Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:21–30, continued
* الشيخ: نقول للذي وصفه بالعصبية: هل أنت تخبر مجرد خبر؟ فلا تعرض المسألة على هذه الصفة، بل قل: إن موسى عليه الصلاة والسلام عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الوصف الذي تجعله مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر، كفر مُخْرِج عن الملة، فمثلًا: موسى عليه الصلاة والسلام مشهور بأنه قوي وشديد، ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٩)، ومسلم (٢٣٧٢ / ١٥٧) من حديث أبي هريرة.]]، فهو معروف بالشدة، أما أن نقول: إنه معروف بالحمق والتسرع وما أشبه ذلك، ما يجوز أبدًا، ثم له من الحسنات العظيمة ما يطغى على مثل هذا، والإنسان الشديد ربما يقع منه هذا الشيء.
* الطالب: (...) طاعن في موسى أم ننظر إلى نيته..؟
* الشيخ: والله نرى أنه أساء الأدب لا شك، هذا على طول، أما كونه قادحًا أو غير قادح فالله أعلم بنيته، لكن لا شك أنه أساء الأدب.
* طالب: أحسن الله إليك، أشكل عليّ قولنا: بأن الرجلين اللذين أخبرا قومهما بكيفية الدخول على هؤلاء أصحاب القرية وقول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي﴾ [المائدة ٢٥] شيخ، فلماذا لم يستثنهما معه؟
* الشيخ: قلنا: إما أن هذا بناءً على الأغلب، أو أنه ما أرادها أصلًا، وأما ﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ فهو وإن كان الرجلان قد نصحا ما يدري هل يملك؟ ما يملك الملك التام والسيطرة التامة إلا على أخيه.
* طالب: قصة البراء بن مالك رضي الله عنه التي ذكرناها[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٩ / ٤٤) من حديث محمد بن سيرين.]] وذكرنا صورًا لـ(...)، واستدل البعض يا شيخ بهذه القصة على جواز العمليات الانتحارية، فما الجواب عن هذا الإيراد بارك الله فيك؟
* الشيخ: الأعمال الانتحارية -بارك الله فيك- هل هي موت محقّق؟ أسألك، موت محقق، هل قصة البراء بن مالك موت محقق؟ إذن ما فيها دليل.
* طالب: هم يقولون: إنه سقط في أرض العدو؟
* الشيخ: لكن فيه مثلًا واحد في الألف إنه ينجح، والمنتحر فيه ألفين إنه يموت، فرق عظيم.
* طالب: هل يمكن (...) الحسنة تخص والسيئة تعُمّ؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...) ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ٢٦] وفيهم من كان مصلحًا مثل: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة ٢٣]..؟
* الشيخ: إي نعم، العقوبة تعُمّ ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥].
* طالب: جزاكم الله خيرًا، إذا كان الإنسان معروفًا بالجبن، جُبِلَ مثلًا على هذا الطبع، فمثلًا إذا لم يستطع الجهاد في سبيل الله وكان فرضًا عينيًّا، فكيف يكون الحال، ثم الذي يُروى عن حسان بن ثابت في هذا هل هو صحيح أنه لم يكن يجاهد، قرأت هذا عند بعض الكُتّاب؟
* الشيخ: بعض المتأخرين في الحقيقة ما عندهم أدب مع الصحابة، ولا شك أن حسان بن ثابت رضي الله عنه ليس كخالد بن الوليد في الإقدام والشجاعة، لكن كوننا نقول: إنه جبان، وأن المرأة أشجع منه، هذا غلط عظيم، مع أنه يدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام دفاعًا بلسانه أشد من وقع النبل عليهم.
* طالب: شيخ، (...) طبعهم هكذا؟
* الشيخ: والله، يُنصحون، ويقال: لا تكونوا من آخر هذه الأمة الذين يلعنون أولها، اتقوا الله.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، يعني المسألة حُكمية، إذا كان فرض عين يجب عليهم، فإن تخلفوا فهم آثمون.
* طالب: إذا أصيب الإنسان بمرض وترك التداوي ويحتج في ذلك بقصة عمران بن حصين التي في صحيح مسلم[[مسلم (١٢٢٦ / ١٦٧).]] بأنه قال لأحد الصحابة: كان يُسَلَّم عليّ، فلما اكتويت تُرِك ذلك، فلما تركته سُلِّم عليّ، وقصة أبي بكر عندما مرض وقيل له: ألا تتداوى؟ قال: قد رآني طبيب، قالوا له: ماذا قال؟ قال: أنا على ما أشاء قدير[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٤٤٣) بنحوه.]]، هل له حجة يا شيخ؟
* الشيخ: عندنا السُّنَّة، وعندنا فعل الصحابة، أيهما نقدم؟ والرسول أمر بالتداوي، إلا أننا لا نتداوى بحرام، ثم يُحمل فعل بعض الناس سواء من الصحابة أو فيمن بعدهم على أن عنده من قوة التوكل ما يغنيه عن الدواء، فهي تكون قوة التوكل عنده بمنزلة الدواء، ولقد حدثني أحد الإخوة عن (...) أحد يكوى في الصباح ويصحو في آخر النهار، وأمثال هذا كثير، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام لما ذكر «الحبَّة السَّوْداء أنها شِفاء من كُلِّ داءٍ إلا الموت»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٨٨)، ومسلم (٢٢١٥ / ٨٨) من حديث أبي هريرة.]] ما غرضه بهذا؟ أن يستشفي الناس بها.
* طالب: المصاب بمرض قلب أو كذا ويخشى أنه لو ذهب إلى أطباء وأجرى العملية لا يتقنونها؛ لأن هذا مرض..؟
* الشيخ: هذا شيء آخر، إذا كان ما عنده الثقة بالطبيب، هذا شيء آخر، لا سيما إذا كان مرضه خطيرًا لا يخاطر بنفسه، أما إذا كان أمرًا معلومًا؛ مثلًا الزائدة الآن، الزائدة إذا أصابت الإنسان إن بادر بها وقطعها سَلِم بإذن الله، وإن تركها مات، وهي عملية سهلة، البواسير الآن سهلة عند الأطباء، أليس كذلك؟ مع أن بعض العلماء يقول: حرام، قطع البواسير حرام؛ لأن في عهدهم خطر، خطر يكون نزيف ويموت الإنسان، لكن الآن تقدم -والحمد لله- العلم؛ علم الطب.
* طالب: أحسن الله إليك، هل منافاة التوكل الابتداء بالتداوي بالأسباب التي كالأدوية الطبية وترك القراءة الشرعية والأسباب المعنوية، أو ليست..؟
* الشيخ: أبدًا، هذا مثل ما قلنا؛ يعني قد يعزف بعض الناس إلى التداوي بالأدوية الحسية دون القراءة، هذه ربما تكون أفيد من القراءة عند بعض الناس؛ لأن الإنسان المريض لا يتقبل هذه القراءة، يكون شاكًّا فيها، ولا تنفعه إذا كان شاكًّا فيها، أو لا يثق بالقارئ، لكن في الأمور الحسية يثق بها كثيرًا، لكن هناك أمراض ما ينفع فيها الأدوية الحسية مثل: الأمراض النفسية، هذه ما ينفع فيها إلا القراءة، والأطباء.. تجده يكشف على المريض عدة مرات يقول: ما فيه شيء، هذا لا ينفع فيها إلا القراءة.
* طالب: الذي يشك في قراءة القارئ أو في نفع القراءة من المصحف له ألا يعد من نقص التوكل على الله؟
* الشيخ: لا يستفيد، لا، ما ندري عاد هل هو يشك في هذا باعتبار الدواء الذي هو الآيات أو باعتبار القارئ.
5:27Page 112
۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧
And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both made an offering [to Allāh], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allāh only accepts from the righteous [who fear Him].
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ [المائدة ٢٧-٣٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأمره سبحانه وتعالى أن يتلو عليهم هذا النبأ لأهميته، وإلا فمن المعلوم أن جميع القرآن قد أُمِر النبي ﷺ أن يبلّغه ويبين لهم القرآن لفظًا ومعنى، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤].
وقوله: ﴿نَبَأَ﴾: خبر، وقيل: إن النبأ إنما يكون في الأمر الهام، والخبر يكون في الهام وغيره. وقوله: ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ هذان ابنان لصلبه، وإلا فجميع البشر بنو آدم، لكن هذين ابنان لصلبه، أحدهما: اسمه هابيل، والثاني: اسمه قابيل.
وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق الثابت، واعلم أن الحق يوصف به الخبر، ويوصف به الحكم، فإن كان الخبر فهو الصدق، وإن كان الحكم فهو العدل، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، فقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني: بالصدق الثابت الذي لا مرية فيه ولا اختلاف.
وقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ هذا متعلق بـ﴿نَبَأَ﴾ أي: نبأهم حين قرَّبَا قربانًا، وهو في محل حال من النبأ؛ يعني: هذه الحال هما قرَّبَا قربانًا، ولم يبينه الله عز وجل هل هو ذهب أو فضة أو طعام أو بهائم، لم يبينه الله، ولو كان في بيانه مصلحة لبيّنه الله عز وجل، وعلى هذا فلا حاجة إلى أن نتكلف ما هذا القربان، وهذه قاعدة ينبغي أن تبني عليها جميع ما تسير عليه في التفسير؛ أن ما أبهمه الله فهو مبهم ولا حاجة أن نتكلف ما هو هذا الشيء الذي أبهمه الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ويقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، ولو كان في بيان هذا المبهم فائدة لبينه الله عز وجل. وقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ المراد به ما يُتقرب به إلى الله عز وجل.
﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾، والمتقبِّل هو الله، وأُبهم للعلم به كما في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] فإن الخالق هو الله بلا شك، وأُبهم للعلم به.
﴿تُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾، من الذي تُقُبِّل منه؟ هابيل، تقبل الله منه، ولكن كيف علمنا أن الله تقبل منه؟ إما أن يكون كما ذُكِر عمن سبق أنهم إذا غنموا الغنائم جمعوها فنزلت نار من السماء فأحرقتها، فإن كان فيها غلول فإن النار لا تنزل، وعلى هذا فيكون علامة القبول أن الله تعالى أنزل نارًا على هذا القربان فأحرقته، ويحتمل أنهما علِمَا ذلك بأمارات أخرى، إما برؤيا أو غير ذلك، المهم أنه لا بد أنهما علِمَا أن هذا قُبِل وهذا لم يُقبل؛ ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ لماذا؟ لأن الآخر ليس عنده تقوى لله عز وجل، كما سيأتي في تعليل القبول، فهو ظالم لنفسه إما بهذا القربان الذي قرّبه، يعني أنه غصبه أو سرقه أو تملّكه بغير طريق شرعي، وإما بمعاصٍ كثيرة تمنع من قبول العمل الصالح.
﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ القائل هو الذي لم يُتقبّل منه، قال ذلك حسدًا لأخيه.
﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾؛ لأن الله تقبل منك ولم يتقبل مني، فقال له: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، يعني: إن الله لا يتقبل إلا من المتقين؛ ولهذا قال بعض السلف: لو أعلم أن الله تقبل مني عملًا صالحًا واحدًا، يعني لفخرت بذلك وفرحت به؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، والجملة هنا ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ جملة حصرية، طريق الحصر فيها (إنما)، يعني لا يتقبل الله إلا من المتقين، والمتقي هو الذي قام بطاعة الله، فاعلًا للمأمور تاركًا للمحظور.
﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ وإنما قال ذلك لا افتخارًا بتقواه ولا إعجابًا بنفسه، ولكن حثًّا لأخيه على أن يكون من المتقين، وبيانًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى إنما يتقبل لحكمة ويمنع لحكمة.
* في هذه الآية فوائد؛ منها: أهمية هذه القصة، ووجهه أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتلوها على الأمة أمرًا خاصًّا؛ لقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾.
* ومنها: أنه ينبغي لنا أن نعرف أخبار من سبق، لا سيما فيما فيه مصلحة؛ لأن الله إنما أمر بأن يتلوها علينا رسول الله ﷺ من أجل أن نعلم بها ونأخذ منها العِبر، وكلما كان الشيء أشد كان الاهتمام به أقوى، فمثلًا ينبغي لنا، بل يتأكد أو يجب علينا أن نعرف سيرة النبي ﷺ منذ وُلِد إلى أن تُوفي، ولا سيما سيرته بعد أن أكرمه الله تعالى بالرسالة، حتى نعرف أحواله وأخلاقه وعباداته ودعوته وأعماله وأخلاقه حتى يتم لنا التأسي به، ولا شك أن معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما تزيد الإنسان إيمانًا ومحبة له وتُقَوِّي التأسي به عليه الصلاة والسلام.
* ومن فوائد هذه الآية: أن كل ما أخبر الله به فهو حق؛ لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ ولا يقال: إن هذا قيد، وأنه قد يكون ما يتلوه النبي عليه الصلاة والسلام غير حق، بل هذا بيان للواقع؛ فإن جميع ما أخبر الله به فهو حق.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه قد يشترك الرجلان في عمل، ويكون بينهما من الفَرْق كما بين السماء والأرض؛ إما في رد عمل الثاني، وإما في زيادة ثواب الأول، وإن لم يُحْرَم الثاني من الثواب، وفي هذه القصة أن الثاني أيش؟ حُرِم من الثواب، فقد يعمل الرجلان عملًا واحدًا فيما يظهر، ولكن يكون بينهما في الثواب والقبول والرد كما بين السماء والأرض.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى له الحكم في القبول والرد؛ يتقبل ولا يتقبل، ولكن من المعلوم أن الله تعالى جعل للقبول ميزانًا وجعل للرد ميزانًا؛ فمتى كانت العبادة خالصة لله موافقة لشريعته فهي مقبولة، متى عملت على الوجه الشرعي فإن عبادتك مقبولة، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، فمن وُفِّق للدعاء فليبشر بالإجابة، ومن وُفِّق للعمل فليبشر بالثواب، ولولا هذا الرجاء من الإنسان في الله عز وجل ما نشط عن العمل وقام به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى سبب لقبول الأعمال؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وهل المراد تقبُّل الأعمال فقط أو تقبّل الأعمال والدعاء؟ الظاهر العموم؛ ولهذا من كان أتقى لله كان أقرب لإجابة دعائه وقبول عمله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن غير المتقي لا يُقبل منه، فهل المراد لا يُقبل منه في نفس العبادة التي وقعت فيها المخالفة أو العموم؟ نقول: أما في نفس العبادة التي وقعت فيها المخالفة فلا شك أنه لا يُقبل؛ فإن الله لا يقبل عملًا مبنيًّا على معصية؛ لأن الله لا يرضى ذلك فلا يقبله، فلو تصدق الإنسان بمغصوب؛ أي: غصب شيئًا وتصدق به فإنه لا يُقبل منه؛ لأن المعصية وقعت في نفس هذا الذي عمله الإنسان لربه عز وجل، ولو صلّى الإنسان صلاة لا تجوز في وقت النهي فصلّاها في وقت النهي فإنها لا تُقبل؛ لأن صلاته إياها في هذا الوقت معصية، فكيف يتقرب إلى الله بمعصيته، أما إذا كانت التقوى مختلّة في غير هذا العمل فقد يُحرم الإنسان الإجابة بسبب عمله السيئ، وقد يُجاب ويُتقبل منه العمل الصالح، ثم تكون الموازنة في الآخرة أيهما يرجّح الحسنات أو السيئات.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى موصوف بصفات الأفعال؛ لقوله: ﴿تُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾، ولقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة؛ أن الله تعالى موصوف بصفات الأفعال كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، والكلام، وغير ذلك، لكن اعلم أن أصل صفة الفعل صفة أزلية، والذي يحدث هو المفعولات والفعل المقارن للمفعول، وأما أصل الفعل فهو صفة أزلية؛ لأن الله تعالى لم يَزَل ولا يزال فعّالًا، لكن مفعولاته غير معلومة لنا، يعني هناك أشياء قبل السماوات والأرض نعلم أن الله تعالى خلقها، لكن لا ندري ما هي، ولا نعلم إلا ما علّمنا الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الترغيب في التقوى؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان أن يخبر بوصف محمود إذا لم يقصد الفخر، وإنما قصد مصلحة الغير؛ لقول هذا الذي تُقُبِّل منه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾؛ لأن هذه الجملة يا إخوانّا، هذه الجملة تصلح لأن يكون القائل مفتخرًا بنفسه، وتصلح لأن يكون القائل يريد أن يحث هذا على التقوى، وأيهما أقرب احتمالًا بالنسبة لهذا؟ الثاني أقرب؛ لأن الرجل من المتقين.
5:28Page 112
لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨
If you should raise your hand toward me to kill me - I shall not raise my hand toward you to kill you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds.
ثم قال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ بسطتها أي: مددتها مدًّا تصل به إليّ.
﴿لِتَقْتُلَنِي﴾ اللام للتعليل، أي: لأجل أن تقتلني.
﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ يعني أن هذا الرجل قال لأخيه: لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني فأنا لن أبسط يدي إليك لأقتلك، والمعنى أنني لا أقتلك، وهو صريح في هذا، ولكن هل هذا يتضمن أني لا أدافع عن نفسي؟ فيه احتمال أن المراد ما أنا بمدافع عن نفسي، بل سأستسلم، أو أن المعنى: ما أنا بقاصد قتلك، والذي وقع أن الرجل قتل صاحبه كما سيأتي في آخر القصة.
﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، لما قال: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ قد يتوهم أخوه أنه عاجز عن ذلك، فبيّن أنه ليس بعاجز، ولكنه يخاف الله.
وقوله: ﴿أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم، والعالَمون كل من سوى الله فهو عالَم، وإنما سُمُّوا بذلك؛ لأنهم علَم على خالقهم، ففي المخلوقات كلها آية تدل على وحدانية الله عز وجل وتمام ملكه وسلطانه وغير ذلك مما تقتضيه الربوبية.
في هذه الآية: أن هذا الرجل الذي هُدِّد بالقتل امتنع عن قتل صاحبه، فهل يؤخذ منه أنه ينبغي لمن أراد إنسان أن يقتله أن يستسلم؟ يحتمل هذا وهذا؛ لأنه قلنا: إنه يحتمل أنه يقول: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾، وأما المدافعة فسأدافع، ولكن مدافعة لا تصل إلى القتل، على كل حال سواء كان هذا الاحتمال هو المراد أو الأول فإن شريعتنا وردت بخلاف ذلك، فإن النبي ﷺ «أمر من أراده على نفسه أن يقاتله، ومن أراده على ماله أن يقاتله، ومن أراده على أهله أن يقاتله، وبيّن أن القاتل المدافع إذا قُتِل فهو شهيد»[[أخرجه أبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١) من حديث سعيد بن زيد، والحديث في الصحيحين مختصر من حديث عبد الله بن عمرو؛ البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١ / ٢٢٦).]]، وأن الآخر الصائل إذا قُتِل فهو في النار؛ لأنه أراد قتل صاحبه، ولكن العلماء -رحمهم الله- قالوا: إن هذا بالنسبة للشريعة الإسلامية يختلف باختلاف المصلحة، ففي حال الفتنة ينبغي الاستسلام، وفي حال الأمن تجب المدافعة، وهذا هو الصحيح؛ لأنه في حال الفتنة ربما يترتب على القتل بالمدافعة؛ يترتب إراقة دماء كثيرة، ولهذا استسلم عثمان رضي الله عنه للقَتَلة، وطلب منه الصحابة أن يدافعوا عنه فأبى؛ لأنهم لو دافعوا اشتبكوا بهؤلاء الخوارج، ثم حصل إراقة دماء كثيرة، وهذا هو الأصح أن يقال: إن الإنسان يجب عليه أن يدافع بقدر ما يستطيع، ولو أدى إلى قتل صاحبه إذا لم يندفع إلا بالقتل، إلا في حال الفتنة التي يترتب على المدافعة بالقتل ما هو أكثر ضررًا، فهنا يجب الاستسلام درءًا للمفسدة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له إذا امتنع عن شيء محرم أن يبين لصاحبه أنه إنما امتنع لا عجزًا ولا خوفًا، ولكن للمعنى الذي من أجله امتنع، وذلك في قوله: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، ونظير هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في الصائم: «إِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١ / ١٦٠) من حديث أبي هريرة.]]؛ ليبين أنه لم يقاتله عجزًا ولا ضعفًا، ولكن لأجل الصيام الذي يُنهى فيه الإنسان عن المقاتلة والمسابّة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخوف من الله هو أقوى الأسباب الرادعة عن معصيته؛ لقوله: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، ولا شك في هذا؛ أن الخوف من الله هو أقوى الأسباب الرادعة عن المخالفة، كما أن الرجاء هو أقوى الأسباب الموجِبة للطاعة والرغبة فيما عند الله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عموم ربوبية الله عز وجل؛ لقوله: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.
5:29Page 112
إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩
Indeed, I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."
ثم قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ فيها قراءة عندنا: ﴿لِأَقْتُلَكَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ﴾ بفتح الياء، وقراءة أيضًا: ﴿إِنِّيَ أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ﴾ . قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾، والإرادة هي ميل الإنسان أو ميل النفس إلى ما يجلب منفعة أو يدفع مضرة.
وقوله: ﴿أَنْ تَبُوءَ﴾ أن ترجع.
﴿بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾، أما كونه يرجع بإثمه فواضح، لكن كيف يرجع بإثم أخيه؟ نقول: إن عدم قتال أخيه له سلامة من الإثم، فكأن أخاه الذي لم يقاتل وسلِم من الإثم كأنه حَمَّل القاتل إثمه، فيكون المراد بالإثم الذي يمكن أن يكون على القاتل يبوء به هذا الرجل، وليس المعنى أن القاتل يكون عليه إثمان؛ إثم للمقتول لو قتله، وإثم لقتله إياه، بل الظاهر أن المعنى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أي: أن سلامته من الإثم كأن الآخر تحمَّله عنه وباء به.
﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿فَتَكُونَ﴾ معطوفة على ﴿أَنْ تَبُوءَ﴾ أي: فتكون من أصحاب النار؛ لأنك قتلت نفسًا بغير حق.
﴿وَذَلِكَ﴾ أي: كونك من أصحاب النار.
﴿جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾، فكل ظالم فإنه يعذَّب؛ لأن الحق حق الآدمي، ثم إن كان ظلمه عظيمًا فإنه يكون من أصحاب النار ويخلَّد فيها وإلا فلا.
في قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ﴾ إثبات الإرادة للعبد، وأن هذا معلوم منذ خُلِق البشر؛ أن للعبد إرادة، فيكون في ذلك رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة، وإنما يفعل الشيء قهرًا وجبرًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أريد قتلُه ولم يدافع خوفًا من الإثم؛ فإنه لا حرج عليه، ولكن كيف يكون خوفًا من الإثم؟ نقول: لأنه ربما يقتل الصائل فيتعجل؛ لأن الواجب في دفع الصائل أن يدافَع بالأسهل فالأسهل، فإن رجع عن صوله بالتهديد لم يُضرب، وإن رجع بالضرب اليسير لم يُضرب كثيرًا، وإن رجع بالضرب الكثير لم يُقتل، وإن لم يندفع إلا بالقتل فالحكم أنه يُقتل، إلا أن العلماء رحمهم الله استثنوا من ذلك مسألة، وقالوا: ما لم يخف أن يبدُرَه بالقتل، فإن خاف أن يبدره بالقتل فلا بأس أن يقتله لأول وهلة؛ يعني مثل لو كان هذا الصائل معه سلاح أشهرَه على صاحبه، وصاحبه يخاف أن يطلقه عليه فيقتله، فحينئذٍ لا حرج أن تبادره بالقتل؛ لأن هذا ربما لا يعطيك فرصة أن تدفعه بيدك مثلًا أو تصيح به، أو ما أشبه ذلك، وحينئذٍ لا بأس أن تبدره بالقتل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القتل سبب لدخول النار؛ لقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٩٣]، وهل هو مخلَّد فيها أبدًا؟
نقول: اختلفت الأمة في ذلك؛ فمنهم من قال: إنه مخلَّد فيها أبدًا، وهم الخوارج والمعتزلة، لكن الفرق بينهم أن الخوارج كفّروه، وأما المعتزلة فلم يكفِّروه، بل قالوا: إنه في منزلة بين منزلتين، والذي عليه أهل السنة والجماعة أنه يدخل النار ولا يخلَّد فيها، ولكن هل يدخل النار قطعًا أو هو داخل في قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]؟ المشهور من مذهب أهل السنة أنه داخل تحت المشيئة، ولكن يبقى حق المقتول، هل يدخل تحت المشيئة؟
الجواب: إن تاب القاتل توبة نصوحًا فإنه يدخل في ذلك، بمعنى أن الله لا يعاقبه على حق المقتول؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦٨-٧٠]، فظاهر الآية أنه إذا تاب توبة نصوحًا، فإن الله تعالى يتحمّل عنه ولا يعذّبه، وهذا في غير الحق المالي، يعني نقول: لو تاب هذا القاتل هل تسقط الدية عنه؟
الجواب: لا؛ لأنها حق للآدمي، ولهذا صرح الفقهاء -رحمهم الله- بأن قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه قُبِلَت توبته ورُفِع عنه الحد، لكن لا يسقط عنه ما كان حقًّا للآدمي في أمور الدنيا، إذن نقول: القاتل إذا تاب ما الحكم؟ يتوب الله عليه حتى في حق المقتول، فلا يعاقَب على القتل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾، وأما إذا مات غير تائب فحق المقتول لا بد أن يؤخذ منه، وحق الله داخل تحت المشيئة، فالقاتل غير مضمون له أن ينجو من النار، بل هو تحت مشيئة الله؛ إن شاء الله غفر له، وإن شاء لم يغفر له، وهذا في الجزاء الأخروي، أما الدنيوي وهو الدية فلا بد من استيفائها لورثة المقتول سواء تاب أم لم يتب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الظلم من أسباب دخول النار، سواء كان الظلم في حق الله أو في حق المخلوق؛ لقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾، ويحتمل أن يقال: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ هنا عام أريد به الخاص، وهو مَن ظلم مثل هذا الظلم، وهو قتل النفس؛ لأن الظالم قد لا يستحق دخول النار، ولكن الأول أصح؛ لعموم الآية؛ ولأن كل ظالم فجزاؤه دخول النار إلا أن يعفو الله عنه كما في غير الشرك.
5:30Page 112
فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٣٠
And his soul permitted to him1 the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.
قال الله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ ﴿طَوَّعَتْ لَهُ﴾ أي: سهّلته له أن يقتل أخاه، مع أن أخاه وعظه هذه الموعظة، لكن -والعياذ بالله- لم تنفعه. ﴿طَوَّعَتْ لَهُ﴾ أي: للقاتل.
﴿نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾؛ لأن نفسه سهّلت عليه القتل.
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: فصار من الخاسرين، وإنما قلنا: أصبح، أي: صار؛ لأن الأصل في معنى الإصباح أن يكون في أول النهار، لكن قد يُعَبَّر بالإصباح على مجرد الصيرورة، مثلما تقول: فلان أصبح حزينًا على هذه المصيبة، وربما كانت أصابته في وسط النهار.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الحذر من النفس الأمّارة بالسوء؛ لأنها قد تطوِّع للإنسان أكبر المعاصي، فيجب على الإنسان أن يكون حازمًا بالنسبة لنفسه ويقظًا، فلا يتبعها فيما تطوعه له من معاصي الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن قتل النفس لا يُخرج من الإيمان؛ لقوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾، والله تعالى وصفه بالأخوة بعد أن بيّن أنه قتله، وإلا فقد يقول قائل: إنه قبل أن يقتله لا يترتب عليه إثم القاتل وإن سهّلته نفسه له، فتبقى الأخوة، لكن الله تعالى ذكر الأخوة بعد أن تم القتل، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى قولًا صريحًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة ١٧٨].
وقتال المؤمن يوجب الكفر؟ يُخرج من الإيمان والأخوة؟
لا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ٩، ١٠].
وبهذا التقرير نعرف أن الكفر في الكتاب والسُّنّة قد يراد به الكفر الأصغر، دليل ذلك قول النبي ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، وفي الآية الكريمة أن القتال لم يخرج الطائفتين المقتتلتين من أخوة الإيمان، وهذا دليل على أن المقاتل لا يكفر، وبه يُعرف الرد على قول بعض الناس: إن كل كفر أطلقه الله فالأصل فيه الكفر الْمُخرج عن الملة إلا بدليل، والحقيقة أن الأمر بالعكس؛ أن كل كفر أطلقه الله فهو كفر دون الكفر إلا بدليل يدل على أنه الكفر الأكبر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا الرجل الذي قتل أخاه وظن أنه ربح الميدان بحيث لم يكن له منافس صار من الخاسرين؛ فيستفاد منها: أن كل إنسان حسد أخاه وحاول أن يحول بينه وبين التوفيق فإن الخسارة ستعود على هذا الحاسد.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences