Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Qaf 50:12–21
50:12–14Page 518
كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ١٢
The people of Noah denied before them,1 and the companions of the well2 and Thamūd
وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ ١٣
And ʿAad and Pharaoh and the brothers [i.e., people] of Lot
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤
And the companions of the thicket and the people of Tubbaʿ. All denied the messengers, so My threat was justly fulfilled.
﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [ق: ١١ - ١٤] ذَكَرَ الله هؤلاء المكذِّبين لفائدتين؛ الفائدة الأولى: تسلية الرسول ﷺ بأنه ليس أول رسول كُذِّبَ، بل قد كُذِّبَت الرسل من قبله، كما قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت ٤٣]، قيل: إنه شاعر، وقيل: إنه مجنون، وقيل: إنه كاهن، وقد قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢].
هذه فائدة لذِّكْر قصص الأمم السابقة، وهي تسلية النبي ﷺ؛ لأن الإنسان إذا رأى غيره قد أصيب بمثل مصيبته يتسلى بلا شك، وتهون عليه المصيبة.
الفائدة الثانية: تحذير المكذِّبين للرسول ﷺ، ولهذا قال في آخر ما ذكر: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾، أي: حق عليهم وعيد الله بالعذاب، وقد قال عز وجل: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت ٤٠]، يعني: كل واحد من هذه الأمم جُوزِيَ بمثل ذنبه فعُوقِبَ بمثل ذنبه، مثلًا ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾، قوم نوح كذَّبوا نوحًا عليه الصلاة والسلام، وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يعني تسعمئة وخمسين سنة وهو يدعوهم إلى الله عز وجل، ولكن لم يستفيدوا من ذلك شيئًا، كلما دعاهم ليغفر الله لهم ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾: تغطوا، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح ٧]، وبقي فيهم هذه المدة، وقد قال الله تعالى في النهاية: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠].
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾، ﴿أَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ قوم جاءهم نبيهم ولكنهم قتلوه بالرَّسّ؛ وهي البئر، أي: حفروا بئرًا ودفنوه، هذا قول، والقول الثاني: أصحاب الرَّسّ يعني أنهم قوم حول ماء، وليسوا بالكثرة الكاثرة، ومع هذا كذَّبُوا رسولهم.
﴿وَثَمُودُ﴾ وهم قوم صالح في بلاد الحجر المعروفة، كذَّبُوا صالحًا وقالوا: ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف ٧٧]، وهذا تَحَدٍّ، فماذا فعل الله بهم؟ أرسل عليهم صيحة ورجفة، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود ٦٧].
﴿وَعَادٌ﴾ [ق ١٣]، كذلك أيضًا عادٌ أرسل الله إليهم هودًا فكذَّبُوه، فأهلكهم الله عز وجل بالريح، أرسل الله عليهم ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات ٤١، ٤٢].
وكانوا يفتخرون بقوتهم، يقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، فأراهم الله عز وجل قوته، وأهلكهم بالريح اللطيفة التي لا يُرَى لها جسم، ومع ذلك دمرتهم تدميرًا.
﴿وَفِرْعَوْنُ﴾ الذي أرسل الله إليه نبيه موسى عليه الصلاة والسلام، وكان معروفًا بالجبروت والعناد والاستكبار، حتى إنه استخف قومه، وقال لهم: إنه رب، قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤]، فأطاعوه، فجاءهم موسى عليه الصلاة والسلام بالآيات البينات، ولكنهم كذَّبُوا، وأراهم الله تعالى آية، كانوا يفتخرون بما يضاد ما جاء به موسى؛ وهو السحر، فجمعوا لموسى عليه الصلاة والسلام كل السحرة في مصر، واجتمعوا وألقوا الحبال والعصي، وألقوا عليها السحر، فصار الناس يشاهدون هذه الحبال والعصي وكأنها حيات وثعابين، ورهب الناس، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف ١١٦]، حتى إن موسى عليه الصلاة والسلام أوجس في نفسه خِيفَة، يعني يشاهد أن كل الجو حوله ثعابين تريد أن تلتهم ما تقابله، فأوحى الله تعالى إلى موسى: ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف ١١٧]، فألقى العصا، فالتهمت جميع هذه الحيات، وهذا من آيات الله؛ إذ إن الحية -كما هو معروف- ليست بذاك الكِبَر، لكن تأكل هذا وكأن هذا يذهب بخارًا إذا أكلت هذه الحبال والعصي، السحرة رأوا أمرًا أدهشهم، ولم يملكوا أنفسهم إلا أن يؤمنوا، ومع ذلك إيمانًا تامًّا، أُلْقِيَ السحرة ساجدين.
وتأمل قوله تعالى: ﴿أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف ١٢٠]، ولم يقل: سجدوا، كأن هذا شيء اضطرهم إلى السجود، كأنهم سجدوا بغير اختيار؛ لقوة ما رأوا من الآية العظيمة، ومع هذه الآية البينة الواضحة على صدق موسى عليه الصلاة والسلام لم يؤمن فرعون، وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ [الشعراء ٥٤، ٥٥] فهَمَّ بأن يهجم على موسى ومَن معه من المؤمنين، فأمر الله موسى أن يخرج من مصر إلى جهة المشرق نحو البحر الأحمر، فامتثل أمر الله، خرج من مصر إلى هذه الناحية، فتبعهم فرعون بجنوده على حنق يريد أن يقضي على موسى وقومه، فلما وصلوا إلى البحر قال قوم موسى له: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾، يعني: لن نُدْرَك، ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء ٦٢]، فأوحى الله إليه أن يضرب بعصاه البحر الذي عَرْضُه مسافات طويلة، فضرب البحر فانفلق البحر اثني عشر طريقًا، وصارت قِطَع الماء كأنها الجبال، وصارت هذه الطرق التي كانت ريًّا من الماء وطينًا زلقًا صارت طريقًا يبسًا بإذن الله بلحظة، فدخل موسى وقومه عابرين من أفريقيا إلى آسيا من طريق البحر، فلما تكاملوا داخلين وخارجين إلى الناحية الشرقية دخل فرعون وقومه، فلما تكاملوا في الدخول أمر الله البحر فانطبق عليهم.
فلما أدرك فرعون الغرق أعلن: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠]، وتأمل أنه لم يقل: (آمنت بالله) قال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، لماذا؟ إذلالًا لنفسه، حيث كان يُنْكِر على بني إسرائيل ويهاجمهم، فأصبح عند الموت يُقِرُّ بأنه تبع لهم، وأنه من أذنابهم، يعني أنه يمشي خلفهم، ولكن ماذا قيل له؟ ﴿آلْآنَ﴾ تؤمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل وأنك من المسلمين؟! ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٩١] فلم تُقْبَل توبته؛ لأنه لم يَتُبْ إلا حين حضره الموت، والتوبة بعد حضور الموت لا تنفع، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]، لا تنفع التوبة إذا حضر الموت، نسأل الله تعالى أن يَمُنّ علينا وعليكم بتوبة قبل الموت.
ولكن الله قال: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢] ننجيك ببدنك، يعني لا بروحك، الروح فارقت البدن، لكن البدن بقي طافيًا على الماء، لماذا؟ بَيَّنَ الله الحكمة: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس ٩٢]؛ لأن بني إسرائيل قد أرعبهم فرعون، فلو لم يتبين لهم أنه غرق بنفسه لكانت أوهامهم تذهب كل مذهب لعله لم يغرق، لعله يخرج علينا من ناحية أخرى، فأقرَّ الله أعين بني إسرائيل بأن شاهدوا جسمه غارقًا في الماء، ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (...).
* * *
انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ [ق ١٣]، ﴿إِخْوَانُ لُوطٍ﴾ يعني قوم لوط أرسل إليهم لوط عليه الصلاة والسلام لأنهم كانوا -والعياذ بالله- يأتون الذُّكْرَان ويَدَعُون النساء، أي أن الواحد يجامع الذَّكَر ويَدَع النساء، كما قال لهم عليه الصلاة والسلام: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، دعاهم إلى الله عز وجل وأنذرهم وخَوَّفَهم من هذا الفعل الرذيل، ولكنهم أصَرُّوا عليه، فأرسل الله عليهم ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً﴾ [الذاريات ٣٣، ٣٤]، يعني: مُعَلَّمَة، كل حجارة عليها علم، يعني علامة على مَن تَنْزِل عليه وتصعقه، وهذه الخصلة الرذيلة من أقبح الخصال، ولهذا كان حدها في الشريعة الإسلامية القتل بكل حال، يعني أنها أعظم من الزنا، الزنا إذا كان الزاني لم يتزوج من قبل فإنه يُجْلَد مئة جلدة ويُغَرَّب عن البلد سنة كاملة، وإن كان مُحْصَنًا -وهو الذي قد تَزَوَّج وجامع زوجته- فإنه يُرْجَم حتى يموت، أما اللواط فإن حده القتل بكل حال، يعني لو تَلَوَّط شخص بالغ بآخر بالغ باختيار منهما فإنه يجب أن يُقْتَل الفاعل والمفعول به؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦)، وابن ماجه (٢٥٦١)، من حديث عبد الله عباس.]]، قال شيخ الإسلام رحمه الله، أعني ابن تيمية: إن الصحابة أجمعوا على قتله، لكن اختلفوا كيف يُقْتَل، فقال بعضهم: إنه يُحْرَق بالنار لعظم جُرْمِه -والعياذ بالله-، وقال آخرون: إنه يُرْجَم بالحجارة، وقال آخرون: إنه يُلْقَى من أعلى مكان في البلد ويُتْبَع بالحجارة.
والشاهد أنه رحمه الله –أعني ابن تيمية- نقل إجماع الصحابة على قتله، وإجماع الصحابة حجة، فيكون مُؤَيِّدًا للحديث: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦)، وابن ماجه (٢٥٦١)، من حديث عبد الله عباس.]]، ولأن هذه الفاحشة الكبرى -والعياذ بالله- فاحشة مُفْسِدَة للمجتمع؛ لأنه يصبح المجتمع الرجالي مجتمعًا نسائيًّا، وهو أيضًا لا يمكن التحرز منه، الزنا يمكن التحرُّز منه، إذا رؤيت امرأة مع رجل في محل ريبة فإنه يمكن مناقشتهما، لكن إذا رُؤِيَ ذَكَر مع ذَكَر كيف يمكن أن نناقشهما، والأصل أن الرجل مع الرجل يجتمع ولا يتفرق؟! لهذا كان القول بوجوب قتلهما هو الحق، أما قوم لوط فقد عرفتم أن الله تعالى أرسل عليهم حجارة من سجيل مُسَوَّمَة، فدمَّرَهم تدميرًا حتى جعل عالي قريتهم سافلها.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ [ق ١٤]، ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ يعني: الشجرة، أرسل الله تعالى إليهم شُعَيْبًا فدعاهم إلى الله وذَكَّرَهم به، وحَذَّرَهُم من بَخْس المكيال والميزان، لكنهم -والعياذ بالله- بقوا على كفرهم وعنادهم، ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]، وهذا العذاب يقال: إن الله تعالى أرسل إليهم حَرًّا شديدًا، ولم يجدوا مَفَرًّا منه، إلا أنه أُرْسِلَت غمامة واسعة باردة، فصاروا يتدافعون إلى ظلها يتظللون بها، فأنزل الله عليهم نارًا فأحرقتهم، وفي هذا يقول تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء ١٨٩].
﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [ق ١٤] أيضًا ممن كَذَّبُوا الرسل، وهم أصحاب تُبَّع، وهو ملك من ملوك اليمن، أرسل الله إليهم رسولًا فكَذَّبُوه ولم ينقادوا له، فيقول عز وجل: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾، يعني أن هؤلاء الأمم الذين حكى الله عنهم الإشارة، بل أشار الله تعالى إلى قصصهم كلهم كَذَّبُوا الرسل، فحق عليهم وعد الله -والعياذ بالله- بعذابه وانتقامه، نسأل الله لنا ولكم الحماية والعافية، إنه على كل شيء قدير (...).
50:15Page 518
أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٥
Did We fail in the first creation? But they are in confusion over a new creation.
نبتدئ هذا اللقاء بما تيسر من الكلام على سورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾.
يقول الله عز وجل: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق ١٥]، الاستفهام هنا للنفي، و(عَيِينَا) بمعنى تَعِبْنَا، والخلق الأول هو ابتداء الخلائق، يعني: هل نحن عجزنا عن ابتداء الخلائق حتى نعجز عن إعادة الخلائق؟ من المعلوم أن الجواب: لا، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف ٣٣]، أي: لم يَتْعَب بذلك، فإذا كان جل وعلا لم يتعب بالخلق الأول فإن إعادة الخلق أهون من ابتدائه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم ٢٧]، وهذا استدلال عقلي يراد به إقناع هؤلاء الجاحدين لإعادة الخلق، فإن الذين كفروا زعموا أن لن يُبْعَثُوا وأنه لا بعث، وأنكروا هذا، واستدلوا لذلك بدليل واهٍ جدًّا، فقالوا: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٧٩]، ثم ساق الأدلة العقلية الدالَّة على أن الله تعالى قادر على أن يُحْيِي العظام وهي رميم.
قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق ١٥]، أي: هم مُقِرُّون بأننا لم نعي بالخلق الأول وأننا أوجدناه، لكن: ﴿هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، ولهذا حَسُن الإضراب هنا، حيث قال: ﴿بَلْ هُمْ﴾ يعني أن هذا عجب من حالهم، كيف يُقِرُّون بأول الخلق ثم ينكرون البعث بعد الموت؟ ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾، أي: في شك وتردد، ﴿فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو إعادة الخلق.
وإني أسألكم الآن: هل القادر على ابتداء الخلق يكون قادرًا على إعادته من باب أَوْلَى؟ الجواب: نعم، وهذا دليل عقلي لا يمكن لأي إنسان أن يَفِرَّ منه.
50:16–17Page 519
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦
And We have already created man and know what his soul whispers to him, and We are closer1 to him than [his] jugular vein.
إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ١٧
When the two receivers [i.e., recording angels] receive,1 seated on the right and on the left.
ثم قال عز وجل مستدلًّا على قدرته على البعث: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، يعني: ابتدأنا خَلْقَه، فأوجدناه، وجعلنا له عقلًا وسمعًا وبصرًا وتفكيرًا وحديثًا للنفس.
﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ يعني: ونحن نعلم ما توسوس به نفسه، أي: ما تُحَدِّثُه به نفسه دون أن ينطق به، فالله تعالى عالم به، بل إن الله عالم بما سيُحَدِّث به نفسه في المستقبل، والإنسان نفسه لا يعلم ماذا يُحَدِّث به نفسه في المستقبل.
انظر الآن ما يوسوس به الإنسان نفسه في الحاضر يعلمه الإنسان، أليس كذلك؟ والله تعالى يعلمه، ونقول: بل الله يعلم ما سوف توسوس به نفسُه في المستقبل، والإنسان لا يعلم، يعني أن الله يعلم ما ستوسوس به نفسك غدًا وبعد غدٍ، وإلى أن تموت وأنت لا تعلم.
إذا كان الله يعلم ما توسوس به النفس فما الذي يوجب لنا هذا العلم؟ يوجب لنا مراقبة الله سبحانه وتعالى، وألا نُحَدِّث أنفسنا بما يُغْضِبُه وبما يكرهه، علينا أن يكون حديث نفوسنا كله بما يرضيه؛ لأنه يعلم ذلك، أفلا يليق بنا أن نستحي من ربنا عز وجل أن توسوس نفوسنا بما لا يرضاه.
قال الله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٦، ١٧].
﴿نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ هو الأوداج، وهما: العِرْقَان العظيمان المحيطان بالحلقوم، يُسَمَّى الوريد، ويسمى الوَدَج، وجمعه أوداج، ويُضْرَب المثل بهما في القرب، يقول: ﴿نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، أي شيء أقرب إليه؟ أقرب شيء إلى قلبك هو حبل الوريد هذا، أقرب من المخ، وأقرب من كل شيء فيه الحياة، هما الوريدان.
﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾، قد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، هل المراد قرب ذاته جل وعلا، أو المراد قرب ملائكته؟ والصحيح أن المراد قرب ملائكته، ووجه ذلك أن قرب الله تعالى صفة عالية لا يليق أن تكون شاملة لكل إنسان؛ لأننا لو قلنا: إن المراد قرب ذات الله لكان قريبًا من الكافر، وقريبًا من المؤمن، لماذا يلزم ذلك؟ لأن الله قال: ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾، أيّ إنسان خلق؟ المؤمن والكافر، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى هذا الإنسان الذي خلقناه من حبل الوريد.
فإذا قلنا: الآية شاملة، وقلنا: إن القرب هنا القرب الذاتي، صار الله قريبًا بذاته ممن؟ من الكافر، وهذا غير لائق، بل الكافر عدو لله عز وجل.
لكن الراجح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ أن المراد بالقرب هنا قرب الملائكة، أي: أقرب إليه بملائكتنا، ثم استدل بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾، فـ﴿إِذْ﴾ بمعنى: حين، وهي متعلقة بـ﴿أَقْرَبُ﴾، أي: أقرب إليه في هذه الحال حين ﴿يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٧].
فإن قال قائل: كيف يضيف الله المسنَد إليه والمراد به الملائكة؟ ألهذا نظير؟ قلنا: نعم، له نظير، يقول الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦ - ١٨] ﴿قَرَأْنَاهُ﴾ المراد بذلك مَن؟ جبريل، ونسب الله فِعْل جبريل إلى نفسه؛ لأنه رسوله، كذلك الملائكة نسب الله قربهم إليه؛ لأنهم رسله، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠]، وما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله هو الصواب.
فإن قال قائل: وهل الله تعالى قريب من المؤمن على كل حال؟ قلنا: بل في بعض الأحوال، قال النبي ﷺ: «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»[[أخرجه أحمد (١٩٥٩٩)، والنسائي في السنن الكبرى (٧٦٣٣)، من حديث أبي موسى الأشعري.]]، فهذا قرب في حال الدعاء، مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦]، كذلك هو قريب من المؤمن في حال السجود؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]].
وعلى هذا فيكون الله تعالى قريبًا من المؤمن حال عبادته لربه، وحال دعائه لربه.
أما القرب العام فإن المراد به القرب بالملائكة، على القول الراجح.
وقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق ١٧] هما مَلَكَان بَيَّنَ الله مكانهما من العبد، فقال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾.
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾، ولم يقل: على اليمين وعلى الشمال؛ لأنهما ليسَا على الكتفين، بل هما في مكان قريب أقرب من حبل الوريد.
ولكن قد يقول قائل ملحد: أنا ألتمس حولي لا ألمس أحدًا، أين القعيد؟ فنقول: هذا من علم الغيب الذي لا تدركه عقولنا، وعلينا أن نصدِّق به ونؤمن به كما لو لمسناه بأيدينا، أو شاهدناه بأعيننا، أو غير ذلك من أدوات الحواس، علينا أن نؤمن بذلك؛ لأنه قول الله عز وجل.
فنقول: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾: قاعد، مستقر، أحدهما يكتب الحسنات، والثاني يكتب السيئات، هذا المكتوب الذي عرضة للمَحْو والإثبات، المكتوب الذي بأيدي الملائكة عرضة للمَحْو والإثبات؛ لقول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد ٣٩]، يعني: أصل، أُمّ الكتاب هو اللوح المحفوظ، مكتوب فيه ما يستقر عليه العبد، لكن ما كان قابلًا للمَحْو والإثبات فهو الذي في أيدي الملائكة، قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، شوف حسنة تُذْهِب السيئة، تمحوها بعد أن كُتِبَت، وهذا باعتبار ما في أيدي الملائكة، أما أُمّ الكتاب الأصل فمكتوب فيها ما يستقر عليه العبد.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستقر على الإيمان والثبات في الدنيا والآخرة.
50:18Page 519
مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨
He [i.e., man] utters no word except that with him is an observer prepared [to record].
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، ﴿مَا يَلْفِظُ﴾، ﴿مَا﴾ نافية، و﴿قَوْلٍ﴾ مجرورة بـ﴿مِنْ﴾ الزائدة إعرابًا المفيدة معنى، وأصلها بدون زيادة: ما يلفظ قولًا، لكن تأتي حروف الجر أحيانًا زائدة في الإعراب لكنها تفيد معنى التوكيد، ولهذا النفي إذا اقترن الْمَنْفِيّ بـ(من) الزائدة أو بـ(الباء) الزائدة، مثل: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦] فإنه أوكد في العموم من النفي المجرد من حرف الجر الزائد.
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾، إذا جعلنا ﴿مِنْ﴾ زائدة إعرابًا مفيدة معنى فما فائدة معناها؟ التوكيد على العموم، أي: أيّ قول يلفظه الإنسان ﴿لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، سبحان الله! ﴿رَقِيبٌ﴾ مراقب ليلًا ونهارًا لا ينفك عن الإنسان، ﴿عَتِيدٌ﴾ حاضر، ما يمكن يغيب ويوكِّل غيره، هو قاعد مراقب حاضر لا يفوته شيء، ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أيّ قول؟ كل القول؛ لأن ﴿مِنْ﴾ هذه زائدة، و ﴿قَوْلٍ﴾ نكرة في سياق النفي، فهي للعموم، أيّ قول يقوله.
وظاهر الآية الكريمة أن القول مهما كان يُكْتَب، سواء كان خيرًا أم شرًّا أم لغوًا يُكْتَب، لكن المحاسبة على ما كان خيرًا أو شرًّا، ولا يلزم من الكتابة أن يحاسَب الإنسان عليها، وهذا ظاهر اللفظ، وهو أحد القولين لأهل العلم.
ومن العلماء مَن يقول: إنه لا يكتب إلا الحسنات والسيئات فقط، أما اللغو فلغوٌ لا يُكْتَب، فأي القولين أولى؟ الأول أولى، وهو العموم، أما النتيجة فواحدة؛ لأنه حتى على القول بأن الكاتب يكتب كل شيء، يقولون: إنه لا يحاسَب إلا على الحسنات والسيئات.
لكن كوننا نقول بالعموم هو المطابق لظاهر الآية، ثم هو الذي فيه الدليل على أن الْمَلَكَيْن لا يفختان ولا يتركان شيئًا، مما يدل على كمال عنايتهما بما ينطق به الإنسان.
وبناء على ذلك يجب علينا أيها الإخوة أن نحترز غاية الاحتراز من أقوال اللسان، فكم زَلَّة لسانية أوجبت الهلاك -والعياذ بالله-، قال أبو هريرة رضي الله عنه في الرجل الذي قال: «وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَلَّا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ»، قَالَ: إِنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ»[[أخرج مسلم (٢٦٢١ / ١٣٧) عن جندب بن عبد الله البجلي، أن رسول الله ﷺ قال: «إن رجلًا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: مَن ذا الذي يتألى عليَّ ألَّا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك»، أما قول أبي هريرة آخر الحديث فأخرجه أبو داود (٤٩٠١) من حديثه بلفظ: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.]]، نسأل الله العافية.
احْذَرْ لِسَانَكْ أَنْ تَقُولَ فَتُبْتَلَى ∗∗∗ إِنَّ الْبَــــــــــلَاءَ مُـــــوَكَّلٌبِالْمَنْــطِــــقِ
احذر آفات اللسان، إن النبي ﷺ جعل حفظ اللسان ملاك الأمر كله، فقال عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل: «أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟»، قلت: بلى يا رسول الله، قال: أخذ بلسان نفسه وقال: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، لا تطلقه، لا تتكلم. «قال: يا رسول الله، وإنَّا لَمُؤَاخَذُون بما نتكلم به؟ فقال له: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟»[[أخرجه الترمذي (٢٦١٦)، وابن ماجه (٣٩٧٣).]]، فالمؤمن يجب أن يحذر لسانه؛ فإنه آفة عظيمة.
ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]].
وحينئذ نعرف أن الصمت مُفَضَّل على الكلام؛ لأن الكلام قد لا يدري الإنسان أخير هو أم شر.
ثم إني أقول لكم: الكلمة إذا أطلقتها وخرجت من فمك فهي كالرصاصة تطلقها على ولدك، هل يمكنك أن تمنع الرصاصة إذا خرجت من فوهة البندقية؟ لا، خلاص انطلقت، تفسد أو تصلح، كذلك الكلمة، فالعاقل يمنع لسانه ولا يتكلم إلا بخير، والخير إما في ذات المتكلم به، وإما في غيره، يعني قد يكون الكلام ليس خيرًا بنفسه، لكنه خير من جهة آثاره، قد يتكلم الإنسان بكلام لغو في مجلس، هو الكلام ليس أمرًا بمعروف ولا نهيًا عن منكر، وليس إثمًا ووِزْرًا، لكن يتكلم من أجل أن يفتح الباب للحاضرين؛ لأنه أحيانًا تستولي على المجلس الهيبة ولا أحد يتكلم، فيبقى الناس كأنهم في غَمّ، فيتكلم من أجل أن يفتح الباب للناس، وتنشرح صدورهم، ويحصل تبادل الكلام الذي قد يكون نافعًا، نقول: هذا الكلام الذي تكلمه وفتح به باب الكلام وأزال عن الناس الغمة يعتبر خيرًا لذاته ولَّا لغيره؟ خيرًا لغيره، وهذا داخل -إن شاء الله- في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]].
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم حفظ ألسنتنا وجوارحنا عما يغضبه، وأن يستعملها فيما يرضيه، إنه على كل شي قدير (...).
50:19Page 519
وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ ١٩
And the intoxication of death will bring the truth; that is what you were trying to avoid.
نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على مما تيسر من تفسير سورة ق.
الآية هي قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق ١٩ - ٢١].
﴿جَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾، السكرة هنا هي تغطية العقل، كالإغماء ونحوه، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ»[[أخرجه البخاري (٤٤٤٩) من حديث عائشة.]]، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ مفردًا مضافًا، فيشمل الواحدة أو أكثر.
وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، أي: أن الموت حق كما جاء في الحديث: «الْمَوْتُ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٦٩ / ١٩٩) من حديث عبد الله بن عباس، ولفظه: «أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق».]]، فهي تأتي بالحق، وتأتي أيضًا بحق اليقين، فإن الإنسان عند الموت يشاهد ما تُوُعِّدَ به وما وُعِدَ به؛ لأنه إن كان مؤمنًا بُشِّرَ بالجنة، وإن كان كافرًا بُشِّرَ بالنار، أعاذنا الله وإياكم منها.
﴿ذَلِكَ﴾، أي: الموت، ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، اختلف المفسرون في ﴿مَا﴾؛ هل هي نافية، فيكون المعنى: ذلك الذي لا تحيد منه، ولا تنفك منه، أو إنها موصولة، والمعنى: ذلك الذي كنت تحيد منه، ولكن لا مَفَرَّ منه.
فعلى الأول يكون معنى الآية: ذلك الذي لا تحيد منه، بل لا بد منه، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة ٨].
وتأمل يا أخي: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾، ولم يقل: فإنه مُدْرِكُكُم، وما ظنك بشيء تَفِرُّ منه وهو يلاقيك، إن فرارك منه يعني دُنُوَّك منه في الواقع، لو كنت فارًّا من شيء وهو يقابلك فكلما أسرعت في الجري أسرعت في ملاقاته، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾، في الآية الثانية: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء ٧٨]؛ لأنه ذكر في هذه الآية الثانية أن الإنسان مهما كان في تحصنه فإن الموت سوف يدركه على كل حال.
هنا يقول: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق ١٩] يعني: ذلك الذي لا مَحِيدَ لك عنه.
المعنى الثاني في ﴿مَا﴾ أن تكون موصولة، أي: ذلك الذي كنت تَحِيد منه وتفر منه في حياتك قد وصلك وأدركك.
وعلى كل حال ففي الآية التحذير من التهاون بالأعمال الصالحة، والتكاسل عن التوبة، وأن الإنسان يجب أن يبادر؛ لأنه لا يدري متى يأتيه الموت.
50:20Page 519
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡوَعِيدِ ٢٠
And the Horn will be blown. That is the Day of [carrying out] the threat.
ثم قال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق ٢٠]، النافخ في الصور هو مَلَكٌ وَكَّلَه الله تعالى به يسمى إسرافيل، والنفخ في الصور نفختان؛ الأولى: نفخة الصعق، فيسبقها فَزَع ثم صعق، والثانية: نفخة البعث، وبينهما أربعون، وقد سُئِل أبو هريرة راوي الحديث: ما المراد بالأربعين؟ فقال: أَبَيْتُ[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥ / ١٤١).]]، أي: إني لا أدري ما المراد بالأربعين التي ذَكَرَها النبي ﷺ.
المهم أن المراد بقوله هنا: ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النفخة الثانية، بدليل قوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾، وهذا يعني أنه بهذه النفخة صار يوم القيامة الذي هو يوم الوعيد.
فإن قال قائل: يوم القيامة يوم وعيد ويوم وعد، وعيد لمن؟ للكفار، ووعد للمؤمنين، فلماذا ذكر الله تعالى هنا الوعيد دون الوعد؟ لأن السورة كلها مبدوءة بتكذيب الْمُكَذِّبِين للرسول عليه الصلاة والسلام، فناسب أن يغلب فيها جانب الوعيد، ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق ١، ٢] إلى آخره، فكان من الحكمة أن يذكر الوعيد دون الوعد، ومع ذلك فقد ذكر الله تعالى أصحاب الجنة فيما بعد؛ لأن القرآن مَثَانٍ.
50:21Page 519
وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ ٢١
And every soul will come, with it a driver and a witness.1
﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] ﴿جَاءَتْ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾، أي: كل إنسان، كل بشر، ويحتمل أن يكون المعنى: كل نفس من بني الإنسان ومن الجن أيضًا ممن يُلْزَمُون بالشرائع؛ لأننا إن نظرنا إلى السياق وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ إلى آخره، قلنا: المراد بالنفس هنا نفس الإنسان، وإذا نظرنا إلى أن الشرائع تَلْزَم الجن كما تلزم الإنس، وأن الجن يُحْشَرُون يوم القيامة ويدخل مؤمنهم الجنة وكافرهم النار قلنا: إن هذا عامٌّ، فالله أعلم بما أراد.
﴿مَعَهَا سَائِقٌ﴾ يسوقها، ﴿وَشَهِيدٌ﴾ يشهد عليها بما عملت؛ لأن هؤلاء الملائكة عليهم الصلاة والسلام قد وُكِّلُوا بكتابة أعمال بني آدم من خير وشر، وكما سبق أنهم يكتبون كل شيء؛ الخير والشر واللغو، لكن لا يُحَاسَب الإنسان إلا على الخير أو الشر.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences