Ibn 'UthayminAl‑Ma'idah · 5:74–76

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:74–76

5:74Page 120

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤

So will they not repent to Allāh and seek His forgiveness? And Allāh is Forgiving and Merciful.

ثم قال الله عز وجل: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ الاستفهام هنا ليس استفهام استخبار أو استعلام لأن الله يعلم، لكن قيل: إنه للعَرْض، وقيل: إنه للتوبيخ، فمن العلماء من قال: إن الاستفهام للتوبيخ؛ أي أن الله يوبخهم على عدم التوبة والاستغفار، ومنهم من قال: إن الله يعرض عليهم فهو عرض، كما تقول للشخص: ألا تزورنا؟ والأليق بكرم الله عز وجل وجوده أن تكون للعرض أي أن الله عرض عليهم التوبة، فحينئذ نقول: الاستفهام للعرض.

طيب، في الإعراب ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ﴾ معروف أن الهمزة لها الصدارة، وهنا جاءت الفاء العاطفة فكيف يستقيم الكلام؟ يعني إذا جاءت الفاء العاطفة فهذا يعني أن الجملة التي بعدها أيش؟ معطوفة على ما قبلها، وهذا فيه إشكال بأن الاستفهام له الصدارة، فاختلف النحويون في هذا؛ منهم من قال: إن همزة الاستفهام داخلة على جملة، والفاء عاطفة على تلك الجملة التي هي مدخول الهمزة، وحينئذ يكون الاستفهام له الصدارة، بماذا نقدر هذه الجملة؟ يقول: باعتبار السياق، انظر المناسب للسياق وقدِّرْه، وكل سياق له ما يناسبه، فمثلًا: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ كيف نقدِّر؟ أستكبروا فلا يتوبون إلى الله على القول بأنها، أيش؟ للتوبيخ، لكن على القول بأنها للعرض؟ نعم (...) هذه كلها تدل على التوبيخ لكن العرض يُقَدَّر فعل يدل على جود الله وكرمه مثلًا: أغفلوا عن كرم الله وجوده فلا يتوبون.

وقال بعض المعرِبين؛ بعض النحويين: إن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، وأن الأصل أن الفاء مقدمة على الهمزة، والتقدير: فألا يتوبون، وتكون الهمزة هنا في صدر جملتهم المعطوفة على ما سبق، وهذا لا شك أنه أهون على الإنسان من جهة التقدير؛ لأنه قد يصعب على الإنسان أن يقدر جملة مناسبة للسياق، فإذا قلنا: الهمزة للاستفهام ومحلها بعد الفاء، والفاء مزحلقة عن مكانها سهل الأمر.

قوله: ﴿يَتُوبُونَ﴾ أي: يرجعون؛ لأن تاب وثاب وأناب وما أشبهها كلها معانيها متقاربة، فـ﴿يَتُوبُونَ﴾ إلى الله أي: يرجعون إلى الله من معصيته إلى طاعته، من الشرك إلى التوحيد، من التعطيل إلى الإثبات وهلُمَّ جرًّا.

﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ يسألونه المغفرة، فما هي المغفرة؟ أحسن ما قيل فيها: إنها: ستر الذنب والتجاوز عنه، هذه المغفرة؛ لأنها مشتقة من المِغْفَر وهو الذي يوضع على الرأس لاتقاء السهام عند القتال، و المِغْفَر فيه ستر ووقاية، ولا ينبغي أن نقول: إن المغفرة ستر الذنب فقط، بل نقول: هو ستر مع عفو ووقاية من العذاب، ويؤيد هذا الاشتقاق أنه مشتق من المغفر، وربما يؤيده ما ثبت في الحديث الصحيح: «أن الله عز وجل يخلو بعبده المؤمن فَيُقَرِّرُه بذنوبه، فإذا أقر بها، قال الله له: إني قد سَتَرْتُهَا عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث عبد الله بن عمر.]]. ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الجملة معطوفة على ما سبق لكنها تفيد أنه عز وجل أَهْلٌ لأن يُسْتَغْفَر، وأنه إذا استُغفر غفَر فإنه غفور رحيم، ودائمًا يُقْرِن الله تعالى بين هذين الاسمين الكريمين؛ لأن بالأول يَزول المرهوب وتُغفَر الذنوب، وبالثاني يَحْصُل المطلوب؛ لأن الرحمة جلب الخير والإحسان.

* في هذه الآية الكريمة: الحث على التوبة إلى الله عز وجل، وتوبيخ من لم يتب، والتوبة كما قلنا: هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، والمعصية لها أنواع، ذكَر العلماء رحمهم الله أن التوبة لها شروط وهي خمسة: الإخلاص، الندم، الإقلاع، العزم على ألا يعود، أن تكون في وقت تُقْبَل فيه التوبة، خمسة شروط: الإخلاص، بمعنى ألا يكون الحامل للإنسان على التوبة مراءاة الناس أو الحصول على شرف أو جاه أو ما أشبه ذلك وإنما يحمله على التوبة مخافةُ الله عز وجل ورجاءُ ما عنده.

ثانيًا: الندم على ما فُعِلَ من المعصية.

فإن قال قائل: الندم انفعال والانفعال ليس فِعلًا فكيف يكون اختياريًّا بحيث نشترطه على التائب؟

نقول: المراد بالندم لازمه بمعنى ألا يكون عنده فعل المعصية وعدمه سواء، بل تجده حزينًا يتمنى ألَّا يفعل، وإلا لو قلت لك مثلا: اندم، ما تندم، هو انفعال، لو قلت لك: افرح، ما تقدر تفرح إلا بوجود سبب يقتضي ذلك، ولهذا اعترض بعض العلماء على هذا الشرط وقال: هذا شرط لا يمكن إدراكه لأنه انفعال نفسي كالغضب والفرح والحزن، فيقال: لا، هو يمكن بمعنى أن يكون الإنسان يشعر بأنه لا يستوي عنده فعل المعصية وعدمه.

الثاني: الإقلاع عن المعصية.

* طلبة: الثالث.

* الشيخ: الثالث: الإقلاع عن المعصية؛ لأن من قال: إنه تائب، وهو مُصِرٌّ على المعصية فهو كالمستهزئ بالله عز وجل، كيف تقول: أتوب إليك يا رب، وأنت تبارز بالمعصية، هذا غير صحيح، لا بد أن يقلع، فإذا كانت المعصية بأخذ مال غصبًا أو سرقة أو جحدًا فلا بد من إعادته إلى صاحبه وإلا فهو كاذب في توبته، إذا كانت التوبة من الغيبة فلا بد أن يقلع عنها وأن يبتعد عن المجالس المعمورة بها، وإلا فهو كاذب، لا بد أن يُقْلِع.

لو قدَّرنا أنه يلزم من إقلاعه أن يستعمل بعض ما كان عاصيًا به؟ قلنا: لا بأس، وضربوا له مثلًا برجل قد غصب أرضًا ثم ندم وتاب وهو الآن في وسطها ويريد أن يُخرج الجرافات ويخرج الحفارات وغيرها، فهو في هذه الحال في وسط الأرض لا بد أن يستعملها، لا بد تمشي عليها الحرافات والجرافات وغيرها، فهل نقول: إن عمله الآن معصية أو لا؟ لا، هذا ليس بمعصية بل هذا طاعة؛ لأنه يستعمل هذا ليتخلص منه، يستعمله ليتخلص منه، ولذلك تجد الواحد منا يستنجي ويمس النجاسة بيده ولا نقول: إنك آثم ولا إنك فاعل مكروهًا، بل نقول: إنه مأجور ومثاب على ذلك مع أنه يباشر النجاسة بيده، لكن لأيش؟ ليتخلص منها، كذلك لو أن الإنسان تطيب في إحرامه -والطيب في الإحرام حرام- ثم تاب وندم وأراد أن يزيله بغَسْلِه فلا بد أن يمسه بيده، فمسُّه بيده الآن طاعة؛ لأنه للتخلص من هذه المعصية.

الشرط الرابع: العزم على ألا يعود في المستقبل، وليس المعنى ألَّا يعود في المستقبل، بل المراد العزم على ألَّا يعود، فإن عاد يومًا من الدهر لم تبطل توبته الأولى ما دام حين التوبة عازمًا على ألَّا يعود؛ لأن الإنسان بشر قد تُسَوِّل له نفسه بعد التوبة أن يعود إلى المعصية، فإذا عاد فإن توبته الأولى لا تبطل، لكنه يحتاج إلى توبة جديدة، طيب، إذن العزم على ألا يعود، ولا نقول: بشرط ألا يعود، وأظن الفرق بينهما واضح.

الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقتٍ تُقْبَل فيه التوبة، وذلك بأن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها؛ لأن الشمس لا بد أن ترجع من حيث غربت فإذا رجعت من حيث غربت آمن الناس كلهم؛ لأنهم حينئذ يؤمنون بأن لها ربا يدبرها لأنها خرجت عن المألوف، خرجت عن العادة فيؤمن الناس لكنه لا ينفعهم إيمانهم إلا من آمن من قَبْل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨]، وكذلك التوبة لا تُقبَل إذا حضر الأجل لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء ١٨] فإذا حضر الأجل وشاهد الإنسان الغيب أي ما كان غائبًا وما كان يُنْكِره من قَبْل إذا شاهده وآمن ما ينفع، لا تُقْبَل التوبة.

فإن قال قائل: ألم يَعْرِض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم التوبةَ على عمِّه في سياق الموت؟

قلنا: بلى، لكن الرسول ﷺ عرض عليه ذلك وقال: «كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٤) واللفظ له، ومسلم (٢٤ / ٣٩) من حديث المسيب بن حزن.]] يعني أنه لم يجزم بأنها تنفعه، بل قال: «أُحَاجُّ لَكَ»، والمحاجَّة قد تنفع وقد لا تنفع.

فإن قال قائل: هل تصح التوبة مِن ذنب مع الإصرار على غيره؟

فالجواب: في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: لا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؛ لأن التوبة هي الرجوع إلى الله، وهذا رجع رجوعًا مُوَزَّعًا فلا ينفعه، ومنهم من فَصَّل قال: إذا كانت التوبة من ذنب مُصِرٍّ على جنسه فإنها لا تُقْبَل، كما لو تاب من النظر إلى النساء ولكنه مصرٌّ على غمز النساء، فهنا لا تقبل التوبة؛ لأنه مُصِرٌّ على جنس الذنب، فالجنس واحد وإن كان الأفراد مختلفة أو الأنواع مختلفة.

ومنهم من قال: تُقْبَل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لكنه لا يَستحق أن يوصف بأنه تائب على الإطلاق، بل نقول: هو تائب من كذا، فيستحق توبة أيش؟ مقيَّدة فلا يُعطَى الوصف المطلق ولا يُسْلَب مطلق الوصف بل يقال: هو تائب من كذا، وهذا هو أعدل الأقوال؛ لأن هذا فيه العدل إذ لا يمكن أن ننفي عنه التوبة مطلقًا ولا يمكن أن نثبتها مطلقًا، نقول: هذا تائب لكنه لم ينجُ من العذاب؛ لأنه مُصِرٌّ على معصية أخرى فسيعاقب عليها.

* ومن فوائد الآية الكريمة: عَرْض الله تبارك وتعالى على هؤلاء الكافرين أن يستغفروه أي: يطلبوا المغفرة، وطلب المغفرة له وجهان؛ الوجه الأول: أن يسأل الله المغفرة بالصيغة فيقول: أستغفر الله، اللهم اغفر لي، وما أشبه ذلك، الوجه الثاني: أن يفعل ما يكون سببًا لمغفرة الذنوب، فمن فعل شيئًا هو سبب لمغفرة الذنوب فقد استغفر، مثال ذلك: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِئَةَ مَرَّةٍ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٠٥)، ومسلم (٢٦٩١ / ٢٨) من حديث أبي هريرة.]] هذا الرجل ما قال: اللهم اغفر لي خطاياي، ولكنه فَعَلَ ما يكون سببًا للمغفرة، وعلى هذا فالاستغفار له جهتان، الجهة الأولى: أن يسأل الله المغفرة بصيغة المغفرة، اللهم اغفر لي، أستغفر الله، وما أشبه ذلك، الثاني أو الجهة الثانية: أن يفعل السبب الذي تكون به المغفرة وهو أنواع متعددة، فمثلاً «إِذَا تَوَضَّأَ الْإِنْسَانُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدَّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٩)، ومسلم (٢٢٦ / ٣) من حديث عثمان بن عفان.]] «الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا»[[أخرجه مسلم (٢٣٣ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]] وأمثلة كثيرة، نعم.

* طالب: من قال: إن التوبة من التقصير ليست أقل من التوبة من الذنب، فهل هذا (...) صحيح؟

* الشيخ: يعني معناه ليست أقل من عدم الوجوب يعني؟

* طالب: ليست أقل من (...).

* الشيخ: التقصير إذا كان تقصيرًا في واجب فنعم يجب أن يتوب منه، وإن كان تقصيرًا في غير الواجب فلا تجب التوبة؛ لأن غير الواجب الإنسان في حِلٍّ منه.

* طالب: إذا قال قائل: إن النبي ﷺ حين دخل على اليهودي الذي كان (...)، ثم أسلم هذا اليهودي قال النبي ﷺ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ» » (...).

* الشيخ: «بِي مِنَ النَّارِ»، توجيهنا لهذا أنه الرجل هذا ما حضره الموت لكنه مريض وقريب من الموت ولذلك جعل ينظر إلى أبيه كأنه يستشيره.

* طالب:(...).

* الشيخ: (...) هذا، ويؤيد أيضًا أن الله تعالى يحب التوابين ويحب المستغفرين.

* طالب: (...).

* الشيخ: (...) اللي يقول: المسيح ابن الله، واللي يقول: إن الله ثالث ثلاثة، والذي نعلم منهم أن غالبهم يقولون: إن الله (...) متعدد في الاسم فقط ومتحد في الذات، له ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس، لكن الأحكام طوائف متعددة.

* طالب: في قوله تعالى (...).

* الشيخ: يقدَّر قَسَم.

* طالب:(...).

* الشيخ: إي؛ لأن الجزم اللفظي بـ(لم) المباشرة، بعضهم يقول: الجملة في محل جزم، وبعضهم يقول: إن هنا عاملين تَسَلَّطَا على الفعل.

* طالب: القاعدة التي تقول: إن المقاصد الشرعية لا تترك إلا (...) فهل هذا صحيح.

* الشيخ: كيف المقاصد الشرعية؟

* طالب: يعني إذا كان الإنسان (...)، فلا يجوز له (...).

* الشيخ: هات المثال ما يمكن تحكم على قاعدة.

* طالب: يعني مثلًا كون الإنسان إذا أراد أن يزجر إنسانًا (...) فساد ما يتأتى له ذلك إلا إذا فعل معصية يسيرة (...)ككونه مثلًا يجلس معه في مكان فيه معاص رجاء (...)؟

* الشيخ: أنا لا أرى أن الوسائل المحرمة لا تكون سبيلًا للإرشاد أبدًا، الوسائل المحرمة لا تكون سبيلًا للإرشاد، فلو مثلًا قلنا: هذا الرجل ما يمكن يهتدي إلا إذا جبت الموسيقى تضربها له، ما نضربها له، ندعوه إن اهتدى فلنفسه وإلا فعليها.

* طالب: مهما صغر حجم الذنب؟

* الشيخ: مهما صغر.

5:75Page 120

مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥

The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food.1 Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة ٧٥ - ٧٩].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ في الإعراب ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ من المعروف أن القرآن بلسان قريش؛ لأن لسان قريش أفصح لسان العرب، وأن (ما) عندهم تعمل عمل (ليس) كقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١] لكنها هنا لم تعمل لانتقاض النفي ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ وإذا انتقض النفي أهملت ولم تعمل عمل (ليس).

فإذا قلت: ما محمد قائمًا، فهذا صحيح، ما محمد إلا قائم؟ صحيح، ما محمد إلا قائمًا؟ غلط؛ لأنه إذا انتقض النفي وجب إهمالها.

يقول عز وجل: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ المسيح بن مريم هو ابن مريم بنت عمران وسمي مسيحًا؛ لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بَرِئ بإذن الله، وأما المسيح الدجال فإنه يسمى مسيحًا؛ لأنه ممسوح العين أعور، وقيل: لأنه يمسح الأرض بالسير عليها؛ لأنه يسير فيها كالسحاب استدبرته الريح.

﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ يعني وليس إلهًا كما زعم هؤلاء، بل هو رسول مرسل من قِبَل الله عز وجل وهو الله تبارك وتعالى.

﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي: مضت من قبله الرسل فليس ببدع من البشر؛ لأن الرسل سبقوا فهو مثلهم.

﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ يعني: أمه من الصدِّيقات أي الصادقة في القول والعقيدة، المصدقة لمن قامت الأدلة على صدقه؛ لأن الصدِّيق هو الصادق المصدِّق؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣] هذا هو الصديق، فأمه رضي الله عنها صِدِّيقَة وهي من النساء الكُمَّل التي قال فيها النبي ﷺ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا أَرْبَعٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وذكر منهن مريم بنت عمران.

﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ ﴿كَانَا﴾ الضمير يعود على المسيح وأمه.

﴿يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ فهما محتاجان للغذاء مفتقران إليه فلا يصح أن يكونا إلهين؛ لأن الإله مستغن عن غيره كما قال الله تعالى في وصف نفسه: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام ١٤].

﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ ﴿انْظُرْ﴾ أيها المخاطب، وأول مَن يدخل في هذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

﴿كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ يعني: ﴿انْظُرْ﴾ كيفيته؛ ولهذا نقول: إن ﴿كَيْفَ﴾ هنا مفعول ﴿انْظُرْ﴾ وليست اسم استفهام، بل هي مفعول ﴿انْظُرْ﴾ أي: انظر كيفية تبيين الآيات لهم.

﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ﴾ أي: نوضح ﴿لَهُمُ﴾ أي: لبني إسرائيل الذين ادَّعوا أن عيسى وأمه إلهان.

كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: العلامات الواضحة الدالة على أنهما لا يصلحان أن يكونا إلها؛ لأنهما ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾، ولأن عيسى رسول قد خلت من قبله الرسل فلا يصح أن يكون إلهًا وهو مرسل من قبل الإله.

﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿أَنَّى﴾ بمعنى (كيف) يعني: ثم انظر نظرة أخرى كيف ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ أي: يُصْرَفون عن الحق مع وضوحه وجلاله، وكل هذا في تقرير التوحيد، توحيد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته وإبطال ما عليه هؤلاء النصارى.

* ففي الآية فوائد؛ منها: أن الإنسان يُنْسَب إلى أمه إذا لم يكن له أب؛ لقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فنسبه إلى أمه.

وهل إذا نسب إلى أمه إذا لم يكن له أب هل ترثه ميراث أب؟

الجواب: نعم على القول الراجح، ترثه ميراث أب، مثال ذلك: امرأة زنا بها رجل -والعياذ بالله- وولد الزنا لا يَلْحَق الزاني بل يكون له أم وليس له أب، إذا مات عنها، فهل ترثه ميراث أب ونقول: فيما لو مات هذا الولد عن أمه، وعن أخيه فإن الميراث يكون لأمه، أو ترثه ميراث أم ويرثه عصبته ميراث عصبة؟

في هذا قولان للعلماء، والصحيح أنها ترثه ميراث أب، وعلى هذا ففي المثال الذي ذكرنا يكون مال هذا الولد لأمه وليس لإخوته من أمه ولا لأعمامه من أمه؛ لأنه ليس له جهة عصبة إلا من جهة أمه، أمَّا من جهة أبيه ليس له أب حتى يكون له عصبة من جهة الأب.

* ومن فوائد هذه الآية: أن المسيح عيسى بن مريم رسول من رسل الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِلَّا رَسُولٌ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الوصف الذي ينحصر فيه عيسى بن مريم ولا وصف له سواه هو أنه رسول، ولا يمكن أن يكون الرسول إلهًا؛ لأنه مُسْتَعْبد من جهة مُرْسِله، مُكَلَّف من جهة مرسله.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل يموتون؛ لقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ وهو إشارة إلى أن عيسى سيموت كما مات غيره.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل لا يصح أن يكونوا إلها، وجه ذلك أن الإله لا يموت والرسل يموتون.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على مريم عليها السلام؛ لقوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ فهي إذن من الطبقة الثانية من طبقات البشر، ما هي الطبقات؟ أربعة: الأنبياء، الصديقون، الشهداء، الصالحون.

* ومن فوائدها: الرد الواضح على اليهود الذين ادَّعوا أن مريم بَغِيٌّ، قاتلهم الله؛ لأن البَغِيَّ لا يمكن أن تكون صِدِّيقَة، فإن البِغاء من كبائر الذنوب.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الاستدلال بحال مَنْ يَتَحَدَّث عنه على ما لا يمكن أن يتصف به مع وجود هذه الحال، وهو قوله: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ فهذا استدلال بحالهما على أنهما لا يصح أن يكونا إلهين.

* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الإله وهو الله عز وجل لا يحتاج إلى الطعام؛ لقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾.

* ومن فوائدها: الاستدلال بالأوضح الأَجْلى دون الأخفى؛ لأن أكلهما للطعام أمر لا يمكن، لكن لو جيء بأدلة عقلية أخرى ربما يكون فيها جدل، لكن الاستدلال بالمحسوس أبلغ من الاستدلال بالمعقول؛ لأن المعقول يمكن فيه الجدل لكن المحسوس لا يمكن فيه الجدل.

* ومن فوائده هذه الآية الكريمة: الحث على الاعتبار والنظر؛ لقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ والأمر بالنظر جاء في عدة مواضع من القرآن الكريم وجاء بخصوص وعموم، فقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس ١٠١] هذا عام، وهذه الآية وأمثالها خاص.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على أهل التفويض في أسماء الله وصفاته؛ لأن أهل التفويض يقولون: إن كل النصوص القرآنية والنبوية في أسماء الله وصفاته مجهولة المعنى لا تُعلم، حتى إن النبي ﷺ يقول الحديث وهو لا يعلم عن معناه؛ ولهذا سُمُّوا أهل التجهيل.

وإذا قرأت بعض كتب العلماء المعتَبرين لدينا ولدى غيرنا تجدهم يقولون في أهل التفويض: إنهم أهل السنة فيقولون: أهل السنة قسمان: مفوضة، ومؤولة، فالمفوضة هم الذين يقولون: نحن لا نعلم شيئًا من معاني آيات الصفات وأحاديثه، وهذا مذهب السلف عندهم، والمؤولة هم الذين يحرفون نصوص الكتاب والسنة.

ولكنهم أخطؤوا خطأ عظيمًا من وجهين؛ الوجه الأول: دعواهم أن أهل التأويل من أهل السنة، وكيف يكونون من أهل السنة وهم يحرفون الكلم عن مواضعه؟ وكيف يكونون من أهل السنة وهم على النقيض من عقيدة أهل السنة؟ فلا ينبغي أبدًا أن نُسَمِّيهم أهل السنة اللهم إلا في مقابل الرافضة، في مقابل الرافضة سُنَّة وشيعة، الشيعة هم الرافضة، والسنة هم من يخالفهم في الاعتقاد وإن تخالفوا فيما بينهم.

فالصواب أن نقول: أهل السنة هم الذين تمسَّكوا بها واجتمعوا عليها واتبعوا السلف فيها.

والوجه الثاني: قولهم: إن أهل السنة يفوضون أو إن السلف يفوضون المعاني، هذا كَذِبٌ على السلف، كذب واضح على السلف، السلف لا يفوضون المعاني بل يُقَرَّرونها، يُقِرُّونها ويقررونها، وإنما يفوضون الكيفية، الكيفية نعم يفوضونها؛ لأن هذا هو العقل، لكن المعاني لا يفوضونها، بل يقولونها ويقررونها ويبينونها، وهذا شيء معروف عندهم، لو سألت أي واحد من السلف أو أي واحد من أتباع السلف: ما معنى قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥]؟ لقال معناه أيش؟

* طلبة: علا.

* الشيخ: وهل (علا) تحتمل عنده أيَّ معنى وهذا تفسير للمعنى، لكن لو سألته: كيف استوى؟ قال: الله أعلم لا أدري، ومن المعلوم أن أهل التفويض كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: من شر أهل البدع والإلحاد؛ لأنه يلزم على كلامهم لوازم فاحشة جدًّا؛ يلزم أن الرسل لا يعلمون معاني ما نزل إليهم، ومنها أن الرسل لا يعلمون معاني ما يقولون، ولا أحد لا يعلم معنى ما يقول إلا أن يكون مُبَرسَمًا أو مجنونًا، ومنها أنه فتح باب لأهل الإلحاد، هذا القول فتح باب لأهل الإلحاد؛ لأنك إذا قرأت ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر ٢٢] إلى آخر السورة، وقلت: والله ما أدري ما معاني هذه الاسم لا أعرف معانيه، جاءك أهل الإلحاد وقالوا: تنحى عن المعترك نحن الذين نعرف، ثم يؤولونها بل ثم يحرفونها على ما يريدون؛ ولذلك فتح هذا (...) أو هذا الذي ينسب إلى السلف فتح باب الإلحاد على مصراعيه؛ فمن ثم يقول: لا فائدة من القرآن ولا من السنة؛ لأنها غير معلومة، ثم لا حول ولا قوة إلا بالله جعلوها غير معلومة في زبدة الرسالة وخلاصتها وهي معرفة الله بأسمائه وصفاته.

إذن الخلاصة: أن مذهب أهل التفويض مذهب باطل، ومن نسبه إلى السلف فقد أخطأ، التفويض عند السلف وأتباعهم في؟

* طلبة: الكيفية.

* الشيخ: في الكيفية، وهذا هو العقل؛ لأننا نعلم معنى الاستواء على العرش لكن ما ندري على أي كيفية، نعلم معنى النزول إلى السماء الدنيا لكن لا نعلم على أي كيفية، ولا يحل لنا أن نتصور كيفية معينة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما بَيَّنه الله عز وجل في كُتُبِه المنزلة على الرسل كله آيات، آيات يعني دلالات وعلامات على الحق سواء القرآن أو التوراة أو الإنجيل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: العَجب من هؤلاء الذين بُيِّنت لهم الآيات ثم صرفوا عن الحق، والعياذ بالله؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.

* ومن فوائد الآية: أن هؤلاء أَفَكُوا عن الحق بعد أن تبين، بدليل كلمة ﴿ثُمَّ﴾ فإنها تفيد المهلة يعني بعد أن يتبين لك الآيات وتتبين لهم أيضًا يؤفكون عن الحق ويصرفون عنه.

عندنا الآن (أنَّى) و(كيف) معناهما يختلف؛ لأن ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ نظر تعجب وإنكار، وأما ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ فهو نظر تدبُّرٍ وإقرار.

5:76Page 120

قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦

Say, "Do you worship besides Allāh that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allāh who is the Hearing, the Knowing?"

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة ٧٦] ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد، أو قل: أيها المخاطب المُوَحِّد لمن؟ لكل من يَعبد من دون الله أحدًا، قل له: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾.

وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مِن سواه.

﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ يعني: لا يملك أن يَدفع الضُّر عنكم ولا أن يجلب لكم النفع، وقيل: المعنى ما لا يملك لكم ضرًّا لو عصيتموه ولا نفعًا لو أطعتموه، فعلى التفسير الأول يكون في الآية حذف، ما هو الحذف؟ ما لا يملك لكم دفع الضُّر، والقاعدة أنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام شيء محذوف أو لا يكون فما الأصل؟

* طالب: عدم الحذف.

* الشيخ: عدم الحذف، وعلى هذا فيكون ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾ يعني لو؟

* طالب: عصيتموه.

* الشيخ: عصيتموه وخالفتموه، ﴿وَلَا نَفْعًا﴾ لو أطعتموه.

﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يعني: كيف تعبدون ما لا يملك لكم ضرًا ولا نفعًا وتَدَعون من هو السميع العليم وهو الله عز وجل، السميع لما تقولون، العليم بما تعملون من قول وفعل.

* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: الإنكار على عابدي الأوثان؛ لأن الاستفهام في قوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ للإنكار.

* ومن فوائدها: أن الأصنام لا تملك نفعًا ولا ضرًّا، وهذا مُسلَّم به.

* وينبني على هذه الفائدة: ضلال أولئك الذين يعبدون الأصنام، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥] لا يسمعونها ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [الأحقاف ٦] فهم لا ينفعونهم في الدنيا ولا في الآخرة، بل يعادونهم.

فإن قال قائل: إنه قد يَدْعُو الإنسان الصنم في كشف ضُرٍّ فيُكْشَف الضُّر أو في جلب نفع فيأتي النفع والقرآن صريح بأن جميع الأصنام لا تنفع ولا تضر؟

فالجواب: أن هذا من الابتلاء وأنه يحصل عند دعائها لا بدعائها؛ لأننا نؤمن يقينًا بأنها لا يمكن أن تستجيب إلى يوم القيامة لو دُعيت إلى يوم القيامة ما استجابت، لكن قد يَفْتِن الله العباد بحصول الشيء أيش؟

* الطلبة: عنده.

* الشيخ: عند الدعاء لا بالدعاء، يكون الله عز وجل قد قدَّر حصول هذا الشيء في هذا الوقت المعين الذي كان فيه الدعاء وليس بالدعاء، نعلم بهذا يقينًا؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥].

وفي هذا الذي قررناه الحذر أي أن يحذر الإنسان من تسهيل أسباب المعصية له فإن الإنسان قد يُبْتَلَى وتُسَهَّل له أسباب المعصية فيقع فيها إلا من شاء الله؛ ولهذا كان مَنْ تيسرت له أسباب المعصية، ولكنه تركها لله كان أعظمَ أجرًا ممن لم تتيسر له.

انظر إلى الشاب الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، فهذا المدعو رجل دعته امرأة وهو شاب به الشهوة ليس عندهما أحد ولا يطلع عليهما أحد؛ لأنه لم يذكر مانعًا إلا أنه يخاف الله، وهذا يدل على أن جميع الأمور متيسرة له، لكن لما ترك هذا لله أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، اللهم اجعلنا من هؤلاء.

المهم أنه لو لَبَّس علينا أولئك القوم الذين يعبدون من دون الله ويدعونهم بحصول المقصود فالجواب؟ أن هذا لم يحصل بالدعاء قطعًا وإنما حصل عند الدعاء.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الضرر والنفع من الله عز وجل؛ لأنه أَعْقَب نفيَ الضرر والنفع لهذه الأصنام بقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وهو كذلك؛ قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦) من حديث عبد الله بن عباس.]].

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله عز وجل وهما: السميع والعليم.

هل هو سميع بسمع أو بغير سمع؟

* طالب: بسمع.

* الشيخ: ما هو الدليل أن له سمعًا من هذا الاسم؟

* طالب: لأن الأسماء لها معانٍ.

* الشيخ: الأسماء لها معانٍ، مشتقة من معانيها، السميع يعني،(...) السمع المضاف إلى الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: قسم بمعنى إدراك المسموع، وقسم بمعنى الاستجابة.

الأول ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يراد به التهديد، وقسم يراد به بيان الإحاطة، وقسم يُرَاد به النصر والتأييد، ثلاثة أقسام، هذا سمع أيش؟ سمع الإدراك إدراك المسموع، أما الأول: فكقوله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠] هذا تهديد.

وأما الثاني: الذي يُراد به بيان إحاطة الله عز وجل بكلِّ شيء فمثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى آخره [المجادلة: ١].

وأما الذي يراد به النصر والتأييد فمثل قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].

وأما الذي بمعنى الإجابة أو الاستجابة فمثل قول المصلي: سمع الله لمن حمده، يعني استجاب، ولذلك عُدِّي باللام ولم يتعدى بنفسه؛ لأن السمع الذي بمعنى الإدراك يتعدى بنفسه، تقول: سمعت صوتًا، وأما الذي بمعنى الإجابة فيتعدى باللام، تقول: سمعت لفلان، أي استجبت له، ومنه سمع الله لمن حمده.

طيب: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] مِنْ أَيِّ نوع؟

* طلبة: الأول.

* طالب آخر: كلاهما.

* طالب آخر: الإجابة.

* الشيخ: منهما كليهما، فهو سميع الدعاء يسمع الصوت؛ صوت الداعي، وهو أيضًا مجيب الدعاء فيشمل الأمرين.

أما العليم فما أَعَمَّه من اسم، العليم إن لم يكن أعمِّ أسماء الله فهو من أعمِّها؛ لأن العلم يتعلق بالأمور الممكنة وغير الممكنة والواجبة، في كل شيء، علم الله يتعلق بكل شيء، يعلم عز وجل الأشياء المستحيلة، مثاله قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢] هذا شيء مستحيل ومع ذلك علم الله سبحانه وتعالى نتيجته ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾.

ويعلم سبحانه وتعالى الممكن وهو ما يتعلق بأفعال العباد، كل أفعال العباد من قسم الممكن والله تعالى يعلمها ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]، ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٥]، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب ٥١]، وغير ذلك من الآيات الكثيرة، كل علم يتعلق بالمخلوق فهو علم بممكن؛ لأن المخلوق ممكن، من قِسْم الممكن إذ لو كان مستحيلًا ما وُجِد ولو كان واجبًا ما عدم.

ويعلم جل وعلا ما يتعلق بالواجب، يعلم الواجب وهو علمه تبارك وتعالى عن نفسه، فعلمه عن نفسه علم بالواجب؛ ولهذا قال العلماء: إن العلم هو أعم صفات الله عز وجل، أعم صفات الله عز وجل هو العلم، وهل يتعلق بمشيئته أو هو صفة لازمة؟

* الطلبة: لازمة.

* الشيخ: هو صفة لازمة، ولهذا لما قال السفّاريني رحمه الله:

وَالْعِلْمُ وَالْكَلَامُ قَدْ تَعَلَّقَا ∗∗∗ بِكُلِّ شَيْءٍ يَا خَلِيلِي مُطْلَقَا

المهم يقول: (بكل شيء) هذا صحيح، الكلام يتعلَّق حتى بالمستحيل، لكن العلم من جهة أنه صفة لازمة أعم من الكلام.

فإذا قال قائل: إذا قلتم: إن العلم صفة ذاتية، فما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد ٣١] ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ (...).

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском