Ibn 'UthayminAl‑Ma'idah · 5:118–119

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:118–119

5:118Page 127

إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١١٨

If You should punish them - indeed they are Your servants; but if You forgive them - indeed it is You who is the Exalted in Might, the Wise."

يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ في النهاية، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ بمعنى: إن تُقَدِّر لهم ما يستحقون أن يُعَذَّبوا عليه فإنهم عبادك، وليس المراد أنه يعذبهم بدون جُرْمٍ، فإنه سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن ذلك غاية التنزيه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، ولقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦]، لكن معنى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ بأن تُقَدِّر عليهم ذنبًا يكون سببًا للعذاب فإنهم عبادك.

ومع هذا نقول: إن الله تعالى لن يُقَدِّر لهم ذنوبًا يستحقون عليها العذاب إلا إذا عَلِمَ ما في قلوبهم من الإعراض، وعدم قَبول الحق؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]، فالذنوب سبب للإعراض، والعياذ بالله، وقال عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥].

إذن كلمة ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ لا بد لها من مقدمات؛ الأولى: فعل ما يستحقون عليه العذاب، الثانية: أنهم يُقَدَّر لهم ما يَحْصُل به العذاب؛ لأنهم أهل لذلك؛ إذ إن الله تعالى وعد: ﴿أَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ٧] لكن الذنب ذنب العبد ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال ٢٣].

وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ هذه المراد بها العبادة الكونية لا الشرعية؛ لأنَّ العبد بالعبودية الشرعية لا يستحق أن يُعَذَّب، ولكن المراد العبودية الكونية؛ لأن الله تعالى يفعل ما يشاء، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢].

وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الجملة لا يَخْفَى أنها جواب أيش؟ جواب الشرط، واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية إذا وقعت جوابًا للشرط سواء كان جازمًا أم غير جازم فإنها تقرن بالفاء، وقد نظم بعضهم الجمل التي ترتبط بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط في قوله:

اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّـــــــــــةٌوَبِجَـــــــــــــــــامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ

سبعة مواضع، هنا من أي المواضع؟ الجملة الاسمية، لكنها جملة اسمية أُكِّدت بـ(إن) فاقترنت بالفاء.

قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ يعني: إن قَدَّرْتَ لهم أسباب المغفرة فَغَفَرْت لهم ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز الغالب.

قالوا: والعزة ثلاثة أنواع: عزة القهر والغلبة، وعزة الامتناع، وعزة الشرف التي يُعَبِّر عنها بعضهم بعزة القَدْر؛ أما عزة الغلبة فظاهر مثل قول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون ٨]، ومثل قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠] هذا واضح أن المراد بها الغلبة.

عزة الامتناع قالوا: معناها: أن الله عز وجل أعظم من أن يناله ما يكون عيبًا أو نقصًا؛ يعني: يمتنع عليه النقص، رجعوا في ذلك إلى الاشتقاق؛ قالوا: لأنه يُقال: أرض عَزَازٌ؛ أي: صلبة لا تؤثر فيها المعاول لامتناعها وشدتها.

والثالث: عزة الشرف، عزة الشرف يعني أنه عز وجل ذو قَدْر عظيم وشرف عظيم، كما تقول لصديقك: أنت عزيز علي، أيش معناه؟ أي: أنت ذو قدر عظيم عندي.

و﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿الْحَكِيمُ﴾ مشتقة من (حَكَمَ) و(أَحْكَم)، فإن كانت من (حَكَم) فـ(فعيل) بمعنى (فاعل)، وإن كانت من (أَحْكَم) فـ(فعيل) بمعنى مُحكِم، إتيان (فعيل) بمعنى (فاعل) كثير؛ كسميع بمعنى سامع، بصير بمعنى باصر وهكذا، لكن (فعيل) بمعنى (مُفْعِل) قليل في اللغة العربية لكنه ثابت، ومنه قول الشاعر:

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِيهُجُــــــــــوعُ

معنى السميع: المُسمِع، إذن (الحكيم) مأخوذة من: الحُكْمِ والإحكام، فإذا كانت من الحكم فهي بمعنى: حاكم، وإن كانت من الإحكام فهي بمعنى: مُحكِم، والمحكم هو الذي منه الحكمة.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١١٩، ١٢٠].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، هذا كلام عيسى للرب عز وجل يوم القيامة، وسبق لنا أن معنى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ أي: تُقَدِّر لهم عملًا يعذبون عليه فهم عبادك، و﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فتهيِّئ لهم أسباب المغفرة ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وسبق لنا أن ﴿الْعَزِيزُ﴾ له ثلاثة معان؟

* طالب: عزة القهر والغلبة.

* الشيخ: عزة القهر والغلبة، والثاني؟

* الطالب: عزة الشرف.

* الشيخ: عزة الشرف والقدر، والثالث؟

* الطالب: والثالث عزة الامتناع.

* الشيخ: الامتناع، تمام؛ أي: أنه يمتنع عليه كل نقص وعيب، وهذا الأخير مأخوذ من قولهم: أرض عَزاز؛ أي، قوية صلبة. ﴿الْحَكِيمُ﴾؟

* طالب: من (حكم) بمعنى حاكم (...).

* الشيخ: مِنْ (حَكَمَ) و(أَحْكَم)؛ (حكم) بمعنى حاكم، هو الحاكم في كل شيء، (أحكم) أي: أتقن كل شيء كما قال عز وجل: ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٨٨].

نبقى في شرح هذه الكلمة العظيمة؛ أولًا: يجب أن نعلم أن هذا وصف الله عز وجل؛ أن له الحكم فهو الحاكم قدرًا وشرعًا، دنيا وأخرى، وأن نعلم أن له الحكمة في كل ما يفعله كل ما يحكم به، من أمور كونية وأمور شرعية، وإذا علمنا هذا استسلمنا تمامًا للأحكام الشرعية والأحكام الكونية، لا نقول مثلًا: إذا قدَّر الله تعالى وباء أو قدَّر زلازل وما أشبه ذلك، لا نقول: هذا عبث، بل نقول: هذا لحكمة.

الحكمة تكون في ذات الشيء، وتكون في غايات الشيء، وتكون في الشرع، وتكون في القَدْر، فالأقسام إذن أربعة؛ الحكمة في ذات الشيء: بمعنى أن يُقَدَّر هذا الشيء إن كان قَدَرِيًّا على وجه مناسب تمامًا، انظر في المخلوقات تَجِد كونها على هذا الوجه التي خُلِقَت عليه موافقًا تمامًا للحكمة.

واسأل أهل التشريح للأجساد البشرية وغير البشرية، اسألهم كيف ركَّب الله عز وجل هذه الأبدان على أبدع ما يكون وأدق ما يكون، كم في الإنسان من معامل في جسمه! معامل عظيمة، انظر للطعام يدخل متنوعًا ويخرج نوعًا واحدًا، انظر إلى الطعام يدخل على وجه الصعوبة أو الليونة، ويخرج على مستوى واحد، كل هذه بسبب المعامل، ثم هذه المعامل-سبحان الله- تباشر العمل ما تتأخر، فالمعدة من حين ما يصل إليها الطعام تبتدأ تشتغل والإفرازات عليها من المرارة أو غيرها، شيء عجيب.

كون الإنسان خُلِقَ على هذا الوجه؛ عَدَّله الله وجعله سويًّا، ليس كالأنعام مناسب تمامًا لما خُلِقَ له العبد من كونه مخلوقًا للطاعة والعبادة حتى يتمكن من القيام والقعود والركوع والسجود وغيرها مما يكلفه الله به، وعلى هذا فَقِس.

كذلك أيضًا الحكمة في الأمور الشرعية؛ في ذات الأوامر الشرعية حكمة عظيمة؛ الصلاة صلة بين الإنسان وبين الله عز وجل؛ إنه يناجي ربه قائمًا في قراءته، وإنه يبتهل إليه في سجوده، وإنه يخشع له بقلبه، فكونه على هذا الوجه هذه حكمة.

أما الغايات؛ فالغايات أيضًا حكمة، الغايات مثلًا فيما يقدره الله تعالى قدرًا غايات حميدة، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١] ويش الغاية من هذا؟ ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم ٤١]، والغاية من هذه العقوبة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]، فهذه غاية بعد غاية، مع أن الإنسان لو تَصَوَّر الأمر في أول وهلة؛ لقال: الفساد فساد كيف نقول: إن له غاية حميدة؟

المصالح لها غايات حميدة أيضًا، هي بنفسها حميدة ولها غايات حميدة أيضًا؛ ومنها: الشكر على النعم؛ فإن الله تعالى يبتلي بالشرِّ والخير؛ إذا صبر الإنسان على الشر فهي غاية حميدة، وإذا شكر على الخير فهي غاية حميدة، كذلك هذه المخلوقات -أنا أتكلم على الشريعة-.

أيضًا المخلوقات لها غاية؛ إذا رأيت الشمس تطلع كل يوم من مطلع غير المطلع الذي بالأمس، وبين مطلعها اليوم ومطلعها بالأمس مسافات عظيمة ما يعلمها إلا الله عز وجل؛ لأن مع هذا البُعْد العظيم الذي مثل الشعرة تجد مساحته كم؟ أعوامًا، إحنا نظن أن المساحة يسيرة ما هي إلا كشعرة انحرفت الشمس عنها، وهي ليس كذلك، مسافات عظيمة جدًّا كل يوم وترجع في نفس الخط، لماذا؟ للمصالح العظيمة؛ الناس تختلف مصالحهم في الشتاء عنها في الصيف، في الخريف عنها في الربيع، مصالح عظيمة، الشمس أيضًا في نضج الأشجار وتدفئة الجو، لها -سبحان الله- شيء لا يتصور.

انظر مثلًا إلى الجوِّ، الأفق، تجد أنه -ونحن في عز الصيف- تجده باردًا جدًّا؛ لأن الأضواء -أضواء الشمس- ليس لها ما يعكسها، هي تنعكس على الأرض، ثم تولد حرارة، لكن في الجو ما في شيء يُعكَس تخرقه خرقًا وتمضي إلى الأرض، فلكل مخلوق غاية، ولكل مشروع غاية حميدة.

فالحكمة إذن -يا جماعة- تكون في المقدور؛ أي في ذات المقدور كونه على هذا الوجه حكمة، ثانيًا: في الغاية منه، ثالثًا: في المشروع، رابعًا: في الغاية منه.

وتأمل الشرائع تجد أنها صلاح للبدن والقلب، صوم، صلاة، زكاة، حج، توحيد وإخلاص، مصلحة للبدن، أَسَرُّ ما يكون الإنسان وأنشط ما يكون وأفرح ما يكون إذا اصطفى قلبه بالإخلاص لله عز وجل؛ ولذلك يمرُّ على الإنسان أحيانًا وهو في العبادة يمر عليه حال يقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم فهو كافٍ، وتأتي الغفلة تستولي كثيرًا فربما يَثْقُل عليه ما كان خفيفًا عليه بالأمس، والقلوب بيد الله عز وجل.

فالمهم أن الحكمة تكون على هذه الوجوه الأربعة: حكمة في المخلوق، حكمة في المشروع نفسه، الثالث: حكمة في الغاية من المخلوق، حكمة في الغاية من المشروع، واضح؟

الغريب أن هذه الحكمة العظيمة أنكرها الأشاعرة والجهمية، وقالوا: إن الله يفعل ليس لحكمة؛ لأن الحكمة غَرَض، والله مُنَزَّه عن الأغراض والأعراض والأبعاض، سجع باطل؛ منزه عن الأغراض (...) ما له حكمة، ما يفعل لحكمة، هكذا بس، مجرد مشيئة، عن الأعراض ما له صفات؛ لا يضحك ولا يغضب، وعن الأبعاض ما له وجه ولا له يد ولا له عين وما أشبه ذلك.

لكن نقول: إن هذا باطل، والله تعالى منزَّه عن النقص، أما الحكمة فليست غرضًا ينتفع بها، هو إنما ينتفع بها الخلق لتظهر آثار رحمته وآثار حكمته في خلقه حتى يعبدوه، وإلَّا فالله غَنِيٌّ عنَّا، لو أن أهل الأرض كلهم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منهم أَيُنْقِص الله شيئًا؟ لا ينقصه.

﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عمن؟ ﴿عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧] كلهم، ما ينتفع بالطاعة، ولا تضره المعصية، لكنه لتظهر آثار رحمته وحكمته وسلطانه وقوته جعل هذه الشرائع، فليست الحكمة غرضًا ينتفع به الحكيم بالنسبة لله عز وجل أو يدفع به ضررًا عنه.

أما قولهم مُنَزَّه عن الأعراض يعني: أنه لا ينزل، ولا يستوي على السماء، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يحب ولا يكره، فنقول: هذا يعني: إبطال ما وصف الله به نفسه، وهذا الإبطال هو بمنزلة الجحد؛ لأنهم يبطلون أشياء واضحة المعنى، فهي كما لو قال الذي اشترى فرسًا قال: اشتريت خبزًا، هل يَصْدُق بهذا؟ ما يصدق، تحريفاتهم للنصوص مثل تحريفات مَنْ قال: اشتريت خبزًا، يريد: اشتريت فرسًا، لكنهم لا يصَرِّحُون بالنفي، يقولون: إن الله لا يغضب، يقول: يغضب لكن المراد بغضبه الانتقام أو إرادة الانتقام.

الثالث: الأبعاض، يقولون: ما يمكن أن يكون لله وجه ولا عين ولا يد ولا قدم ولا ساق، فنقول: سبحان الله ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة ١٤٠]؟

فإذا قالوا: الله أعلم، نقول: هل يُحَدِّثُ الله تعالى بالكذب؟ إذا قالوا: لا يمكن أن يكذب، هو أصدق القائلين؛ قلنا: إذن، كيف تقولون: ليس له يد حقيقية، ليس له وجه حقيقي؟

فالحاصل أنَّا نقول: إن نفي الحكمة يعني أن أفعال الله تعالى كلها سفه؛ لأنه إذا انتفت الحكمة حل العبث، ضده لا بد؛ إذ لا يُعْقَل أن فاعلًا يفعل ما ليس له حكمة إلا وله ضدها، فالحمد لله الذي هدانا، نسأل الله أن يُثَبِّتَنا وإياكم.

إذن، الآية هذه تفيد الحكمة على الوجوه الأربعة. فلنعود إلى الفوائد منها:

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى عليه السلام -وهو أحد أولو العزم من الرسل- يفوض الأمر إلى الله؛ حيث قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وهكذا يجب علينا نحن أن نفوض الأمر إلى الله عز وجل فيما يفعله ولا نعترض عليه، فالله يقول: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٣] ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لكمال حكمته، ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ لأنهم عابدون لله عز وجل.

* * *

* طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١١٩، ١٢٠].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.

قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ سأذكر ما يفتح الله به علينا من فوائدها:

* من فوائد هذه الآية الكريمة: تسليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتفويض الأمر إلى الله عز وجل؛ لأن هذا من عيسى عليه الصلاة والسلام وهو أحد الأنبياء أولي العزم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إطلاق العبودية على مَنِ استحق التعذيب، والعبودية نوعان: خاصة، وعامة، والخاصة نوعان: أخص، وأعم؛ العامة: هي عبودية القدر؛ يعني عبودية التكوين، هذه عامَّة لكل أحد؛ قال الله عز وجل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، ولا يشذ عن هذه العبودية أحد، ولا يمكن أن يعارض هذه العبودية أحد، كل الخلق، لا يستطيع أكفر عباد الله أن يمنع قدر الله عز وجل فيه، وهذه عامة للمسلم والكافر، والبَّر والفاجر.

والثاني خاصة: وهي العبودية للشرع؛ العبودية لشريعة الله أن يتذلل الإنسان لشريعة الله عز وجل، وهذه خاصَّة بمن؟ بمن أسلم وجه لله، فيَخْرج منها الكافر؛ فليس بعبد لله بهذا المعنى.

هذه العبودية الخاصة تنقسم إلى أعم وأخص؛ أخص هذه العبودية الخاصة عبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما في قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة ٢٣]، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم ١٠]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف ١] والأمثلة كثيرة، وقال في نوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء ٣]، هذه أخص أنواع العبودية، وهي عبودية الرسالة؛ لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام مكلَّفون بأمر زائد على ما كُلِّف به المرسل إليهم من تبليغ الرسالة والصبر على إبلاغها والدعوة إلى الله وغير ذلك.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لله تبارك وتعالى أن يعذب ويرحم، وإن شئت فقل: أن يعذب ويغفر؛ لتطابق الآية، ولكن هل هذا على ظاهره أو نقول: أن يُعذِّب من يستحق التعذيب؟ لأن الله تعالى لا يُعَذِّب أحدًا لا يستحق التعذيب كما قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢].

* ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في جَعْل الخلق ينقسمون إلى قسمين: معذب، ومغفور له، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]، ولولا هذا الانقسام ما ظهر فضل الإيمان، ولا شُرِعَ الجهاد ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا أرسلت الرسل، لكن حكمة الله اقتضت أن يكون الناس قسمين.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المغفرة -أي مغفرة الله عز وجل- لمن شاء من عباده؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وقد مر عليكم معنى المغفرة وهي: ستر الذنب والتجاوز عنه، نأخذ هذا من اشتقاق هذه الكلمة؛ فإنها مشتقة من المِغْفَر وهو الذي يُتَّقَى به السهام، يجعل على الرأس، فهو ساتر وواقٍ.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين: العزيز والحكيم، وإثبات ما تضمناه من صفة، وهي العزة والحكم والحكمة.

واعلم أن الأسماء الكريمة قد تستلزم معاني أخرى لا يدل عليها اللفظ الاشتقاقي لكن تكون من اللوازم، كالخالق مثلًا، الخالق من أسماء الله، الخلَّاق من أسماء الله تدل على صفة الخلق، وتدل على صفات أخرى لازمات لذلك وهي العلم والقدرة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢]، وبهذا نعرف أن الصفات أكثر من الأسماء؛ وجه هذا أن كل اسم لا بد أن يتضمن صفة أو أكثر، وليس كل صفة يُشْتَق منها اسم؛ فلهذا نقول: صفات الله عز وجل التي بلغتنا أكثر من أسمائه.

فإن قال قائل: الإنسان إذا قرأ هذه الآية يتوقع أن يكون ختامها (فإنك أنت الغفور الرحيم)؛ لأن ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ جواب ﴿إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ والمناسب أن يقول: (إنك أنت الغفور الرحيم) فما الجواب؟

قيل: إن الآية وإن كانت مركبة من شرطيتين فهما بمعنى واحد، الآن الآية فيها شرطيتان: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ وجوابها: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ جوابها: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، لكنها في الحقيقة كشرط واحد، فيكون تعذيب الظالمين بظلمهم والمغفرة لمن يستحق المغفرة مبنيًّا على العزة التي بها يعذب الكافرين، وعلى الحكمة التي بها يغفر لمن يستحقون المغفرة، هذا من وجه.

من وجه آخر: تقسيم الناس إلى هذا اقتضته العزة والحكمة فكان هذا هو المناسب، هذا أقرب ما يكون، والله أعلم بمراده.

5:119Page 127

قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١٩

Allāh will say, "This is the Day when the truthful will benefit from their truthfulness." For them are gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they will abide forever, Allāh being pleased with them, and they with Him. That is the great attainment.

﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ في هذه الآيات كلها: إثبات القول لله عز وجل، وأنه مسموع وأنه بحرف؛ لأن مقول القول هو حروف، والله تعالى يخاطب من يُخاطِب به فيكون مسموعًا، فيكون في هذا رد على القائلين بأن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه كما هو مذهب الأشعري، قصدي بالأشعري المنتسب لأبي الحسن الأشعري، لا نفس أبي الحسن.

﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ﴿هَذَا﴾ المشار إليه: يوم القيامة، و﴿يَوْمُ﴾ خبر المبتدأ؛ ولهذا جاء مرفوعًا، وليس ظرفًا؛ إذ لو كان ظرفًا لكان منصوبًا، لكن فيه قراءة سبعية بالنصب ﴿هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ﴾ وعلى هذه القراءة يكون هذا الواقع يقع يومَ ينفع الصادقين صدقهم.

وقوله: ﴿يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ الصدق يكون بالقول وبالعمل؛ يعني بالفعل وبالاعتقاد، أما الصدق بالقول فهو مطابقة الخبر للواقع، مطابقة الخبر للواقع هذا صدق؛ صدق بالقول، وأما الصدق بالاعتقاد فأن يكون اعتقاده مطابقًا لقوله، مثال ذلك: قول القائل: لا إله إلا الله، هذا خبر، صِدْق ولّا كَذِب؟ صدق، لكن هل يصدقه القلب؛ بمعنى هل القلب يؤمن بهذا بأنه لا إله إلا الله أو لا؟

إن كان يؤمن بذلك اجتمع في حقه صِدْق القول وصدق الاعتقاد.

صدقُ الفعل أن يكون الفعل متبعًا فيه الشريعة ومطابقًا لما في القلب، وعلى هذا فالمبتدع ليس صادقًا، والمنافق ليس صادقًا؛ لأن فعله لا يطابق ما في قلبه، والمبتدع ليس بصادق؛ لأنه لو كان صادق الإيمان ما خرج عن شريعة الرحمن.

﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ والصديقية مرتبة هي أعلى المراتب بعد النبوة، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله في الفوائد.

﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، وهذا يقتضي الاختصاص أي لهم دون غيرهم.

﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾ الجنات جمع جنة، وهي الدار التي أعدها الله عز وجل للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر، تأتي في القرآن مفردة ومجموعة ومثناة؛ أما الإفراد فباعتبار الجنس فتشمل كل ما كان من الجنات، وأما الجمع فباعتبار الأنواع؛ لأنها درجات متعددة أعد الله للمجاهدين في سبيله مئة درجة، وأما التثنية فباعتبار الجنس، وهذا في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢].

﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الجريان معروف، و﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع نهر وهو الماء، هذا ما نعرفه في الدنيا، لكنه في الجنة أنهار أصنافها أربعة ذكرها الله تعالى في سورة القتال فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، هذا في الشراب، في المأكل: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد ١٥] في عدم المسؤولية عما أكلوا أو تركوا: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد ١٥].

وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ يعني لا من فوقها، ولكن هل معناه من تحت السقف؟ لا، ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت هذه الأشجار والقصور والخيام، وجريان هذه الأنهار كما جاء في السنة بدون أخدود[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٩٥٤)، وعبد الرزاق في التفسير (٣١٠٩) عن مسروق مقطوعًا.]] وبدون حفر تجري على السطح، لا تحتاج إلى أخدود تقوم، ولا الحُفَر تُحْفر، وإنما تجري حسب رغبة الساكنين يُصَرِّفها الإنسان كما شاء.

﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ٥٧] الخلود: هو المُكث الطويل، فإن أُكِّد بالأبدية صار أبديًّا، وقيل: إن الخلود: هو المكث الدائم ما لم يقم دليل على أنه مؤقت، وعلى كل حال فإن أُكِّد بالأبدية انقطع القول بأنه خلود طويل لأنه أكد بالأبدية.

﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بما قاموا به من طاعته، وتمام الرضا إذا دخلوا الجنة؛ فإن الله تعالى يسألهم ماذا يريدون، فيَعُدُّون عليه نعمه عليهم، فيقول: «إِنَّ لَكُمْ أَنْ أُحِلَّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَغْضَبُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩ / ٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وهذا الرضوان الدائم الكامل.

﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بماذا؟ بما وفقهم له من الأعمال الصالحة في الدنيا، وبما أثابهم عليه في الآخرة؛ فإن المؤمن لا شك مسرور بطاعة الله راض بها فرح بها.

﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما ذكره الله عز وجل من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار والخلود فيها والرضا، وأشار إليه بإشارة البعد، وذلك لعلو مرتبته وارتفاعها، وإلا فالذكر قريب لكن أشار إليه لعلو مرتبته فإنه فوز لا نظير له، الفوز العظيم، يقال: فاز الرجل، إذا غلب غَلَبَةً مَرْضِيَّة، ولا يكون هذا إلا بالنجاة من المرهوب وحصول المطلوب، و﴿الْعَظِيمُ﴾ أي: ذو العظمة البالغة التي ليس لها نظير.

* من فوائد هذه الآية: إثبات القول لله عز وجل؛ لقوله: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.

* ومن فوائدها: أن قول الله تعالى بحروف، وليس المعنى القائم بنفسه؛ لأن مقول القول حروف.

* ومنها: أن قول الله تعالى بصوت مسموع؛ لأن كل هذا في سياق المحاورة مع عيسى عليه الصلاة والسلام.

ثم اعلم أن القول عند الإطلاق لا يراد به إلا اللفظ المسموع، لا يمكن أن يراد بالقول عند الإطلاق المعنى القائم بالنفس أبدًا، بل إذا أريد به المعنى القائم بالنفس قُيِّد، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾ [المجادلة ٨].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الفائدة العظيمة في الصدق؛ لأن الإنسان في يوم القيامة أحوج ما يكون إلى ما ينفعه، والصدق يوم القيامة ينفع.

* ومن فوائدها: الحث على الصدق والترغيب فيه؛ لأن ذكر كونه نافعًا في ذلك الوقت الحرج يدل على الترغيب فيه والحث عليه، وقد حث عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٥) واللفظ له، من حديث عبد الله بن مسعود.]].

والصدِّيقيَّة أعلى مراتب البشر بعد النبوة، ويكفيك اقتناعًا بفائدته وثمرته ما حصل للثلاثة الذين خُلِّفُوا؛ أي خُلِّفَ أمرُهم ولم يُقْضَ فيه بشيء حتى جاء الوحي، وهم: كعب بن مالك، هلال بن أمية، مرارة بن الربيع، هؤلاء الثلاثة تخلفوا عن غزوة تبوك، ولما رجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منها جاء المعذِّرون يعتذرون إلى الرسول صلى الله عليه الصلاة والسلام، وقد أخبر الله عنهم قبل وصول النبي ﷺ إلى المدينة وقال: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٩٤] ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة ٩٥ - ٩٦].

أما الثلاثة فصدقوا وأخبروا بالصدق، وأنزل الله سبحانه وتعالى فيهم آيات تُتْلَى في الصلاة وخارج الصلاة، ويُثاب على قراءتها، وحثَّ على أن نكون مثلهم؛ فقال بعد ذكر الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩].

* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الثواب بالجنة؛ لقوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾، وهذا أمر معتقد عند جميع الطوائف المسلمة.

* ومن فوائد الآية: أن هذا الثواب يختص به الصادقون، مَنْ يعرف وجه ذلك؟

* طالب: تقديم الخبر على المبتدأ.

* الشيخ: تقديم الخبر على المبتدأ يدل على الحصر.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وصف الجنات بأن الأنهار المطردة تجري من تحت الأشجار والقصور، وما أجمله من منظر وما ألذَّه من مَخْبَر، اللهم اجعلنا منهم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الجنة مخلَّدون فيها أبدًا؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وهل هي موجودة الآن؟ نعم، هي الآن موجودة في السماوات؛ قال الله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣] والإعداد يكون مهيَّأ لأهله، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخلها حين عُرِجَ به ورأى فيها ما رأى[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣ / ٢٦٣) من حديث أبي ذر.]]، ومَثُلَت له حين قام يصلي صلاة الكسوف[[متفق عليه؛ البخاري (٥٤٠)، ومسلم (٢٣٥٩ / ١٣٦) من حديث أنس بن مالك. ]] هي والنار.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رضا الله عز وجل؛ لقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، والرضا صفة فعلية أو ذاتية؟

* طالب: فعلية.

* الشيخ: فعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئته، وكل صفة تتعلق بالمشيئة فهي فعلية، وهل هي حقيقة أو هي كناية عن إرادة الثواب أو هي الثواب نفسه؟ فيها قولان: القول الأول: أنها حقيقة، وهذا القول هو الذي يجب اتباعه؛ لأنه ظاهر الكتاب، والواجب إجراء الكتاب على ظاهره بدون تحريف.

فإن قال قائل: الرضا معنى يقوم بالنفس، يقوى ويضعف ويزول ويبقى؟

قلنا: وما المانع أن نثبت هذا لله، وقد أثبته لنفسه؟ ما هو المانع؟ لكن نعلم أن رضا الله ليس كرضا المخلوق الذي يزول بأدنى سبب أو يوجد بأدنى سبب، بل له أسبابه المقتضية له، وله ما يزيله على وجه يختص بالله عز وجل؛ لأن لدينا قاعدة عامة وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، أهل التحريف قالوا: إن الله لا يمكن يرضى، الرضا صفة عارضة، والله تعالى مُنَزَّه عن الصفات العارضة؛ لأن الصفات العارضة صفات حادثة، والحادث لا يقوم إلا بمحدَث، وكل هذه التعليلات وهمية لا عقلية، منقوضة بدلالة الكتاب والسنة على ثبوت ذلك، ولهذا -أي لكونهم لا يعتقدون الرضا الحقيقي- قالوا: معنى الرضا: إرادة الثواب، ولم يقولوا: إنه الثواب، بل قالوا: إرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة.

تعرفون أن الأشعرية يثبتون سبع صفات: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، فقالوا: الرضا إرادة الثواب، ومنهم من يقول -وهم الذين لا يثبتون الإرادة- يقول: إن الرضا هو الثواب، والثواب -كما نعلم- شيء منفصل عن الله مخلوق يكون بالكلمة -كلمة الله عز وجل- ولا شك أن هذا تحريف، وكما تعلمون مما ذكرنا في الحديث أن الرضا الذي يعطيه الله أهل الجنة أعظم مُنَاهُم وأكمل من كُلِّ ما يجدونه في الجنة من النعيم، فكيف نفسِّره بما هو أدنى، ونقول: هو الثواب أو إرادة الثواب.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رضا أهل الصدق عن الله عز وجل، وهذا فيه شيء من الإشكال؛ هل للإنسان أن يرضى عن الله أو لا يرضى، أو الواجب الرضا بقضاء الله مطلقًا؟

الثاني، الواجب رضا الإنسان عن ربه مطلقًا لا بد أن يقول: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا، فهل نقول: إن هذا من باب المشاكلة في اللفظ؛ لما قال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ قال: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾، أو نقول: إن الرضا هنا ليس المراد مقابل الغضب؛ لأنه إذا ثبت الرضا ثبت الرضا، إذا لم يثبت فضده الكراهة والسخط والغضب، أو عدم الرضا بدون كراهة ولا سخط ولا غضب؟

فلا يلزم من هذا أن نقول: إن الإنسان له الخيار بين أن يرضى بقضاء الله وقدره وألَّا يرضى، بل نقول: إن الواجب أن يرضى الإنسان بقضاء الله وقدره؛ لأن هذا من تمام الرضا بالله ربًّا، لكن رضاهم عنه إما من باب مقابلة اللفظ بمثله، وإلَّا أن المراد برضاهم أنهم فرحوا بذلك واستبشروا به، ولم يبغوا عنه حِوَلًا، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٧، ١٠٨].

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفوز حقيقة ليس بالربح؛ بربح الدينار والدرهم والجاه والرئاسة، الربح العظيم أو الفوز العظيم هو فوز الإنسان بجنات النعيم -أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الفائزين بها- ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском