Ibn 'UthayminAl‑Ma'idah · 5:12–13

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:12–13, continued

* ومن فوائدها: أن الصلاة والزكاة مفروضة على الأمم السابقة، وهو كذلك، فالصلوات والزكوات مفروضة، لكن لا يلزم من كونها مفروضة أن تكون مماثلة لما وجب علينا في الكيفية والوقت والمقدار، المهم أن جنس الصلاة مفروض، جنس الزكاة مفروض، لكن قد يختلف، وهذا كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣] فالتشبيه هنا بالفرض، شبَّه الفرض بالفرض، ولا يلزم أن يكون صيامهم كصيامنا، وبقينا في الحج، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن الأمم السابقة كان الحج مشروعًا في حقهم، فهذه الأركان العظيمة أركان الإسلام مشروعة عند كل أمة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على بني إسرائيل الإيمان بجميع الرسل، وعلى رأسهم محمد ﷺ؛ لأن الله تعالى لم يتكفل لهم بهذا الثواب إلا إذا آمنوا برسله؛ لقوله: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ [المائدة ١٢].

ومن المعلوم أن من كذّب رسولًا واحدًا فقد كذّب جميع الرسل؛ كما قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥]، مع أنه لم يسبق رسول قبل نوح، لكن لما كذبوا نوحًا صار تكذيبهم إياه تكذيبًا لجميع الرسل.

* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: وجوب نصرة الرسل؛ لقوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾. ونصرتهم في حياتهم أن يكون معهم في الجهاد والدفاع وغير ذلك، نصرتهم بعد وفاتهم أن ينصروا شرائعهم ويقيموها بين الناس، فواجب علينا نحن الآن أن ننصر شريعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل على العباد، حيث كان يعطيهم الرزق ثم يقول: ﴿أَقْرَضْتُمُ اللَّهَ﴾ وهو المعطي أولًا والمثيب ثانيًا؛ لقوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ﴾ وقد ذكرنا الحكمة بالتعبير عن الإنفاق في سبيل الله في القرض ما هي؟

* طالب: الاقتراض بمعنى المقترض يلتزم..

* الشيخ: كأن الله جعل الإنفاق في سبيله بمنزلة القرض الذي يلزم المستقرض أن يوفيه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد أن تكون الأعمال التي يتقرّب بها الإنسان إلى الله حسنة، من أين تؤخذ؟ ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ليخرج النقص عن الواجب والإسراف في البذل؛ لأن الإسراف ليس حسنًا، والنقص ليس حسنًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال الصالحة تكفّر الأعمال السيئة؛ لقوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، وقول النبي ﷺ: «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا»[[أخرجه الترمذي (١٩٨٧) من حديث أبي ذر الغفاري ومعاذ بن جبل.]].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يُبدأ بالنجاة من المرهوب قبل بيان حصول المطلوب؛ لقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ﴾، وهو شاهد لما اشتهر عند العلماء أن التخلية قبل التحلية؛ يعني إزالة الشوائب والعوائق قبل أن يحصل المطلوب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة ليست واحدة؛ لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾ هذا إذا قلنا: إن هذا الجمع عائد على الجنات، لا على من دخلها؛ لأنه فيه احتمال أن يكون عائدًا على من دخلها، وأن كل واحد له جنة وإن كانت الجنة واحدة، لكن تعددت باعتبار داخليها، فنقول: هذا محتمل، ولكن القرآن دل على أنها جنات مجموعة، نفس الجنات، ففي سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦] وقال في الثانية: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نعيم الجنة نعيم للنفس والقلب والسمع والبصر، وكل شيء، وذلك حينما ذكر أن هذه الجنات تجري من تحتها الأنهار، وهذا لا شك أنه يطرب السمع، حفيف جريان النهر يطرب السمع؛ ولهذا تجد الإنسان يقف عند الشلالات متمتعًا بالاستماع إليها، وكذلك النظر أيضًا، وكذلك القلب والنفس تستريح.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن في الجنة أنهارًا، لا نهرا واحدًا، من أين تؤخذ؟ ﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع (نهر)، وقد ذكر الله عز وجل أنواعها في سورة القتال، سورة محمد، يقرؤها علينا الأخ، الأنهار، أنواع الأنهار اللي في سورة القتال، اللي هي سورة محمد ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ﴾.

* طالب: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥].

* الشيخ: نعم، أحسنت، أربعة أنواع.

فإن قال قائل: كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر ٥٤، ٥٥] فذكر نهرًا واحدًا، وهنا ذكر أنهارًا؟ كيف نجمع؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: النكرة ما تعم إلا في سياق الشرط والنفي والنهي وما أشبه ذلك.

* الطالب: الجنس، جنس العمل.

* الشيخ: أيهم؟

* الطالب: الآيات فيها ذكر معلومات.

* الشيخ: الإفراد للجنس، فلا ينافي التعدد صح، نقول: المراد الجنس فلا ينافي التعدد.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وعيد من كفر بعد الميثاق، والنداء عليه بالضلال البين؛ لقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة ١٢].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن يسير على سواء السبيل؛ أي وسطها دون حافتيها، وجه ذلك: أنه إذا ثبت في حكم الكافر ضلال السبيل فضدّه يثبت بحكمه، يثبت فيه ضد حكمه؛ لأن إذا تضادت الأعمال تضادت الجزاءات.

* ومن فوائد الآية الكريمة: التنبيه على أن الغالب أن الوسط وسط السبيل والطريق هو الحق؛ لأن سواء بمعنى وسط؛ لقوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات ٥٥] أي: في وسطها أو في مستقرها، وهذا هو الغالب؛ أن ما تطرف من يمين أو يسار فهو ضلال، ولذلك جاء في الحديث: «دِينُ اللَّهِ بَيْنَ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ»[[أخرجه الدارمي(٢٢٢) من قول الحسن موقوفًا عليه بمعناه، ولفظه: «سنتكم – والله الذي لا إله إلا هو- بينهما؛ بين الغاليوالجافي...».]].

5:13Page 109

فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣

So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hardened. They distort words from their [proper] places [i.e., usages] and have forgotten a portion of that of which they were reminded.1 And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allāh loves the doers of good.

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة ١٣] ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ الفاء عاطفة، والعطف بالفاء يفيد الترتيب، وإذا كان عطفًا عطف فعل على فعل فإنه يفيد السببية مع الترتيب، فإذا قلت: جاء زيد فعمرو، هذا للترتيب المحض؛ لأن العطف هنا عطف مفرد على مفرد، وإذا جاء جملة على جملة فإنه قد يفيد الترتيب مع السببية وهو الغالب، مثل أن تقول: كفر فلان فكان في النار، آمن فلان فكان في الجنة، أي: بسببه، وأحيانًا تكون لمجرد الترتيب؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف ٤].

فهنا ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ هو بعد مجيء البأس، هنا ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾، هذه الفاء قلت: إنها عاطفة تفيد الترتيب وتفيد السببية، مع أن الباء التي بعدها تفيد السببية أيضًا.

﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ (الباء) للسببية، وهي حرف جر، و(ما) مصدرية، وعلامة المصدرية التي يحوّل ما بعدها إلى مصدر، هذه علامة المصدرية، أن يحول ما بعدها إلى مصدر؛ فهنا ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ أنا قلت: إنها مصدرية، والصواب أنها زائدة؛ لأن الذي بعدها فعل، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: فبنقضهم ميثاقهم، فـ(ما) هنا زائدة للتوكيد.

(ما) تأتي زائدة، وتأتي مصدرية، وتأتي موصولة، وتأتي شرطية، وقد جمع بعضهم معانيها في بيت واحد فقال:

مَحَامِلُ مَا عَشـــرٌ إِذَا رُمْــــتَعَدَّهَـــــــــــــــــــــا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِــــنَالشِّــــــــــــــعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيــــــــــــــــــــمُمَصْــــــــــــــدَرِ

من جملة ما ذكرنا من المعاني أنها زائدة كما في هذه الآية (بكف ونفي زيد) هذه الزائدة.

فإذا قال: ما الفائدة من الزائدة؟

قلنا: الفائدة التوكيد، وهكذا جميع حروف الزيادة العاملة وغير العاملة فائدتها التوكيد.

﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ النقض ضد العقد؛ أي: حلهم الميثاق. وقوله: ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: الذي واثقهم الله عليه، وهو قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فهؤلاء نقضوا الميثاق بسببه.

﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فكانوا -والعياذ بالله- مطرودين مبعدين عن رحمة الله، لا ينالهم الله برحمة، ﴿لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، ومن لعنه الله لعنه اللاعنون كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «وما لي لا ألعن من لعنه الله أو من لعنه رسول الله»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٣٩)، ومسلم (٢١٢٥ / ١٢٠).]].

﴿لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، وفي قراءة ﴿قَسِيَّةً﴾ ، ﴿قَاسِيَةً﴾ اسم فاعل، ﴿قَسِيَّةً﴾ صفة مشبهة، أيهما أغلظ؟ الصفة المشبهة أغلظ؛ لأنها وصف ملازم؛ كما قال ابن مالك رحمه الله:

............................... ∗∗∗ كَطَاهــــــــرِ الْقَلْــــبِ جَمِيــــــلِالظَّاهِـــــــــــــــــــــــــــــــرِ

فهي -أي الصفة المشبهة- ملازمة، إذن ﴿قَاسِيَةً﴾ و﴿قَسِيَّةً﴾ إذا جاءت قراءتان فالمعنى أن الأمرين كلاهما حاصل؛ فهي قسية، وهذا وصفها، قاسية، عند وجود ما يوجب لين القلب تقسو، والعياذ بالله؛ فهي قسيّة وصفًا، قاسية فعلًا، كما قلنا في قراءة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] و﴿مَلِكِ﴾ ، قلنا: نجمع القراءتين فيكون المعنى أنه ملك ذو تصرف؛ أي ملك مالك، بعض ملوك الدنيا يكون أيش؟ ملكًا غير مالك، وكثير من الناس مالك ولكنه غير ملك، كلنا يملك مالًا لكن لسنا ملوكًا.

إذا قسية وقاسية قريب من هذا، قسية وصفها الملازم، قاسية عند حدوث ما يوجب لين القلب تقسو والعياذ بالله.

﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَة يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ هذا أيضًا من ضلالهم والعياذ بالله ونقضهم العهد، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ كلم من؟ كلم الله عز وجل، و(الكلم) اسم جمع (كلمة)، والجمع (كلمات)، لكن (كلم) اسم جمع.

﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ وأصل التحريف التغيير، تغيير الشيء عن وجهه، ولهذا تقول: انحرفت الدابة، يعني تغيّر مسيرها، انحرفت السفينة، تغيّر اتجاهها، إذن ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ أي: يغيرون الكلم عن مواضعه، وتغيير الكلم عن مواضعه عندهم نوعان: تغيير في اللفظ، وتغيير في المعنى؛ من تغييرهم في اللفظ أنه لما قيل لهم: قولوا: حطة، ماذا قالوا؟ حنطة، ما قالوا: حطة؛ يعني حط ذنوبنا، ما قالوا هذا، قالوا: حنطة؛ أعطنا أكلًا. ولما وجب على الزاني المحصن أن يرجم حرّفوا ذلك وقالوا: إن هذا في الوضعاء وليس في الشرفاء، وصاروا يرجمون الوضعاء، ولكنهم لا يرجمون الشرفاء، هذا تحريف معنوي؛ يعني حملوا النصوص على غير ما أراد الله بها. إذن التحريف من هؤلاء يشمل التحريف اللفظي والمعنوي.

﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي عن المواضع التي أرادها الله به.

﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ ﴿نَسُوا﴾ تحتمل معنيين؛ نسوا أي: تركوا، نسوا أي بعد الذكر، فالأول: نسيان عملي، والثاني: نسيان علمي، فهل المراد الأول أو الثاني؟ كلاهما، المراد: نسوا أي: تركوا عن عمد، نسوا أي: تركوا عن عدم علم؛ يعني نسوا العلم الذي كانوا يعلمونه من قبل، فالنسيان إذن نسيان عملي ونسيان علمي.

فإذا قال قائل: ما هو الدليل على تقسيم النسيان إلى هذا؟

قلنا: اقرأ قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] هذا نسيان أيش؟ علمي، نسيان علمي، واقرأ قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ [الحشر ١٩] هذا نسيان عملي، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧] هذا أيضًا نسيان عملي.

وقوله: ﴿حَظًّا﴾ أي: نصيبًا، والحظ قد يكون في الخير وقد يكون في الشر، فقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت ٣٥] هذا حظ محمود ولَّا غير محمود؟ محمود، وإذا قيل مثلًا: فلان حظه من اليوم الآخر النار، هذا مذموم. ﴿حَظًّا﴾ أي: نصيبًا.

﴿مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: من الوحي الذي نزل عليهم ليتذكروا به، فهم نسوا حظًّا من التوراة؛ لأن الكلام الآن على اليهود، نسوا حظًّا من التوراة، تركوه عمدًا نتيجة تحريف الكلم عن مواضعه، أو نسوه بمعنى أنهم نسوه بعد العلم، وذلك أن كتبهم تلِفت، ولما تلفت صاروا يتخبطون فيها ويكتبون فيها ما أرادوا، فهذا وجه النسيان الذي هو ضد الذكر، والنسيان الذي هو ضد العمل.

وقوله: ﴿نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة ١٣] لا تزال أيها المخاطب، أو لا تزال أيها الرسول؟ الأول؛ يعني لا تزال أيها الإنسان؛ لأنه لم يتقدم للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر، أي: لا تزال أيها الإنسان أو أيها المتأمل في حالهم تطّلع على خائنة منهم.

كلمة ﴿خَائِنَةٍ﴾ يحتمل أن تكون مصدرًا، ويحتمل أن تكون اسم فاعل، فإن كانت مصدرًا فالمعنى: لا تزال تطلع على خيانة منهم، وإن كانت اسم فاعل فالمعنى: لا تزال تطلع على طائفة خائنة منهم، فتكون وصفًا لموصوف محذوف.

أما كونها اسم فاعل فلا إشكال فيه؛ لأن اسم الفاعل يأتي على وزن فاعل، لكن كيف تكون مصدرًا؟ وهل يأتي في المصادر ما هو على فاعل؟ قلنا: نعم، يأتي، كلمة العافية: اللهم إني أسألك العافية، هل اسم فاعل؟

* طالب: (...).

* الشيخ: والله ما أدري! يعني تتوقفون في شيء تدعون الله به في الليل والنهار! (أسألك العافية) مصدر، أسألك أن تعافيني عافية. (العاقبة) كذلك مصدر، فاللغة العربية واسعة.

فعلى هذا نقول: كلمة ﴿خَائِنَة﴾ في الآية الكريمة يحتمل أن تكون أيش؟ مصدرًا كالعاقبة والعافية، ويحتمل أن تكون اسم فاعل، وعلى هذا التقدير يحتاج إلى أيش؟ إلى تقدير موصوف؛ إما أن يقال التقدير: على طائفة خائنة، أو على نفس خائنة.

ألا يمكن أن تكون اسم فاعل على أن التاء فيها للمبالغة وأن الأصل: على خائن منهم، ولكن التاء للمبالغة، كما يقال في داعٍ: داعية؟

نقول: يمكن؛ لأن فيهم -أي في اليهود- من طبيعته الخيانة فيصدق عليه أنه داعية؛ أي أن التاء فيه للمبالغة، وهذا من سعة معاني القرآن الكريم؛ أنك تجد اللفظة الواحدة تحتمل معاني كثيرة، والقاعدة أن ما احتمل أكثر من معنى، ولا مرجِّح، ولا تضادّ، فإنه يُحمل على كل ما يحتمله من معنى.

﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ إلا قليلًا من اليهود فإنهم سالمون من هذه الأوصاف والعيوب، مثل من؟ عبد الله بن سلام رضي الله عنه، عبد الله بن سلام من أحبار اليهود، حبر من أحبارهم، عالم من علمائهم، وليس فيه شيء من هذه الأوصاف، من حين قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة آمن به واتبعه وشهد له بالحق، وله أمثال؛ فمنهم من هو سالم من هذه الأوصاف والعيوب والأوصاف الذميمة لكنه قليل؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾.

ثم قال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿اعْفُ عَنْهُمْ﴾ عن القليل الذين لا خيانة فيهم أو عن جميعهم؟

الله المستعان، قيل: إنه يعود على أقرب مذكور، وهو القليل، يعني: فاعفُ عن هؤلاء القليل الذين تقدم منهم الأذى والعداوة لرسالتك، ثم زالت أوصافهم السيئة، اعفُ عنهم ما مضى، فيكون المراد: اعفُ عما مضى من أيش؟ من سيئاتهم. وعلى هذا المعنى لا إشكال في الآية إطلاقًا ولَّا لا؟ يا جماعة! اعفُ عن القليل الذين سلموا من الأوصاف الذميمة؛ لأن هؤلاء القليل كانوا يهودًا، وكان منهم ما كان من المنابذة ونقض العهد، لكن آمنوا.

نقول: على هذا التقدير لا إشكال فيه، إذا قلنا: اعفُ عنهم، عن مجموعهم، مع اتصافهم بهذه الأوصاف وخيانتهم. يبقى في ذلك إشكال، وهو أن النبي ﷺ قاتل اليهود بأمر الله، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة ٢٩] فكيف الجمع؟

ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، أي بالآيات التي تأمر بقتالهم، عرفتم؟

وما أكثر الناس الذين إذا أعياهم الجمع بين النصوص قالوا: هذا منسوخ، فيكون كثير من الشريعة منسوخًا، مع أن النسخ يقول بعض العلماء المحققين: لا يتجاوز عشرة أحكام، كل النسخ، وعلى كل حال نحن نقول: إن بعض العلماء قال: إن هذه الآية منسوخة، وفي هذا إشكال أن تكون منسوخة:

أولًا: لأننا لا نعلم أيش؟ التاريخ، ومن المعلوم أن من شرط النسخ العلم بالتاريخ حتى نعرف أن هذا بعد هذا، فيكون ناسخًا له.

ثانيًا: من شرط النسخ أيضًا: ألا يمكن الجمع، فإذا أمكن الجمع فلا نسخ؛ لأنه إذا أمكن الجمع وقلت: هذا منسوخ، فإن هذا إلغاء النص الآخر، وإلغاء النص ما هو هيّن، يعني كونك تقول مثلًا: هذا بطل حكمه وهو ثابت بالقرآن والسنة ما هو هيّن، ولذلك لا يجوز الإقدام على دعوى النسخ إلا أيش؟ بدليل لا مفر منه، وأما متى أمكن الجمع فإن القول بالنسخ محرم؛ لأنه -كما قلت لكم- النسخ يعني إبطال أحد الدليلين، وهذا صعب أن يكون دليل ثابت تدعي أنه باطل.

ثالثًا: أن سورة المائدة من آخر ما نزل، حتى قال بعض أهل العلم: إنه لا نسخ فيها، وإن جميع الأحكام الموجودة فيها محكمة لا منسوخة، وهذا مشهور عند أهل العلم؛ أن سورة المائدة من آخر ما نزل، وأنه ليس فيها حكم منسوخ.

إذن دعوى النسخ غير صحيحة. يبقى عندنا الآن الجمع، جمع بعض العلماء بين هذا وبين الأمر بالقتال أن الرسول عليه الصلاة والسلام سمح عن الذين خانوا، وعن الذين نبذوه، سمح عنهم؛ أي: خفف عنهم العقوبة فلم يقتلهم عليه الصلاة والسلام. بنو قينقاع وبنو النضير هل قتلهم الرسول؟ ما قتلهم، مع أنهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا نوع من العفو والصفح. بنو قريظة أيضًا عفا عنهم في الواقع؛ لأنه أنزلهم على حكم من رضوا حكمه، أليس كذلك؟ على من؟ على حكم من؟ سعد بن معاذ، أنزلهم على حكمه الذي اقترحوه هم، وهذا نوع من العفو، وإلا لكان الرسول وضع فيهم السيف؛ لأنهم خانوا النبي عليه الصلاة والسلام وألبوا الأحزاب عليه، ومع هذا أنزلهم على حكم سعد بن معاذ الذي رضوه، هذا نوع من العفو.

فتكون الآية الآن أيش؟ محكمة، ويكون المراد بالعفو ليس العفو الكامل الذي يقتضي عدم عقوبتهم بأي عقوبة، ولكنه عفو جزئي، ولا شك أن هذا خير من القول بالنسخ، بل القول بالنسخ مع إمكان الجمع أيش قلنا؟ محرم؛ لأنه يعني إبطال النص الذي ادعي أنه منسوخ.

* طالب: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة ١٢] ما يمكن أن نعتبر أن هذا من باب إضافة الموصوف إلى صفته، إضافة، فالأصل السبيل السوي؟

* الشيخ: نعم، صحيح، وهو كذلك.

* طالب: قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة ٤١]، وهنا: ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، كيف هذا؟

* الشيخ: ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يصرفونه عنه، و﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة ٤١] يأتينا إن شاء الله تعالى السبب أنها عبر عنها بكلمة ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾.

* الطالب: أحسن الله إليك، ما الفرق بين العفو والصفح؟

* الشيخ: العفو: عدم المؤاخذة، والصفح: الإعراض عن الذنب بحيث لا يذكر؛ لأنك قد تعفو عن الإنسان لكن تذكر ذنبه أحيانًا؛ لأن أصل الصفح معناه تولية صفحة العنق، وهذا يقتضي أن الإنسان أدبر وترك الموضوع كأن لم يكن، واضح الفرق؟

إذن هذا تدرج من الأدنى أيش؟ إلى الأعلى، العفو قد يكون هناك عفو، لكن يذكر الذنب أحيانًا، بيعفو عنه ويقول: أنا سامحتك ولن أطالب بحقي، لكن بعدين يقول: هذا جزائي عفوت عنك لكن اليوم واليوم تقول في كذا وكذا! هذا صفح ولا ما صفح؟ هذا ما صفح، لكن العفو إذا كان معه الصفح ما يذكر إطلاقًا؛ أعني أن الذنب لا يذكر.

* طالب: قوله سبحانه وتعالى (...).

* الشيخ: لا، لأنه ما نعهد أن الرسول ذكرهم مرة أخرى بعد أن أجرى فيهم ما أجرى.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا؛ لأنك خففت هذا، ما عهدنا أن الرسول قال: قد عفونا عنكم مرة ونقضتم مثلًا، أو: أرخصنا لكم أن تغادروا المدينة.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، ما هو موجّه لشخص معين، العمل أو الأعمال ما تكون موجهة إلى شخص معين.

* طالب: ما الفرق بين قولنا: إن التحريف يكون في النصوص، والتعطيل يكون في المدلول؟

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: أن التحريف يكون في الدليل، والتعطيل يكون في المدلول؟

* الشيخ: نعم، ما تعرف الفرق؟ أنا ما ذكرتها الآن، لكن ذكرتها من قبل، التحريف في الدليل: استوى على العرش، قال لك: استوى بمعنى استولى، حرّف الدليل، حرفوا المعنى، المدلول لم يثبت الاستواء لله، والآية تدل على الاستواء لله، فهو عطَّل المدلول، وكل إنسان يحرّف الدليل فسيعطّل المدلول، وسيدّعي معنى لا يدل عليه اللفظ فيكون جانيًا على النص من وجهين: الأول: تعطيل النص عما أريد به، والثاني: إثبات معنى لا يراد منه.

* طالب: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ ما هو المؤكد؟

* الشيخ: نقض الميثاق.

* الطالب: (...).

* الشيخ: يعني فبتأكدنا لنقضهم الميثاق حصل كذا وكذا.

* الطالب: كيف يجتمع الحرفان ويفيدان التعليل؟

* الشيخ: نعم، كيف يجتمع شاهدان على مشهود به واحد؟ تعدد الأسباب لا يستلزم تعدد المسبب، واضح؟ آمنتم برسلي.

* الطالب: أقرب من ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾؛ لأن الإيمان بالرسول من قبل إقامة الصلاة..؟

* الشيخ: إي؛ لأنهم هم يدعون أنهم يصلون ويؤتون الزكاة، فهمت؟ وهم يصلون فعلًا، يصلون ويزكون، لكن ما آمنوا بالرسل.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة ١٤].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ إلى آخره. سبق الكلام عليها وعلى فوائدها.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة ١٣].

نكمل الكلام على الآية، قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ العفو: ترك المؤاخذة على الذنب، والصفح الإعراض عنه، ولا يلزم من العفو الصفح، لكن في الغالب أنه يلزم من الصفح العفو، مثال ذلك: رجل أساء إليك فعفوت عنه، ولم تقتصّ منه، هذا عفو، فإن أعرضت ولم تتكلم فيما جرى منه أبدًا فإن هذا يسمى صفحًا ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ هذا كالتعليل لما سبق؛ أي: إنما أمرناك بالعفو والصفح لأن الله تعالى يحب المحسنين، وفيه أيضًا أنه إذا كان الله يحب ذلك فلا تتأخر في العمل به.

* من فوائد الآية الكريمة أولًا: إثبات الأسباب. تؤخذ؟

* الطالب: من الفاء والباء.

* الشيخ: كيف ذلك؟ من الفاء والباء كيف ذلك؟ لأنهما دلّا على السببية.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن نقض الميثاق سبب للعنة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾.

* ومن فوائدها: أن اللعن عقوبة؛ لأن الله تعالى عاقب به من نقض الميثاق. وهنا سؤال: هل يجوز لنا أن نلعن من لعنه الله ورسوله؟

الجواب: نعم، نلعن من لعنه الله ورسوله، لكن على سبيل العموم، إذا جاءت اللعنة على سبيل العموم، وعلى سبيل الخصوص إذا جاءت اللعنة على سبيل الخصوص، فمثلًا: نحن نقول: لعن الله المعتدين، لعن الله الظالمين، وما أشبه ذلك، لكننا لا نخص شخصًا معينًا حتى ولو كان من الظالمين؛ لأننا لا ندري بماذا يُختم لهذا الرجل، فقد يختم له بالخير، حتى لو كان كافرًا ومات على الكفر فإننا لا نلعنه؛ لأن هذا من باب سب الأموات، وقد أفضوا إلى ما قدموا، ولا فائدة من ذلك؛ لأنه إن كان قد استحق اللعن فهو ملعون؛ لعنت أم لم تلعن، وإن لم يكن مستحق اللعنة بُؤت بالإثم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما عصى الإنسان ربه قسا قلبه؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، عكس ذلك أن نقول: كلما أطاع الإنسان ربه لان قلبه، وما أكثر الذين يطلبون أن تلين قلوبهم ويسألون ما هو الدواء لقسوة القلب! نقول: الدواء لقسوة القلب كثرة طاعة الله عز وجل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للقلوب أحوالًا؛ قسوة ولين، وهو كذلك كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٢٣].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المعاصي سبب لقلة الفهم، فَهْم كلام الله عز وجل، أو للعدوان في فهمه؛ لقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، وتحريف الكلم عن مواضعه إما أن يكون سببه الجهل وفقد العلم، وإما أن يكون سببه الاستكبار والعدوان، وعلى كلّ فالجملة معطوفة على ما سبق، أو إنها حال من قوله: ﴿قُلُوبَهُمْ﴾ يعني حال كونهم، أو من فاعل ﴿قَاسِيَةً﴾، يعني حال كونهم يحرفون الكلم عن مواضعه، المهم أن المعاصي سبب لعدم الأخذ بالنصوص، وسبب لتحريفها.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المعاصي سبب لنسيان ما ذُكّر به الإنسان. وقد ذكرنا أن النسيان نوعان: نسيان علم، ونسيان عمل، وهذا كله لا شك سبب، أما كون المعاصي سببًا لنسيان العلم فقد دل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧]، فإذا كانت الهداية سببًا لزيادة العلم، فالمعصية سبب لنقصانه. وأما كون المعاصي سببًا لنسيان الترك، فلقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩] يعني تولوا وأعرضوا فاعلم أن سبب ذلك هو أنهم أذنبوا فأراد الله تعالى أن يصيبهم ببعض ذنوبهم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء قد أُقيمت عليهم الحجّة، ولكنهم تركوا العمل بعد إقامة الحجة؛ لقوله: ﴿مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قسوة القلب وتحريف الكلم عن مواضعه ونسيان ما ذُكّر به الإنسان من خصال اليهود، وإذا كانت من خصالهم فالواجب على الإنسان أن يبتعد عنها وأن يفر منها فراره من الأسد.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن خيانة اليهود لا تزال باقية؛ لقوله: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾. وقد سبق لنا تفسير كلمة ﴿خَائِنَةٍ﴾. ومن تدبر تاريخهم عرف أنهم على ما وصفهم الله؛ لا يزالون خونة، وأنه لا يُفرح منهم بعهد، ولا يوثق منهم بوعد؛ إذ إنهم خونة، إن رأوا قوة في مقابلهم ضعفوا أمامه، وإن رأوا ضعفًا قووا أمامه، فهم يتبعون مصالحهم ولا يبالون في وفاء الوعد أو العهد أو عدم وفائه؛ لأنهم لا يزالون خونة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من اليهود من طُهّر من ذلك؛ لقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾. وهذا هو الواقع، فإن من اليهود من آمن برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشهد له بالحق، وحسن إسلامه، وكان داعية لقومه.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حسن معاملة الإسلام لعدوه، وذلك حين أمر الله بالعفو عنهم والصفح، ولا سيما إذا ظهر النصر لنا، فحينئذٍ يأتي دور العفو؛ لأن العفو الحقيقي الذي يُمدح عليه صاحبه هو العفو مع القدرة، أما العفو مع العجز فهذا ليس بعفو، ولا يحمد عليه الإنسان.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ومحبة الله عز وجل ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف والذوق المحسوس، فإن الإنسان يحس بمحبة الله عز وجل، أي: بأنه يحب الله، ويعمل بطاعته، وكذلك أيضًا إذا أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، صار لله وليًّا وذاق طعم الإيمان.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عدم المؤاخذة على الذنب من الإحسان؛ لقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، فدل هذا على أن عدم المؤاخذة على الذنب يعتبر إحسانًا، وكثير من الناس لا يفهمون الإحسان إلا الشيء الإيجابي، يعني الإعطاء، الصدقة، الهدية، التبرع، وليس كذلك، الإحسان يتضمن شيئين: إما إيصال مطلوب وإما العفو عن مرهوب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإحسان؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

ثم إنه مر علينا غير بعيد أن الإحسان ينقسم إلى قسمين: إحسان في عبادة الخالق، وإحسان في معاملة المخلوق، فالإحسان في عبادة الخالق بيّنه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» »[[أخرجه البخاري (٤٧٧٧) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]]، والإحسان في معاملة المخلوق هو أن تبذل له المعروف، وألا تعتدي عليهم بما ليس بمألوف، ومنهم من قال: إن الإحسان بذل الندى وكف الأذى. وهذا بمعنى ما قلنا. ويدل على أن كف الأذى يعتبر من الإحسان هذه الآية.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском