Ibn 'UthayminAl‑Ma'idah · 5:3

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:3, continued

* ومن فوائد الآية: شرف ذلك اليوم الذي أُكمل فيه الدين؛ لأنه لولا ذلك لم يكن لقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فائدة، لكن فيه الإشارة إلى شرف ذلك اليوم، ولكن هل نُشرّف ذلك اليوم بما لم يُشرفه الله؟ لا، ولكن نقتصر على ما جاء من شرفه، ولهذا لما« قال أحد اليهود لعمر بن الخطاب: إن الله أنزل آية لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، وتلا الآية:» ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]، «فقال عمر: إني أعلم متى نزلت على رسول الله ﷺ. وذكر أنها نزلت يوم الجمعة في يوم عرفة»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥)، ومسلم (٣٠١٧ / ٣) من حديث عمر بن الخطاب.]]. ولكن الشأن كل الشأن ألا نعظم ذلك اليوم بأكثر مما جاء، وإنما قلت ذلك درءًا لقول من قال: إنه ينبغي أن نشرِّف اليوم الذي ولد فيه الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبي ﷺ لما سُئل عن صوم يوم الاثنين قال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَبُعِثْتُ فِيهِ». أَوْ: «أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ»[[أخرجه مسلم (١١٦٢ / ١٩٧) من حديث أبي قتادة الأنصاري.]].

قال: فكونه نص على أنه ولد فيه يدل على أن له شرفًا، فيقال: الشرف يُتلقّى من الشرع، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يذكر شرف اليوم الذي ولد فيه بوقته من الشهر، بل ذكر شرفه بوقته من الأسبوع، وهناك فرق بين هذا وهذا، ثانيًا: أن الشرف الذي يُعطى لهذا اليوم الذي أُنزل فيه القرآن على الرسول ووُلد فيه هو الصوم فقط، هكذا جاءت السنة، وما سوى ذلك فلا، فلو أن أحدًا أراد أن يُكثر الصلاة في يوم الإثنين بناءً على أنه اليوم الذي وُلد فيه الرسول وبُعث فيه لقلنا: هذا خطأ.

* ومن فوائد هذه الآية: أن تمسكنا بالدين يجب أن نكون فخورين به؛ لقوله: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فأضافه الله إلينا لنفخر به، ونعتز به، وندافع عنه، وهل الأمر كذلك بالنسبة لحال الناس اليوم؟

بالنسبة لحال الناس اليوم كثير من المسلمين مع الأسف بالعكس، كثير من المسلمين يستحي أن يقول إنه مسلم، وهذا ذل عظيم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل تفضّل على عباده بإتمام النعمة؛ لقوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾.

* ويتفرع على ذلك: أنه عز وجل يُثني على نفسه بما أنعم به من أجل أن يتحبّب لعباده بنعمه، ولهذا جاء في الحديث: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمِ»[[أخرجه الترمذي (٣٧٨٩) من حديث ابن عباس. ]] وهذا هو الموافق للفطرة أن أي إنسان يُحسن إليك فإنك سوف تحبه، هذا وهو مخلوق مثلك، فكيف بالخالق عز وجل؟!

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما خالف ما جاءت به الشريعة فهو غير مَرْضِيّ عند الله ولا مقبول؛ لقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وهذا يشمل الدين كله، والفروع التي تكون بزعم الفاعل من الدين، فمثلًا هل رضي الله لعباده الكفر؟ لا، هل رضي لعباده أن يبتدعوا في دينه ما ليس منه؟ لا، فهذه كلمة ﴿رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ يعني بأصوله وفروعه وجملته وجزئه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله تعالى بعباده حيث أباح لهم المحرّم عند الضرورة، وهناك آية تعتبر قاعدة في جميع المحرّمات، وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام ١١٩]، هذه الآية التي تلوتها أخيرًا أعم؛ لأن الآية التي في سورة المائدة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ إلى أيش؟ إلى ما ذكر ليأكل منها، وأما ما أشرت إليه ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام ١١٩]، فهو عام شامل، بقي أن يقال: لو اضطر الإنسان إلى شُرب الخمر للعطش، أيشربه؟

* الطلبة: لا يشربه.

* الشيخ: نقول: إن اندفعت ضرورته بذلك فنعم؛ لأن الآية ما فيها استثناء، لكن العلماء يقولون: إنه لا يمكن أن تندفع ضرورته بشرب الخمر؛ لأنه لا يزيده إلا حرقانًا وعطشًا، ولذلك لو اضطر إلى دفع لقمة غص بها، وعنده كأس من الخمر فهنا يجوز أن يشرب ما يدفع به اللقمة؛ لأنه هنا تندفع الضرورة به، أفهمتم؟

* ومن فوائد الآية الكريمة: إعمال النية وتأثيرها في الأعمال؛ لقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾.

* ومن فوائدها: أنه يجب التحرُّز في انتهاك المحرّم، وأن لا تغلبه نفسه وهواه حتى يتجانف؛ يعني يتمايل أو يميل إلى الإثم، بل عليه أن يتحرى.

وهل يؤخذ من الآية الكريمة أنه لا يجوز أن يأكل من الميتة وما ذُكر إلا بقدر ما يسد الرمق أو له أن يشبع؟

* طلبة: الأول.

* الشيخ: نعم، الأول، إلا إذا علم أنه لن يجد ما يأكله، وليس معه ما يحمل الميتة فيه، فحينئذٍ يُضطر إلى أن يشبع، ويحمل معه في معدته معها سقاؤها وحذاؤها، لكن إذا كان يعلم أنه سيصل إلى ما يأكله قبل أن تدركه الضرورة مرة أخرى، فهل يجوز أن يأكل أكثر من ضرورته؟ لا.

علم أنه لن يصل إلا بعد أن تعود الضرورة، وليس معه ما يحمل هذه الميتة يجوز أن يشبع؟ نعم؛ لأنه مضطر لذلك.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أخذ الأحكام من أسماء الله عز وجل، وذلك لأن أسماء الله، ولا سيما المتعدية لا بد أن يكون لها أثر، وهو ما أشرنا إليه سابقًا؛ أن الاسم المتعدي لا يتم الإيمان به إلا بإثباته اسمًا من أسماء الله، وإثبات ما تضمنه من صفة، وإثبات الأثر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والعلماء -رحمهم الله- يأخذون الأحكام من مثل هذا التعبير مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤]؛ يعني معناها إذا تاب قُطّاع الطريق قبل القدرة عليهم سقط عنهم الحد.

ويُذكر أن أحد الأعراب سمع قارئًا يقرأ قول الله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم)، فقال الأعرابي: أعد الآية، أخطأت، فأعادها، وقال: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم)، فقال: أخطأت، أعدها، فأعادها فأدركها في المرة الثالثة، وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨]، قال: الآن أصبت، عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، شوف الفهم، وهذا لا شك فيه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: الغفور والرحيم، وإثبات ما تضمناه من صفة، وما تضمناه من أثر؛ لأن الغفور يتعدّى، وكذلك الرحيم.

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾.

* طالب: أشكل عليّ المعنى الذي ذكرناه في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، قلنا: إن المراد أن الدين تام وليس المراد..

* الشيخ: تام، نعم.

* الطالب: تام، فهذا يصدق من أول يوم نزل فيه الشرع، بمعنى هذا الشرع.

* الشيخ: لا، هذا ما يصدق؛ لأن أول يوم نزل الشرع لم تتكامل جملة الشرع، ولا يمكن أن يقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ﴾ وهو لم ينزل منه إلا جزء يسير.

* طالب: المعنى يكون كملت الشرائع الكبيرة؟

* الشيخ: كملت الشرائع الكبيرة، وكذلك أيضًا هذه الشرائع الكبيرة، ومنها ما يلحق بعد كلها كامل.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الاستقسام بالأزلام ما صلته بالتطيُّر؟

* الشيخ: هذا ليس من باب التطير، التطير يحصل بغير إرادة الإنسان، والاستقسام بالأزلام بفعل الإنسان، فالتطير مثلًا إذا رأى طيرًا اتجه عند طيرانه إلى جهة ما تطيّر، وعزم على الفعل أو ترَك، لكن الاستقسام يكون من فعله هو نفسه.

* الطالب: لكن شيخ، إذا قلنا: إذا خرج عليهم مثلًا رجل بالغ قال..

* الشيخ: إي نعم، يعني لو قال ذلك، قال: أنا بأستقسم بهذا بخلاف المتطير بمجرد ما يخرج عليه يترك أو يمضي، أما هذا فقد جعل هذا الشيء هو السبب، ففرق بين من يأتي بلا قصد وما يأتي بقصد.

* طالب: شيخ، ما يحصل كثيرًا اليوم من الاستقسام بقطعة النقود المعدنية كأن يقول مثلًا: إن خرج الوجه، مثلًا اختلف صديقان يعني هل يذهبان أم لا، فيقول: إن خرج الوجه ذهبنا، وإن لم يخرج الوجه بقينا؟

* الشيخ: نعم، هذا من الاستقسام بالأزلام.

* الطالب: عفا الله عنك، يا شيخ، من تبرك بعيد الميلاد، وقال: إننا نحن نفعل عيد الميلاد مثل ما تفعلون بصوم الاثنين؛ لأن كثيرًا من الناس الحين يحصل لهم لبس في عيد الميلاد؟

* الشيخ: ذكرنا أن التعظيم حكم شرعي يحتاج إلى ثبوت، وهل عُظِّم مولد الرسول عليه الصلاة والسلام بمثل ما يفعله الناس اليوم؟

* الطالب: لا.

* الشيخ: طيب، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام ما ذكر اليوم الذي وُلد فيه من الشهر، ذكر من الأسبوع، وهؤلاء يعتبرونه بالشهر أو بالأسبوع؟ بالشهر، وأيضًا ذكرنا لكم أنه لم يثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام وُلد في اليوم الثاني عشر، وأن بعض المحققين المعاصرين حقق أن ولادته كان في اليوم التاسع.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الأمر الذي ذكره الأخ قبل، إذا قُصد به القرعة كأن يتساوى العملان عند المختلفين، يتساوى الذهاب وعدمه، ولا يقصدون به معرفة؟

* الشيخ: ما يجوز هذا؛ لأن القرع إنما تكون في حق من الحقوق لا في الإرادات أو المضي أو الرجوع، هذا استقسام بالأزلام لا شك.

* طالب: النطيحة يا شيخ أشبه.. التي تصدم بالسيارة أشبه بالموقوذة أو النطيحة؟

* الشيخ: هذا يقول: أيهما أقرب ما حصل بدهس السيارة، هل الأقرب أن يكون من الموقوذة أو من النطيحة؟

* طالب: أو من المتردية؟

* الشيخ: ما تقولون؟

* طلبة: الموقوذة.

* الشيخ: لا، الموقوذة.

* طالب: النطيحة يا شيخ هو (...).

* طالب آخر: إذا كانت السيارة (...).

* الشيخ: النطيحة أن تتناطح البهيمتان، ولا أظن أن صاحب السيارة يريد أن ينطح الشاة!

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما هو الفرق بين الضرورة والحاجة والأمور المترتبة عليهما؟

* الشيخ: الفرق بأن الحاجة من باب الكماليات، والضرورة من باب دفع الضرر؛ يعني مثلًا إنسان عليه ثوب يقيه البرد، ولو خلعه لضره البرد، لكنه يحصل به نوع من التأذي؛ لأنه ليس كاملًا، فلبس عليه ثوبًا آخر هو بالنسبة للثوب الأول؟ حاجة ولَّا ضرورة؟

* طلبة: ضرورة.

* الشيخ: الأول ضرورة؛ لأنا قلنا: إذا لم يلبس ثوبًا تضرر من البرد، فلبس ثوبًا، نقول: هذا بالنسبة له ضرورة، لكن لبس عليه آخر لدفع التأذي فقط لا لدفع الضرر، نقول: هذا حاجة، والفرق بينهما ظاهر؛ أنه لا يُبيح المحرمات إلا الضرورة، وأما المكروهات فتبيحها الحاجة.

* طالب: شيخ، أقول: بعض الأصوليين يفرقون، يقولون: ما كان حرامًا لذاته فلا يجوز ارتكابه للضرورة، وما كان حرامًا لغيره فيجوز للحاجة، فما رأيكم في هذا التفريق يا شيخ؟

* الشيخ: ما هو صحيح، أقول: ليس بصحيح؛ لأن ما حرم لغيره كالذي يحرم لذاته بالنسبة لوجوب تجنّبه.

* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، التي يأكلها السبع أو المتردية، ووجدناها بها جرح مميت، خروج ما في بطنها أو نحو ذلك؛ يعني مما لا تحيا بعده، ثم ذكيناها وخرج الدم الأحمر، فهل هذه ذكاة؟

* الشيخ: إي نعم، هذه مُحلّة تحلها إلا أنهم قالوا: ما أُبينت حشوته، فهذا لا يحل، يعني مثلًا قُطّعت أمعاؤه كله، ومعدته أخرجت بره، ما هو خرجت قُطّعت، أو ما بليت أوداجه، لكن ذكرنا أن ظاهر الآية الكريمة العموم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском