Ibn 'UthayminAl‑Ma'idah · 5:64–65

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:64–65, continued

* من فوائد الآية الكريمة: أن القرآن نزل من عند الله؛ لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، وإذا ثبت هذا لزم عليه أمران عظيمان: الأول: أن القرآن كلام الله؛ لأن القرآن ليس ذاتًا قائمة بنفسها، ولكنه وصفٌ لا يقوم إلا بموصوف -أو إلا بمتَّصف به- وعلى هذا فيفيد هذه الفائدة العظيمة أن القرآن كلام الله، وهذا هو الذي أجمع عليه سلف الأُمَّة والأئمة، وجرتْ فيه الْمِحَن على الإمام أحمد وغيره من علماء السُّنة، فإن من الناس من قال: القرآن ليس كلامَ الله بل هو مخلوقٌ من جملة المخلوقات. ولا شك أن هذا القول يستلزم منه بطلان الشريعة تمامًا؛ لأننا إذا قلنا: إنه ليس كلام الله، لزم أن يكون إذا كُتِب مجردَ نقوشٍ وزخرفةٍ خلقها الله عز وجل على هذا الوصف، وإن سُمِع فهو مجرد أصوات تُسمع لا تدل على شيء كما يُسمع الرعدُ وهبوبُ الرياح وغيرها، ولذلك نقول: إنه يستلزم على القول بأن القرآن مخلوق بطلان الشريعة تمامًا، بطلانُ الأمر والنهي؛ لأنه لا أمر ولا نهي، أقم شيئًا مخلوقًا على هذا الوصف، على هذه الصفة فقط، لا يدل على أمر، ﴿لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء ٣٢] كذلك، شيء مخلوق على هذه الحروف كما تنقش الباب مثلًا، إن سُمع فهو صوت، مجرد صوت، كما نسمع الآن أصوات الرعد وأصوات أزيز الرياح في الأشجار وغير ذلك، فحينئذٍ لا أمر ولا نهي ولا خبر، وهذا واضحٌ جدًّا، لكن من أعمى الله قلبَه لا يعرف أن هذا لازم.

* كذلك الفائدة الثانية مما يفيده قوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الفائدة الثانية: علوُّ الله عز وجل؛ لأنه إذا كان القرآن كلام الله وهو صفة من صفاته وهو نازل؛ لزم أن يكون المتَّصف به عاليًا، وإلا فلا معنى للنزول، فيكون فيه دليل على إثبات علو الله عز وجل.

والناس في هذه الصفة على ثلاثة أقسام:

قِسْم أثبت علوَّ الله حقًّا.

وقِسم آخر قال: إن الله لا يجوز أن يوصف بالعلو ولا بالسفول، ولا يجوز أن نقول: إنه فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال. وهذا تعطيل محض، ولو قيل لأحد: صف العَدَم ما وصفه بأدق من هذا الوصف الذي وصفوا به الرب عز وجل.

القسم الثالث قالوا: إن الله تعالى في كل مكان، ولا يجوز أن نقول: إنه في العلو، وكيف يجوز أن نقول: إنه في العلو، وهو يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤]، ويقول: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨] وأشباه ذلك من آيات المعية، فلا يجوز أبدًا أن نقول: إن الله عالٍ بنفسه، بل العلو الذي أُثبِتَ لله علو المعنى، وأما المكان فهو في كل مكان. وهؤلاء حلولية الجهمية، يقولون: إنه في كل مكان، والعجب أن عليه كثيرًا من الناس الذين نتصل بهم في المسجد الحرام ويسألون من غير السعوديين، السعوديون -نحمد الله- لا يعرفون هذا القول، أكثر العامة لا يعرفون هذا القول. ويقولون: إن الذي يقرِّر علينا علماؤنا أن الله في كل مكان. ولا شك أن هذا قولٌ إذا تأمله الإنسان وجده في غاية البطلان لمخالفة القرآن والسنة والعقل والفطرة والإجماع، وهل يمكن أن يرضى أحد أن يجعل الخالق عز وجل في الحشوش والأماكن القذرة؟! لا يمكن، ولازم قولهم أن يكون كذلك؛ في كل مكان: في كل مكان.

أما القول الأول الذي نسأل الله تعالى أن يميتنا عليه ويبعثنا عليه فهو أن الله تعالى بذاته فوق كل شيء، لكنه محيطٌ بالخلق فكأنه معهم في أمكنتهم، ولا مانع من أن نقول: هو فوق كل شيء وهو معنا لكن ليس في مكاننا. ولهذا أمثلة ذكر شيخ الإسلام رحمه الله مثالًا في الواسطية ومثالًا في الحموية قال: إن العرب يقولون: ما زلنا نسير والنجم معنا. وفي الواسطية: ما زلنا نسير والقمر معنا. وهذا أسلوب عربي واضح، وكل واحدٍ يخاطب بهذا الخطاب أو يتكلم به لا يمكن أن يعتقد بأن القمر في الأرض ولا أن النجم في الأرض، وإذا كان هذا مخلوق من المخلوقات يحيط بنا وهو معنا وهو فوق، فما بالك بالخالق الذي حدَّث عنه النبي عليه الصلاة والسلام «بأنَّ السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسيِّ كحلقة أُلقِيَتْ في فلاةٍ من الأرض، وأن فضل العرش على الكرسيِّ كفضل الفلاة على هذه الحلقة»[[أخرجه ابن حبان في صحيحه (٣٦١) من حديث أبي ذر. ]]، فما بالك بالخالق سبحانه وتعالى.

فعلى كل حال نحن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء حقًّا؛ أما صفاته فما أحدٌ من المسلمين -فيما نعلم- ينكر علو الصفات، كلهم يقولون: إنه كامل الصفات، لكن يبقى النظر: هل كلهم يُثبتون كلَّ ما ورد من الصفات؟

لا، لكن مَن أثبت له صفةَ كمالٍ فيقول: إنه عالم بهذه الصفة الكاملة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾؛ فإن هذه الربوبية خاصةٌ تقتضي العناية التامَّة والأقوى والأشد.

واعلم أن الربوبية نوعان: عامَّة وخاصَّة، اجتمعا في قوله تعالى عن السحرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]؛ العامة: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: كل مَن سِوى الله فهو عالَم، وعلى هذا يكون ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: برب الخلق كله.

﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ هذه؟

* الطلبة: هذه خاصة.

* الشيخ: نعم، هذه خاصة، كما أن العبودية كذلك عامة وخاصة:

فالعبودية الكونية عامة، ومنها قول الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]؛ كل مَن في السماوات بالعبودية الكونية عبد لله؛ هل أحد يستطيع أن يمنع المرض إذا قدَّره الله عليه؟ أبدًا. وهل أحد يستطيع أن يرُدَّ مَلَك الموت إذا جاء لقبض روحه؟ أبدًا. ولهذا تحدَّى الله هؤلاء فقال لهم: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٧]، ما يمكن، لو اجتمع الخلق كلهم أن يردوا هذه الروح التي بلغت الحلقومَ ما استطاعوا، إذن فالكلُّ عبدٌ للهِ بهذا المعنى؛ أي: بالعبودية الكونية.

أما القِسم الثاني؛ العبودية الخاصة، فهي العبودية الشرعية التي منها قول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ إلى آخره [الفرقان: ٦٣].

* من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى ألقى العداوة والبغضاء بين اليهود؛ لقوله: ﴿أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة ٦٤]، وهذا كلامٌ حقٌّ صِدقٌ ليس عندنا فيه شكٌّ، وما نحسبه نحن من اجتماعهم فعلى خلاف الواقع، ولهذا قال الله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر ١٤]، لا تظن أنهم متفقون أبدًا، ولذلك هم أحزاب شتَّى الآن، وحتى داخل الحزب متفرق؛ لأنهم لا يمكن أن يجتمعوا وقد ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء، لكن لاحِظ أن العدوَّينِ إذا كان لهما عدوٌّ ثالثٌ اجتمعا عليه لمقابلة العدو الثالث، فاجتماعهم الآن -اليهود- ليس لأنهم متحابون متآلفون أبدًا، ولا يمكن أن نصدِّق والله يقول: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، لكنهم اجتمعوا لهدفٍ واحدٍ ومصلحةٍ واحدةٍ ضدَّ عدوٍّ واحدٍ للجميع، وهذا الاجتماع لا شكَّ أنه اجتماعٌ ظاهريٌّ فقط، مقصود لغيره وليس مقصودًا لذاته.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العداوة والبغضاء بين اليهود سوف تستمر، لكن إذا آمنوا تزول أو لا؟ تزول بلا شكٍّ؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار: «كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي، وَمُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَكُمُ اللَّهُ بِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣٠)، ومسلم (١٠٦١ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم. ]]، والأنصار كما تعلمون بينهم عداوات وبغضاء في الجاهلية.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة، وهو اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين، وسُمِّي بذلك لوجوه ثلاثة؛ الوجه الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين، والوجه الثاني: أنه يُقام فيه العدل كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [يس ٥٤] وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء ٤٧]، والثالث: أنه يقام فيه الأشهاد؛ تُستشهد الرسل، ثم الأُمَم، ثم الجلود والأعضاء، ويتبين الأمر وينكشف، ويظهر ما في الصدور، فلذلك سُمِّي يوم القيامة.

هناك قيامةٌ صُغرى لكنها لا تُراد في هذه الآية، وهي موت الإنسان؛ فإن كلَّ من مات فقد قامت قيامته؛ لأنه انتهى من الدنيا ودخل في عالم الآخرة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البُشرى التامَّة للمسلمين بأن اليهود لن تقوم لهم قائمة في الحروب؛ لأنهم كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ولم ينالوا بها مقصودهم، وإن كانوا قد ينالون بعض الشيء لكنهم لن ينالوا المقصود الذي يريدونه بإشعال نار الحرب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَطْفَأَهَا﴾، و﴿أَطْفَأَهَا﴾ متى يكون؟

* الطلبة: بعد إيقادها.

* الشيخ: بعد إيقادها، وهذا فِعلٌ متجدِّد، وفيه ردٌّ واضحٌ على الذين منعوا قيام الأفعال الاختيارية بالله وقالوا: إن الله لا يمكن أن يأتي، ولا يستوي على العرش، ولا يتكلم بإرادته ومشيئته، بل كلامه معنًى قائم بنفسه لا يتعلَّق بإرادته، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يغضب. إلى آخر ذلك، كل صفةٍ تتجدَّد فهي عندهم مُلْغاةٌ منتفيةٌ عن الله، حُجَّتهم واهيةٌ جدًّا وداحضةٌ عند الله؛ يقولون: إن الأفعال الاختيارية التي تتجدَّد لا تقوم إلا بحادثٍ. بناءً على قاعدةٍ قاعدةٍ في الحقيقة، هي قاعدةٌ غير قائمة؛ يقولون: الحادث لا يكون إلا بحادث. من أين لهم هذا؟! الحادث يكون بالحادث والقديم، حوادث أفعالنا نحن حادثة قائمة بحادث، لكن حوادث البارئ جل وعلا حادثة لكنها قائمة بأزليٍّ ليس بحادث.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: محبة اليهود للفساد في الأرض وسعيهم في ذلك سعيًا حثيثًا؛ لقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾، ومن شاهد الواقع الآن عرف أن الآية منطبقةٌ تمامًا على يهود الوقت الحاضر أنهم يسعون في الأرض فسادًا بكل ما يستطيعون؛ إن استطاعوا بأنفسهم أو بعبيدهم الذين هم عبيدٌ لهم، ولهذا نقول: اليهود الآن عابد ومعبود، اليهود حقيقةً هم عبيدٌ ومُعَبِّدون؛ لأنهم يسخِّرون الدول الكبرى أن تفعل ما فيه مصلحتهم، وهم أيضًا أذناب للدول الكبرى؛ لأن الدول الكبرى آمنةٌ منهم وتريد أن تلقيهم في مكان ما من أجل أن يُفسدوا في الأرض، فهُمْ يسعون في الأرض فسادًا في كل وقت، نسأل الله تعالى أن يكبتهم ويخيِّبهم.

5:65Page 119

وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥

And if only the People of the Scripture had believed and feared Allāh, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ المراد بأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، والكتاب المشار إليه هو التوراة والإنجيل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.

وقوله: ﴿آمَنُوا﴾ بالقلوب، ﴿وَاتَّقَوْا﴾ بالأفعال، وهذا إذا جمع بين الإيمان والتقوى؛ فالإيمان بالقلب والتقوى بالجوارح، الإيمان سِرٌّ والتقوى علانية، أمَّا إذا أُطلِق أحدهما فإنه يدخل فيه الآخر ضِمنًا.

﴿آمَنُوا﴾ أي: بما يجب الإيمان به، ومنه الإيمان بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل معروفٌ بأوصافه، ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] و[الأنعام: ٢٠]، هل أحدٌ يجهل ابنه؟ لا، وعلَّقه بالأبناء لأن تعلُّق الإنسان بالابن أقوى من تعلُّقه بالبنت، فتكون معرفته للابن أبلغ من معرفته بالبنت، ولأن الابن يسير معه في تجارته، في حراثته، في كل شيء، فهو يخبر ظاهره وباطنه، لكن البنت محلُّها البيت ولا يخبرها تمامًا إلا أمها، فهُمْ يعرفون الرسول كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك لم يؤمنوا به، فيكون الإيمان عندهم منتفيًا أو ثابتًا؟ منتفيًا؛ لأنهم ما آمنوا، حتى لو قالوا إنهم مؤمنون بموسى إن كانوا يهودًا أو بعيسى إن كانوا نصارى فهم كاذبون.

وأما ﴿وَاتَّقَوْا﴾ فالمعنى: التقوى: اجتناب ما حرَّم الله والقيام بما أمر، وهذا في العلانية، الجوارح؛ الأقوال والأفعال، والتقوى هي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه وتصديق أخباره، هذه هي التقوى.

﴿لَكَفَّرْنَا﴾ هذه جواب (لو) ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾.

واعلم أن (لو) تقع اللام في جوابها كثيرًا، وقد تُحذف، وقد اجتمع ذلك في آخر سورة الواقعة؛ فقال الله تعالى في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥] وقال في الماء: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، فأثبت اللام في الأول ولم يثبتها في الثاني، أما إذا كان جوابها (ما) النافية فإنها لا تُقرَن بها إلا نادرًا، وأما ما اشتهر عند الفقهاء وعند كثير من الناس وهو قرنُ اللام بـ(ما) فهذا لغة لكنها قليلة، فالأفصح أن تقول: لو كان كذا ما حصل كذا. ولكن لا بأس أن تقول: لَمَا حصل كذا. إذن الإثبات والنفي بـ(ما) متقابلان؛ الأكثر في الإثبات أيش؟

* طالب: بلا لام.

* الشيخ: لا، الأكثر باللام، والأكثر في النفي بـ(ما) حذف اللام، ومنه قول الشاعر في إثبات اللام:

وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي

الشاهد قوله: لَمَا افترقنا، ولكن لا خيار مع الليالي.

وقوله: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: خطيئاتهم؛ يعني: معاصيهم، سواء كانت بترك واجبٍ أو بفعل محرَّمٍ؛ لأن الإيمان والتقوى يُكفِّران السيئات.

﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ هذا ثواب الآخرة؛ ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، فانتفى عنهم ما يكرهون بتكفير السيئات، وحصل ما يحبون بإدخال جنات النعيم.

وقوله: ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ جمع جَنَّة، وجُمِعت لأنها أنواع، وقد ذكر الله في سورة الرحمن كم نوعًا؟

* الطلبة: أربعة.

* الشيخ: أربعة أنواع، والْجَنَّة في الأصل هي البستان الذي كثرت أشجاره حتى صارت تغطي أرضه؛ لأن الأصل في هذه المادة (الجيم والنون) الاستتار والخفاء، ومنه سُمِّي الجِنُّ جِنًّا.

والبستان كثير الأشجار جنة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف ٣٢] لكن لا ينبغي أن تقول مثل هذا القول عند العامة؛ لأنك لو قلت: إن الأصل في الجنة أنها البستان كثير الأشجار، لكانت تَقِلُّ عظمةُ الجنة في نفوسهم، ولكننا نفسِّر الجنة التي في القرآن بأنها الدار التي أعدَّها الله تعالى لأوليائه، وفيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ لأن هذا يُبقي هيبتها في النفوس وقوَّةَ الرغبة فيها.

وقوله: ﴿النَّعِيمِ﴾ أيُّ نعيمٍ؛ أنعيم البدن، أم نعيم القلب، أم هما؟

* الطلبة: هما معًا.

* الشيخ: نعم، هما جميعًا؛ نعيم البدن: ينعم الإنسان بكل أنواع النعم، ونعيم القلب: لا يمكن أن يلحقه هَمٌّ ولا غَمٌّ ولا حزنٌ، بل هم دائمًا في أُنس؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان ١١]؛ النضرة في الوجه كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢]، والسرور في القلب، فما بالك بنعيم يكون فيه النضرة التي تبهج الناظر في الوجه، والسرور في القلب الذي ليس فيه حزنٌ ولا هَمٌّ ولا غَمٌّ، اللهم اجعلنا من هؤلاء الذين يدخلون جنة النعيم.

* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، يعني الإنسان أحيانًا يجد نفسه، وهو إن كان صالحًا في نفسه، إلا أنه لا يجد عنده القوة والقدرة على الإصلاح، يحسّ بالهيبة والرهبة، فكيف تزول هذه الصفة؟

* الشيخ: الحمد لله، هذه تزول إذا قرأتَ قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] وعرفتَ أنك قُمتَ بما استطعتَ، فأنت إذا قمت بما استطعت كأنما قمت بالكمال كله؛ لأنك ممتثل لأمر الله، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، لكن الذي يدخل على الإنسان في هذه المسألة هو التأويل أحيانًا؛ إذ يقول مثلًا لنفسه: المقام هنا، ليس المقام التذكير أو أمر أو نهي، لعلي أتكلم في مكان آخر. أو ما أشبه ذلك، هذا اجتهاد، فالإنسان مأجور عليه، إما أجران وإما أجر واحد، وأمَّا أن يكلِّف الإنسان نفسَه وأن يريد من الناس أن يَصلحوا على يديه هذا مستحيل، بل قال الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود ١٢]، ويقول: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]، ويقول: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف ٦].

* الطالب:شيخ، إذا كانت هذه صفة دائمة؟

* الشيخ: يحاول يعالج، لا يكُن جبانًا، ولا يكُن ثقيلًا على الناس أيضًا، والإنسان الذي يسأل الله دائمًا التوفيق والحكمة والسداد ييسَّر لذلك.

* طالب: حفظك الله يا شيخ، بعض العلماء يقسم علوَّ الله سبحانه وتعالى إلى علوِّ ذاتٍ وقَدْرٍ وقهرٍ، فعلوُّ الصفات في أي الأقسام يدخل؟

* الشيخ: الصفات يدخل فيها القدر والقهر؛ إذا قلنا: علو ذات وعلو صفات، شمل القدر والقهر.

* الطالب: كيف يدخل فيه علو قهر؟

* الشيخ: القهر لأن الله قال في القرآن الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣]، وقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران ١٣٩] هذا علو القهر.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: البغض مذكر والبغضاء مؤنث، والمعنى واحد.

* طالب: قلنا: يلزم أن الفاسد في نفسه يكون مفسدًا. لكن يا شيخ نجد أن بعض المفسدين الحقيقيين يكونون مفسدين لآلاف الناس، فلا يُقارَن بمن هو فاسد في نفسه أو عاصٍ.

* الشيخ: معلوم، ما فيه شكّ، ما يُقارَن، حتى الإفساد يختلف، حتى من يدعو إلى بدعة أو يدعو إلى فُحش أو غير ذلك يختلف، لكن إذا قلنا: إن الفساد في الأرض بالمعاصي، فكل عاصٍ له نصيب من هذا.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هل القول في المعيَّة كالقول في القرب ونحوه من أنها صفةٌ حقيقية لله تليق بجلاله؟

* الشيخ: إي نعم، شيخ الإسلام رحمه الله نص على هذا في العقيدة الواسطية، وهو معنا حقيقةً، وعلى عرشه حقيقةً.

* الطالب: الإشكال -حفظكم الله- هو هذا ما نعتقده، ولكن هل يُشكل عليه ما ذكره شيخ الإسلام نفسه من ضرب المثال بالقمر والنجم، فهذا كأنه يقول بأن هذا أسلوب عربي وهو ليس بتأويل، إنما هذا هو المفهوم من السياق كما قلنا: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر ١٤] ونحو ذلك، فكيف..؟

* الشيخ: هذا صحيح، ولهذا يفرق حتى في كلام الناس؛ يقال للرجل: زوجته معه، ويقال: متاعه معه، ويقال: دراهمه معه، ويقال: ساعته وخاتمه معه، هو يفرق، أليس كذلك؟

* الطالب: بلى، إذن هما بمعنى واحد.

* الشيخ: المعنى واحد، القرب والمعية بمعنى واحد؛ لكن هذا القرب اختلف العلماء المعاصرون رحمهم الله أو علماء الخلف: هل هو ينقسم كالمعية إلى عامة وخاصة أو لا؟ والظاهر أنه لا ينقسم؛ أن القرب يختص بالعابد والداعي فقط كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦]، هذا بالنسبة للداعي.

بالنسبة للعابد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]]، ولا يمكن أن نقول: إن الله قريب من الكافرين، مثلًا؛ لأن القرب شَرَفٌ ورِفعةٌ، لكن نقول: إن الله مع الكافرين كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨]، فالذي يظهر لي أن المعية تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، والقرب خاص فقط ولا يكون عامًّا.

* طالب: بعض الناس يعبِّرون عن بعض البلاد الجميلة بأنها جنة الله في الأرض، هل يصحُّ مثل هذا التعبير؟

* الشيخ: واللهِ يصلح، لكن إذا كان يُفهم منها أنها قطعة من جنة الخلد فلا يجوز، فكل اللِّي في الأرض فهو لله عز وجل، لكن على كل حال عند العامة لا ينبغي أن تعبِّر به، قد يفهمون منه معنى غير صحيح.

* طالب: (...) ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس ٧١] و﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر ١٤] (...) في الرد على شبهة هؤلاء مختلف في هذه الآية عن هذه الآية بالرغم أن الظاهر أن الرد يكون واحد..

* الشيخ: الإشكال في هذا غير الإشكال في هذا.

* الطالب: (...).

* الشيخ: لا، يختلف الإشكال.

* * *

* طالب: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾.

* الشيخ: أحسنت.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا﴾ إلى آخره.

* يستفاد من ذلك: كمال عدل الله عز وجل وأنَّ كل من آمن واتقى ولو بعد الكفر والعناد فإن الله تعالى يتوب عليهم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التائب من الذنب يُثاب بثوابين: ثواب الدنيا وثواب الآخرة؛ ثواب الآخرة لقوله: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، وثواب الدنيا في قوله: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله سبحانه وتعالى الاختيارية؛ لقوله: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾؛ لأن هذا التكفير متى يكون؟ بعد إيمانهم وتقواهم، فيكون فيه دليل على إثبات أفعال الله الاختيارية، وهذا هو الذي عليه السلف الصالح وأئمة أهل السنة؛ أن الله عز وجل يفعل ما يشاء في أيِّ وقتٍ وعلى أيِّ كيفية.

وأما من قال: إن الأفعال الاختيارية لا يمكن أن تُنسب إلى الله لأنها حادثة، والحادث لا يقوم إلا بحادث. فقوله مردود؛ أولًا: أنه قياسٌ باطلٌ لمصادمته النص، والثاني: أنه قياسٌ غير صحيح؛ مَن قال: إنه يلزم من قيام الحوادث بصاحبها أن يكون حادثًا؟!

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الجزاء يكون بالنجاة من المرهوب وحصول المطلوب؛ يشير إلى الأول قوله: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾، وإلى الثاني قوله: ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾؛ فالأول به النجاة من المرهوب، والثاني به حصول المطلوب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنات فيها النعيم المطلق الذي يشمل نعيم البدن ونعيم الروح، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان ١١]؛ قال العلماء: النضرة في الوجه، والسرور في القلب.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском