Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:49–50
5:49Page 116
وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩
And judge, [O Muḥammad], between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations and beware of them, lest they tempt you away from some of what Allāh has revealed to you. And if they turn away - then know that Allāh only intends to afflict them with some of their [own] sins. And indeed, many among the people are defiantly disobedient.
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني: وأنزلنا إليك الكتاب فاحكم بينهم بما أنزل الله، ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ معطوفة على قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وفي (أن) قراءتان: الضم، والكسر؛ ﴿وَأَنُ احْكُمْ﴾ ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ كلاهما قراءتان سبعيتان، احكم بينهم إذا تنازعوا إليكم، ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ولا تحكم بينهم بما عندهم.
وقد سبق أن بني النضير يرون لهم الفضل على بني قريظة، حتى إنهم في الديات يجعلون بني قريظة على النصف من بني النضير ويقولون: إذا قتل النضيري قرظيًّا فإنه لا يقتل، وإذا قتل القرظي نضيريًّا فإنه يقتل.
يتحاكمون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا وأمثاله ويريدون منه أن يحكم به، ولكن الله تعالى نهاه عن ذلك فقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ لأن ما أصّلوه من هذا الأصل الباطل هوًى محضٌ، وإلَّا فحكم الله بين الخلق سواء.
﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ شوف هذا كلام الله مع الرسول، احذرهم يعني: كن معهم على حذر، وتخوف ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.
في إعراب ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ وجهان: الوجه الأول: أن تكون بدل اشتمال من (الهاء) في قوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ﴾، والتقدير: واحذرهم فتنتهم، وتعرفون أن البدل ينقسم إلى خمسة أقسام، الخامس: البدل اللفظي، فيكون التقدير على هذا: احذرهم أيش؟ فتنتهم؛ لأن (أن) وما دخلت عليها في تأويل مصدر.
والوجه الثاني: أن تكون (أن) وما دخلت عليها في تأويل مصدر منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: واحذرهم من أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، وكلا الوجهين في الإعراب معناهما واحد.
ومعنى ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ أي: يصدّوك عن بعض ما أنزل الله إليك، والفتنة بمعنى الصد جاءت في القرآن، مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠] فتنوا بمعنى أيش؟ بمعنى صدوا، إذن ﴿أن يفتنوك﴾ أن يصدُّوك.
﴿عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ وإذا كان التحذير عن بعض ما أنزل فعن الجميع من باب أولى، ﴿عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن حكمك بما أنزل الله، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ وهذه الإرادة إرادة كونية بمعنى المشيئة، ﴿أَنْ يُصِيبَهُمْ﴾ أن يلحق بهم المصيبة بالإعراض، ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ لا بكلها، وبعض الذنوب مثل ما ذكرنا قبل قليل أن بني النضير يحكمون بالجور فيما بينهم وبين بني قريظة، ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ والذنب: ما خالف به الإنسان ربه فهو ذنب، سواء كان بترك الواجب أو بفعل محرم.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ الجملة هذه كالتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام بألَّا يحزن؛ لأن كثيرًا من الناس فاسقون، لكن (اللام) في قوله: ﴿لَفَاسِقُونَ﴾ للتوكيد، وفاسقون بمعنى خارجون عن طاعة الله، مأخوذة في الاشتقاق من قولهم: فَسَقَت الثمرة، إذا خرجت من كُمِّها.
* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: وجوب الحكم بما أنزل الله عند تحاكم أهل الكتاب إلينا؛ لقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، حتى وإن كان عندهم قوانين تخالف الحكم الشرعي فإننا لا نرجع إليهم، حتى وإن أقاموا الدنيا ضدنا، فإننا لا نهتم به ما دمنا على صراط المستقيم، فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد ٧].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النهي عن اتباع أهواء الكافرين أيًّا كان.
لكن إذا قال قائل: إذا كان ما ذكروه مطابقًا للشريعة، فهل نتركه لأنهم يفعلونه، أو نأخذ به لأنه شريعة؟ الثاني ولّا الأول؟ الثاني لا شك.
من ذلك -وهو مثل عجيب- بعض الناس لما سمع قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «خَالِفُوا الْمَجُوسَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَحُفُّوا الشَّوَارِبَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩ / ٥٤) من حديث عبد الله بن عمر.]] قالوا: إن أحبار ورهبان النصارى واليهود الآن أيش؟ يطلقون لحاهم، فكان مقتضى الحديث خالفوا أن نحلق اللحى؛ لأنهم يعفون لحاهم؟
فيقال في الجواب: إنهم الآن يطلقون لحاهم وفقًا للفطرة لا تقليدًا لنا، وإذا كانوا يطلقون وفقًا للفطرة فإننا نطلقها نحن وفقًا للفطرة واتباعًا للسنة والشريعة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الحذر من اليهود والنصارى وغيرهم؛ لقوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن من أكبر غايات اليهود والنصارى أن يفتنوا من؟ المسلمين عما أنزل الله عليهم، وإذا كان الله تعالى قد تكلم بهذا في عهد الرسول فالأمر في عهدنا أشد؛ لأنهم الآن يرون أنهم أقوى منا في المادة الحسية، فيكون حرصهم على صدنا عن سبيل الله أشد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا كان هذا الخطاب موجهًا إلى رسول الله ﷺ المؤيد بالوحي الذي أعطاه الله عز وجل من القوة والعزيمة في دين الله ما لم يعط غيره، فما بالك؟ أتموا.
* طلبة: بغيره.
* الشيخ: بغيره، وما بالك بمن كان في زمننا الآن، فيجب الحذر، واسمع إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء ٧٣]، لو فعلت صرت أنت خليلهم وصديقهم، ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء ٧٤، ٧٥]، والمخاطب رسول الله عليه الصلاة والسلام فما بالك بمن دونه؟ يكون الحذر منهم أشد وأشد.
ولولا أن الله ثبته -ونسأل الله لنا ولكم الثبات- لكان يركن إليهم شيئًا قليلًا، ولو ركن إليهم شيئًا قليلًا؟ ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذنوب لها آثار سيئة، من أعظمها التولي عن دين الله وعما أنزل الله، فالإنسان كلما عصى الله ابتعد عن قبول الوحي والشريعة؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾؛ ولهذا قال بعض السلف: من حرم قيام الليل فإنما ذلك لذنب أصابه.
فإذا رأيت من نفسك إعراضًا عن شيء من دين الله فاعلم أن هناك ذنبًا انبنى عليه هذا الإعراض، والآية صريحة بذلك ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ فاستغفر الله للنتيجة والسبب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كثيرًا من الناس خارجون عن دين الله بالفسوق؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾.
وهل المراد بـ(الناس) هنا أهل الكتاب، أو العموم؟
إن قلنا: إنهم أهل الكتاب خفّ الإشكال، وإن قلنا: العموم صار هناك إشكال؛ لأن أكثر الناس فاسقون فسقًا موجبًا لدخول النار، ودليل ذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الله يقول يوم القيامة: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثَ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]، كلهم في النار وواحد من ألف في الجنة، جعلني الله وإياكم منهم، وإلى هذا يشير ابن القيم في النونية بقوله:
يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ لَيْسَ يَنَالُهَا ∗∗∗ فِي الْأَلْفِ إِلَّا وَاحِدٌ لَا اثْنَانِ
ما ينالها من بني آدم في الألف إلا واحد فقط لا اثنان، فهذا الحديث يدل على أن أكثر الناس فاسقون، وأنه لا نسبة بين الصالح والفاسق، وهذا مما يرجح أن يكون المراد بالناس من؟ أهل الكتاب، فإذا نظرنا إلى اللفظ قلنا: هو عام، وإن نظرنا إلى هذا الحديث قلنا: لا بد أن نحمله على الخصوص.
ماذا كان شعور الصحابة لما قال: إنَّ أهلَ النار تسعُ مئةٍ وتسعٌ وتسعون؟ «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ فَقَالَ لَهُمْ: «أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّكُمْ فِي أُمَّتَينِ مَا كَانَتَا فِي شَيْءٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ؛ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، مِنْكُمْ وَاحِدٌ، وَمِنْهُمْ أَلْفٌ»، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فكبروا بذلك فرحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، اللهم لك الحمد، ولهذا أكثر أهل الجنة صالحو هذه الأمة، حتى إنه جاء في السنن أو في المسند: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِئَةٌ وَعِشْرُونَ صَفًّا، مِنْهُمْ ثَمَانُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ»[[أخرجه الترمذي (٢٥٤٦)، وابن ماجه (٤٢٨٩)، وأحمد (٢٢٩٤٠) من حديث بريدة.]]، يكون النسبة الثلثين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحذر الشديد من موافقة الكفار، وليت أمة الإسلام اليوم تنتبه لهذا الأمر حتى لا تلهث وراء المادة ووراء أهل المادة، فلو اجتمعت الأمة الإسلامية اليوم على هذا المنهاج لسادت العالم، لكنها عندها ضعف الشخصية وضعف الإيمان، فانحدرت إلى ما ترون، فنسأل الله تعالى أن يعلي كلمته ويعز دينه، إنه على كل شيء قدير.
* طالب: (...) حتى الإنسان أحيانًا (...)؟
* الشيخ: الاستغفار، والصلاة مكفرة لا شك، أهم شيء الاستغفار ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران ١٣٥].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نعم، (...) إذا رأى أن الصلاة توجب رجوعه إلى الحق وانتهائه، فهي (...) الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الناس نعم؛ لأنه إذا قال: كثير من الناس فليس الأكثر، إي نعم.
* طالب: أحسن الله إليكم، إذا كان الإنسان في بلاد الكفار، فهل له التحاكم إليهم (...) حقه؟
* الشيخ: إذا كان لا يمكن أن يصل إلى حقه إلا بهذا فليتحاكم إليهم، لا على نية أن حكمهم صحيح، لكن على نية أنهم كالشرطة يستخرجون له حقه من هذا الظالم، ولو لم نقل بذلك لضاع حقه، ففرق بين أن يحكمهم على أن حكمهم شريعة وبين أن يحكمهم ليخلص حقه، ويعتقد أن حكمهم باطل في الأصل؛ يعني ليسوا حكامًا شرعيين، فيكونون له بمنزلة أيش؟ بمنزلة الشرطة يستخلصون له حقه.
* طالب: أحسن الله إليك، رجل يقوم بآخر الليل لكنه ترك قيام الليل وذلك لطلب العلم في أول الليل، فيدخل في قول النبي ﷺ: «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ (...)»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٥٢)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو.]]؟
* الشيخ: أيهما أفضل العلم أو التهجد؟
* الطالب: العلم.
* الشيخ: إذْن ترك شيئًا مفضولًا لفاضل، لكن من الممكن أنه يأتي بالأمرين جميعًا، يعني لا يجهد نفسه في أول الليل، ولا يجهد نفسه في آخر الليل أيضًا، يأتي من هذا بقليل ومن هذا بقليل، والأمر سهل، لو تقدم بنصف ساعة قبل الفجر تمكن من أن يصلي ما شاء الله مع الوتر.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٤٩ -٥٠].
* الشيخ: سبحانه وبحمده، من يعرف إعراب ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: فيه وجهان، الأول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بدل من الضمير، بدل أيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: بدل اشتمال، والوجه الثاني؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، أن تكون منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: من أن يفتنوك.
5:50Page 116
أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠
Then is it the judgement of [the time of] ignorance they desire? But who is better than Allāh in judgement for a people who are certain [in faith].
قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الاستفهام هنا للإنكار والتعجيب، يعني أن الله تعالى أنكر عليهم ذلك، وأراد منا أن نتعجب من هذا الذي يبغونه، و(الفاء) هنا وقعت بعد أداة استفهام، ومن المعلوم أن أداة الاستفهام لها أصل في الكلام، وهنا لا نجد شيئًا بين الهمزة و(الفاء)، فكيف يتوجه العطف بالفاء على شيء ليس بموجود؟ في هذا رأيان للنحويين:
الرأي الأول: أنه كلما جاء حرف العطف بعد الهمزة فإن هناك جملة مقدرة تناسب المقام، وهذا جيد من جهة لكنه صعب من جهة أخرى؛ إذ إنه يصعب على الإنسان أن يعرف ما الذي يقدر، وأحيانًا يشق عليك ذلك كثيرًا، أو تعجز أن تقدر شيئًا مناسبًا.
والقول الثاني: أن (الفاء) مزحلقة عن مكانها، وأن أصلها قبل الهمزة، وعلى هذا فتكون الجملة التي دخلت عليها همزة الاستفهام معطوفة على الجملة السابقة، والتقدير: فأحكم الجاهلية، وهذا لا شك أنه أسهل لطالب العلم؛ ولأن الأصل عدم الحذف، صحيح أن هذا مخالف للأصل من حيث إن حرف العطف زحلق عن مكانه، لكنه أسهل من حيث إن الإنسان تبرأ ذمته إذا قال: إن هذه الجملة معطوفة على ما سبق.
وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ أضاف الله الحكم إلى الجاهلية، فما المراد به؟ هل المراد أحكام أهل الجاهلية كوأد البنات وما أشبه ذلك وتحريم بعض المحللات، أو أن المراد ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ يعني الحكم الموصوف بأنه جهل؟
نقول: كلا المعنيين حقّ، لكن الثاني أعمّ؛ لأنه يشمل كل حكم مبني على جهل، سواء كان من أحكام أهل الجاهلية الذين هم العرب أو من أحكام آخرين، وعلى هذا فيكون المعنى: أفحكم الجهل يبغون، والجهل هو عدم العلم، كل ما خالف الحق الذي هو حكم الله فهو جهل أو جهالة، إن كان عن غير علم فهو جهل، وإن كان عن علم ولكن خالف الحق متعمدًا فهو جهالة.
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أي: يطلبون، ولا يخفى أن (حكم) منصوب، وعامله (يبغون)، فهو مفعول مُقدّم لـ(يبغون)، يعني: أيطلبون حكم الجاهلية، وقدَّم المعمول لإفادة الحصر؛ يعني كأن هؤلاء لا يريدون إلا الحكم الجاهلي المبني على الجهل أو الجهالة؛ لأن القاعدة عندنا: أن تقديم ما حقه التأخير مفيد للحصر.
ثم قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ (مَنْ) اسم استفهام، لكن هذا الاستفهام بمعنى النفي؛ إذ إن معناه: لا أحسن من الله حكمًا، ولكن يأتي النفي بصيغة الاستفهام ليكون أبلغ؛ إذ إن النفي إذا جاء بصيغة الاستفهام فإنه يكون مشربًا بالتحدي؛ يعني كأن المتكلم يتحدى يقول: أروني حكمًا أحسن من حكم الله، فلهذا نقول: إذا جاء النفي بصيغة الاستفهام فإنه أبلغ من النفي المجرد؛ إذ إنه يتضمن النفي والتحدي.
﴿مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾؟ الجواب: لا أحد أحسن من الله حكمًا؛ لأن حكمه جل وعلا مبني على علم بما يصلح العباد، ومبني على رحمة بما ينفع العباد، لا يمكن أن يحكم على عباده تبارك وتعالى بشيء يكون ضررًا أو عاقبته ضررًا، أبدًا لا يمكن؛ لأنا نعلم أن حكمه صادر عن علم وحكمة ورحمة.
﴿مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾؟ الجواب: لا أحد أحسن، لكن لمن؟ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ يوقنون بالله وبأسمائه وصفاته وبما تقتضي هذه الأسماء والصفات، هؤلاء لا يرون حكمًا أحسن من حكم الله.
أما من عنده ضعف في اليقين فإنه قد يرى أن حكم غير الله أيش؟ أحسن من حكم الله؛ ولهذا كان الخلفاء الراشدون كانوا لا يتعدون حكم الله أبدًا، حتى إن الواحد منهم يخاطب الخليفة إذا زلّ عن حكم الله خطأً، خاطبه وأخبره بالحق؛ لذلك نقول: إنَّ تبيُّنَ حسنِ حكم الله إنما يكون لمن؟ للموقنين.
أما ضعيفو اليقين فإنهم لا يرون أن حكم الله أحسن الأحكام، بل ربما يعتقدون أن حكم الله قد مضى عليه الدهر واختلفت الأمة واحتاجت إلى حكم جديد، وهؤلاء كأنهم يقولون بلسان الحال: إن محمدًا ليس خاتم النبيين؛ لأن دينه لا يشمل إصلاح العصر، إصلاح العصر إنما يصلح بهذه القوانين التي وضعها جهال أو كفار أو أتباع لهؤلاء، وإلا لا يمكن أن شخصًا يكون موقنًا بالله عز وجل وبما له من الأسماء والصفات والأفعال والأحكام أن يرى أن حكم غير الله أحسن من حكم الله، بل ولا يرى أن حكم غير الله مثل حكم الله؛ ولهذا جاءت الآية: ﴿مَنْ أَحْسَنُ﴾، و(أحسن) اسم تفضيل، يعني فلا يمكن لأي حكم من الأحكام أن يساوي حكم الله، فضلًا عن أن يكون أحسن من حكم الله.
* في هذه الآية الكريمة: الإنكار الشديد على من بغى حكم غير الله، يؤخذ من أين؟ من قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾.
* ويؤخذ منها أيضًا؛ من فوائدها: أن هؤلاء القوم على عجب عظيم أن يبتغوا حكم الجاهلية، ويدَعُوا حكم الله الصادر عن علم وحكمة ورحمة.
* ومن فوائد هذه الآية: أن كل حكم مخالف لحكم الله فهو حكم جاهلي.
وبناء على ذلك: هل يصح أن نصف المسلمين اليوم بجاهلية القرن الثامن عشر أو لا يصح؟ أجيبوا يا جماعة.
نعم، كثير من حكام المسلمين يصح أن نصفهم بأنهم جاهلية هذا العصر، يعني هذا القرن الثامن عشر.
* الطلبة: القرن العشرين.
* الشيخ: ما نعترف بالقرن العشرين نحن نعترف بالقرن الهجري.
* الطلبة: الهجري الخامس عشر.
* الشيخ: الخامس عشر؟ الثامن عشر هداكم الله!
* الطلبة: الخامس عشر ١٤١٨.
* الشيخ: صحيح الخامس عشر، إحنا أخذنا ١٨ على أنه القرن، لا شك أن هؤلاء في أحكامهم وقوانينهم المخالفة للشريعة لا شك أنهم جاهلو هذا القرن الخامس عشر، هم جاهلون شاؤوا أم أبوا.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن حكم الله أحسن الأحكام؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾.
ويترتب على هذا: أن الإنسان إذا آمن بأن حكم الله أحسن الأحكام استسلم لحكم الله ورضي به تمامًا، سواء علم الحكمة أم لم يعلم، وهذا حق، أي إنسان يرى أن حكم أحد هو أحسن الأحكام فسوف ينقاد له ولا يعارض ولا يمانع.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن حكم الله وإن تراءى لبعض الناس أنه ليس بصالح أو أنه يعيق التقدم..
هم جاهلون شاؤوا أم أبَوْا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن حكم الله أحسن الأحكام؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ [المائدة ٥٠] (...).
ويترتب على هذا أن الإنسان إذا آمن بأن حكم الله أحسن الأحكام استسلم لحكم الله، ورضي به تمامًا، سواء علم الحكمة أم لم يعلم، وهذا حق أي إنسان يرى أن حكم أحد هو أحسن الأحكام فسوف أيش؟ ينقاد له ولا يعارض ولا يمانع.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن حكم الله وإن تراءَ لبعض الناس أنه ليس بصالح، أو أنه يعيق التقدم الاقتصادي أو الاجتماعي، أو غير ذلك، فإنه يكون خاطئًا؛ لأن العبرة بالنهاية، قد يتراءى للإنسان أن هذا الحكم لا يصلح الآن، لكن في النهاية لا شك أنه هو الصالح وأن علينا أن نصبر وستكون العاقبة حميدة.
مثلًا: الآن كثير من الناس يرون أنه لا بأس بالتعامل بالربا؛ لأنه على زعمهم ينمي الاقتصاد من الآخذ والمعطي.
فنقول: هذا وإن تراءَ لكم لكن عليه مفاسد كثيرة، وانظروا إلى الدول التي تستعمل هذا ماذا عليها؟ ماذا كانت حالها؟ تجد أن فيهم طبقات متباينة غاية التباين، هذا من أفقر الناس، ربما يأكل التراب من الجوع والثرى من العطش، والآخر مُثرٍ ثراءً زائدًا، كله بسبب -يعني هذا الاختلاف العظيم في الطبقات- كله بسبب التعامل المحرم، لكن لو أن الناس مشوا على ما سنه النبي ﷺ لأمته لكان الاقتصاد متوازنًا، تجد مثلًا الغني لا يثرى ثراءً فاحشًا، ويعطي الفقير من الزكاة، وتكون الحال بين الغني والفقير متقاربة، لا يطغى أحد على أحد، لكن إذا سلطنا الشح على المعاملات واستبحنا كل شيء لا بد أن يكون هناك طبقات متميزة، وإذا وجدت طبقة متميزة فسد المجتمع أمنيًّا ووديًّا، تجد الغني يمقت الفقير ويزدريه ويحتقره، والفقير يكره الغني؛ لأنه يرى أنه قد ابتز ماله، وأنه تعاظم عليه، لا سيما إذا كان لا يؤدي الزكاة.
إذن القاعدة: من أحسن من الله حكمًا؟ لا أحد، أبدًا. طيب الموافق لأحكام الشريعة في القوانين هل نصفه بأنه أحسن الأحكام؟
* طالب: نعم.
* طالب آخر: يعنى من جهة التوافق..
* الشيخ: لا، نقول: هذا حكم الله، ما نقول: هذا حكم القانون؛ لأن حكم الله متقدم على القانون، فنَصف الأحكام المطابقة للشريعة في القوانين بأنها حكم الله، وأنه لا أحد أحسن منه، ولا نجعل المدح منصبًّا على القانون؛ لأننا لو جعلنا المدح منصبًّا على القانون لاغتر الناس بذلك وقبلوا أحكام القوانين على كل حال، لكن نقول: هذا هو حكم الشرع. الكذب في القانون عند الدول أيش؟ ممقوت، ولا يرونه شيئًا. في الشرع ممقوت، سبقه، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل الكذب من صفات المنافقين وقال: «إِنَّهُ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا» »[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٥)، واللفظ له من حديث عبد الله بن مسعود.]].
النصح في المعاملة يحث عليه الشرع والقوانين أيضًا تحث عليه، هنا يجب أن يكون المدح لا للقانون ولكن للشرع.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يجوز للإنسان أن يعارض أحكام الشرع بعقله، هذا في العمليات الفقهيات، وفي العقديات العلميات من باب أولى؛ لأنه إذا كان لا يجوز للإنسان أن يعارض الشرع بالأمور العملية التي يدخلها القياس فالأمور العلمية الخبرية أيش؟ من باب أولى؛ لأن الخبر ليس للعقل فيه مجال أبدًا إلا على سبيل العموم يمكن.
وبناءً على ذلك يتبين خطأ أولئك القوم الذين عطلوا صفات الله عز وجل من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية وغيرهم، أخطؤوا خطأً عظيمًا؛ لأن الله إذا أخبر عن نفسه بشيء فمعنى ذلك أنه حكم، حكم لنفسه بأنه مستحق لكذا وأخبر عباده به، فيجب علينا أن نقبله على ظاهره بدون أن نتعرض لتحريفه، أولئك القوم الذين حكموا على الله تعالى بعقولهم وقالوا: هذا لا يقبله العقل فلا نقبله، ولو جاء به الشرع، ماذا يقولون في الآيات؟ يؤولونها، يحرفونها، وهم لو ردوها صراحة لكانوا كفارًا، يعني لو قالوا: إن الله لم يستوِ على العرش مثلًا كفروا، لكن إذا قالوا: إنه استوى على العرش لكن معنى الاستواء كذا فهذا تأويل وينظر فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يعرف حسن أحكام الله إلا ما عنده يقين، وكلما كان الإنسان أشد يقينًا كان بيان حسن أحكام الله عنده أكثر وأشد، وإذا شئت أن تعرف هذا فانظر إلى العلماء المحققين كيف يستنبطون من الأحكام الشرعية ما تقتنع به العقول؛ لأنهم موقنون بأن حكم الله أحسن الأحكام، فيفتح الله عليهم.
* ومن فوائد هذه الآية: الرد على من قال: إن في الأحكام الشرعية في المعاملات خاصة ما خرج عن القياس، مثل باب السلم، باب الإجارة، وما أشبه ذلك، فنقول: ليس في الأحكام الشرعية ما يخرج عن القياس، ومرادنا بالقياس يعنى العقل والنظر، بل كل الأحكام الشرعية موافقة للقياس، ولكن الله يفتح على من يشاء من عباده، بعض الناس يفهم الموافقة وبعضهم لا يفهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences