقٍّ واجبٍ لشخصٍ وإضافةُ باطلٍ للشخصِ الآخرِ؛ فمثلًا: إذا استشهده شخصٌ بأن في ذِمَّة فلانٍ له كذا وكذا فكتمه، ما الذي يحصل؟ إخفاء الحق وإضافة الباطل إلى من لم يشهد عليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ردُّ اليمين على المدَّعِي؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ إلى آخره، كيف يُرَدُّ اليمين على المدَّعِي؟
ادَّعى زيدٌ على عمرٍو مئة ريالٍ، فطلبنا البيِّنة من زيدٍ، فقال: لا بينة عندي، ولكن أطلب يمين المدَّعَى عليه، أفهمتم؟ إذا حلف المدَّعَى عليه انتهت الخصومة، لا ما هو بريء، انتهت الخصومة؛ بمعنى لو أن المدعِي فيما بعد علم ببيِّنة له لم يعلمها من قبل فإنه على دعواه، لكن انتهت الخصومة.
لو قال المدعي إذا نَكَل عن اليمين: احكم عليه؛ لأن الخصومة انتهت وإنه لا يطالبني بشيء. فرأى القاضي أن يرد اليمين على المدعِي، فهنا لا بأس، لماذا؟ لأنه قد يكون المنكِر صادقًا، ولكن يحتاج إلى إثبات زيادة، فيرده عليه، وهذا القول هو الصحيح: أنه يجوز أن تُردَّ اليمين على المدعِي كما في هذه الآية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز تنقيب من عليه الحق عن القضية والتدقيق فيها حتى يعثر على حقٍّ فيها؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا﴾ والعِثار لا يكون إلا بعد التحرِّي.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشاهدَينِ إذا غيَّرا في الشهادة بزيادة أو نقص أو تبديل فهُما آثمان؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ وذلك بكون الشهادة غير صحيحة؛ لأن هذا إثمٌ.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يُقام عند العثور على أن الشاهدَينِ كاذبانِ يُقام اثنان ممن استحقَّ عليهم، والقضية كما تعرفون كانت في وصية، فيقوم اثنان ممن استحقَّ عليهم، ويكون الاثنان هما الأوليانِ؛ يعني الأحقَّانِ بإرثِ الميت، والكلام في الآيتين عن الوصية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الإرث يكون للأَوْلى فالأَوْلى؛ يؤخذ من قوله: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ وقد جاء الحديث مقرِّرًا ذلك وهو قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٧٣٢) ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث ابن عباس.]]. أليس كذلك؟ اقرأ الحديث.
* طالب: (...).
* الشيخ: عن ابن عباس رضي الله عنه: قال ﷺ. إي، لا بد أن تكون هكذا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة كما ذكرنا أولًا: أن تُرَدَّ اليمين على المدَّعِي؛ لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها من فوائد الآية الكريمة: أن المدَّعَى عليه لا يجزم ببُطلان شهادة الشاهد التي تبيَّن أن فيها شيئًا من الخلل؛ لقوله: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ بهذا اللفظ، ولم يقُل: باطلة. لكن قوله: ﴿أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ يستلزم أن تكون مردودة وأن القول قول المدَّعَى عليه.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه إذا احتيج في الشهادة أو في القَسَم إلى إثباتٍ ونفيٍ فلا بد من ذكر الإثبات والنفي؛ فقولهما -يعني الأَوْليينِ- ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ هذا أيش؟ إثبات، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ هذا نفيٌ، فإذا احتيج إلى ذلك فلا بد من ذكر النفي والإثبات حتى تكون الشهادة خالصة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ردَّ الأَوْليينِ لشهادة الشاهدَينِ أعظمُ اعتداءً من تغيير الشهادة من الشاهدين؛ ووجه ذلك أنه بتغيُّر الشهادة من الشاهدين قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾، وهنا قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وسبق في التفسير بيان وجه الفرق بينهما.
* ومن فوائد الآية الثالثة: أنه كلما كان الشيء أقرب إلى استنتاج الصواب والحق بالشهادة فهو أَوْلى أن يُتَّبع؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾؛ لأن الإنسان إذا فهِم أن من ورائه أُناسًا سيقومون برد شهادته والإقسام على بُطلانها فلا بد أن يتحرَّى الصدق فيما شهد به.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تقوى الله والسمع والطاعة له؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾، ومعنى ﴿اسْمَعُوا﴾ هنا: استجيبوا، كما سبق أيضًا في الشرح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه أخبر بأنه لا يهدي القوم الفاسقين؛ أي: الخارجين عن طاعته، وخبر اللهِ صِدقٌ.
لكن يُشكل على هذا أن الواقع أن الله أيش؟ قد يهدي الفاسقين ويهدي الكافرين، فكيف نجمع بين الواقع وهذا الخبر الصادق؟
الجمع أن نقول: إن الله لا يهدي القوم الفاسقين؛ أي الذين كتب الله تعالى عليهم الفسق، وأما مَن كتب أن يؤمن فيؤمنُ ولا بد، ولكن الفائدة من هذا -إطلاق قوله: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ - الإشارةُ إلى أن عدم هداية الله للفاسقين لأنهم اختاروا الفسق؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥]. نسأل الله لنا ولكم الهداية وأن يُعيذنا من أنفسنا والشيطانِ.
* طالب: أحسن الله إليكم، شهادة الكفار قلنا: يجوز بعضهم على بعض ولو كان لغير ضرورة، هل لا يفرق بين أهل الكتاب وغيرهم؟
* الشيخ: إي، لا فرق، إي نعم، لكن لا بد أن يكون عدلًا في دينه كما يُشترط في المسلم أن يكون عدلًا.
* طالب: شيخ، ما ذكرنا يا شيخ أن الشهادة بعد العصر أن لأهل الكتاب لا يعتبرون هذه الصلاة عندهم يعني معظمة كما في حديث ابن عباس وكما قال أبو موسى الأشعري؟
* الشيخ: لا، الصواب أن المراد صلاة العصر وإن لم يعظِّموها؛ لأنها عظيمة عند الله، ولأن العقوبة أسرع إلى من شهِد كاذبًا أو حلف كاذبًا بعد صلاة العصر.
* طالب: وابن عباس يا شيخ؟
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: يعني اجتهاد ابن عباس يخالف هذا.
* الشيخ: ويش قال؟
* الطالب: حديث أبي موسى الأشعري عندما قرأناه في التفسير؛ عندما قال له: اجعلها بعد صلاتهم في دينهم.
* الشيخ: إي نعم، اختياره.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا اشترك رجلان في جريمة ما، وعند التحقيق وجدت قرائن كثيرة تدل على أنهما هما الفاعلان حقيقة، هما الفاعلان لهذه الجريمة، ثم أرادوا بالحق يقول أن يسحبوا منهم اعترافات، هل يجوز مثلًا للمحقق يعنى مثلًا يخلو بأحدهم ويقول إن صاحبك قد اعترف بهذه الجريمة؟
* الشيخ: وكان أنكرها من قبل؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لا، ما يجوز، إن هذا كذب.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١٠٩، ١١٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
سبق لنا قواعد في التفسير ينبغي أن نراجعها الآن.
أولًا: ما الذي ينبغي لمن أراد أن يفسِّر كتاب الله عز وجل؟
* طالب: (...) أن يبدأ بـ (...).
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أول ما يبدأ هل نقول: تدبَّرْ القرآن أنت بنفسك، ثم انظر ماذا يكون لك، وبعدين راجع عليه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، الدليل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فقال؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء ٨٢] وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص ٢٩].
وهل يكون عند الإنسان ثقةٌ أنه أصاب ما أراد الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إذن كيف يعمل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: طيب، بعد ذلك يرجع إلى كتب التفسير.
وهل يرجع إلى كتب التفسير بالأثر أو بالنظر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: بالأثر أولًا، وبالنظر ثانيًا.
يشترط لهذا إذا أراد أن يفسِّر القرآن بعدما يتدبره بنفسه أن يرجع إلى..؟
* طالب: كتب التفسير.
* الشيخ: كتب التفسير انتهينا منها، لكن هل يَرجع في تفسير القرآن إلى آراء المتأخرين؟ يعني المراتب التي يسلكها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يفسر القرآن بأيش؟ بالقرآن، ثم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما فيه مرتبة ثانية؟
* الطالب: تفسير الصحابة.
* الشيخ: تفسير الصحابة، ثم تفسير كبار التابعين الذين يعتنون بتفسير القرآن.
مثال لتفسير القرآن بالقرآن؟
* طالب: قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧] ثم قال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٩].
* الشيخ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ﴾ [الانفطار ١٧ - ١٩] ومثلها: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ [القارعة ١ - ٤]. وبعد ذلك نرجع إلى..؟
* طالب: السُّنة.
* الشيخ: السُّنة، تعليل؟
* الطالب: النبي ﷺ فسر القرآن.
* الشيخ: لكن التعليل؟
* الطالب: (...) المرتبة الثانية (...).
* الشيخ: (...) حكم يعني كونه يرجع إلى تفسير الله تعليله واضح؛ لأن الله أعلم بمراده في كتابه.
* الطالب: لا أحد أعلم بعد الله من رسول الله.
* الشيخ: ولا أحد أعلم بكتاب الله من البشر من رسول الله ﷺ. المثال؟
* طالب: قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠] (...) أي أن القوة في الرمي.
* الشيخ: فسر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القوة بالرمي. تمام.
تفسير الصحابة؟ تفسير الصحابة كثير.
* طالب: مثال ذلك في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة ٣٥] فقالوا يا شيخ: الحاجة.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: قالوا الوسيلة: الحاجة.
* الشيخ: حاجة؟
* الطالب: نعم، (...) من قول الشاعر:
إِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ ∗∗∗ أَنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وَتَخَضَّبِي
* الشيخ: لا، على كل حال هذا يحتاج إلى إثبات، لكن غالِبَ التفسير بالأثر عن الصحابة؛ مثل: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ٢] أي: لا شكَّ، هذا موجود.
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦] يعني: المودة.
* طالب: (...).
* الشيخ: أحسنتَ، تمام، الأمثلة كثيرة في الواقع.
إذا لم نجِد لكلام الصحابة نرجع إلى كلام كبار التابعين المعتنين بالتفسير مثل مَنْ؟ مجاهد بن جبر.
كيف عرفنا أن مجاهدًا من الذين لهم عناية بالتفسير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، تمام، لأنه أخذ التفسير عن ابن عباس، وابنُ عباس هو من أعلم الصحابة بالتفسير.
إذا احتملت الآية معنيينِ فهل نحملها عليهما أو ماذا؟
* طالب: (...) ليس بينهما تعارض (...).
* الشيخ: ليس بينهما تعارض. على السواء ولَّا؟ على السواء؛ إذا احتملتْ معنيينِ على السواء وليس بينهما تعارضٌ وجب أن تُحمَل على المعنيينِ جميعًا؛ لأنها إذا احتملت هذا صار المعنيانِ من معانيها. مَثِّلْ؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: طيب هذه واحدة هذا رأي، الرأي الثاني.
* الطالب: (...).
* الشيخ: كلمة واحدة أوضح من هذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: صح، يعني إما أن نُقدِّر: (فِي) أو (عَنْ).
فيه أيضًا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير ١٧] فسَّره بعضهم بأن المعنى: إذا أَقْبَل، والآخَر: إذا أَدْبَر، لكن هذا المثال قد يؤاخَذ، قد يكون عليه مآخذ؛ وهو أن تفسيره بـ(أَدْبَر) يُغنِي عنه قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير ١٨]؛ لأنه إذا تنفَّس الصبحُ أدبر الليلُ، فيكون الراجح الأول.
إذا وردتْ آيةٌ عامَّةٌ وآيةٌ خاصَّةٌ فهل يكون بينهما تعارض أو يجب العمل بهما جميعًا؟
* طالب: (...) العام على الخاص.
* الشيخ: يعني يجب العمل بهما جميعًا، مثل؟
* الطالب: قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة ٣] وفي آية أخرى: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء ٩٢]
* الشيخ: ويش الآية الأخرى؟
* الطالب: في آية ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة ٨٩]
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: آية؟ آية القتل، نحمل؟
* الطالب: على الاشتراط أن تكون مؤمنة.
* الشيخ: نحملها على الاشتراط أن تكون مؤمنة؛ لأن هذا الإطلاق قُيِّد بكلمة ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ في هذه الآية.
لو قال قائل: إن الحمل غير صحيح؛ لأن هذه كفَّارة الظِّهار ثلاثة أنواع، كفَّارة القتلِ نوعان.
* طالب: لكن الكلام ليس في عدد الكفارة الكلام في الرقبة، والرقبة مشتركة بين الكفارة في (...).
* الشيخ: ويؤيد هذا حديث معاويةَ بنِ الْحَكَم أن الرسول ﷺ قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.]]، يؤيد هذا.
هل مِن ذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٨٠] ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: منسوخة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: المائدة؟ النساء.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، توافقون على هذا أن آية البقرة منسوخة بآية النساء؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: لا، الحديث هذا ما هو ناسخ، الحديث مبيِّن للناسخ؛ أن الله نسخ بآية المواريث، لكن هذه منسوخة بآية المواريث؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم بَيِّنْ.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما هو الجمع؟
* طالب: نقول تكون الوصية لغير الأقربين وغير الوارثين.
* الشيخ: صحيح، هذا هو الصواب، الآية غير منسوخة؛ لأن الله قال: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾؛ أخرج من كان وارثًا فيبقى من ليس بوارث، فلا يُعارض آيةَ المواريث.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أحيانًا يكون الوالد غيرَ وارثٍ؛ كما لو كان الوالد رقيقًا مثلًا فإنه لا يرث من ابنه، لكن لا بأس أن يوصِي له أو يؤمَر أن يوصِي له، خصوصًا إذا قلنا بأن العبد يَمْلِك بالتمليك؛ لأن العلماء اختلفوا: هل العبد يَمْلِك بالتمليك أو أنه إذا مُلِّكَ يكون الملْك لسيده، أو يُفَرَّق بين أن يكون الْمُمَلِّك السيدَ فيَمْلِك أو غيرَه فلا يَمْلِك.
الصحيح أنها غير منسوخة، وما وردَ عن السلف بأنها منسوخة فإن السلف يُطْلِقون النَّسْخ على التخصيص؛ لأن التخصيص في الواقع نسخٌ للعموم فيُطْلِقون عليه النَّسخ.
مر علينا قريبًا في سورة المائدة قصة إشهاد الكافر على الوصية، هي ذاتُ سببٍ ولفظها عامٌّ، فهل نقول: إن هذا العام خُصِّص بالسبب، أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يقول: السبب لا يخصِّص العموم، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ما هو السبب الذي وردت فيه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ إلى آخره [المائدة: ١٠٦]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أشْهَدَ على وصيَّته رجُلَينِ من أهل الكتاب، فأنزل الله هذه الآية، لكن لو أنه لم يجد رجُلَينِ من أهل الكتاب ولا من المسلمين وأشهد الرجُلَينِ من الشيوعيِّينَ، فهل نأخذ بذلك، أو نقول: إنه خاصٌّ بالكتابيِّينَ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) نريد الآن اللفظ العام؛ الآية: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، فقوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ يعُمُّ الكتابيِّينَ وغيرَ الكتابيِّينَ.
هل يُخَصُّ هذا الحكم بشهادتهما بالوصية أو حتى على غير الوصية لو شَهِد على أن الميت أقرَّ بدَينٍ في ذِمَّته لفلان؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هل (...) الوصية؟ بَس الواقع وصية.
* الطالب: نأخذ بالعموم.
* الشيخ: نأخذ بالعموم، وين العموم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وين العموم؟ أَرِنا إيَّاه.
* الطالب: (...).
﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة ١٠٦] يَعُم الكتابيين وغير الكتابيين، هل يُخص هذا الحكم بشهادتهما بالوصية، أو حتى على غير الوصية لو شهد على أن الميت أقر بدين في ذمته لفلان؟
* طالب: حتى غير الوصية.
* الشيخ: حتى غير الوصية؟ بس الواقع وصية؟
* الطالب: نأخذ بالعموم.
* الشيخ: نأخذ بالعموم، وين العموم؟ أرنا إياه؟
* الطالب: ما خرج منه قيد، ويبني على القصة الوصية؛ يعني غير الوصية كذلك.
* الشيخ: إي، بس يأتيك الخصم، ويقول: لا نُسَلِّم، أعطنا عمومًا من الآية.
* الطالب: إي نعم، قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة ١٠٦]، وهذا ليس فيه نص على الوصية فقط، وإن كان (...) مصيبة.
* الشيخ: يعني قوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ يشمل ما لو شهد بالوصية، أو شهد بإقرار الميت بدَيْن أو غير ذلك، توافقون على هذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: الدليل في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ شهادة مضاف (...).
* الشيخ: بس نُقيد ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، والعموم يُؤخذ من قوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ يعني وأشهدتم على هذا حين الموت.
لو قال قائل: هل نُلحِق كل ضرورة بهذه الحال؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: إي نعم! كل ضرورة؟!
* الطالب: كل ضرورة.
* الشيخ: يعني لو مثلًا إنسان في البلد حضره الموت، وليس عنده إلا كُفّار، وهذا قد يقع في العمال الآن عندنا معهم عمال كفار.
* الطالب: إي نعم، نقول به يا شيخ.
* الشيخ: نقول به في الضرورة؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: كيف نخرج هذا؟ أو كيف نقول بهذا، والآية فيها: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؟
* الطالب: إذا ليس بقيد.
* الشيخ: بس (إن) شرطية.
* الطالب: لهذا البيان.
* الشيخ: بيان أيش؟
* الطالب: بيان (...).
* الشيخ: يعني الآية سيقت ببيان القصة الواقعة، فيقاس عليها من حيث المعنى كل ضرورة، توافقون على هذا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، وهذا هو الصحيح، وقد عرفتم أن المسألة فيها ثلاثة أقوال، أتذكرونها؟
قول: إن هذه الآية منسوخة، وأن الكفار لا تُقبل شهادتهم مطلقًا فيما يتعلق بحقوق المسلمين.
والقول الثاني: أنها خاصة في الوصية في السفر إذا لم يوجد مسلم، وعلّلوا هذا؛ قالوا: لأن قبول شهادة الكافر خارج عن الأصل، الأصل أن الكافر لا تُقبل شهادته، فإذا كان خارجًا عن الأصل وجب أن يقتصر على ما جاء به النص في القضية الواقعة، وهؤلاء يخصصون بالسفر، وفي الوصية، وبأهل الكتاب، ثلاث مخصصات عندهم.
القول الثالث: أنها تُقبل شهادة الكافر في كل ضرورة، وهذا أقرب إلى قواعد الشريعة، ولكن ذكر الله عز وجل أنه في حال الارتياب يحبسون من بعد الصلاة كما في الآية.
لدينا آيتان بينهما عموم وخصوص من وجه، فأيهما نقدم؟
* طالب: يحمل أما الخاص اللذان تقابلا فيه إما يرجع (...).
* الشيخ: هذا ما فيه إشكال.
* الطالب: وأما العامل الخاص (...) يحمل عليهما.
* الشيخ: التعارض، إذا كان بينهما عموم وخصوص من وجه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني يُطلب مُرجِّح، فإن لم يوجد؟ مَثِّل؟
* الطالب: ما يحتاج لمثال.
* الشيخ: مَثِّل لما فيه الترجيح؟
* الطالب: مثلًا قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] فإنه يتعارض مع قوله تعالى..
* طالب آخر: قوله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة ٢٣٤].
وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، هاتان الآيتان بينهما خصوص وعموم من وجه.
* الشيخ: فَسِّر، يعني بَيِّن ذلك؟
* الطالب: تعتد بأطول الأجلين.
* الشيخ: كيف؟! ما أريد الحكم الآن، لكن كيف التعارض؟
* الطالب: في الآية الأولى بين الله عز وجل أنها تعتد بأربعة أشهر وعشرة أيام.
* الشيخ: سواء كانت حاملًا.
* الطالب: أو غير حامل.
* الشيخ: طيب.
* الطالب: وفي الآية الثانية عند الحمل تعتد بوضع الحمل.
* الشيخ: سواء متوفى عنها أو لا. كيف الجمع، إذا وجدنا امرأة حامل توفي عنها زوجها، فبماذا تعتد؟
* الطالب: بأطول الأجلين.
* الشيخ: بأطول الأجلين نعم.
* طالب: تعتد الحامل بحديث..
* الشيخ: بوضع الحمل، بناءً على القاعدة الآن، هل تعتد بأطول الأجلين؟
إي نعم، بناءً على القاعدة تعتد بأطول الأجلين، مثلًا إذا وضعت لشهرين، نقول: كمِّلي أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن وضعت لست شهور نقول: انتظري حتى تضعي.
وبهذا نعمل بالآيتين، لكن السنة دلت على أن الحامل عدتها وضع الحمل، ولو أقل من أربعة أشهر وعشرة أيام، ما هي السنة الواردة في هذا؟
* طالب: الحديث عن سبيعة الأسلمية، أن (...) دخل عليها.
* الشيخ: أبو السنابل.
* الطالب: (...).
* الشيخ: فقال لها: إنكِ لست بناكح، حتى..
* الطالب: حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشرًا. قالت: فلما قال لي ذلك: جمعت عليَّ ثيابي، وذهبت إلى النبي ﷺ فسألته.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences