Ibn 'UthayminAl‑Ma'idah · 5:95–96

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:95–96, continued

والثاني: الأمانة؛ أن يكون عندهم أمانة بحيث لا يحكمون لشخص بهذا المثل ولشخص آخر بخلافه، لا بد أن يكونوا أمناء خبراء؛ وذلك بناء على القاعدة المعروفة التي دل عليها قول الله تعالى ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦] القوي يعني ذو الخبرة، أو القوي علي العمل، وقوة كل شيء بحسبه، وقال الجِنِّي لسليمان -عفريت من الجن- قال له: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ أي: بعرش ملكة سبأ ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل ٣٩]، فهذان الركنان في كل عمل القوة والأمانة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد من العدالة في الحَكَمَيْن بقوله ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، والأمانة التي ذكرناها هي جزء من العدالة.

فإن قال قائل: وهل يصح أن يكون القاتل أحد الحكمين؛ مثل أن يكون هذا القاتل عنده خبرة وعنده علم، وقال: أرى أن هذا الصيد يماثل هذا النوع من النَّعَم، فهل يُقْبَل قولُه مع واحد آخر؟

فيه خلاف، ولا بد من توبته، أما إذ لم يتب فمن المعلوم أنه ليس من ذوي العدالة فلا يُقْبَل، لكن إذا علمنا أن الرجل نَدِمَ وتأسَّف وتاب إلى الله وقال: أنا عندي معرفة، فمن العلماء من قال: يُقْبَل قولُه، ومنهم من قال: لا يُقْبَل قولُه؛ لأنه مُتَّهَم فهو في الحقيقة يحكم لمن؟ يحكم لنفسه فلا يُقْبَل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن جزاء الصيد لا بد أن يصل إلى الحرم؛ لقوله ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة ٩٥] فلو قُدِّرَ أن إنسانًا أحرم من ذي الحليفة وقتل صيدًا في بدر، فإنه يجب عليه أن يجزي هذا الصيد في أي مكان؟! في مكة ولا بد، بخلاف غيره من المحظورات فإن غيره من المحظورات -غير جزاء الصيد- يكون في المكان الذي حصل فيه فعل المحظور؛ بدليل أن النبي ﷺ أمر كعب بن عُجْرة «أن يَفْدِي عن حَلْقِ رأسه في مكانه، ليس في مكة»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨١٤)، ومسلم (١٢٠١ / ٨٠) من حديث كعب بن عجرة.]] وعلى هذا فيقال: جميع محظورات الإحرام يجوز أن يَفْدِي عنها في مكانها إلا الصيد فإنه يجب أن يكون في مكة، ولو كان قتله خارج الحرم.

فإن قال قائل: وهل يجوز أن ننقل فدية غير جزاء الصيد إلى مكة؟

قال العلماء رحمهم الله: إنه يجوز أن يُنْقَل إلى مكة؛ لأن هذه الفدية إنما وجبت لشيء يتعلق بالإحرام، ومنتهى الإحرام مكة، فيجوز أن نُؤَخِّر الفدية إلى الوصول إلى مكة، وليس كالزكاة تُفَرَّق في مكانها، ثم إن الغالب أن إيصاله إلى مكة أشقُّ على الإنسان مما لو فداه في مكانه، وهذا صحيح؛ يعني معناه من وجبت عليه فدية محظور فله أن يفديها في مكانه، وله أن يَنقُلها إلى مكة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للإنسان أن يعدل عن جزاء الصيد من النَّعَم إلى الكفارة بإطعام المساكين؛ لقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ على التخيير أو على الترتيب؟

* طلبة: على التخيير.

* الشيخ: على التخيير؛ لأن (أو) كلما جاءت في القرآن في الأحكام الشرعية فهي للتخيير.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفداء كفارة للذنب وستر له في الدنيا وفي الآخرة؛ لقوله ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المساكين لا يُحْصَرون بعدد معين، بل له أن يطعم أجزاء، كل ثلاثة أو عشرة أو عشرين أو ثلاثين؛ لأن الله سبحانه وتعالى أطلق كفارة مساكين وأقلهم ثلاث.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للإنسان أن ينتقل في جزاء الصيد عن المِثْل وعن الإطعام إلى الصيام؛ لقوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، ولكن كيف المعادلة؟

قيل: المعادلة أن يصوم عن كل نصف صاع يومًا، واستدل هؤلاء العلماء بأن النبي ﷺ جعل نصف الصاع يعادل كم؟ نَذْكُر فدية الأذى؛ قال لكعب بن عجرة: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨١٤)، ومسلم (١٢٠١ / ٨٠).]]، ثلاثة أيام بدل، كم من (...)؟

* طلبة: (...).

* الشيخ: إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع.

وقال بعض أهل العلم: بل يُقَدَّر الطعام ثم يوزع على كل مسكين مُدٌّ، إذا كان الطعام كثيرًا لزم أن تكون أيام الصيام كثيرة، إذا قدَّرْنا مثلًا أن الطعام قُدِّر بخمسين صاعًا وقلنا: المسكين يُطْعَم بمُدٍّ، كم؟ مئتين يوم.

لكن بعض أهل العلم قال: إنه لا يتجاوز بالصيام ستين يومًا؛ لأن أعلى ما ورد في الكفارة بالصيام كم؟ شهران، و هي ستون يومًا، أما أن نلزمه بأن يصوم ستة أشهر، أو ما أشبه ذلك فهذا يحتاج إلى دليل، فنقول: إننا نُقَدِّر الصيام، ولكننا لا نتجاوز أكثر الكفارات وهي ستون يومًا، والمسألة لم تنضج عندي كثيرًا.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: جواز التعزير بالمال؛ لأن هذا القاتل أُلْزِم بهذه الفدية ليذوق وَبَالَ أمرِه، فهو نوع من التعزير.

وهذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله؛ فمنهم من قال: إنه لا تعزير في المال إلا ما جاءت به الشريعة فقط ولا يتجاوز؛ فالغالُّ مثلا يُحَرَّق رحلُه كله إلا السلاح -الغال من الغنيمة- وكاتم الضالة تُضاعَف عليه العقوبة.

فما ورد به النص أخذنا به وما لم يرد به النص فإننا لا نعزر بالمال؛ لأن المال إذا عَزَّرْنا به فقد أخذنا أموال الناس بغير حق، وأموال الناس محترمة، ولكن الصواب المقطوع به بلا شك أنه يجوز التعزير بالمال.

فإننا نقول: ألستم تجيزون أن يُعَزَّر بالضرب؟ فالجواب: بلى، الضرب محرم ولَّا غير محرم في الأصل؟ محرم، فليس التعزير بالمال أشد من التعزير بالضرب، قد تكون إهانة الإنسان بضربه أمام الناس أشد عليه من آلاف الريالات.

فالصواب أنه يجوز التعزير بالمال، ويجوز التعزير بالضرب، ويجوز بالحبس، ويجوز بعزله عن وظيفته، ويجوز (...) بين الناس؛ لأن المقصود هو تأديبه لكن لا يجوز التعزير بقطع عضو من أعضائه، فهذا حرام لا يجوز؛ لأن هذا -قطع العضو- لا يُستخلَف وهو جناية عن النفس واضحة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: سعة عفوِ الله عز وجل؛ لقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾.

* ومن فوائدها: أن من فعل محظورًا قبل العلم بالشرع فإنه لا إثم عليه، ولا كفارة ولا جزاء، هل يمكن أن نأخذ هذه الفائدة من الآية؟ يمكن أو لا يمكن؟

ننظر ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ (ما سلف) فعله الصحابة قبل نزول حكمه، فهو أصلًا لم يُحرَّم، وأما إذا كان الإنسان جاهلًا فقد فعله بعد نزول حكمه، ويكون هذا المانع من العلم خاصًّا به، فبينهما فرق.

ومن فوائد الآية الكريمة: سعة عفو الله عز وجل؛ لقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة ٩٥].

* ومن فوائدها: أن من فعل محظورًا قبل العلم بالشرع فإنه لا إثم عليه ولا كفارة ولا جزاء، انتبه، هل يمكن أن نأخذ هذه الفائدة من الآية؟

* طالب: نعم.*

* الشيخ: يمكن أو لا يمكن؟ ننظر، ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ ما سلف فعله الصحابة قبل نزول حكمه، فهو أصلا لم يُحرَّم، وأما إذا كان الإنسان جاهلًا فقد فعله بعد نزول حكمه، ويكون هذا المانع من العلم خاصًّا به، فبينهما فرق؛ بين شخص فعل محظورًا لم يحرَّم وشخص آخر فعل محظورًا قد حُرِّم ولكنه جاهل، فالصورتان لا شك أنهما مفترقتان.

لكن يقال: لماذا عفا الله عنه؟ للجهل لا شك؛ لأنه ما نزل حكم، فالصواب: أن جميع الشرائع لا تلزم مع الجهل، لكن ربما يكون الإنسان قد فرَّط وقصَّر في الطلب؛ بمعنى أنه قيل له: إن هذا واجب أو إن هذا حرام، وقصَّر في طلب الحق وصار كما يقول العوام الذي يستدلون بالقرآن إذا كان موافقًا لهواهم: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة ١٠١]، وهذا تنزيل للقرآن في غير محله، فالصحيح على كل حال أن الجاهل معذور لا يأثم، ولا تلزمه الكفارة، ولا غير ذلك.

فإن قال قائل: ينتقض هذا عليكم بقصة الرجل الذي جامع زوجته في رمضان وأتى يستفتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه لا يدري ماذا عليه؟[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١ / ٨١) من حديث أبي هريرة.]]

فالجواب: أن الرجل ليس جاهل، الرجل عالم بالحكم لكنه جاهل بما يترتب على الحكم، والجهل بما يترتب على الحكم ليس بعذر؛ لأن الفاعل قد انتهك المحظور عن علم فليس له عذر، وعليه فيفرق بين الجهل بالحكم والجهل بما يترتب على الحكم.

ومثل ذلك: لو أن رجلًا يعلم أن الزنا حرام فزنى وهو ثيِّب، فما عقوبته، ما حده؟ الرجم، فقال: امسكوا، لو علم أن حده الرجم ما زنى، فنقول: لا نمسك؛ لأن الجهل بما يترتب ليس بعذر، أنت الآن فعلت الزنى معتقدًا أنه حرام وتعلم أنه حرام فلا عذر لك.

ولهذا لو سألك سائل قال: ما تقول فيمن زنى وهو جاهل أتقيم عليه الحد أم لا؟ إن قلت: لا، أخطأت، وإن قلت: نعم، أخطأت، فأقول: إن كان جاهلًا بالحكم أيش؟ فلا يقام عليه الحد، وإن كان جاهلًا بالعقوبة أقيم عليه الحد.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العفو لله عز وجل، ومن أسمائه تعالى العفوُّ، وفي الدعاء المأثور الذي ذكره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأم المؤمنين عائشة حين سألته: «أرأيت يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»[[أخرجه الترمذي (٣٥١٣)، وابن ماجه (٣٨٥٠) من حديث عائشة.]]، تحب العفو منك لعبادك والعفو من عبادك لإخوانهم فاعف عني.

فما هو العفو؟ العفو عدم المؤاخذة على الذنب، والأكثر أن العفو في ترك الواجب، والمغفرة في فعل المحرم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد من عاد إلى قتل الصيد بعد علمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة ٩٥].

* ومن فوائدها أيضًا: إثبات الاسم الكريم (العزيز) لله عز وجل، والعزيز بمعنى الغالب الذي لا يغلبه أحد، والعزيز بمعنى الذي يمتنع عليه النقص بأي وجه من الوجوه، والعزيز هو ذو العزة التي تكسب من اتصف بها قدرة وسلطانًا وغير ذلك.

* ومن فوائد الآية: أن الله تعالى ذو انتقام، لكن ممن؟ من المجرمين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢]؛ ولهذا لا يوصف الله تعالى بالانتقام مطلقًا، ولا يسمى بالمنتقم؛ لأن الله تعالى قيد الانتقام بمن؟

* طالب: بالمجرمين.

* الشيخ: بالمجرمين، فنقيد ما قيَّده الله عز وجل.

وهنا كلمة ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ لا تدل على أنه وصف مطلق لله، بل ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي: صاحب انتقام فقط، لكن ممن؟ من المجرمين.

* طالب: شيخ -بارك الله فيكم- مشكلة العذر بالجهل في حديث أسامة لما قتل الرجل (...) رضي الله عنه، (...) جاهل بالحكم، أو أنه مجتهد وأخطأ؟

* الشيخ: إي، هو متأول.

* الطالب: وغضب عليه النبي ﷺ غضبًا شديدًا[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٩) من حديث أسامة بن زيد.]]؟

* الشيخ: نعم، ما فيه شك؛ لأن المسألة خطيرة؛ مسألة القتل، أليس المخطئ عليه الكفارة؟ القتل له شأن خاص.

* الطالب: يعني غضب النبي ﷺ تأنيبًا لأسامة أم تحذيرًا منه؟

* الشيخ: لا، تحذيرًا، وإلا لقتله؛ لأنه قتل نفسًا معصومة، الرجل هذا لما قال: لا إله إلا الله، عصم.

* طالب: أحسن الله إليك، قلنا: اختلف العلماء في هل يعادل بالصيد أو بمثله، القول الراجح في هذه المسألة؟

* الشيخ: إحنا ذكرنا هذا.

* الطالب: لا، ما..

* الشيخ: ما ذكرنا هذا؟

* الطالب: لا.

* الشيخ: لا، ذكرناه قلنا: الآية محتملة، ولو قال قائل بأنه ينظر للأحظ للفقراء؛ إن كانت قيمة الصيد أكثر قوَّمنا الصيد، إن كانت قيمة الجزاء أكثر قوَّمنا الجزاء، لو قيل بهذا لكان له وجه، قياسًا على قيمة العروض في الزكاة إذا كانت تبلغ النصاب في الذهب ولا تبلغ بالفضة أو بالعكس، بماذا نقوِّمها؟

* طالب: بالأحظ.

* الشيخ: بالأحظ، ثم قلنا أيضًا: ولو قال قائل بالعكس وهو: أن الأصل براءة الذمة فلا نلزمه بالأكثر لكان له وجه، فالآية عندي محتملة لهذا وهذا، والإنسان نرجو أنه إن أخذ بهذا لا يأثم، أو بهذا لا يأثم، ما ذكرت هذا؟

* طالب: الجزم.

* الشيخ: الجزم، الله أعلم.

* طالب: الآيات المكية اشتملت على أصول الدين من إثبات التوحيد والرسالة وهذه الأشياء لا يقع فيها النسخ، فكيف نقول: تنسخ الآية؟

* الشيخ: ما نقول (...)، أين أنت؟ هل قلنا: إن جميع الآيات المكية تنسخ؟

* الطالب: ليس جميعها.

* الشيخ: ليس جميعها.

* الطالب: لكن هي لم تأتِ بإثبات شرع؛ يعني حكم من أحكام الدين مثل الآيات المدنية؟

* الشيخ: كيف ما جاء بالإثبات؟ جاءت بأثبت الإثبات.

* الطالب: (...).

* الشيخ: على أيش؟

* الطالب: يعني مثلاً حكم من أحكام الصيام أو شرب الخمر، أحكام..

* الشيخ: لا، الصيام فيه حكم، الصيام نسخ مرتين، بل ثلاث مرات.

* طالب: بعض العلماء يقول: الآيات المكية لا يقع فيها النسخ أبدًا؟

* الشيخ: لا، ما هو بصحيح، أبدًا، غير صحيح، كلها تحتمل، لكن معلوم أن أصول الدين ما يمكن نسخها.

* الطالب: ما تقول: يقع النسخ في الآيات المكية في نفسها يعني؟

* الشيخ: لا، ما نقول هكذا، لكن نقول: الآيات اللي هي أصول الدين ما يمكن تنسخ.

* طالب: حديث أسامة رضي الله عنه فيه شهد باللسان، وهل من احتمى بمثل ما احتمى ذلك الرجل الذي قال: لا إله إلا الله يعصم دمه؟

* الشيخ: نعم، يعصم دمه حتى يتبين خلاف ما قال.

* الطالب: لو قال بهذا مشركون ومقاتلون ربما يعني..؟

* الشيخ: ما يخالف، ولهذا فعلًا في حرب الأفغان مع الروس بعضهم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، إذا يعني أدركهم المقاتلون.

5:96Page 124

أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِۖ وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗاۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩٦

Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers,1 but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of iḥrām. And fear Allāh to whom you will be gathered.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٦ - ٩٨].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾، لما بيَّن الله سبحانه وتعالى في الآيات الماضية حكم صيد البر للمحرم ذكر حكم صيد البحر فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾، والمحِل هو الله عز وجل؛ لأنه الذي بيده التحليل والتحريم والإيجاب.

وقوله: ﴿لَكُمْ﴾ الخطاب للمقيمين في البلاد بدليل قوله: ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أي: السائرين؛ أي: المسافرين يتزودونه بأمتعتهم.

وقوله تعالى: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ ﴿صَيْدُ﴾ بمعنى (مصيد)، وهو ما أخذ حيًّا، ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما يطعم بدون صيد، وهو ما يلفظه البحر من السمك والحوت، فيكون على هذا كل ما في البحر حلال، كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد.

وقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ ﴿مَتَاعًا﴾ مفعول من أجله؛ أي: من أجل أن تتمتعوا به، وقد بيَّن الله تعالى في آيات أخرى أنه سخر البحر لنأكل منه لحمًا طريًّا، وكما هو مشاهد الآن أن لحم البحر من أطيب اللحوم.

وقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ ﴿حُرِّمَ﴾ المحرِّم هو الله عز وجل، وقوله: ﴿صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ هل المراد بصيد البر مصيدُه؛ أي: ما صيد، أو المراد أن تصيدوه؟

* طالب: الثاني.

* الشيخ: الثاني هو المراد؛ لأن المصيد فيه تفصيل على ما سبق؛ يعني: حرِّم عليكم أن تصيدوا صيد البر، هذا المعنى يحتاج إلى تقدير، والتقدير: صيدكم صيد البر؛ لأن البر لا يُصاد، فلا بد من تقدير.

أما إذا قلنا: إن الصيد بمعنى المصيد، فإنه لا حاجة إلى التقدير، ويكون معنى ﴿صَيْدُ الْبَرِّ﴾ يعني: ما صيد فيه، وقد مر علينا أن الصيد المحرَّم كل أيش؟ حيوان بري حلال متوحش.

وقوله: ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي: حالة كونكم محرمين حتى تحلوا.

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ اتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أعمُّ ما قيل في تفسير التقوى أنها: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الذي) صفة للاسم الكريم (الله)، و﴿إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ صلة الموصول، وقُدِّم الجار والمجرور على عامله لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات، ففي ذلك فائدة معنوية وفائدة لفظية؛ الفائدة المعنوية: الحصر، والفائدة اللفظية: مناسبة رؤوس الآيات.

ومعنى ﴿تُحْشَرُونَ﴾ أي: تجمعون إليه، وذلك يوم القيامة، فإن الناس يحشرون إلى الله تبارك وتعالى كما جاء ذلك في السنة مبينًا.

* في هذه الآية فوائد؛ منها: حِلُّ صيد البحر للمحلين والمحرمين، ويؤخذ من قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.

* ومن فوائدها: أنه لو وجد ماء فيه سمك داخل حدود الحرم فإنه يكون حلالًا؛ لعموم قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾، ثم قال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وهذا هو القول الراجح.

وقال بعض أهل العلم: بل هو حرام وفيه الجزاء؛ لأنه في مكان آمن.

وقال آخرون: هو حرام لكن لا جزاء فيه، ولكن ظاهر الآية الكريمة أنه حلال.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن جميع حيوان البحر حلال، يؤخذ من الإضافة ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾، والإضافة تقتضي العموم، فيشمل كل ما في البحر من سمكٍ وحيتانٍ، صغير وكبير، مشابه للإنسان، مشابه للذئاب، مشابه للخنزير، أي شيء؛ لأنه عام ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن جميع ما في البحر مما يطعم من سمك وأشجار وغيرها حلال؛ لعموم قوله ﴿وَطَعَامُهُ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في حل صيد البحر دون صيد البر؛ لأن الأول تناوله سهل ولا يلهو به الإنسان كما يلهو به في صيد البر، ثم هو صيد خفي في باطن المياه، فلا يكون كالصيد الظاهر على سطح الأرض.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى جواز ادِّخار لحم البحر، تؤخذ من قوله: ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ يعني: السائرين في السفر.

وهل مثل ذلك لحم صيد البر؛ يعني في غير الإحرام؟

الجواب: نعم، لكن يشترط في ذلك ألَّا يصل إلى حد الضرر، فإن وصل إلى حد الضرر بأن أنتن وقبحت رائحته وخيف على الإنسان منه صار إما مكروهًا، وإما حرامًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]، وقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم صيد البر على المحرمين؛ لقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.

وقد عرفتم هل المراد مصيده أو صيده؟ فإن كان المراد صيده فالأمر ظاهر، ولا إشكال فيه أنه يحكم على المحرم أن يصيد صيد البر، لكن إذا قلنا: المراد المصيد، فهل نأخذ بعموم الآية ونقول: إن المصيد من البر حرام على المحرم سواء صاده هو، أو صيد لأجله، أو صاده حلال لغيره؟ وقد عرفتم الخلاف في هذا؛ أن بعض العلماء يقول: إن المحرم لا يجوز أن يأكل من صيد البر سواء صيد له أو صيد لغيره أو صاده بنفسه، وبيَّنا فيما سبق أن القول الراجح من أقوال العلماء: أنه إن صاده المحرم فهو حرام، وإن صيد له فهو حرام، وإن صاده حلال لنفسه فهو حلال للمحرم، وهذا هو القول الراجح الذي تجتمع فيه الأدلة.

* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يحل الصيد؛ صيد البر لمن حلل التحلل الأول، وجه ذلك: أن من حل التحلل الأول لم يزل محرمًا، باقٍ عليه من محظورات الإحرام النساء، أفهمتم؟ هذا ما ذهب إليه بعض أهل العلم وقال: إنه لا يحل الصيد بعد التحلل الأول كما لا يحل النساء، ولكن قد دلت السنة على أنه إذا حلَّ التحلل الأول حلَّ له كل شيء إلا النساء[[أخرج أبو داود (١٩٧٨) من حديث عائشة : «إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ».]].

بقي أن يقال: الذي يحل التحلل الأول سيكون في منى، ومنى من الحرم، فهل تجيزون للمحرم في هذا المكان أن يصيد؟

الجواب: لا، لا نبيح له ذلك؛ لأنه في الحرم، وصيد الحرم حرام على المحِل وعلى المحرم، لكن لو فرض أن هذا المحرم خرج إلى عرفة، وعرفة من الحل، فهل يجوز أن يصيد أو لا؟ ينبني على الخلاف؛ من قال: إن الصيد لا يحل للتحلل الأول قال: لا يحل أن يصيد، ومن قال: إنه يحل له كل شيء إلا النساء -وهو القول الراجح- قال: له أن يصيد.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تقوى الله تعالى والحذر من مخالفته فيما فرضه من هذه الأحكام؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من عقوبة اليوم الآخر؛ لقوله: ﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.

* ومن فوائد الآية: إثبات اليوم الآخر الذي يكون به الحشر إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحشر إلى الله لا إلى غيره، فهو الذي يتولى عقاب عباده أو إثابتهم، وهو نظير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥، ٢٦].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском