Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:38–39, continued
* الشيخ: لا ما جاء هذا (...)، إنما -على كل حال- الذي يظهر أننا لا نتعدَّى حدَّ المحاربين؛ يعني نقطع يده اليمنى، فإن عاد فرجله اليسرى فقط.
* من فوائد الآية الكريمة: الحكمة في وجوب قطع يد السارق؛ من قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾.
* ومن فوائدها: أن العقوبة من جنس العمل، وإن شئت فقل: الجزاء من جنس العمل؛ لأنه لما سَرَق -والغالب أن الأخذ والإعطاء بأيِّ يدٍ؟ باليمين- قُطِعت يده.
فإن قال قائل: يلزم على قولكم بقطع الآلة التي سرق بها أن توجبوا قطع ذَكَرِ الزاني فما الجواب؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: نعم، الجواب على كل حال واضحٌ لنا؛ الزاني ذكر الله له عقوبة خاصة، والسارق له عقوبة خاصة، لكن حتى أيضًا الحكمة المعقولة؛ لأن هذا الدليل سمعي، لكن حتى بالدليل العقلي الضررُ الذي يترتب على قطْع الذَّكَر ليس كالضرر الذي يترتب على قطع اليد؛ لأن هذا يلزم قطع النسل ومصادمة ما يريده الرسول عليه الصلاة والسلام من هذه الأُمَّة وهو تكثير النسل[[كما في قوله: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ» أخرجه أبو داود (٢٠٥٢) من حديث معقل بن يسار.]]، وحِكَم أخرى، فلذلك لم يوجب الله تعالى أن يُقطع ذَكَرُ الزاني، بل أوجب الجلد والتغريب لغير الْمُحْصَن والرجم للمُحْصَن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية، من أين؟
* طلبة: ﴿بِمَا كَسَبَا﴾
* الشيخ: ﴿بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ وجه آخر معنوي وهو أنه لو كان السارق والسارقة مجبَريْنِ ما صحَّ أن يُعاقَبا، لماذا؟
لأن المجبَر لا حُكم لفعله، حتى المكرَه على الكفر إذا كان قلبه مطمئنًّا بالإيمان فإنه لا يكفر، فالمهم أن في الآية ردًّا على الجبرية، وما أكثر الردود على أهل البدع والحمد لله.
* طالب: أحسن الله إليك، قلنا: إن كان السارق ابنًا فلا يُقطع، فإذا كان أخًا؟
* الشيخ: يُقطع.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، إذا لم نُقِم الحد على السارق لكونه مقطوع اليد اليمنى أو الأعور الذي فقأ عين الصحيح، فكيف نضمِّنهما، كيف يُقام عليهما الحد؟
* الشيخ: ما يُقام عليه الحد، لكن للإمام أن يعزره؛ لأن هذه معصية ليس فيها حد.
* طالب: فتح الله عليك يا شيخ، لو أراد السارق بعد قطع يده أن يعيدها هل له ذلك؟
* الشيخ: سؤال جيد؛ يعني لو حاول السارق أن يُجري عملية لردِّ يده هل يُمَكَّن من هذا؟
* الطلبة: لا يُمَكَّن.
* الشيخ: لا يُمَكَّن؛ لأن المقصود قطعها.
لو كان قِصاصًا اقتُصَّ منه ثم أراد أن يُجري عملية لردِّها، هل نقول: القِصاص حصل؟ القِصاص حصل لا شكَّ، ما فيه إشكال، لكن هل نقول: إنه إذا ردَّها نمنعه؟
الظاهر أن لا نمنع، بخلاف السرقة، السرقة للشارع قصدٌ في إتلاف هذه اليد، والقِصاص المقصود منه أن تُقطع يد الجاني كما قُطعت يد المجني عليه، ولهذا لو أن المجني عليه لو فُرِض أنه ردَّ يده وعادت سليمة مئة بالمئة ما يُقطع الجاني.
* طالب: أحسن الله إليك (...)؟
* الشيخ: وقت إخراجها من الحرز.
* طالب: بارك الله فيك، ذكرنا أن من شروط إقامة الحد على السارق شهادة رجلين أو إقراره بنفسه، لو قام مثلًا رجل الأمن على السارق أو رجل الحسبة، رجل واحد، هل يقام عليه الحد؟
* الشيخ: لا؛ لأنه لا بد من اثنين.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: مثاله مثلًا في بلاد الكفر، حرب، يحاربون الآن في بلاد الكفار وسرق يؤجَّل عليه إقامة الحد.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ربع دينار، واللهِ هذا يختلف، يُسأل أهل الذهب الذين يبيعون، والدينار مثقال.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [المائدة ٣٩، ٤٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
هل انتهينا من الفوائد؟ (...)
الخمس الفوائد.
* طالب: أقرأها يا شيخ؟
* الشيخ: إي، اقرأ.
* الطالب: أولًا: وجوب قطع يد السارق والسارقة.
ثانيا: أن قطع أيديهما يُخاطَب به جميع الأمة.
ثالثا: وجوب القطع لكل سرقة، ثم ذكرنا الشروط يا شيخ.
الرابع: وجوب قطع يد السارق والسارقة، وتُقطع اليمنى كما فسرته قراءة ابن مسعود بقطع اليمنى.
الخامس: أن الجزاء من جنس العمل.
السادس: الرد على الجبرية.
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
* من فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية، وذلك من عدَّة أوجه: من جهة السارق، ومن جهة (...)، ومن جهة ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذكرنا أن الجزاء من جنس العمل.
* من فوائد الآية الكريمة: الحكمة في إيجاب الحدود؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ والنكال هنا يكون للغير كما قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة ٦٦]؛ فإن مَن عَلِم أن يده ستُقطع بالسرقة سوف ينفر عنها ولا يسرق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله سبحانه وتعالى مع كمال رحمته ورأفته فإنه شَرَع الحدود وأوجبها؛ لأن ذلك عين الرحمة؛ إذ لولا الحدود لفشتْ بين الناس المعاصي، لكن الحدود تردعهم إذا لم يردعهم الإيمان، ولهذا يقولون: إذا خلا الإنسان من الوازع الديني فإنه يُقْرع بالرادع السلطاني.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله، وهما: العزيز الحكيم، وما أكثر ما يقترنان في القرآن الكريم؛ لأن بهما تمام السلطة وكمالها.
و(العزيز) يعني أنه ذو عِزَّة، والعِزَّة ذكر ابن القيم رحمه الله لها ثلاثة معانٍ: العزة بمعنى الغَلَبة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨]، ومنها قول الشاعر:
أَيْــــــــــــنَ الْمَفَــــــرُّوَالْإِلَـــــــــــــهُ الطَّالِــــــــــــــــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْــرَمُ الْمَغْلُـــوبُ لَيْسَالْغَالِــــــبُ
المعنى الثاني للعزة يعني أنه سبحانه وتعالى ممتنع عن كل نقص؛ مأخوذ من الأرض العَزاز؛ يعني الصلبة التي لا تُنال إلا بقوة ومَعاول كبيرة وحديدة.
والثالث: العزة التي هي كماله؛ أي: كمال وصفه.
وَهُـــــــــوَ الْعَـــزِيــــزُ بِعِـــــزَّةٍهِــــــــيَ وَصْفُـــــــــــهُ ∗∗∗ فَالْعِـــــزُّ حِينَئِـــــــذٍ ثَـــــــلَاثُمَــــعَــــــــــــانِي
أما (الحكيم) فإن الحكيم مشتق من معنيين؛ المعنى الأول: الْحُكْم، والمعنى الثاني: الْحِكمة؛ لأن هذه المادة (الحاء والكاف والميم) تدل على هذين؛ على الحكم وعلى الحكمة؛ يعني الإحكام.
فأما (الْحُكم) فإن حكم الله تعالى نوعان؛ النوع الأول: الحكم القدري، والنوع الثاني: الحكم الشرعي.
مثال الأول قول الله تبارك وتعالى عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] يعني: يُقَدِّر، هذا حُكم كوني، والحكم الكوني لا بد من وقوعه؛ إذا حَكَم اللهُ تعالى بالشيء كونًا فلا بد أن يقع.
أما الحكم الشرعي فمِثله قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠] يعني حُكمًا شرعيًّا.
وأما قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠] فالظاهر أنها شاملة وإن كان السياق يقتضي أن المراد به الحكم الشرعي.
لكننا نقول: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فقوله: ﴿مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة ٥٠] يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي.
الحكم الكوني ذكرنا أنه لا بد من وقوعه.
الحكم الشرعي، إذا حَكَم الله على أحد بشيء شرعًا هل يلزم منه الوقوع؟
الجواب: لا؛ لأن من الناس من لم يحكم بما أنزل الله ولم يمتثل أمر الله، فلا يلزم من الحكم الشرعي أن يقع المحكوم به؛ لأنه شَرْع، والشرع قد يخالَف وقد يوافَق.
أما (الْحِكمة) فإنها وضع الشيء في مواضعه، على حد قول بعض السلف: إن الله تعالى لم يأمر بشيء فيقول العقل: ليته لم يأمر به، ولم ينهَ عن شيء فيقول العقل: ليته لم ينه عنه. فهي وضع الأشياء في مواضعها.
وأنت إذا تأمَّلت أحكام الله تعالى الكونية وأحكامه الشرعية وجدت أنها في موضعها؛ فإنْ أدرك ذلك عقلُك فهذا المطلوب، وإن لم يدركه فسَلِّمْ الأمر لمن له الحكمة البالغة.
نجد الشرائع مطابقة للحكمة تمامًا: الطهارة، الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، بر الوالدين، صلة الأرحام، وما أشبه ذلك، كلها مطابقة للحكمة، ونجد أيضًا الأحكام الكونية مطابقة للحكمة؛ ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ لماذا؟ ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]؛ فالفساد الذي يكون في البر أو في البحر هو فسادٌ، لكنه لحكمة عظيمة، وهي أن يرجع الناس إلى دينهم ويكُفُّوا عما كسبت أيديهم من المعاصي وهلُمَّ جرًّا؛ يعني أحكام الله الكونية والشرعية كلها مطابقة للحكمة، ولكن لا يلزم من كونها مطابقة للحكمة أن يفهم الحكمة كل أحد من الناس، قد تخفى على كثير من الناس وقد تخفى على بعض الناس دون بعض، وما خفي عليك فكِلْه إلى عالِمه؛ لما سألت المرأة عائشةَ رضي الله عنها: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت عائشة: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢١) ومسلم (٣٣٥ / ٦٩) من حديث معاذة.]]. إذن مجرد كون هذا الشيء محكومًا به مِن قِبَل الله شرعًا فإننا نعلم أنه لحكمة، مجرد كون الشيء يقع في أحكام الله الكونية وإن كنا لا يظهر لنا المصلحة فيه فإننا نعلم أنه لحكمة، فعلينا أن نستسلم وألَّا نُعارض وألَّا نقول: كيف؟ ولا: لِمَ؟ لأن ذلك فيه اعتراض، اللَّهم إلا رجلًا يريد أن يسأل عن الحكمة حتى يطمئن قلبه وحتى يعرف من صفات الله ما لا يعرفه.
الحكمة قالوا: إنها نوعان: حكمة غاية، وحكمة وضع الشيء على ما هو عليه، هذه أيضًا لها حكمة، ممكن نقول: صوريَّة وغائيَّة؛ فالصورية: أن يكون الشيء على هذه الصورة؛ كونه على هذه الصورة هذا حكمة، كون الصلوات مثلًا خمسًا وفي أوقات مختلفة هذه حكمة، كونها تنقطع على وِتر هذه حكمة؛ صلاة النهار وترها المغرب، وصلاة الليل وترها النافلة المعروفة، هذه حكمة، كون هذه الأمور المشروعة لغاية أيضًا حكمة، وهكذا أيضًا المخلوقات هي على وضعها اللي هي عليه حكمة، والغاية التي تصل إليها هذه المخلوقات لا شكَّ أنها حكمة.
فصار (الحكيم) مشتقًّا من الْحُكم، والإحكام الذي هو الحكمة، والحكم نوعان: كوني وشرعي، والحكمة نوعان: صورية وغائية، ومعنى (صورية) أي أن وجود الشيء على هذه الصورة المعيَّنة حكمة، والغاية منه كذلك حكمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حسن الختام في الآيات الكريمة وأنها مطابقة تمامًا للأحكام التي خُتِمت بها.
العِزَّة من معناها الغَلَبة، ولا شكَّ أن إيجاب قطْع الأيدي يدلُّ على العزة والغَلَبة وكمال السلطة.
الحكمة أيضًا تُناسِب القطع؛ لأن فيها حُكمًا صارمًا، وفيها أيضًا حكمة بالغة؛ ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾، فلذلك كانت الجملة ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ مطابِقة تمامًا لما ذُكِر في الآية الكريمة من قطع يد السارق وبيان الحكمة من ذلك.
ورأيت في كتاب السيوطي الإتقان أن أعرابيًّا سمع قارئًا يقرأ يقول: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله والله غفورٌ رحيمٌ)، فاستنكر الأعرابي هذا وقال: أَعِد الآية، فأعادها مرة ثانية باللفظ الأول: (والله غفورٌ رحيمٌ)، ثم قال: أعدها، فأعادها مرتين أو ثلاثًا، ثم أعادها على الصواب فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قال: الآن أصبت؛ لأنه عَزَّ وحَكَم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع. شوف كيف الفهم، وهو أعرابي ما درس، لكن واضح أن الله سبحانه وتعالى لو قال: (والله غفورٌ رحيمٌ) ما ناسب وجوب القطع، هذا يُناسب التوبة؛ ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٩]، أما القطع فإنه يناسب العزة والحكمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على كل ناعقٍ يقول: إن قطْع الأيدي وحشيَّةٌ، وإن ذلك يستلزم أن يكون نصف الشعب أشلَّ ليس له إلا يدٌ واحدةٌ؛ مأخوذ من قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فيقال: بل هذه عين الحكمة وعين الصواب؛ لأنه لو تُرِك الناس لحصلت الفوضى وابتزاز الأموال والسطو على الآمنين، فكان قطع اليد لا شك أنه هو الحكمة، وانظر إلى الشعوب التي تطبق هذه الحدود الشرعية كيف تقِلُّ فيها الجريمة، وعلى العكس الشعوب التي لا تطبقها، وهذا كقول القائل: إن قتل القاتل يعني كثرة إزهاق النفوس. وهذا أيضًا مصادم تمامًا لقول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩]، فالقصاص هو الحياة في الواقع، لنا فيه حياة؛ لأن من هَمَّ بالقتل ثم ذكر أنه سيُقتل امتنع وكفَّ عن القتل، ثم ليُعلم أن المقتول ظلمًا لا بد أن يُقتل قاتله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء ٣٣] سلطانًا شرعيًّا بأن له القصاص، وسلطانًا قَدَريًّا بأن الله تعالى يُمكِّن من العثور على هذا القاتل حتى يُقتَل، وهذا شيءٌ مشاهَد؛ دائمًا يَقتُل القاتل ويهرب، وإذا به يأتي بقَدَر الله عز وجل، وهذا داخلٌ في قوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء ٣٣] أي: قدريًّا وشرعيًّا، وكأنَّ الأمر حاصلٌ ولا بد، ولهذا قال: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء ٣٣] كأنه قال: لا بد أن يَقتُل -أي: وليُّ المقتول ظلمًا- ولكن لا يسرف في القتل؛ وذلك لأن وليَّ المقتول ظلمًا قد تأخذه الحميَّة والغضب فيسرف في القتل، فنهى الله عن ذلك وجعل الأمر قِصاصًا.
يقول: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ ﴿مَنْ﴾ هذه شرطية، وهي عامَّة تعمُّ السارق وغير السارق، كل إنسانٍ يتوب من بعد ظلمه ويُصلِح فإن الله يتوب عليه. يدخل فيها السارق أو لا؟ يدخل من باب أَوْلى؛ لأنها في سياق الحكم على السارق؛ فإذا تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه.
والفائدة من هذا بعد ذكر ﴿اقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ هي أن السارق قد تُقطع يده، والحدُّ هنا يُكَفِّر ما سبق من ذنب، لكنه في قرارة نفسه يريد أن يسرق إذا سنحت له الفرصة، فهل يتوب الله عليه في هذه الحال؟
لا؛ لأنه لم يتُبْ، لا بد أن يتوب، فلا يقال: إنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أن مَن فَعَل شيئًا من هذه القاذورات وأُصيبَ به في الدنيا فإنه كفَّارة له»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨) ومسلم (١٧٠٩ / ٤١) من حديث عبادة بن الصامت، ولفظه «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ».]]؛ يعني الحدود كفَّارة، كما يدل عليه أيضًا ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾.
* وهي فائدة لعلكم تُلحِقونها في فوائد الآية: أن الحدود كفَّارة؛ لقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾، ولا يُضاعف الله عليه الجزاء.
5:39Page 114
فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٣٩
But whoever repents after his wrongdoing and reforms, indeed, Allāh will turn to him in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
فنقول: الآية الثانية ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ هي فيمن تاب من بعد أيش؟ من بعد إقامة الحدِّ عليه بالقطع، القطع يُكَفِّر ما مضى، لكن إذا كان من نيَّة هذا السارق أنه إذا تسنَّى له السرقة سرق فهل يتوب الله عليه؟ لا؛ لأنه لم يتُبْ إلى الله، ومِثله مَن قُتِل قِصاصًا أيضًا؛ لو كان في قلبه أنه ما تاب من الفعلة التي فعلها وأنه لو تسنَّى له أن يَقتُل أحدًا قتله فإن القِصاص لا يُكَفِّر عنه؛ لأن هذا فيما بينه وبين الله، وهو لم يتُبْ فيما بينه وبين الله.
إذن لو قال قائل: هل الآية تُعارض الحديث في أن الحدود كفَّارة؟
الجواب: لا، الحدود كفَّارة لأيش؟ لما سبق ومضى، وأما ما يبقى في قلبه من إرادة المعصية فإنه لم يتب.
﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ ظُلمًا، ظُلم نفسِه وظُلم غيرِه؛ لأن المعصية إن تعدَّت إلى الغير ففيها ظُلمان: ظلم النفس وظلم الغير، وإن كانت خاصة بالإنسان ففيها ظلم واحد وهو ظلم النفس، وعجبًا للإنسان المسكين أن يُقدِم على المعصية وهو يعلم أنه بذلك ظالم لنفسه، ولو أن أحدًا أراد أن يظلمه لكان أيش؟ يدافع عن نفسه ويمنعه من الظلم، فكيف لا يدافع عن نفسه بنفسه؟! ولكن الهوى يُعمِي ويُصِمُّ. المهم أن قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ يشمل ظُلم نفسِه وإيه؟ وظُلم غيرِه.
وقوله: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي: أصلح ما فسد بظلمه؛ لأن الظلم يُفسد القلب؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ»[[أخرجه أبو داود (١٠٥٤) والنسائي (١٣٦٩) من حديث أبي الجعد الضمري.]]، فالمعاصي تُفسد، فإذا أصلح فإن الله يتوب عليه، والإصلاح بتحقيق التوبة والعمل الصالح.
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ ﴿يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أي: يقبل توبته.
واعلم أن لله تبارك وتعالى على عبده توبتين؛ التوبة الأولى: التوفيق للتوبة، والتوبة الثانية: قبولها من التائب.
فمن الأول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨] تاب عليهم قَبْل أن يتوبوا ولَّا بعد؟ قَبْل، بدليل قوله: ﴿لِيَتُوبُوا﴾، هذه التوبة توبة التوفيق؛ أن الله يوفق الإنسان للتوبة فيتوب إلى ربه عز وجل.
وأما قبول التوبة فمثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى ٢٥]، ومثل هذه الآية: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أي: يقبل توبته.
وهل يصح في هذا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أن تكون بمعنى يوفقه للتوبة؟
* طالب: لا، ما يصح.
* الشيخ: لا؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَابَ﴾ فهو الآن قد وُفِّق، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أي: من هذا الظلم الذي تاب منه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قوله: ﴿مَنْ تَابَ﴾ ﴿وَأَصْلَحَ﴾ نحن قلنا: أصلح ما فسد بظلمه، وذلك بتدارك الواجب إن أمكن تداركه، وبالإقلاع عن المحرَّم فلا يستمر عليه، هذا هو الإصلاح ولا بد منه.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الجملة هنا جملة مؤكدة، بأيش؟ بـ(إن)؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ من أجل طمأنينة العبد التائب بأن توبته لن تذهب سُدى.
وقوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذان اسمان كريمان من أسماء الله مقترنان كثيرًا في القرآن؛ لأن بالأول زوال المكروه، وبالثاني حصول أيش؟ المحبوب؛ فالأول ﴿غَفُورٌ﴾ يعني للذنوب، والثاني ﴿رَحِيمٌ﴾ يعني أنه يوصل الخير إلى عباده بمقتضى رحمته سبحانه وتعالى.
الغفور هنا اسم فاعل أو صفة مشبَّهة أو صيغة مبالغة؟
نقول: الظاهر -والله أعلم- أنها صيغة مبالغة وليست اسم فاعل؛ اسم الفاعل مثل قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر ٣]، لكن هذه صيغة مبالغة، وجاءت بصيغة المبالغة لكثرة غفران الله تعالى لعباده ولكثرة من غفر لهم، فما أكثرَ ما يغفر الله لنا ذنوبًا لما شرع لنا من أسباب المغفرة! وما أكثرَ الذين غُفرت ذنوبهم! فلهذا جاء هذا الاسم بصيغة المبالغة.
فما هي المغفرة؟
المغفرة: هي ستر الذنب والتجاوز عنه. هذا معناها، وإنما قلنا بهذا من أجل أن يطابق الوصف المعنوي للوصف الحسي؛ لأنهم يقولون: إنها مشتقة من الْمِغْفر، والْمِغْفر هو ما يغطي به المقاتل رأسه يتَّقي به السهام، وإذا تأملت الْمِغْفر وجدتَ أنه حصل به أيش؟ شيئان: الستر والوقاية، إذن فـ(الغفور) معناه الساتر لذنوب عباده الواقي لهم من عذابها، وما أكثرَ الذنوب! لو أن الله تعالى أطْلَع الناسَ على ذنوبنا لكان كما قال القحطاني رحمه الله في النونية:
وَاللَّهِ لَــــــــوْ عَلِمُــــــــوا خَبِيءَسَرِيـــــــــــــــرَتِي ∗∗∗ لَأَبَى السَّــــــلَامَ عَلَــــــيَّ مَــــــنْيَلْقَـــــــــــانِي
يعني: لو أن الله سبحانه وتعالى كشف الذنوبَ لكان الإنسان يُهجَر، لكن من لطفه عز وجل أنه يسترها، وفي النهاية لا يُعاقب عليها؛ كما جاء في الحديث الصحيح «أن الله تعالى يوم القيامة يخلو بعبده المؤمن وحدَه ويقرِّره بذنوبه؛ يقول: فعلتَ كذا، فعلتَ كذا، فعلتَ كذا. يُقِرُّ، ما يستطيع أن يُنكر، «فيقول الله له: قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر، ولفظه: « إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ أَيْ رَبِّ. حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ : سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ».]]؛ أقيك عذابها وعقوبتها مع سترها.
﴿رَحِيمٌ﴾ أي: ذو رحمة بالغة؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ﴾ أيش؟ ﴿ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ [الأنعام ١٤٧].
والرحمة صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل بالقرآن والسنة وإجماع السلف، وقد أنكرها أهل التعطيل الذين حكموا على الله بعقولهم وتركوا الكتاب والسنة؛ لأن من أصول عقيدتهم أن تلقي الصفات من العقول؛ فما اقتضى العقلُ نفيَه وجب نفيُه، وما اقتضى إثباتَه وجب إثباتُه، وما لم يقتض نفيَه ولا إثباتَه توقَّفوا فيه، ويقول شيخ الإسلام: إنهم انقسموا فيه قسمين: بعضهم توقَّف فيه، وأكثرهم نفاه؛ قال: لأنه لا بد من دليل إيجابي على ثبوته.
وأنت ترى أن هذا الأصل الخبيث يستلزم تكذيب ما جاء في القرآن وإثبات ما لم يأتِ في القرآن؛ لأنهم إذا قالوا: إذا أثبت العقلُ شيئًا أثبتناه -يعني سواء وُجِد بالكتاب والسنة أم لا- وإذا نفى شيئًا نفيناه. هذا في معبودهم وإلههم يتصرفون هذا التصرف، ولا شك أن الإنسان إذا تأمل هذه القاعدة الخبيثة لوجدها خطرًا عظيمًا، ولولا أنهم يُعذَرون بأنهم قالوا ذلك تأويلًا لكان أمرهم خطيرًا جدًّا.
نحن نؤمن بأن لله تعالى رحمة، هم لا ينكرون الرحمة إنكار تكذيب، لكنهم ينكرونها إنكار تأويل، ولذلك لم يكفروا، لو أنهم أنكروها إنكار تكذيب أيش؟ لكفروا؛ لأن هذا تكذيب للخبر، لكنهم ينكرونها إنكار تأويل ويقولون: إن الرحمة هي الثواب أو إرادة الثواب؛ إما الثواب، وتعلمون أن الثواب شيء منفصل عن الله عز وجل، مخلوق بائن عن الله، وإرادة الثواب صفة في ذات الله، لكن هم يُقِرُّون بالإرادة، يُثبتون الإرادة التي هي إحدى الصفات السبع، وعجبًا أنهم يُثبتون الإرادة بطريق خَفِيٍّ وينكرون الرحمة مع أن طريقها واضح؛ الإرادة يقولون: نحن نستدل بأن الله مُرِيد بالتخصيص يعني..
عن الله عز وجل، مخلوق بائن من الله، وإرادة الثواب صفة في ذات الله، لكن هم يقرون بالإرادة، يثبتون الإرادة التي هي إحدى الصفات السبع، وعجبًا أنهم يثبتون الإرادة بطريق خفي وينكرون الرحمة مع أن طريقها واضح، الإرادة يقولون: نحن نستدل بأن الله مريد بالتخصيص، يعني كونه يخصص مثلًا الإنسان على هذا الوجه، يعني مستطيل القامة، يريد بعقل، وما أشبه ذلك، وخصص البعير بخصائصها، والشاة بخصائصها، والشمس بخصائصها، والقمر بخصائصه، هذا يدل على أيش؟ على إرادة؛ لأنه لولا الإرادة لكانت المخلوقات كلها سواء.
لكنهم يقولون: التخصيص يدل على الإرادة، دلالة التخصيص على الإرادة دلالة خفية ما كل إنسان يعرفه، حتى طلاب العلم ما يعرفونها إلا إذا قرؤوا، لكن دلالة النعم على الرحمة واضحة ولَّا غير واضحة؟
* طلبة: واضحة.
* الشيخ: دلالة النعم على الرحمة؟
* الطلبة: واضحة.
* الشيخ: واضحة، كلٌّ يعرف أن من رحمة الله أن جعل الليل والنهار، وجعل الأمطار والأنهار وغير ذلك، يعرفها الخاص والعام، العجيب أنهم يقولون: الرحمة لا نثبتها لانتفاء دلالة العقل عليها، والإرادة نثبتها لدلالة العقل عليها، فيقال: سبحان الله! أيهما أبين: دلالة العقل على الرحمة أو على الإرادة؟ على الرحمة لا شك.
* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: حث الإنسان على التوبة حتى لو ظلم؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ﴾ [المائدة ٣٩]، والله تعالى لم يقل هذا لمجرد الخبر بل لأجل الحث على التوبة.
* ومن فوائد هذه الآية: أن التائب من الظلم مهما كان حتى من الشرك إذا تاب وأصلح فإن الله يتوب عليه، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الظلم يشمل الشرك، كما قال الله تعالى عن لقمان أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن فعل المعاصي وترك الواجبات ظلم؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾، وهذا واضح أن النفس عند الإنسان أمانة يجب أن يسعى لها ما هو الأصلح والأنفع، فإذا خالف فهو ظالم خائن للأمانة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد في التوبة من الإصلاح؛ لقوله: ﴿وَأَصْلَحَ﴾، ولكن هل الإصلاح شرط للتوبة في جميع الأعمال أو شرط للتوبة في ذلك العمل الذي وقع فيه الظلم؟ الثاني؛ ولهذا نقول: الصحيح أنه يجوز أن يتوب من ذنبٍ مع الإصرار على غيره، (...) إنه لا يستحق أن يسمى تائبًا على وجه الإطلاق، بل يقيد أنه تائب من كذا، إذن ﴿أَصْلَحَ﴾ أي: ما فسد بظلمه وإن لم يكن أصلح جميع أحواله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد توبة الله على من تاب وأصلح؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ وقد مر علينا شروط التوبة قريبًا وأنها؟
* الطلبة: خمسة.
* الشيخ: خمسة، طيب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم؛ حيث يختم الأحكام بما يناسبها من أسماء الله؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله عز وجل: غفور، رحيم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences