Ibn 'UthayminAdh-Dhariyat · 51:35–54

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Adh-Dhariyat 51:35–54

51:35–36Page 522

فَأَخۡرَجۡنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣٥

So We brought out whoever was in them [i.e., the cities] of the believers.

فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٦

And We found not within them other than a [single] house of Muslims.1

قال الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات ٣٥] أخرجناهم، أي: أمرناهم أمرًا قدريًّا فخرجوا، قال الله تعالى للوط: ﴿أَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ [هود ٨١].

﴿أَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مَنْ هم؟ لوط، وأهله إلا امرأته؛ ولهذا قال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٦].

بيت واحد، قرية كاملة يدعوهم نبيهم إلى توحيد الله، وإلى ترك هذه الفاحشة، ما اتبعه أحد، حتى أهل بيته لم يخلصوا، فيهم مَن لم يؤمن بلوط، فانتبه يا أخي، انتبه يا أخي الداعية، لا تجزع إذا دعوت فلم يستجب لك من المئة إلا عشرة، هذه نعمة. الرسل عليهم الصلاة والسلام يبقون في أممهم دهورًا كثيرة، ولا يتبعهم إلا القليل، لوط عليه الصلاة والسلام، مَن اتَّبعه مِن القرية؟ لا أحد، من اتبعه مِن أهله؟ اتبعه من أهله من اتبعه، وتخلَّف عن دعوته مَن تخلَّف؛ ولهذا قال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.

وهنا يتساءل الإنسان في نفسه؛ كيف قال: ﴿أَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ هل المسلمون هنا بمعنى المؤمنين في الآية التي قبلها؟

ذهب بعض العلماء إلى ذلك وقالوا: إن في هذا دليلًا على أن الإيمان والإسلام شيء واحد.

وذهب آخرون إلى الفرق وقالوا: أما المؤمنون فقد نَجَوْا، وأما البيت فهو بيت إسلام؛ لأن المظهر في هذا البيت بيت لوط أنه بيت إسلامي، حتى امرأته ما تتظاهر بالكُفْرِ، تتظاهر بأنها مسلمة؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠]، ليس المعنى ﴿خَانَتَاهُمَا﴾ بالفاحشة بل ﴿خَانَتَاهُمَا﴾ بالكفر، لكنه كفر مستور، وهو خيانة من جنس النفاق، ولهذا يقال للمجتمع الذي فيه المنافقون: يقال إنه مجتمع مُسْلِم، وإن كان فيه المنافقون؛ لأن المظهر مظهر إسلامي.

إذن نقول ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ إنما قال: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ لأن امرأته ليست مؤمنة، ولكنها مسلمة.

51:37Page 522

وَتَرَكۡنَا فِيهَآ ءَايَةٗ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٣٧

And We left therein a sign for those who fear the painful punishment.

﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٦، ٣٧] ﴿تَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ أي: علامة، فما العلامة؟ أهي علامة حسيَّة أم علامة معنوية؟ أم علامتان معنوية وحسية؟

أقول لكم قاعدة مفيدة في التفسير: إذا احتملت الآية أكثر من معنى لا مُرَجِّح لأحدهما على الآخر، ولا منافاة بينهما، وجب حملها على المعنيين جميعًا، هذه الآية نقول: الآية هذه حسية ومعنوية، أما الحسية فما يُشاهَد من مكان قريتهم التي تُسَمَّى بحيرة لوط، فإن هذا كان موضعَ القرية، كلٌّ يمر به ويراه ويشاهده، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨].

آية معنوية: كل مَن قرأ قِصَّتهم في جميع ما ورد فيه من السور الكريمة اعتبر واتَّعظ وخاف، هذه آية معنوية، لكن مَن الذي ينتفع بهذه الآيات؟ مَن يخافون العذاب الأليم ﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، أما المنكرون الذين قست قلوبُهم، فإنهم لن ينتفعوا بالآيات، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المنتفعين بالآيات، انتهى الكلام على قصة إبراهيم ولوط عليه الصلاة والسلام (...).

51:38–39Page 522

وَفِي مُوسَىٰٓ إِذۡ أَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ٣٨

And in Moses [was a sign], when We sent him to Pharaoh with clear authority.1

فَتَوَلَّىٰ بِرُكۡنِهِۦ وَقَالَ سَٰحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٞ ٣٩

But he turned away with his supporters and said, "A magician or a madman."

انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٣٨، ٣٩]، يعني: في موسى آيات من آيات الله عز وجل حين أرسله الله تعالى إلى فرعون، وفرعونُ علَمُ جنس على كل من حكم مصر وهو كافر، وموسى هو ابن عمران أفضل أنبياء بني إسرائيل، وهو في المرتبة الثالثة من الفضل بالنسبة لأولي العزم الخمسة، فإن أفضلَهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم نوح، وعيسى.

أرسله الله تعالى ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الذاريات ٣٨]، أي: بحجة بينة في نفسها مُبينَة لغيرها، فالآيات التي جاء بها الأنبياء بينات واضحة لكل ذي عدل وإنصاف، وهي أيضًا مبينة لصدق ما جاءت به الرسل؛ ولهذا اعلم أنه كلما جاء في القرآن (مبين) كلمة (مبين) فهي بمعنى: مُبين في ذاته، مبين لغيره، إلا ما دلَّ السياق على أن المراد: البين في ذاته.

﴿إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ فمنها من الآيات العظيمة التي جاء بها موسى: العصا؛ عصا موسى التي كان يستعملها يتوكأ عليها عند الحاجة، ويَهُشُّ بها على غنمه أوراق الشجر عند رعيها، وله فيها حاجات أخرى، كما قال هو عليه الصلاة والسلام لما سأله الله: ﴿مَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه ١٧، ١٨]، فهي آيةٌ في كونه إذا وضعها على الأرض صارت ثعبانًا مبينًا، أي: حية عظيمة تخيف من رآها؛ ولهذا رُهِبَ منها موسى عليه الصلاة والسلام حين ألقاها وولى هاربًا، فناداه الله عز وجل: ﴿لَا تَخَفْ﴾ [النمل ١٠].

ومنها: أنه يدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء في الحال، بيضاء لكن بدون سوء، أي: بدون عيب، يعني: ليست بيضاء برص، ولكنها بيضاء مخالفة للون جلده في الحال، حقيقة لا تَخْييلًا.

وقال الله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء ١٠١]، المهم أنه أتى إلى فرعون بسلطان مبين وحجة دامغة بالغة، لكنه -والعياذ بالله- ﴿تَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات ٣٩] أي: بقوته وسلطانه وجنده، أعرض عن موسى استكبارًا وجحودًا وظلمًا وعدوانًا، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل ١٤].

﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٣٩] يعني: أنه اتَّهم موسى عليه الصلاة والسلام بأنه ساحر؛ لأنه أتى بآيات تُشبِه ما يصنعه السحرة، عصا من خشب توضع في الأرض وتكون ثعبانًا مبينًا، يد تدخل في الجيب فتخرج بيضاء في الحال، هذا يشبه السحر.

﴿أَوْ مَجْنُونٌ﴾ يعني قال: إنه مجنون؛ وذلك بكونه يدَّعي أن الله وحده خالق السماوات والأرض، هو الرب وهو الإله؛ لأنهم كانوا لا يعرفون الإله إلا مَن؟ إلَّا فرعون. فإذا جاء شخص يقول: هو الله رب العالمين، وأن فرعون ليس إلهًا ولا ربًّا، فإنهم يرمونه بالجنون، هذا مجنون خرج عما نعلم، خرج عما نعهد.

51:40Page 522

فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٞ ٤٠

So We took him and his soldiers and cast them into the sea, and he was blameworthy.

قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [الذاريات ٤٠] أي: طرحناهم فيه، واليَمُّ هو: البحر، والبحر الذي هَلَك به فرعونُ هو البحر الأحمر الذي بين آسيا وأفريقيا، وذلك أن فرعون جمع جنوده وحَشَدهم، وأراد أن يقضي على موسى وقومه، فخرج موسى وقومه من مصر متجهين إلى الشرق، ولكنهم حال بينهم وبين مرادهم البحر، فلمَّا وصلوا إلى البحر كان البحر بين أيديهم وفرعون وقومه خلفهم، قالوا لموسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء ٦١]؛ يعني: هلكنا؛ لأن فرعون خلفنا، والبحر أمامنا، فكيف النجاة؟ فقال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء ٦٢] وهذه معية خاصة تقتضي النصر والتأييد.

قوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ ولم يقل: سوف يهدين، قال: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ إشارة إلى قرب هذا الحصر، وأنه سيزول قريبًا، وهذا الذي حصل، أوحى الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه فضربه فانفلق اثنتي عشرة طريقًا في الحال، ويبس في الحال، وصار صالحًا للمشي عليه في الحال، كما قال عز وجل: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه ٧٧].

فعبَّر موسى وقومه من هذه الطرق العظيمة التي كان الماء بينها كالجبال، ولما انتَهَوا خارجين كان فرعونُ في أثَرِهم وانتهوا داخلين، فأمر الله عز وجل بقُدْرتِه وسلطانِه أمر البحر أن يعود إلى ما كان عليه، فانطبق على فرعون وقومه فهلكوا عن آخرهم، والحمد لله، ولهذا قال: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: فرعون فاعل ما يلام عليه، ولا شك أن ردَّه للرسالة الإلهية وادعاءه أنه الرب.

وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨] وما أشبه ذلك من الكلمات لا شك أنها كلمات يلام عليها؛ لأنه قد تبين له الحق، ولكنه عاند وأبى أن ينقاد للحق، كما قال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يعني: يا فرعون ﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء ١٠٢] (...).

51:41–42Page 522

وَفِي عَادٍ إِذۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلۡعَقِيمَ ٤١

And in ʿAad [was a sign], when We sent against them the barren wind.1

مَا تَذَرُ مِن شَيۡءٍ أَتَتۡ عَلَيۡهِ إِلَّا جَعَلَتۡهُ كَٱلرَّمِيمِ ٤٢

It left nothing of what it came upon but that it made it like disintegrated ruins.

ثم قال تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات ٤١]، يعني: وفي عاد آيات ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ عاد في جنوب الجزيرة العربية، وكانوا قومًا أشدَّاء، حتى إنهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، فقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت ١٥] فأصابهم القحط والجدب، فجعلوا يترقَّبون المطر، فأرسل الله عليهم الريح العظيمة الشديدة.

﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف ٢٤] أرسل الله عليهم هذه الريح العقيم التي ليس فيها ثمرة ولم تحمل ماء، كالمرأة العقيم التي لا تَلِدُ، هذه أيضًا ريح عظيمة لا تحمل سحابًا ولا مطرًا، هذه الريح العقيم هي الريح الغربية، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠ / ١٧) من حديث عبد الله بن عباس.]] أي: بالريحِ الغربية.

أرسل الله عليهم هذه الريح العقيم ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات ٤٢]، كل شيء تأتي عليه تجعله ﴿كَالرَّمِيمِ﴾ هامدًا، حتى إنها تأخذ الرجل -والعياذ بالله- إلى فوق، ثم تردُّه إلى الأرض، فأصبحوا ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧]، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر ٢٠] هلكوا عن آخرهم.

فتأمل الآية قوم عتاة أقوياء أشداء هلكوا بهذه الريح اللطيفة التي لا ترى لها جسمًا، وإنما تحس بها بدون أن ترى شيئًا، ومع ذلك قضت عليهم بأمر الله عز وجل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات ٤٢]، فهذا فيه آية من آيات الله عز وجل، أرسل الله عليهم هذه الريح فأهلكتْهم عن آخرهم، ففيهم آيات، ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾.﴿

51:43–44Page 522

وَفِي ثَمُودَ إِذۡ قِيلَ لَهُمۡ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٖ ٤٣

And in Thamūd, when it was said to them, "Enjoy yourselves for a time."

فَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٤٤

But they were insolent toward the command of their Lord, so the thunderbolt seized them while they were looking on.

﴾

ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾ [الذاريات ٤٣] ثمود: هم الذين أرسل الله إليهم نبيه صالحًا عليه الصلاة والسلام، فوعظهم، وذكَّرهم، وجعل لهم آية وهي الناقة التي شرفها الله تعالى بإضافتها إلى نفسه الكريمة؛ حيث قال تبارك وتعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس ١٣] أي: احذروا ناقة الله أن تعبثوا فيها أو أن تنكروها، وهذه الآية لها شِرب تشرب من البئر التي تسمى: بئر الناقة، ولهم ﴿شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء ١٥٥] يشربونه، فالناقة تشرب يومًا، وهم يشربون يومًا، وهذه الناقة ذكروا أنه ما جاء أحد يستقي من هذا البئر في يومها الذي تشرب منه إلا أخذ بدل شربها شيئًا من لبنها بقدر ما شربت، فالله أعلم هل هذا هو الواقع أو يختلف، لكن على كل حال هذه الناقة لا شك أنها ناقة ليست كسائر النوق؛ إذ إنها آية من آيات الله عز وجل، لكنهم كذبوا وأبوا وتوعدهم صالح عليه الصلاة والسلام أن يتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، ولكنهم ما زالوا على كفرهم وإنكارهم؛ ولهذا قال: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾.

وديارهم معروفة الآن موجودة في مكان يُسَمَّى الحجر، ويسمى الآن ديار ثمود، وقد مر بها النبي ﷺ في ذهابه إلى تبوك، لكنه عليه الصلاة والسلام أسرع حين مرَّ بهذه الديار، وقنع رأسه، ونهى أمته أن يدخلوا إلى هذه الأماكن -أماكن المعذبين- إلا أن يكونوا باكين، قال: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا أَنْ يُصيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث عبد الله بن عمر.]] وقوله: «يُصيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ» لا يلزم منه أن يراد به ما أصابهم من العذاب الحسي، قد يكون المراد ما أصابهم من العذاب الحسي، وما أصابهم من الإعراض والكُفر، فلو قال قائل: إنه يوجد أناس يذهبون إلى هذه الأماكن، وهم غير باكين ولم يصابوا بشيء.

نقول: الجواب عن هذا من وجهين:

أولًا: إن الرسول ﷺ لم يؤكد أن يصابوا بهذا، ولكن قال: خوفًا أو خشية أن يصابوا بما أصاب هؤلاء.

الوجه الثاني: أن نقول: لا يتعيَّن أن يكون المراد بذلك أن يُؤخذوا بما أُخِذَ به هؤلاء من العقوبة الحسية الظاهرة، وهي الرجفة والصيحة التي أماتتهم عن آخرهم، قد يكون المراد بذلك مرض القلب الذي هو الاستكبارُ والإعراض ورد الحق.

﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾ هذا الحين هو ثلاثة أيام، منتهى ثلاثة أيام، ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الذاريات ٤٤]، ولم يرجعوا عن غَيِّهم، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ الصاعقة التي هي صعقتهم هي رجفة وصيحة، ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينظُر بعضهم إلى بعض يتهاوون ويتساقطون أمواتًا.

51:45Page 522

فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مِن قِيَامٖ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ ٤٥

And they were unable to arise, nor could they defend themselves.

﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ [الذاريات: ٤٥] أي: ما استطاعوا أن يقوموا، ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ أي: لم يتمكن بعضُهم أن ينصُر بعضًا، بل كلهم هلكوا عن آخرهم.

وهكذا يفعل الله تعالى بمن كذَّب رسله عليهم الصلاة والسلام، إلا أن العذاب المستأصل رُفِعَ عن هذه الأمة، فإن النبي ﷺ دعا ربَّه سبحانه وتعالى ألا يأخُذَهم بِسَنَةٍ بعامَّةٍ[[أخرجه مسلم (٢٨٨٩ / ١٩) من حديث ثوبان، و(٢٨٩٠ / ٢٠) من حديث سعد بن أبي وقاص.]] -أي: بعقوبة عامة- لكن ابتلوا بشيء آخر، وهو أن يقتل بعضهم بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا، والأمر كذلك وقع؛ فإن هذه الأمة لم تُصَبْ بعذابٍ عامٍّ كما أصيبت به الأمم التي قبلها، لكن أُصيبَت بأن جعل الله تعالى بأسَهم بينهم منذ زمن الخلفاء الراشدين؛ كما اختلفوا على عثمان، وعلى علي رضي الله عنهما، وحصلت الفتن، وتتوالى إلى يومنا هذا.

ثم هذه الأمة التي جُعِلَ بأسُها بينها ليست هي أمة الإجابة فقط، بل أمة الإجابة وأمة الدعوة، ولهذا نقول: ما حصل من الفتن والبلاء في الأرض مشارقها ومغاربها من الكفار وغير الكفار فإنما هو نتيجة للمعاصي، وهي عقوبة هذه الأمة أن الله يذيق بأسهم بأس بعض.

51:46Page 522

وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٤٦

And [We destroyed] the people of Noah before; indeed, they were a people defiantly disobedient.

﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الذاريات: ٤٥، ٤٦] يعني: اذكر ﴿قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ وهم أول أمة أرسل إليهم الرسول، ولكنهم كذبوه، وهذا الرسول نوح عليه الصلاة والسلام بقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، ويذكرهم، ويعظهم، ولكنهم -والعياذ بالله- لم يؤمنوا ﴿مَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠]، حتى إنه عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح ٧]، ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ لئلا يسمعوا ما يقول، ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ أي: تغطُّوا بها لئلا يُبْصروه -نسأل الله العافية- وهذا غاية ما يكون من البغضاء لما يقول وما يفعل، ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا﴾ على باطلهم، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح ٧].

فكان آخر ما قال عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح ٢٦]، ودعا ربه: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر ١٠] قال الله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر ١١، ١٢]، ولهذا -والله أعلم- سيكون عليهم نصيب من عذاب المكذبين؛ لأنهم هم أول أمة كذبت الرسل، ومن سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، كما أن مَن قتل نفسًا فإن على ابن آدم الذي قتل أخاه كِفْلًا، ونصيب من عذاب القاتل إلى يوم القيامة

51:47Page 522

وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ٤٧

And the heaven We constructed with strength,1 and indeed, We are [its] expander.

ثم قال عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧] في هذه الآية يخبر الله تعالى أنه بنى السماء ﴿بِأَيْدٍ﴾ أي: بقوة، كما قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢]، والأيد: ليست جمع يد كما يتوهمه بعض الناس، ويظنون أن المراد أن الله بنى السماء ﴿بِأَيْدٍ﴾ أي: بيديه عز وجل؛ ذلك لأن الأيد هنا مصدر (آد يئيد) بمعنى قَوِي، ولهذا لم يُضِف الله تعالى هذه الكلمة إلى نفسه الكريمة كما أضافها إلى نفسه الكريمة في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١]، فمن فسَّر الأيد بالقوة هنا فإنه لا يقال: إنه من التأويل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، بل هو من التأويل الصحيح.

﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أي: لموسعون أرجاءها، لأنها واسعة عظيمة محيطة بالأرض من كل جانب.

51:48Page 522

وَٱلۡأَرۡضَ فَرَشۡنَٰهَا فَنِعۡمَ ٱلۡمَٰهِدُونَ ٤٨

And the earth We have spread out, and excellent is the preparer.

﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾ أي: جعلناها لأهلها بمنزلة الفراش اللين المريح.

﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ أثنى على نفسه تبارك وتعالى بذلك؛ لأنه أهل للثناء، وقد جعلها الله تبارك وتعالى -أعني الأرض- جعلها على مستو نافع للعباد، فليست بالقاسية التي يعجز الناس عن الانتفاع بها، وليست باللينة التي لا يستقرون عليها، بل هي مناسبة تمامًا لهم، على أن فيها اختلافًا في الليونة والصعوبة، لكن هذا لا يمنع الانتفاع بها.

51:49Page 522

وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٤٩

And of all things We created two mates [i.e., counterparts]; perhaps you will remember.

﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] خلق الله تبارك وتعالى من كل شيء زوجين متقابلين حتى تتم الحال، وتصلح باجتماع بعضهما إلى بعض، فالحيوان كله من إنسان وغيره كله يكون من زوجين بين ذكر وأنثى، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات ١٣] إلا أن آدم عليه الصلاة والسلام خلقه الله بيده من غير أم ولا أب، وزوجه حواء خُلِقَت من أب بلا أم، وعيسى ابن مريم خلق من أم بلا أب؛ ولهذا يقسم الناس البشر إلى أربعة أقسام:

الأول: من خُلِقَ بلا أم ولا أب وهو آدم.

والثاني: من خُلِقَ من أب بلا أم وهي حواء.

والثالث: من خُلِقَ من أم بلا أب وهو عيسى.

وبقية البشر خلقوا من ذكر وأنثى.

من كل شيء خلق الله زوجين: اليبوسة والرطوبة، والحرارة والبرودة، واللين والقسوة، وغير ذلك مما إذا تأمله الإنسان عرف بذلك حكمةَ الله سبحانه وتعالى.

﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: بيَّنَّا ذلك لكم؛ لأجل أن تذكروا وتتعظوا بآيات الله تبارك وتعالى، فإن الإنسان كلما كان أعلم بآيات الله الكونية أو الشرعية كان أكثر اتعاظًا واعتبارًا، ولهذا حثَّ الله على النظر في الآيات الكونية، فقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الروم ٨]، ومدح الله تعالى الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض في قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران ١٩٠، ١٩١] لهذا ينبغي للإنسان أن يتَّعظ، ويتذكر، ويتدبر آيات الله سبحانه وتعالى الكونية والشرعية.

51:50Page 522

فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥٠

So flee to Allāh.1 Indeed, I am to you from Him a clear warner.

﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠] هذا كأنه على لسان النبي ﷺ، أي: قل لهم: فِرُّوا إلى الله ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ﴾ أي: من الله ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.

والفرار إلى الله يكون بالقيام بطاعته واجتناب نواهيه؛ لأنه لا ينقذك من عذاب الله إلا هذا؛ إلا أن تقوم بطاعة الله، فكأن الإنسان إذا قام بطاعة الله عز وجل كأنه فرَّ من عدو، أرأيت لو أن وادِيًا عَرِمًا يَهْدِر أقبل عليك، أكنت تقف أمامه؟ لا، لا تقف أمامه، بل تهرب منه وتفر منه. كذلك لو أن حريقًا ملتهِبًا أقبل إليك فإنك لن تقف بل تفر. كذلك نار جهنم أشد وأعظم وأولى بالفرار منها؛ ولهذا قال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: من عذاب الله ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ﴾ أي: منذر ﴿مُبِينٌ﴾ أي: مظهر لما أنذروا به ومبين له.

فهو عليه الصلاة والسلام نذير من الله تعالى لعباده يُنْذِر من خالف أمره بالعذاب، ومع هذا هو ﷺ بشير، بشير لمن آمن وأطاع بالجنة والسعادة في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]، لكن الله تبارك وتعالى يذكر الإنذار فقط في مقام التهديد والوعيد، وهذه السورة كما تَرَوْن كلها فيها ذكر للأمم السابقين، وما حل بهم من العقوبة؛ لمخالفتهم أمر الله تبارك وتعالى.

51:51Page 522

وَلَا تَجۡعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥١

And do not make [as equal] with Allāh another deity. Indeed, I am to you from Him a clear warner.

﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الذاريات: ٥١] أي: لا تجعلوا معه معبودًا تعبدونه ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، والمعبود أنواع وأصناف: فمن الناس مَن يعبد الشمس، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد النجوم، ومنهم من يعبد الحيوان، ومنهم من يعبد الشجر، ومنهم من يعبد الحجر، ومنهم من يعبد المال؛ كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيلَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وإنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ»[[أخرجه البخاري (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة، وليس فيه «تعس عبد الخميلة».]] فبيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن الذي ليس له هَمٌّ إلا المال، فإنه عابد له في الحقيقة، وإن كان لا يركع له ولا يسجد، لكن تعلُّق قلبه به واهتمامه به وكونه يرضى لحصوله ويسخط لمنعه لا شك أنه قد استولى على قلبه استيلاء تامًّا، لكن المعبود تختلف عبادته في الحكم؛ فإن كان يصرف له شيء من العبادة فهذا شرك أكبر، وإن كان لا يَصْرِف له شيء من العبادة، ولكنه يتعلق به القلب تعلُّقًا كاملًا، حتى إنه ليدع الواجبات، ويقع في المحرمات من أجل الحصول عليه، فهذه عبادة لا تخرج من الدين لكنها حقًّا عبادة. ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ كرر ذلك لأهمية الموضوع.

51:52Page 523

كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ ٥٢

Similarly, there came not to those before them any messenger except that they said, "A magician or a madman."

﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] يعني: أن الأمر الذي حصل لك يا محمد حصل لمن قبلك؛ فقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: الأمر كذلك؛ يعني: أن أمر الأمم السابقة كأمر هؤلاء الذين كذَّبوك يا محمد، وفسَّر هذه الكذلكة بقوله: ﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ يعني: ما آتاهم رسول إلا قالوا كذا، و﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ زائدة من حيث الإعراب كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة ١٩] المعنى: ما جاءنا بشيرٌ ونذير، لكن تُزادُ الحروف في بعض الجمل للتأكيد.

فـ﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ يعني: ما آتاهم رسول إلا وصفوه بهذين الوصفين: ﴿إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ ساحر باعتبار تأثيره وبيانه وبلاغته؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥١٤٦) من حديث عبد الله بن عمر.]].

﴿أَوْ مَجْنُونٌ﴾ يعني: أو قالوا مجنون باعتبار تصرفاته؛ لأن هذا التصرف في نظر هؤلاء المكذبين جنون نسأل الله العافية، وفي هذا تسليةٌ للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الإنسانَ إذا علم أن غيره أصابه ما أصابه تَسَلَّى بذلك وهان عليه الأمر، ولهذا قالت الخنساء تُماضِر، وهي ترثي أخاها صَخْرًا في رثاء لها:

وَلَوْلَا كَــثْرَةُ الْبَاكِـــــــينَحَـــــــوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْـــسَ عَـــنْهُبِالتَّأَسِّي

وقد دل لذلك قولُ الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]؛ لأن الإنسان إذا شاركه غيره في العذاب هان عليه، لكن يوم القيامة لا ينفع الإنسان أن يشاركه غيره في عقوبته.

المهم أن في هذه الجملة بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام تسليةً له حتى لا يحزن، فإن ما أصابه قد أصاب غيره، وفيها أيضًا دليل على أن المكذبين للرسل طريقهم واحدة ولو تباعدت أزمانهم، ولو تباعدت أقطارهم؛ لأن المجرم أخو المجرم، فالطريقة واحدة.

51:53Page 523

أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٥٣

Did they suggest it to them?1 Rather, they [themselves] are a transgressing people.

قال الله تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات ٥٣] أي: بهذا القول ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ يعني: هل هؤلاء المكذبين للرسل الذين اتفقوا على وصفهم الرسل بأنهم سحرة ومجانين، هل هم تواصوا بذلك؟ يعني: هل كل واحد من هؤلاء الأمم كتب وصية إلى الأمم اللاحقة أن قولوا لأنبيائكم: إنكم سحرة ومجانين؟ الجواب: لا، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾، وهذا إضراب إبطال، يعني: ما حصل تواصٍ، ولكن تواردت الخواطر؛ لأن الهدف واحد وهو تكذيب الرسل فاتفقت الكلمة، وفي قوله: ﴿طَاغُونَ﴾ وصف بأن هؤلاء طغاة معتدون، وهذا من أعظم الطغيان -والعياذ بالله- أن يصفوا دعاة الحق بأنهم سحرة ومجانين.

51:54Page 523

فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٖ ٥٤

So leave them, [O Muḥammad], for you are not to be blamed.

قال الله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [الذاريات ٥٤] أي: أعرض عن هؤلاء، ولا تهتم بهم.

﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ يعني: لا أحد يلومك؛ لأنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، وصبرت وصابرت، فلقد صبر النبي ﷺ وصابر على أذى قريش وامتهانهم إياه، ولكنه كانت له العاقبة ولله الحمد، ولهذا قال: ﴿تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ بمعنى: أنك لا تتعب نفسك فيهم، ولا تهلك نفسك فيهم، فأنت في هذه الحال لا تُلام على ذلك؛ لأنه ﷺ قام بما يجب عليه.

وفي قوله تعالى: ﴿تَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ فيها أمران:

الأمر الأول: عذر النبي عليه الصلاة والسلام وإقامة العذر له.

والثاني: تهديد هؤلاء المكذبين أن الله تعالى يهددهم بتولي الرسول عنهم؛ لأنه لا خير فيهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском