Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:36–37
5:36Page 113
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٣٦
Indeed, those who disbelieve - if they should have all that is in the earth and the like of it with it by which to ransom themselves from the punishment of the Day of Resurrection, it will not be accepted from them, and for them is a painful punishment.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٦- ٣٩]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لما بين الله تبارك وتعالى أمر عباده المؤمنين أن يتقوا الله ويبتغوا إليه الوسيلة، ويجاهدوا في سبيله، وبين عاقبة هذا بأنهم فلاح ، بين عاقبة من لم يقم بذلك من الكفار فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾. في الإعراب عندنا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذه تحتاج إلى خبر، خبرها جملة الشرط: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾ و ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾ تحتاج إلى جواب، جوابها قوله: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾، والجملة من الشرط وجوابه هي خبر (إن) في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾، (لو) هذه شرطية، و(لو) الشرطية لا تدخل إلا على جملة فعلية، فأين الجملة الفعلية والذي بعدها (أن) المفتوحة وهي نائبة مناب مصدر؟ يقال في الجواب: إن فعل الشرط محذوف، والتقدير: لو ثبت أن لهم ما في الأرض جميعًا إلى آخره. وقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ (ما) اسم موصول يفيد العموم، أي جميع ما في الأرض من معادن وأشجار وبحار وأنهار وحيوان وآدمي وكل شيء في الأرض، ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ إضافة، فبذلوه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة. وقولنا: (فبذلوه) إشارة إلى أن اللام في قوله: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ متعلقة بهذا المحذوف.
وقوله: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ أي: ليبذلوه فداء عما لهم من العذاب.
﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ أي: ما تقبل الله منهم ذلك؛ لأنهم قد حقت عليهم كلمة الله وحق عليهم العذاب، ولهذا قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: (أليم) هنا بمعنى (مؤلم)، ففي هذه الآية يخبر الله عز وجل أن الكفار لن ينجوا من عذاب الله مهما بذلوا من الفداء فإنهم لن ينجوا منه وأن عذابهم أليم؛ أي: مؤلم. واقرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء ٥٦] تعرف كيف كان هذا الإيلام.
* ففي الآية فوائد، منها: شدة عذاب الكفار.
* ومنها: أنهم لن يستطيعوا أن يفتدوا بما يمكن أن يملك أن يفتدوا من هذا العذاب.
* ومنها: أن الله سبحانه وتعالى أراد منهم ما هو أيسر من ذلك، وهم في زمن الإمكان، وهذا في أي وقت؟ في الدنيا، ولكنهم أبوا، فيتحسرون في الآخرة أن يجدوا فداء ولن يجدوا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
* ومنها: أن الافتداء بعد حلول العذاب لا ينفع؛ لقوله: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]؛ لأنه قد فات الأوان وحل العذاب وشاهد الإنسان عالم الغيب فلا يقبل منه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب الكفار عذاب مؤلم، والعياذ بالله، وهل هو مهلك؟
الجواب: لا، ليس بمهلك؛ لأنهم لا يموتون ولا يحيون، حتى إنهم يتمنون الموت، ولكن لا يحصل، يقولون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧] وهذا دعاء أن الله يقضي عليهم فيريحهم ولكنه يقول لهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف ٧٧].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على من قال: إن أهل النار يتأقلمون فيها ولا يحسون بألم ولا بعذاب وإلا لما بقوا موجودين؛ لأن حرارة النار -أعاذنا الله وإياكم منها- أعظم من نار الدنيا بتسع وستين جزءًا، فيقال: إن الله تعالى يؤلمهم ولكنه يبدل جلودهم كلما نضج الجلد بدلوا بجلد آخر ليذوقوا العذاب.
فإن قال قائل: أليس في ذلك ظلم لهؤلاء لأن هذه عقوبة عظيمة؟
فيقال: لا ظلم؛ لأنهم أنذروا وبين لهم وتوعدوا بهذا العذاب، وأتوه من قبل أنفسهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧].
وإنما أوردت هذا الإيراد لأن بعض القائلين بأن النار تفنى، وهو قول شاذ منكر لا شك، يقولون: إن حكمة الله تعالى ورحمته تأبى أن يعذب هؤلاء أبد الآبدين، مع أن وجودهم في الدنيا كان قليلًا لا ينسب إلى العذاب المؤبد، فيقال: إنه قد قامت عليهم الحجة وإنهم أمضوا دنياهم كلها بدون إيمان ولا طاعة فتكون آخرتهم كلها ليس فيها ثواب ولا رحمة.
5:37Page 114
يُرِيدُونَ أَن يَخۡرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٣٧
They will wish to get out of the Fire, but never are they to emerge therefrom, and for them is an enduring punishment.
ثم قال عز وجل: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ الإرادة هنا يحتمل أن يكون معناها المحبة؛ لأن الإرادة تأتي بمعنى المحبة كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٧]، ومعلوم أن هذه الإرادة بمعنى المحبة؛ إذ لو كانت إرادة كونية لتاب الله على جميع الناس، فمعنى ﴿يُرِيدُونَ﴾ يحتمل أن المعنى: يحبون أن يخرجوا من النار، ولكن أنى لهم ذلك، ويحتمل أن المعنى أنهم يُخدَعون، بمعنى أن النار ترفعهم حتى يكونوا قريبين من أبوابها ثم يُردُّون إلى أسفلها والعياذ بالله؛ كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ٢٠] فالآية تحتمل معنيين: المعنى الأول: أنها بمعنى أيش؟ المحبة، أي يحبون ذلك لكن لا يحصل لهم، المعنى الثاني أنهم يرفعهم لهيب النار حتى يصلوا إلى مكان يطمعون فيه أن يخرجوا من النار ويريدون الخروج ولكن يُردون إليها ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾، والمعنيان صحيحان، هم يحبون ذلك ويُفعل بهم ما يكون طمعًا في خروجهم ثم يعادون.
قال الله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾، بل هم فيها باقون؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨] وإذا كانوا لا يخرجون منها وهم خالدون فيها أبدًا دل هذا ولا بد على أنها هي -أي النار- باقية أبدًا، وهو كذلك، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وحُكي إجماعه، لكن ذُكر عن طائفة يسيرة جدًّا أن النار تفنى بمن فيها، ولكنه قول ضعيف، بل هو في الحقيقة باطل لمخالفته لصريح القرآن، فإن الله ذكر التأبيد نصًّا صريحًا، في كم موضع؟
* طالب: ما أدري
* الشيخ: ما تدري، ماذا قلت الآن؟
* طالب: أن الله ذكر التأبيد في القرآن في عدة مواضع، والذين قالوا بقول أهل السنة والجماعة قال: إن النار لا تفنى، وهناك طائفة يسيرة أن النار تفنى، وهذا قول باطل مخالف لصريح القرآن.
* طالب آخر: في ثلاثة مواضع.
* الشيخ: في ثلاثة مواضع، الموضع الأول؟
* الطالب: آخر سورة النساء؟
* الشيخ: في سورة النساء، اقرأ الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨- ١٦٩].
والموضع الثاني في سورة الأحزاب، اقرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤- ٦٥]. الموضع الثالث؟
* طالب: في سورة الجن.
* الشيخ: في سورة الجن في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. أبعد هذا التصريح الواضح الصريح نقول: إنها غير مؤبدة؟
قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ كلمة (ما) هنا هل هي حجازية أو تميمية؟
* طالب: حجازية.
* الشيخ: ويش الدليل؟
* طالب: (...) الشروط متوفرة.
* الشيخ: إي لكن حتى إذا تمت الشروط وتوفرت فالتميميون لا ينصبون خبرها.
* طالب: حجازية.
* الشيخ: لكن ما دليلك؟
* طالب: لأنها عملت عمل ليس.
* الشيخ: ما الدليل أنها عملت عمل ليس؟ ما الدليل؟ الخبر مجرور بالباء ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾.
* طالب: هذا محتمل.
* الشيخ: أيش؟ هذا محتمل.
* طالب: لأن لغة القرآن لغة أهل قريش حجازية.
* الشيخ: صحيح، هو الواقع ما تستدل بهذا على أنها حجازية؛ لأن (الباء) عملت في الخبر عملًا لفظيًّا، لكن نعرف أن لغة القرآن لغة قريش، وهذه طريقة القرآن، قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١]، ولم يقل: ما هذا بشر. فعلى هذا نقول: هذه حجازية، والخلاف بين التميميين والحجازيين ليس في المعنى ولكن في العمل. ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ بل هم باقون فيها، وعلى هذا فالباء هنا حرف جر زائد، ومعنى قولنا: زائد أي أنه زائد إعرابًا وليس زائدًا ليس له معنى، بل له معنى وهو التوكيد؛ لأن جميع حروف الزيادة كما قال أهل البلاغة تفيد التوكيد.
﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ نسأل الله العافية، عذابهم مقيم دائم كإقامة الرجل في البلد.
* ففي هذه الآية الكريمة: أن أهل النار يحبون بكل قلوبهم أن يخرجوا منها، هذا على الوجه الأول الذي قلنا: إن معنى ﴿يُرِيدُونَ﴾ يحبون، ولكن لن يحصل لهم ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا على المعنى الثاني: أن أهل النار يحملهم لهيبها حتى يكونوا في مكان يطمعون أن يخرجوا منها، على القول بأن الإرادة هنا بمعنى المشيئة، يعني ليس بمعنى المحبة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار الذين هم أهلها لا يمكن أن يخرجوا منها؛ لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾، وهذا خبر من الله عز وجل، وخبر الله حق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب أهل النار مقيم، والعياذ بالله، يعني: دائم، فإنهم لن يخفف عنهم، بل قالوا لخزنة النار: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩] لا كل العذاب، يومًا واحدًا، يخفف، فيقولون لهم موبخين: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر ٥٠] أي في ضياع لا ينفع إلى حد أنهم يدعون الله سبحانه وتعالى يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧] وهم في أشد الضرورة إلى الخروج، فيقول الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨] أي كونوا أذلاء خاسئين ولا تكلمون، فما بعد هذا الخزي والذل والإهانة شيء، نسأل الله أن يقينا وإياكم عذاب النار، نعوذ بالله.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences