Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:45–46, continued
في هذا قولان للمفسرين؛ منهم من قال: إنها في اليهود؛ لأن سياق الآيات فيهم، وعلى هذا القول يمكن أن نقول: يلحق بهم من فعل ذلك من المسلمين بطريق أيش؟ بطريق القياس.
والقول الثاني في المسألة: أن الآية عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم، سواءٌ كان من المسلمين، أو كان من اليهود، أو غيرهم، وهذا يساعده اللفظ، والأول يساعده أيش؟ السياق؛ لأن الله قال: ﴿كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾، فالكلام عن اليهود، ولكن الحكم في الحقيقة لا يختلف فيمن لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين؛ لأننا نقول: إن شمله اللفظ فقد شمله الحكم بالدليل اللفظي، وإن لم يشمله فقد شمله الحكم بالدليل المعنوي، وهو القياس.
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (هم) ضمير فصل، وضمير الفصل حرف لا محل له من الإعراب، لكن يؤتى به للفصل بين الصفة والخبر، أي: بين النعت والخبر، فإذا قلت: زيدٌ الفاضل، تريد أن تخبر عنه بأنه فاضل، فإنه يحتمل أن تكون (الفاضل) نعتًا لـ(زيد)، والخبر لم يأتِ بعد، فإذا قلت: زيد هو الفاضل، تعيَّن أن يكون خبرًا، ولهذا سُمِّي ضمير فصل، وفائدته ما ذكرناه، وفائدة أخرى: التوكيد، وفائدة ثالثة: الحصر.
هل نقول: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لا يوجد أحد ظالم إلا هؤلاء، بناءً على أن ضمير الفصل يفيد الحصر؟
فالجواب: لا، هذا حصر نسبي، أي: فأولئك هم الظالمون في عدم تطبيق ما ذُكِرَ في الآية، وإلا فإن الكافرين هم الظالمون، والمفترِي على الله كذبًا ظالم، وهو أظلم الناس، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [الصف ٧].
* في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: أن الله فرض على اليهود القصاص؛ لقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
لكن إذا قال قائل: كيف نقول ذلك وقد فسَّرنا قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُو كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ بأنه المجني يعفو عن الجاني؟
نقول: نعم، فرض الله عليهم القصاص أو العفو مجانًا، هذه الأمة رخص الله لها في القصاص والعفو مجانًا، وأخذ الدية والمصالحة، كل هذا -والحمد لله- من سعة شريعة هذه الأمة.
وقد ذكروا -أي ذكر بعض العلماء-: أن اليهود يُفر َض عليهم القصاص، القصاص فرض عليهم، والنصارى بالعكس؛ العفو فرض عليهم، حتى قيل: إن من أصول شريعتهم أن من ضربك على الخد الأيمن فأَدِرْ له الخد الأيسر، ولا شك أن هذا فيه نوع من الإذلال، لكن على كل حال لا ندري عن صحة هذه المقالة، فالله أعلم، لكن يقال: إن اليهود يُفرَض عليهم القصاص بخلاف النصارى، والعلة واضحة؛ لأن اليهود عُتَاة، طُغَاة، بُغَاة، ولا يليق بهم إلا أن يُقتَل القاتل حتى يكون ذلك نكالًا.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: قُبْح ما فعله بنو النضير مع بني قريظة، بنو النضير يرون أنهم أشراف اليهود، ولذلك إذا قَتَل النضيري قرظيًّا فإنه لا يُقتَل به، وإذا قتل القرظي نضيريًّا فإنه يُقتَل به -سبحان الله- كلهم يهود، لكن يقول: ها دول أشرف وأفضل، وإذا قتل النضيري قرظيًّا فله نصف الدية إذا لم يقتص، وإن كان العكس فله الدية الكاملة، هكذا ذكر المفسِّرون في هذا الموضع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القصاص ثابت في النفوس، ولو اختلف الناس في السن، والطول والقصر، والعلم، والعقل، والذكاء، وغير ذلك، من أين يؤخذ؟
* طلبة: من العموم.
* الشيخ: من العموم، ولهذا لو أن رجلًا شابًّا عالمًا كريمًا حسيبًا قتل طفلًا في المهد فإنه يُقتَل به؛ لأنه لا عبرة بالاختلاف في هذه الأشياء، وذلك للعموم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جريان القصاص في الأعين؛ لقوله: ﴿الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾.
* ومن فوائدها: جريان القصاص بين الآناف؛ لقوله: ﴿الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: جريان القصاص في الآذان؛ لقوله: ﴿الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾.
* ومن فوائدها: جريان القصاص بالسن، بين الأسنان، كم هذه من عضو؟
* طلبة: أربعة.
* الشيخ: أربعة، بقي أعضاء، منها: اليدان، والرجلان، واللسان، وغيرها من الأعضاء، فهل الحكم فيها كالحكم في هذه؟
الجواب: نعم، الحكم فيها كالحكم في هذه بالقياس الجلي الواضح، وإنما ذكر الله عز وجل هذه الأعضاء؛ العين، والأنف، والأذن، والسن؛ لعلهم -أعني اليهود- يخالفون في القصاص في هذه الأشياء، فنصَّ عليها لوقوع المخالفة فيها، أقول: لعل، ولا أجزم بهذا؛ لأن الله أعلم بما أراد في كتابه، لكن نعلم أن ما سواها من الأعضاء يكون مثلها، فمثلًا الإصبع بالإصبع، يؤخذ الخنصر بالخنصر، والإبهام بالإبهام، وما بينهما كذلك، القدم بالقدم، الكف بالكف، الذراع بالذراع، وهلم جرَّا.
لكن هل يُشتَرَط أن يكون القطع من مفصل أو لا يُشتَرَط؟
في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: لا بد أن يكون القطع من مفصل، وإذا لم يكن من مفصل فلا قصاص مطلقًا، انتبه، فمثلًا الذراع مفصله أيش؟
* طالب: المرفق.
* الشيخ: المرفق من جهة العضد، والكف من جهة اليد، فإذا قطع الجاني الذراع من النصف فالقطع الآن ليس من مفصل، فعلى قول من اشترط أن يكون القطع من مفصل لا يُقْطَع، حتى لو قال المجني عليه: اقطعوا هذا الرجل من الكف، وأنا أسامح عن الزائد، لا يُقطَع؛ لعدم توفر الشرط، حتى لو قال مثلًا: اقطعوا من الكف وأعطوني أرش الزائد أرضى بهذا، يقولون: لا يُقطَع.
ولكن الصواب أن يُقال: بل يُقطع؛ لوجوب أيش؟ القصاص، لكن بشرط أن يمكن القصاص.
وهل القصاص يكون بالنسبة أو بالمساحة؟ يكون بالنسبة، قد يكون المجني عليه ذراعه طويلة، ولو أخذناها بالمساحة لزم أن نأخذ كل ذراع الجاني، ولكن إذا كان القطع من النصف قلنا: خذ النصف، وإذا كان من الثلث قلنا: خذ الثلث، هذا هو القول الراجح.
فإذا لم يمكن فالصواب أن للمجني عليه أن يطلب القصاص مما دونه من المفصل، وله أن يطلب أرش الزائد أيضًا، هذا هو القول الراجح؛ لأن الله تعالى أمر بالعدل، وهذا هو العدل، فإذا قال المجني عليه: اقطعوا من الكف، والزائد أعطوني أرشه، نقول: له الحق في ذلك، ومن باب أولى إذا قال: اقطعوه من المفصل وأنا متنازل عن الزائد، فإنه من باب أولى.
ودليلنا في هذا الذي رجَّحناه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل ٩٠]، فمتى أمكن العدل وجب الأخذ به.
طيب، إذا قَطَع ذَكَر الإنسان يُقطَع ذَكَرُه أو لا؟ يُقْطَع ذَكَرُه.
إذا قُدِّر أن المقطوع ذَكَرُه كان عقيمًا، والقاطع سليم، هل يُقْطَع أو لا؟
* طلبة: يُقطَع.
* الشيخ: المقطوع عقيم، والقاطع سليم، يُقْطَع أو لا؟
* طلبة: يُقْطَع.
* الشيخ: يُقْطَع، نظيره أُذُن الأصم، لو أن شخصًا قطع أذن أصم، وهو يسمع –القاطع- فإنها تُقطَع أذنه؛ لأن نفس العضو هو العضو، والعقم شيء زائد، بخلاف الأشَلّ والصحيح، فالأشَلّ والصحيح مثل لو قطع يدًا شَلَّاء وهو سليم اليد فإنها لا تُقْطَع؛ لفوات المنفعة في الأول، وهي أمر مهم.
* من فوائد الآية الكريمة: أن جميع الجروح إذا أمكن الاقتصاص فيها فالحكم ثابت، القصاص؛ لعموم قوله أيش؟ ﴿الْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وكان السابقون من العلماء يقولون: إنه لا يمكن القصاص بالجروح إلا إذا انتهى الجرح إلى عظم، وهذا هو منتهى العلم في ذلك الوقت، لكن في وقتنا الحاضر يمكن أن يُقتَصَّ من الجرح بما دون الشعرة في أي موضع كان، فإذا أمكن القصاص وجب القصاص، هذا هو العدل، ودليلنا هذه الآية العظيمة وهي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾.
طيب، غير الجروح هل يُقتَصّ فيها؛ كاللطمة والضربة بالعصا، وما أشبه ذلك؟ اختلف في هذا العلماء، منهم من قال: إن اللاطم لا يُلطَم، لكن يؤخذ منه الحق العام، ويكون أمره إلى من؟ إلى ولي الأمر يقدر ما يراه مانعًا من العدوان، وعَلَّلُوا ذلك بأنه لا يمكن القصاص في اللطم، ما تقول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يمكن؟ ليش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم؛ لأن ربطها بالشدة والقوة أو بالعكس صعب جدًّا، وأيضًا ربما يكون المجني عليه يده كبيرة وذاك يده صغيرة، هاذاك لما ضرب المجني عليه أصابت الضربة نصف خده، والثاني يده كبيرة إذا ضربه تحيط بكل الخد، فيختلف الحكم، يعني معناه أنه لا يمكن القصاص.
لكن بعض العلماء يقول: إن القصاص ممكن؛ لأن مسألة الضربة واللطمة وما أشبه ذلك ليس الإنسان يريد أن يتشفى بما يصيبه من الألم، وإنما يريد أن يتشفى بما يصيبه من أيش؟ الإذلال والإهانة، ولهذا لو كانت المسألة من باب المزح وضربه على وجهه بقوة يقول: يلّا القصاص؟ أجيبوا.
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، لكن إذا كانت المسألة من باب المغالبة فلا شك أن في اللطمة إذلالًا، فيقول: أنا ما يهمني، اللطمة ما همَّته، غاية ما هنالك أنه تفرق الدم ثم رجع، الدم من شدة الضربة يتفرق، يكون محل الضربة أبيض أحيانًا، ثم رجع، لكن يهمني أنه أذلَّني، فأنا أريد أن أُذِلَّه.
فعلى كل حال في هذه الحال ينبغي أن يقال: إنه يُنظَر إلى رأي القاضي، والقاضي إذا رأى أن في إهانة المعتدِي ولو بضربة خفيفة نوعًا من التشفي فليفعل.
كذلك أيضًا بالنسبة للعصا؛ الضربة بالعصا هل يُقتَصّ منها؟ نقول: أما بالعصا الذي ضربه به فهذا يمكن، لكن يبقى النظر في شدة الضربة، وأما أن يضربه بسوط دقيق ثم يأتي بخشبة يريد أن يقتص هذا لا يمكن.
يبقى النظر فيما إذا ضربه بمثل ما ضربه به، فهل يمكن القصاص أولا يمكن؟ ينبني هذا على أيش؟ على ما سبق؛ أنه ليس المهم أن يضربه بما يؤذيه، أو ما أشبه ذلك، المهم أن يُذِلَّه.
وممكن نتعرض أيضًا لمسألة الثوب، لو شَقَّ ثوبَ إنسان هل يقتص منه بشق ثوبه؟ هذه فيها خلاف أيضًا، من العلماء من يقول: لا، إذا شق ثوبه ضَمِنَه؛ إما بالمثل، وإما بالقيمة، إن أتلفه حتى لا يُستفاد منه فبالمثل، إلا على المذهب كما عرفتم، وإن شَقَّه شقًّا يمكن الانتفاع مع وجوده فإنه يُقَوَّم.
الذين قالوا بالقصاص في مثل الضربة واللطمة وشق الثوب استدلوا بالعموم؛ عموم الآيات، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٩٤]، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل ١٢٦]، والذين منعوا قالوا: إن هذا لا يمكن فيه القصاص؛ لأنه صعب التقدير.
إذا قلنا بالقول الراجح: إنه يجوز أن يشق ثوبه كما شق ثوبه فهنا سؤالان؟
السؤال الأول: إذا اختلف الثوبان؛ أحدهما جديد، والثاني قديم، أو كلاهما جديد، وأحدهما من النوع الجيد، والثاني من النوع الرديء، هل يفعل؟ ترجع إلى ما ذكرنا، وهو: هل الذي طلب القصاص أراد المبادلة والمعاوضة، أو أراد إذلال الذي شق ثوبه؟ الغالب أنه الثاني، وبناء على ذلك نقول: له أن يشق ثوبه ولو كان ثوب الجاني أعلى من ثوب المجني عليه قدرًا ووصفًا.
وإذا قلنا بذلك، السؤال الثاني: فهل يقدر بالمساحة ولّا بالنسبة؟
* طلبة: بالنسبة.
* الشيخ: بالنسبة؟ ما الفرق بين النسبة والمساحة؟
* طالب: المساحة لو قدرناها يكون الجاني على الآخر الشق يكون صغيرًا، فقد فيكون الشق على الصغير كبيرًا، فيلزم منه أن يشق ثوب الآخر كله.
* الشيخ: يعني لو كان الجاني ثوبه طويل؟
* الطالب: لو كان الجاني ثوبه طويل وقدرناه بالمساحة، فيلزم منه أن يشق ثوب الثاني كله.
* الشيخ: لا، بالعكس.
* الطالب: هذا بالنسبة.
* الشيخ: الجاني ثوبه طويل، والمجني عليه ثوبه قصير، شق منه مقدار إصبع..
* الطالب: يلزم منه لو قلنا: ال..
* الشيخ: الذي ثوبه صغير الإصبع يأخذ منه مساحة، وذاك يكون قليلًا.
إذن نقول: لا بد أن تكون بأيش؟ بالنسبة؛ لأننا لو قلنا: بالمساحة، لم نتمكن من أيش؟ من المماثلة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على تسليم الجاني نفسه للمجني عليه أو أوليائه إن كان بالقتل؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُو كَفَّارَةٌ لَهُ﴾.
* * *
* طالب: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُو كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ [المائدة ٤٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على العفو عن الجاني؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُو كَفَّارَةٌ لَهُ﴾.
* ومن فوائدها: حث الجاني على تسليم نفسه، وأن ذلك يكون كفارة له.
فإن قال قائل: هو صار كفارة له باعتبار حق أولياء المقتول، فما الحكم بالنسبة لحق المقتول الذي قطع عليه القاتل حياته؟
فالجواب: إذا علم الله من صدق توبة القاتل فإن الله سبحانه وتعالى يتحمل عنه حق المقتول فيرضيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن من لم يعلم حُكم الله فحَكَم جهلًا منه فليس بظالم، لكن يقال: يجب عليه إذا علم أن يرجع إلى الحق ويحكم بما أنزل الله.
فإن قال قائل: هل بين هذا الوصف: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وبين قوله في الآية السابقة: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، هل بينهما تعارض؟ بمعنى: هل هما متباينتان أو مدلولهما واحد؟
فالجواب: إن من العلماء من قال: هما متباينتان، ومنهم من قال: إن مدلولهما واحد، فمن قال: إنهما متباينتان، قال في الأولى: إذا كان الحامل للحاكم بغير ما أنزل الله العدول عما أنزل الله، وأن غيره خير منه للإنسانية، فهذا أيش؟ كافر، وسواء حكم أم لم يحكم، لكن عدم حكمه دليل على ما في قلبه.
وأما من حكم وهو يعتقد أن حكم الله هو الحق، وأنه أنسب للعباد من حكم الطاغوت، لكنه أراد أن يعتدي على المحكوم عليه لعداوة بينه وبينه فهذا ظالم.
أما من قال: إنهما متفقتان ولا تباين بينهما، فيقول: إن الكافر ظالم؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، وعلى هذا فالوصفان أيش؟
* طالب: متفقان.
* الشيخ: متفقان على موصوف واحد، لكن الأول أظهر، وأن لكل وصف محلًّا خاصًّا.
5:46Page 116
وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٦
And We sent, following in their footsteps,1 Jesus, the son of Mary, confirming that which came before him in the Torah; and We gave him the Gospel, in which was guidance and light and confirming that which preceded it of the Torah as guidance and instruction for the righteous.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى آخره [المائدة: ٤٦].
﴿قَفَّيْنَا﴾ أي: أرسلنا عيسى بن مريم قافيًا لمن سبقه، أي: مُتَّبِعًا لمن سبقه، مأخوذ من القفا؛ لأن الْمُتَّبِع لآثار من سبقه يمشي في قفاه، ﴿قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي: على آثار الرسل السابقين.
﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، وليس بينه وبين النبي ﷺ رسول، ولهذا جعله قافيًا لمن سبقه، ونُسِبَ إلى أمه؛ لأنه ليس له أب.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾، ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من (عيسى)، يعني: حال كونه مصدقًا لما بين يديه من التوراة، وتصديقه لما بين يديه من التوراة له معنيان؛ المعنى الأول: أنه يصدِّق التوراة ويقول: إنها حق. والمعنى الثاني: أنه يصدِّق خبرها، حيث كان عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام مذكورًا فيها.
وقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: لما سبقه، ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾، وهي الكتاب الذي أنزله الله على موسى عليه الصلاة والسلام.
﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾: أعطيناه الإنجيل زائدًا على تصديق ما بين يديه من التوراة، فتكون شريعة عيسى مكوَّنة من شريعة التوراة وشريعة الإنجيل، ولهذا لا يعتبر الإنجيل كتابًا مستقلًّا، بل هو تابع للتوراة، ليس فيه من الأحكام إلا شيء قليل، لكن غالبه مواعظ وقصص وعِبَر.
﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾، ﴿فِيهِ﴾ أي: في الإنجيل، ﴿هُدًى﴾ أي: علم، ﴿وَنُورٌ﴾ أي: أثر نافع يستنير به القلب.
﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾، قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾ هذه عائدة على الإنجيل، والأولى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ عائد على عيسى، فيكون عيسى مصدقًا لما بين يديه من التوراة، وكذلك الكتاب الذي نزل عليه، وهو الإنجيل.
﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وجعل الله سبحانه وتعالى هذا الإنجيل هدى وموعظة، ولهذا أكثر ما فيه المواعظ والعِبَر والقصص، أما الأحكام فغالبها مُستمَدٌّ من؟
* طالب: من التوراة.
* الشيخ: من التوراة.
وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، أولًا: ﴿هُدًى﴾ هو العلم، الموعظة: ما تتعظ به القلوب، وهو الإخبار المقرون بالترغيب والترهيب، فكل خبر قُرِنَ بترغيب أو ترهيب فإنه موعظة، كما كان الصحابة يقولون: «وَعَظَنَا رسول الله ﷺ موعظة وَجِلَت منها القلوب، وذَرَفَت منها العيون»[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢) من حديث العرباض بن سارية.]].
وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: الذين اتقوا الله عز وجل، وتقوى الله تعالى: هي امتثال أمره واجتناب نهيه، وسُمِّيَت تقوى؛ لأن الإنسان يتقي بها عذاب الله تعالى.
* ففي هذه الآية فوائد، منها: أن عيسى عليه الصلاة والسلام آخر الأنبياء؛ لقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، وليس بعده نبي يقفوه إلا محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي عليه الصلاة والسلام.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من ليس له أب يُنْسَب إلى أمه؛ لأن الله تعالى ينسب عيسى بن مريم إلى أمه؛ لأنه ليس له أب.
فإن قال قائل: ما مثال الذي ليس له أب؟ قلنا: له أمثلة منها: أن يزني رجل بامرأة، فتأتي منه بولد، فهنا الولد ليس للزاني؛ لقول النبي ﷺ: «لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧ / ٣٦) من حديث عائشة]]، فلا يُنْسَب إلى الزاني ولا يرث منه، ولا يرثه الزاني، ولا يتحمل عنه العقل، ولا غير ذلك، المهم أن هذا ليس له أب.
ومنها: أن يلاعِن الرجل امرأتَه؛ لاتهامه إياها بالزنا، وينتفي من ولدها، فيقول: ليس الولد مني، فحينئذٍ يكون له أم وليس له أب.
واختلف العلماء رحمهم الله فيما لو استلحق الزاني الولدَ المخلوق من مائه، وليس له معارض، هل يُلْحَق به أو لا؟ فمنهم من قال: إنه لا يُلحَق به؛ لعموم قوله النبي ﷺ: «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ».
ومنهم من قال: بل يُلْحَق به إذا لم يكن له منازع؛ لأنه ولده قدرًا، وليس له منازع شرعًا، فيُلْحَق به شرعًا كما هو منه قدرًا، وهذا هو القول الراجح، وأن الزاني إذا استلحق الولد الذي خُلِقَ من مائه وليس له منازع فإنه يُلْحَق به.
ولا ينافي هذا قول النبي ﷺ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧ / ٣٦) من حديث عائشة]]؛ لأن الحديث صريح في أن هناك نزاعًا بين صاحب الفراش والزاني، ولهذا قال: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، فإذا كانت امرأةً بكرًا زنا بها رجل، هل هناك فراش؟ أجيبوا.
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، ليس هناك فراش، وإذا لم يكن هناك فراش واستلحق الولد الزاني فإنه لا مانع من إلحاقه به، لكن جمهور العلماء على أن ولد الزنا لا يلحق الزاني ولو استلحقه، وكما علمتم أنهم استدلوا بعموم أيش؟ «لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم (١٤٥٧ / ٣٦) من حديث عائشة]].
وأن القول الثاني: أنه إذا استلحقه الزاني ولا معارض له فإنه يلحقه، وأجيب عن هذا الحديث بأن الحديث ظاهر في أنه عند التنازع يكون الولد للفراش وللعاهر الحجر.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يُصَدِّق بعضهم بعضًا؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾.
* ومن فوائدها: ثبوت نزول التوراة، وأنها حق؛ لأنه شهد بها أحد الرسل أولي العزم بأنها حق.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام أُنْزِل عليه كتاب وهو أيش؟ الإنجيل، وهو صريح قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٣، ٤].
فإن قال قائل: هل الإنجيل الموجود الآن في أيدي النصارى هو الإنجيل الذي نزل على عيسى؟
فالجواب: لا، فيه وفيه؛ لأن النصارى، وكذا اليهود -وهم أخبث من النصارى في الجرأة على الله- حَرَّفُوا التوراة والإنجيل، وكما قال عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام ٩١] ..
الكتاب وهو أيش؟ الإنجيل، وهو صريح قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٣، ٤].
فإن قال قائل: هل الإنجيل الموجود الآن في أيدي النصارى هو الإنجيل الذي نزل على عيسى؟
فالجواب: لا، فيه وفيه؛ لأن النصارى، وكذا اليهود -وهم أخبث من النصارى في الجرأة على الله- حرفوا التوراة والإنجيل، وكما قال عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام ٩١]، وعلى هذا فيجب التحري في نسبة التوراة الموجودة في أيدي اليهود اليوم، والإنجيل الموجود في يد النصارى اليوم يجب التحرز، وأن يقال: ليس كل ما فيهما فهو حق، بل فيهما ما هو محرف، وفيهما ما هو منقوص، وربما يكون فيهما ما هو مزيد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن في الإنجيل هدًى ونورًا؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ وهو كذلك، ومن الهدى والنور الذي فيه: أن فيه وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف ١٥٧]، وأن النبي عيسى عليه الصلاة والسلام بشّر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، هذا من الهدى والنور.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الكتب الإلهية يصدق بعضها بعضًا؛ لقوله: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التنويه لعظمة التوراة وفضلها وشرفها؛ لأنه ذكر في هذه الآية أن عيسى مصدق لما بين يديه من التوراة، وأن الإنجيل أيضًا مصدق لما بين يديه من التوراة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن في الإنجيل من العلم والموعظة ما ينتفع به المتقون؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على التقوى، وأنها سبب لكل خير ولكل علم؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾، ولا شك أن التقوى هي أساس العمل؛ لأن من لم يتقِ الله لا يعمل، ومن اتقى الله عمل بأوامر الله حسب ما عنده من التقوى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences