Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
الطور
At-Tur
The Mount · Meccan · 49 ayahs
52:1–8Page 523
وَٱلطُّورِ ١
By the mount
وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ ٢
And [by] a Book inscribed1
فِي رَقّٖ مَّنشُورٖ ٣
In parchment spread open
وَٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ ٤
And [by] the frequented House1
وَٱلسَّقۡفِ ٱلۡمَرۡفُوعِ ٥
And [by] the ceiling [i.e., heaven] raised high
وَٱلۡبَحۡرِ ٱلۡمَسۡجُورِ ٦
And [by] the sea set on fire,1
إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٞ ٧
Indeed, the punishment of your Lord will occur.
مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٖ ٨
Of it there is no preventer.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
البسملة آية من كتاب الله، نزلت في ابتداء كل سورة، إلا سورة براءة فإنها لم تنزل للفصل بينها وبين سورة الأنفال، ولهذا لم تُكْتَب في المصحف، وليست من السورة التي افْتُتِحَت بها، فهي ليست من الفاتحة، خلافًا لما نشاهده في المصاحف أنها حُسِبَت من الفاتحة باعتبار الترقيم، والصحيح أنها ليست من الفاتحة، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قول الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويدل لهذا السنة القولية والعملية:
أما القولية فما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ: أن الله قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: فَإِذَا قَالَ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ «قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ:» ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]].
وأما السنة العملية فهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في صلاة الليل لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويجهر بالفاتحة، وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة، وهذا هو القول الراجح.
يقول الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور ١ - ٦] هذه أشياء أقسم الله بها:
الأول: الطور؛ وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى كلَّمه أول ما كلَّمه على جبل الطور، فكان لهذا الجبل من الشرف والفضل ما سبق به غيره من الجبال، ولهذا أطلق كثير من العلماء أنه -أي: جبل الطور- أفضل الجبال وأشرفها.
وعلى هذا يكون أشرف وأفضل من جبل حِراء الذي ابتدأ فيه الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا ظاهر إطلاق كثير من العلماء.
ولكن في هذا الإطلاق نظر؛ لأن حِراء كُلم منه الرسول ﷺ، لكن كلَّمه جبريل مرسلًا من عند الله، فمنه ابتدأت أفضل الرسالات على أفضل الرسل.
وأيضًا: حِراء داخل الحرم المكي؛ لأنه من الحرم الذي لا يحل صيدُه، ولا يُقطع شجره، وبقعة الحرم أفضل البقاع، ويمكن أن يحمل إطلاق كثير من العلماء على هذا، فيقال: إلا جبل حِراء.
﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور ٢، ٣] الكتاب المسطور في الرق، اختلف فيه العلماء، وهذا الخلاف ينبني على كلمة (رَق)، هل الرَّق كل ما يُكتب فيه من جلد وورق وعظم وحجر وغير ذلك، أو هو خاص بما يُكتب فيه من جلود ونحوها؟
إن قلنا بالأول صار المراد بالكتاب عدة أشياء؛ منها: اللوح المحفوظ، ومنها: الكتب التي بأيدي الملائكة، ومنها: القرآن الكريم، ومنها: التوراة، فيشمل عدة كتب، إذا قلنا: إن الرَّق هو كل ما يُكتب فيه.
وإذا قلنا: إن الرَّق هو الورق وشبهه ما يكتب فيه عادة، فاللوح المحفوظ ليس معنا، فلا يدخل في هذا، وإنما المراد به إما التوراة، وإما القرآن.
فالذين قالوا: إنه التوراة رجَّحوا قولهم بأنه قُرِن بـ(الطور)، وهو الذي كلم منه موسى عليه الصلاة والسلام، فكان الكتاب المسطور هو التوراة الذي جاء بها موسى.
ومن قال: إن المراد به القرآن الكريم رجح ذلك بأن الله ذكر الطور الذي أوحي منه إلى موسى، والكتاب الذي هو القرآن أُوحِيَ إلى من؟ إلى محمد ﷺ، فيكون الله تبارك وتعالى ذكر أشرف الرسالات في بني إسرائيل إيماء إليها بذكر الطور، وذكر أشرف الرسالات التي بعث بها من بني إسماعيل محمدًا ﷺ، وعلى هذا فيتعين أن يكون المراد بالكتاب المسطور القرآن الكريم.
﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ الرَّق هو ما يُكتب فيه من جلد ونحوه. وقيل: كل ما يُكْتَب عليه حتى الحجر؛ لأنهم كانوا من قبل يكتبون القرآن على الأحجار، وعلى ظهور العظام، وعلى عسب النخل؛ لأن الورق ليس موجودًا بكثرة.
وقوله: ﴿مَنْشُورٍ﴾ صفة لـ﴿كِتَابٍ﴾، ويحتمل أن تكون صفة لـ﴿رَقٍّ﴾، والمعنى واحد.
والمراد بالمنشور؛ يعني المُفرَّق الذي يكون في أيدي كل قارئ، وهذا يصدق تمامًا على القرآن الكريم، فإنه -ولله الحمد- بين يدي كل قارئ، حتى الصغار من المسلمين يقرؤونه.
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ هذا هو ثالث ما أقسم الله به في هذه الآيات، وهو بيت في السماء السابعة يُقال له: الطراح أو الصراح لعلوه، هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه، فأخبروني بناء على هذا كم عدد الملائكة؟ لا يحصيهم إلا الله، من يحصي الأيام؟! ثم من يحصي سبعين ألفًا؟! كل يوم يدخلون هذا البيت المعمور ولا يعودون إليه.
وقيل: إن المراد بالبيت المعمور بيت الله في الأرض، وهو الكعبة؛ لأنه معمور بالطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود، فهل يمكن أن تحمل الآية على المعنيين جميعًا؟
نحن نحب أن نذكر قاعدة في التفسير، وهي أن الآية إذا احتملت معنيين على السواء وليس بينهما منافاة وجب أن تُحْمَل على كلٍّ منهما؛ لأن المتكلم بها -وهو الله جلَّ وعلا- عالم بما تحتمله من المعاني، وإذا لم يبين أن المراد أحد المعاني فإنه يجب أن تحمل على كل ما تحتمله من المعاني الصحيحة، ما هي المعاني الباطلة.
فلننظر الآن هل هناك منافاة بين أن يكون المقسم به الكعبة أو البيت المعمور في السماء؟ الذي يظهر أن لا مُنافاة؛ لأن كلا البيتين مُعظَّم، ذاك مُعظَّم في أهل السماء، وهذا مُعظَّم في أهل الأرض، ولا مانع.
فالصواب أن الآية شاملة لهذا وهذا، إلا إذا وجدت قرينة ترجح أن المراد به البيت المعمور في السماء.
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ أقسم الله تعالى بالسقف المرفوع وهو السماء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ [الرعد ٢]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢]، فالسماء سقف، والسماء مرفوعة.
إذن فالسقف المرفوع هو السماء، وسماه الله سقفًا لأنه قد غمر جميع الأرض من جميع الجوانب كما يغمر السقف الحجرة من جميع الجوانب، وإنما أقسم الله تعالى بالسماء لما فيها من الآيات العظيمة من نجوم وشمس وقمر وإحكام وإتقان، قال الله عز وجل: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٣، ٤]؛ يعني: مرة بعد مرة، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك ٤]، وأخبر أنه ليس في السماء من فروج، ليس فيها تشقق، ليس فيها عيب، ليس فيها تصدع، لا تُبْلى على طول المدة فهي جديرة بأن يقسِمَ الله بها.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ كلمة (البحر) قيل: إن المراد به البحر الذي عليه عرش الرحمن عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود ٧]. وقيل: المراد به البحر الذي في الأرض؛ لأنه مشاهد، المعلوم الذي فيه من آيات الله ما يبهر العقول.
والصحيح أن المراد به بحر الأرض؛ لأن (أل) في ﴿الْبَحْرِ﴾ للعهد الذهني؛ يعني: البحر المعهود الذي تعرفونه، فأقسم الله به لما فيه من آيات الله العظيمة؛ من أسماك، وأمواج، وغير هذا مما نعلمه وما لا نعلمه.
ومن أعظم ما فيه من آيات الله ما أشار إليه تعالى في قوله: ﴿الْمَسْجُورِ﴾؛ أي: الممنوع، ومنه سجر الكلب؛ يعني: في اللغة ليس المعنى هنا.. في اللغة يقال: سجرت الكلب؛ يعني: ربطته حتى لا يهرب، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الممنوع بقدرة من؟ بقدرة الله عز وجل.
إننا نعلم جميعًا أن الأرض كُرويَّة، وهذا البحر لو نظرنا إليه بمقتضى الطبيعة لكان يفيض على الأرض؛ لأنه لا يوجد جدران تمنع، والأرض كروية مثل الكرة، فلو نظرنا إلى هذا البحر بمقتضى الطبيعة لقلنا: لا بد أن يفيض على الأرض فيغرقها، ولكن الله تبارك وتعالى أمسكه بقدرته سبحانه وتعالى، فهو مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها، وهذه آية من آيات الله.
صُبَّ فوق كرة من الكرات، صُبَّ فوقها ماءً. أين يذهب؟ يغمرها يمينًا وشمالًا، لكن هذا البحر لا يمكن أن يفيض على الأرض بقدرة الله سبحانه وتعالى، وانظر إلى الحكمة أحيانًا تأتي أيام المد والجزر نفس البحر يمتد امتدادًا عظيمًا لعدة أمتار وربما أميال، ثم ينحسر. من الذي مده، ولو شاء لبقي ممتدًا فتغرق الأرض؟ ومن الذي رده؟ هو الله، ولهذا كان هذا البحر جديرًا بأن يقسِمُ الله به.
في البحر آيات عظيمة، يقال: إنه ما من شيء على البر من حيوان وأشجار إلا وله نظير في البحر، بل أزيد؛ لأن البحر بالنسبة لليابس يمثل حوالي سبعين في المئة كبير جدًّا، ففيه من الأشياء ما ليس في البر؛ يعني فيه إنسان سمكة على شكل إنسان، فيه على شكل ذئب، على شكل ضبع، على شكل حيَّة، على شكل عقرب، فيه أشياء ما نرى لها نظيرًا في البر، هذه من آيات الله عز وجل.
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ إذن أعظم آية في البحر هو أنه مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها.
وقيل: المراد بـ﴿الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يوقد، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير ٦]؛ أي: أوقدت، فهذان قولان.
﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ يعني القول الأول: الممنوع، ﴿الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ الذي سيُسْجَرُ؛ أي: يُوقَد، وهذا متى يكون؟ يوم القيامة، هذا الماء الذي نشاهده الآن، والذي لو سقطت فيه جمرة أو مَرَّ على جمرة لأطفأها، يوم القيامة يكون نارًا، يُسْجَرُ هذا الماء ويكون نارًا، هذا من آيات الله عزَّ وجل.
هذان قولان: القول الأول: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها. المسجور: الذي سيُسْجَر؛ أي: يُوقَد، وذلك يوم القيامة.
هل يمكن أن نقول: إن المراد به المعنيان جميعًا؟ نعم؛ لأنه لا مُنافاة بين هذا وهذا، فكلاهما من آيات الله عز وجل؛ يعني: أنه سواء قلنا: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض، أو المسجورُ الذي سيُسْجَر؛ أي: يوقد، فكل ذلك من آيات الله.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧] هذا هو جواب القسم، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدين بل بثلاثة: القسم المتعدد؛ خمسة إقسامات، واللام في قوله: ﴿لَوَاقِعٌ﴾، و﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ﴾، هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكداتٍ: بقسم بخمسة أشياء، وإذا كان قسمًا بخمسة أشياء صار كأنه أقسم عليها خمس مرات. والثاني: بـ(إنَّ). والثالث: باللام.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور ٧]؛ يعني: لا بد أن يقع عذاب الله الذي وعد به، هذه واللهِ جملةٌ عظيمة مؤثِّرة، لكنها لا تؤثر إلا على قلب لينٍ كلِين الزبد أو أشد. أما القلب القاسي فلا يهتم بها، تمر عليه وكأنها ثلجة، كان عمر رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية يمرض حتى يعاد، يمرض من شدة ما يقع على قلبه من التأثر حتى يُعادَ، إذا كان واقعًا وليس له دافع أليس الجدير بنا أن نخاف؟! بلى واللهِ، هذا هو الجدير.
وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾؛ يعني: لا بد أن يقع. ولكن هل هذا التأكيد بالنسبة لعذاب المؤمنين أو لعذاب الكافرين؟ لننظر، قال الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج ١ - ٣]، ضُمَّ الآية هذه إلى الآية التي في الطور تجد أن قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٧، ٨] على من؟ على الكافرين، فعذاب الله على الكافرين ليس له دافع، لا أحد يدفعه؛ لا قبل وقوعه ولا بعد وقوعه، ولهذا لا تنفعهم الشفاعة، فيُرْفَع عنهم العذاب.
أما عذاب الله للمؤمن فإن الأصل أنه واقع، كل ذنبٍ توعد الله عليه بالعذاب فالأصل أنه واقع، لكنه مع ذلك قد يُرفع بفضلٍ من الله عز وجل؛ قد يرفع بالشفاعة، قد يرفع بأعمال صالحة تغمر الأعمال السيئة، ألم تر أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ألم تعلم أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهَمُ اللَّهُ فِيهِ»[[أخرجه مسلم (٩٤٨ / ٥٩) من حديث ابن عباس.]]، فيرتفع عنه العذاب.
وعلى هذا نقول: عذاب الله واقع على الكافرين لا محالة، ولا دافع له، أما على عصاة المؤمنين فإن الأصل الوقوع، ما الذي يمنع وقد أنذر الله العباد وخوفهم وبيَّن لهم؟ لكن مع ذلك قد يرتفع بأسباب متعددة.
﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٨] (ما) نافية، و(دافع) مبتدأ مؤخَّر دخلت عليها (مِن) الزائدة للتوكيد؛ يعني: ما من أحد ولو عظُمَت منزلته وقوته يدفع عذاب الله عز وجل، أبدًا، لا يمنعه ولا يرفعه؛ لأن (دافع) هنا -يا إخوان- تشمل المنع والرفع؛ تشمل المنعَ قبل الوقوع والرفعَ بعد الوقوع، لا أحد يدفع عذاب الله، لا يمنعه أن ينزل ولا يرفعه إذا نزل، وإنما ذلك إلى الله وحده.
﴿
52:9–11Page 523
يَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوۡرٗا ٩
On the Day the heaven will sway with circular motion
وَتَسِيرُ ٱلۡجِبَالُ سَيۡرٗا ١٠
And the mountains will pass on, departing1 -
فَوَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١١
Then woe, that Day, to the deniers,
﴾
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ٩ - ١١].
هذه الجملة بل هذه المفردة: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ متعلقة بقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾؛ يعني: أن العذاب يقع في ذلك اليوم ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قوله: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ قد يظن الظان أن المصدر هنا ﴿مَوْرًا﴾ لمجرد التوكيد، ولكنه ليس كذلك بل هو لبيان تعظيم هذا الموقف، والمور بمعنى الاضطراب؛ يعني: أن السماء تضطرب وتتشقق وتتفتح وتختلف عما هي اليوم عليه، كما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار ١ - ٥]، ولا إنسان يتصور أو يعلم حقيقة ذلك اليوم، ولكننا نعلم المعنى بما أخبر الله به عنه، أما الحقيقة فهي شيء فوق ما نتصوره الآن.
﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور ١٠]؛ أي: تسير سيرًا عظيمًا، وذلك أن الجبال تكون هباء منثورًا، وتتطاير كما تتطاير الغيوم، وتسير سيرًا عظيمًا هائلًا؛ لشدة هول ذلك اليوم، وهذه الآية تدل على أن قول الله تبارك وتعالى في سورة النمل: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل ٨٨]، فإن هذه الآية هي نفس هذه الآية التي في الطور من حيث المعنى، فيكون قوله تبارك وتعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ يعني: يوم القيامة ولا شكَّ.
ومن فسَّرها بأن ذلك في الدنيا، وأنه دليل على أن الأرض تدور فقد حرَّف الكلم عن مواضعه، وقال على الله ما لا يعلم، وتفسير القرآن ليس بالأمر الهين؛ لأن تفسير القرآن يعني أنك تشهد على أن الله أراد به كذا وكذا، فلا بد أن يكون هناك دليل؛ إما من القرآن نفسه، وإما من السنة، وإما من تفسير الصحابة، أما أن يحول الإنسان القرآن على المعنى الذي يراه بعقله أو برأيه، فقد قال النبي ﷺ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرَآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه الترمذي (٢٩٥٠)، والنسائي في الكبرى (٨٠٣١) من حديث ابن عباس.]].
والمهم أن هذا التفسير، أعني أن قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ يُراد به في الدنيا تفسيرٌ باطلٌ، لا يجوز الاعتماد عليه ولا المعول عليه، أما كون الأرض تدور أو لا تدور، فهذا يُعلم من دليل آخر؛ إما بحسب الواقع، وإما بالقرآن، وإما بالسنة، ولا يجوز أبدًا أن نُحَمِّلَ القرآن معاني لا يدل عليها من أجل أن يؤيد نظرية أو أمرًا واقعًا، لكنه لا يدل عليه اللفظ؛ لأن هذا أمر خطير جدًّا.
قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور ١١]، (ويل) كلمة وعيدٍ وتهديدٍ، وإن كان قد رُوِي أنها وادٍ في جهنم[[أخرجه الترمذي (٣١٦٤)، وأحمد في المسند (١١٧١٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، لكن الصواب أنها كلمة تهديد ووعيد.
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ المكذبين لله ورسله، الجاحدين لما قامت الأدلة على ثبوته، فإنهم سيجدون في ذلك اليوم من العذاب والنكال ما لا يخطر لهم على بالٍ.
52:12Page 523
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي خَوۡضٖ يَلۡعَبُونَ ١٢
Who are in [empty] discourse amusing themselves.
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢] ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ في الدنيا، ﴿فِي خَوْضٍ﴾ أي: في كلام باطل، ﴿يَلْعَبُونَ﴾؛ أي: لا يقولون الجد، ولا يعملون بالجد، وإنما أعمالهم كلها لعب ولغوٌ، ولذلك تجد أعمارهم ليس بها بركةٌ، تمرُّ بهم الليالي والأيام لا يستفيدون شيئًا.
52:13Page 523
يَوۡمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ١٣
The Day they are thrust toward the fire of Hell with a [violent] thrust, [its angels will say],
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]، هذه متعلقة بما سبق أيضًا، و﴿يُدَعُّونَ﴾ بمعنى: يدفعون بعنف وشدة، ﴿إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾؛ لأنهم -والعياذ بالله- تُمَثَّل لهم النار كأنها سراب؛ أي: كأنها حوض نهر وهم على أشد ما يكون من العطش، فيذهبون إليها سراعًا يريدون أن يشربوا منها حتى يزول عنهم العطش، فإذا بلغوها وإذا هي النار والعياذ بالله، فكأنهم -والله أعلم- يتوقفون لئلا يتساقطوا فيها، فيدعون إليها دعًّا؛ أي: يدفعون بعنف وشدة، فيتساقطون فيها، أجارنا الله وإياكم من ذلك.
52:14Page 523
هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٤
"This is the Fire which you used to deny.
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ﴾ ؛ يعني يقال لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ كانوا في الدنيا يقولون: لا بعث ولا جزاء، ولا عقوبة ولا نار، وإنما هي أرحام تدفع وأرض تبلعُ ولا بعث، فيقال: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا يُكذِّبون بها ويقولون: لا نار ولا بعث ولا جزاء، فيُوَبَّخون على هذا الإنكار يوم القيامة، وما أشد حسرتهم إذا وُبِّخُوا على أمرٍ كان في إمكانهم أن يتخلوا عنه ولكنهم الآن لا يستطيعون إلى ذلك سبيلًا.
يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧]، قال الله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨]؛ يعني حتى لو رُدُّوا إلى الدنيا عادوا وكذبوا، فلن يستقيموا على أمر الله، لكن يقولون هذا تمنيًا، ويقول العوام: التمني رأس مال المفاليس.
52:15Page 524
أَفَسِحۡرٌ هَٰذَآ أَمۡ أَنتُمۡ لَا تُبۡصِرُونَ ١٥
Then is this magic, or do you not see?
﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥]؛ يعني: أفهذا الذي ترون اليوم سحرٌ كما كنتم تقولون ذلك في الدنيا، حيث يقولون: إن ما جاءت به الرسل سحر، ويصفون الرسول بأنه ساحر، فيقال: أسحر هذا أم أنتم لا تبصرون؟ يعني: لا تبصرون بعين البصيرة، بل أنتم عُميٌ عن الحق والعياذ بالله.
52:16Page 524
ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٦
[Enter to] burn therein; then be patient or impatient - it is all the same for you. You are only being recompensed [for] what you used to do."
﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] ﴿اصْلَوْهَا﴾؛ أي: احترقوا بها، والأمر هنا للإهانة، كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان ٤٩، ٥٠]، فانظر إلى هؤلاء كيف تتهكَّم فيهم الملائكة وتُذِلُّهم وتخزيهم -والعياذ بالله- وتُهِينهم!
﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور ١٦]؛ يعني: أن الصبر وعدمه سواء عليكم، ومعنى هذا: أنه لن يفرج عنكم سواء صبرتم أمْ لم تصبروا، مع أنه في الدنيا إذا أصيب الإنسان بشيء وصبر فإنه يفرج عنه، كما قال النبي ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد في المسند (٢٨٠٣) واللفظ له من حديث ابن عباس.]].
﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ يعني: ما تُجْزَون إلا ما عملتموه، فلم تظلموا شيئًا.
52:17Page 524
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ ١٧
Indeed, the righteous will be in gardens and pleasure,
ثم ذكر الله تعالى جزاء المؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور ١٧]، هذه الجملة خبرية مؤكدة بـ(إن).
وأشرح لكم التوكيد؛ إذا قلت مثلًا: العلم نافع، هذه جملة خبرية خالية من التوكيد. فإذا قلت: إن العلم نافع، فهذه جملة خبرية مؤكدة بمؤكد واحدٍ وهو (إن). فإذا قلت: إن العلم لنافع، فهذه جملة خبرية مؤكدة بمؤكدين: (إن، واللام). فإذا قلت: والله إن العلم لنافع، فهذه جملة خبرية مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: (القسَم، وإن، واللام).
والتوكيد أسلوب من أساليب اللغة العربية مستعمل عند العرب، وهذا القرآن نزل بلغة العرب، وإلا ففي الواقع أن خبر الله عز وجل لا يحتاج إلى توكيد؛ لأنه أصدق القول، فالرب عز وجل إذا أخبر بخبر فإنه لا يحتاج إلى أن يؤكَّد؛ لأن خبر الله صدق، لكن لما كان القرآن العظيم نزل بلسان عربي صار جاريًا على ما كان يعرفه العرب في لغتهم.
وهنا أكد الله عز وجل هذه الجملة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ بماذا؟ بـ(إن)؛ يعني: بمؤكد واحد.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾. من هم المتقون؟ المتقون هم الذين قاموا بطاعة الله امتثالًا لأمره واجتنابًا لنهيه، هذه هي التقوى.
إذن التقوى: طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، فالذي يصلي امتثالًا لأمر الله نقول: هو متَّقٍ بصلاته، والذي يدَعُ الزنا نقول: هو متَّقٍ بترك الزنا. وإنما سمي ذلك تقوى؛ لأنه وقاية من عذاب الله، فإن الإنسان إذا قام بطاعة الله فقد اتخذ وقاية من عذاب الله عز وجل.
هؤلاء المتقون يقول الله عز وجل: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾، و(جنات) جمع جنة، وهي الدار التي أعدَّها الله تعالى للمتقين في الآخرة، بدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣].
نحن قلنا: التي أعدها الله تعالى لعباده في الدار الآخرة. فهل يمكن أن تكون في الدنيا؟ نقول: أما بالنسبة لدخول الجنة التي هي الجنة، فهذا لا يمكن في الدنيا، أما بالنسبة لكون الإنسان يأتيه من نعيم الجنة ما يأتيه، فهذا يمكن، وذلك في القبر إذا سُئِل الإنسان عن ربه ودينه ونبيه، فأجاب بالصواب، فإنه يُفْرَش له فراش من الجنة، ويُفْتَح له باب إلى الجنة، ويُفْسَح له في قبره مَدَّ البصر.
إذن (جنات) جمع أيش؟ وهي الدار التي أعدها الله للمتقين في الآخرة، وجمعها لأنها أنواع، ذكر الله في سورة الرحمن أربعة أنواع: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢] إذن هذه أربع، تختلف هذه الجنان الأربع فيما جاء في وصفهما في سورة الرحمن.
يقول عز وجل: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور ١٧] (نعيم) أي: نعيم البدن ونعيم القلب، فهم في سرور دائم، وهم في صحة دائمة، وهم في حياة دائمة، فجميع أنواع النعيم كاملة لهم، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
52:18Page 524
فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ١٨
Enjoying what their Lord has given them, and their Lord protected them from the punishment of Hellfire.
﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الطور: ١٨] ﴿فَاكِهِينَ﴾، (الفاكه) هو المسرور، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين ٣١]؛ أي مسرورين، ﴿بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: بما أعطاهم ربهم من النعيم، ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ فحصلوا على السلامة من الشرور بوقاية الجحيم، وعلى تمام السرور في جنات النعيم.
52:19Page 524
كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٩
[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you used to do."
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٩] (كلوا) نعربها على أنه أيش؟ على أنه فعل أمر، وهل هذا الأمر تكليف ولَّا تكريم؟ تكريم، فالأمر هنا للتكريم؛ أي: يقال لهم: كلوا واشربوا، كلوا من كل ما في الجنة من النعيم، وفيها من كل فاكهة زوجان، وفيها فاكهة ونخل ورمان، وفيها من كل النعيم.
﴿وَاشْرَبُوا﴾ مما فيها من الأنهار. وأنهار الجنة ذكرها الله تعالى أربعة في سورة القتال، ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد ١٥] معنى ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾ أي: غير متغيَّر، المياه في الدنيا إذا لم يأتِها ما يمدها وبقيت راكدة لا بد أن تتغير فتكون آسنة، ماء الجنة لا يتغير غير آسن.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ اللبن في الدنيا إذا بقِيَ يتغير ويفسد، لكن في الآخرة لا.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ خمر الدنيا فيه رائحة كريهة، ثم فيه أنه يقلب العاقل إلى مجنون، فيه أيضا الصداع، فيه خراب المعدة، لكن في الجنة لا.
﴿أَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾، وقد قال الله تعالى في سورة الصافات: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات ٤٧].
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور ١٩] الهنيء هو الذي لا يكون له عاقبة سيئةٌ ولا تبعةٌ من تجاوز أو إسراف. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بسبب ما كنتم تعملون، فالباء هنا للسببية وليست الباء للعوض، أقول هذا لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٥٦٧٣ / ٧٢) من حديث أبي هريرة.]]، وهنا قال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فجعل الله تعالى ذلك بسبب العمل.
فقال بعض العلماء: كيف يقول رسول الله ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، مع أن الله يقول: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؟
والجواب على هذا الإشكال أن يقال: الباء تأتي للسببية وتأتي للبدلية؛ فإذا قيل: دخل الرجل الجنة بعمله، فالمعنى السببية، وإذا قيل: لن يدخل الجنة أحد بعمله، فالمعنى البدلية.
وأضرب مثلًا يبين هذا: بعتك الثوب بدرهم، الباء للبدلية؛ لأن الدرهم صار عوضًا عن الثوب، هذه للبدلية. وإذا قلت: أدَّبت الولد بعبثه، هذه للسببية.
إذن كلُّنا لن يدخل الجنة بعمله؛ لأن الله سبحانه وتعالى لو حاسبنا على عملنا ما قابل عملنا نعمة من نعم الله؛ نعمة واحدة. النفس الآن الذي هو من ضرورة الحياة، يخرج منك ويدخل بدون تعب وبدون مشقة، وكم ينفس الإنسان في الدقيقة؟ كثيرًا، لو أننا حُوسِبنا على أعمالنا بالمعاوضة والمبادلة لكانت نعمة واحدة تستوعب جميع العمل، أليس كذلك؟ ونحن الآن لا نحس بنعمة النفس، لكن لو أصيب أحد منا بكتم النفس لوجد أن النفس من أكبر نعم الله، لذلك نقول: إن الباء في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ للسببية وليست للبدلية.
وفي قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ شمول لكل العمل؛ عمل الجوارح والقلب واللسان. فالجوارح الأفعال كالركوع والسجود، والأقوال كالأذكار، والقلوب كالخوف والرجاء والتوكل، وما أشبه ذلك، فكل هذه تُسمَّى أعمالنا.
52:20Page 524
مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٢٠
They will be reclining on thrones lined up, and We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.
ثم قال الله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ [الطور ٢٠] ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ هذه حال؛ أي: حال كونهم متكئين، والمتكئ تدل هيئته على أنه في سرور وانشراح وطمأنينة؛ لأن الاتكاء يدل على ذلك. و(السرر) جمع سرير، وهي الكراسي الفخمة الْمُهيَّأة أحسن تهيئة للجالس عليها. ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾؛ أي: مصفوف بعضها إلى بعض، يصُفُّها الخدم والولدان.
﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي: قَرَنَّاهم بحور عين، والحور جمع حوراء، والعين جمع عيناء، والأصل الحور والبياض، وأما العيناء فهي التي كانت جميلة العين في سوادها وبياضها، فهن حسان الوجوه حسان الأعين.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences