Ibn 'UthayminAt‑Tur · 52:21–47

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

At-Tur 52:21–47

52:21Page 524

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ ٢١

And those who believed and whose descendants followed them in faith - We will join with them their descendants, and We will not deprive them of anything of their deeds.1 Every person, for what he earned, is retained.2

ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور ٢١]، الذين آمنوا واتبعتهم الذرية بالإيمان، والذرية التي يكون إيمانها تبعًا هي الذرية الصغار، فيقول الله عز وجل: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ أي: جعلنا ذريتهم تلحقهم في درجاتهم. وأما الكبار الذين تزوجوا فهم مستقلون بأنفسهم في درجاتهم في الجنة لا يلحقون بآبائهم؛ لأن لهم ذرية فهم في مَقرِّهم، أما الذرية الصغار التابعون لآبائهم فإنهم يرقون إلى آبائهم، هذه الترقية لا تستلزم النقص من ثواب ودرجات الآباء، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ يعني: نقصناهم؛ يعني أن ذريتهم تلحق بهم، ولا يقال: اخصم من درجات الآباء بقدر ما رفعت من درجات الذرية، بل يقول: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.

﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ هذه قاعدة عامة في جميع العاملين أن كل واحد فإنه رهين بعمله لا ينقص منه شيء، أما الزيادة فهي فضل من الله تبارك وتعالى على من شاء من عباده.

52:22Page 524

وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢٢

And We will provide them with fruit and meat from whatever they desire.

﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور: ٢٢]، أمدهم الله تعالى؛ أي أعطاهم عطاء مستمرًا إلى الأمد وإلى الأبد، ﴿بِفَاكِهَةٍ﴾ وهي ما يتفكه به من المأكولات، ﴿وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾؛ أي: مما يشتهونه ويستلذونه، وقد بيَّن الله تبارك وتعالى نوع هذا اللحم بأنه لحم طير، وهو أشهى ما يكون من اللحم وأبرؤه وأمرؤه.

52:23Page 524

يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا وَلَا تَأۡثِيمٞ ٢٣

They will exchange with one another a cup [of wine] wherein [results] no ill speech or commission of sin.

﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ [الطور: ٢٣]؛ أي: أن أهل الجنة يتنازعون؛ ينازع بعضهم بعضًا على سبيل المداعبة وعلى سبيل الأنس والانشراح.

﴿كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور ٢٣]، والمراد بالكأس كأس الخمر، ومعنى ﴿لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ أنه لا يحصل بها ما يحصل من خمر الدنيا؛ فإن خمر الدنيا يحصل به السكر والهذيان، ولكن خمر الآخرة ليس فيه لغو ولا تأثيم؛ أي: لا يلغو بعضهم على بعض، ولا يتكلمون بالهذيان، ولا يعتدي بعضهم على بعض.

52:24Page 524

۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ ٢٤

There will circulate among them [servant] boys [especially] for them, as if they were pearls well-protected.

﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ [الطور: ٢٤]؛ أي: يتردد عليهم -أي: على أهل الجنة- وهم على سررهم متكئون ولدان مخلدون.

﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾؛ أي: غلمان مهيئون لهم في الخدمة التامة المريحة، ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ أي: الغلمان، ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾؛ أي: محفوظ عن الرياح والغبار وعن غير ذلك مما يفسده.

52:25Page 524

وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٥

And they will approach one another, inquiring of each other.

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور ٢٥]؛ يعني: صار بعضهم يُسائل بعضًا لكن على وجه الأدب، يتكلم معه وهو مقابل له لوجهه، فلا يُصعِّر خدَّه له ولا يستدبره، بل يتكلم معه بأدب ومقابلة تامة.

52:26Page 524

قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ ٢٦

They will say, "Indeed, we were previously among our people fearful [of displeasing Allāh].

﴿قَالُوا﴾ [الطور: ٢٦]؛ أي: قال بعضهم لبعض، ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ﴾؛ أي: في الدنيا، ﴿فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾؛ أي: خائفين من عذاب الله.

52:27Page 524

فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ٢٧

So Allāh conferred favor upon us and protected us from the punishment of the Scorching Fire.

﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] (مَنَّ) أي: أنعم علينا بنعمة عظيمة، ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾؛ أي: عذاب النار.

52:28Page 524

إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ٢٨

Indeed, we used to supplicate1 Him before. Indeed, it is He who is the Beneficent, the Merciful."

﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ﴾ [الطور: ٢٨]؛ أي: قبل أن أصل إلى هذا المقر وذلك في الدنيا، ﴿نَدْعُوهُ﴾؛ أي: نعبده ونسأله؛ لأن الدعاء يطلق على معنيين: على العبادة، وعلى السؤال.

فمن إطلاقه على العبادة قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠].

وأما دعاء بمعنى السؤال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة ١٨٦].

فقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ يشمل دعاء العبادة؛ كالصلاة والصدقة والصيام والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام، كل هذا دعاء وإن كان هو عبادة. لكن لو سألت العابد: لماذا تعبد الله؟ لقال: أرجو رحمته وأخاف عذابه، فيكون هذا لهذه العبادة بمعنى الدعاء.

كذلك ندعوه دعاء مسألة لا يسألون إلا الله ولا يلجئون إلا إلى الله؛ لأنهم يعلمون أنهم مفتقرون إليه، وأنه هو القادر على كل شيء.

﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ ﴿الْبَرُّ﴾ بمعنى: الواسع الإحسان والرحمة، ومن ذلك (البرية) للمكان الخالي من الأبنية، المعنى أنه جل وعلا واسع العطاء والإحسان والجود.

﴿الرَّحِيمُ﴾ أي: ذو الرحمة البالغة، يرحم بها من يشاء من عباده تبارك وتعالى.

* ففي هذه الآيات: بيان نعيم أهل الجنة.

* وفيها أيضًا: لما ذكر عذاب أهل النار ذكر نعيم أهل الجنة؛ لأن هذا القرآن الكريم مثانٍ تُثَنَّى فيه المعاني، إذا ذكر فيه الخير ذكر فيه الشر، وإذا ذكر فيه نعيم المتقين ذكر فيه جحيم الكافرين وهكذا، حتى يكون الإنسان قارئ القرآن بين الخوف والرجاء، إن قرأ آيات النعيم رجا، إن قرأ آيات العذاب خاف، فيعبد الله تبارك وتعالى بهذا وهذا. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنات، الناجين من الدركات، إنه على كل شيء قدير.

52:29Page 524

فَذَكِّرۡ فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٖ وَلَا مَجۡنُونٍ ٢٩

So remind, [O Muḥammad], for you are not, by the favor of your Lord, a soothsayer or a madman.

﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩]، الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، (ذكِّر) والمذكر محذوف، والتقدير: ذكِّر الناس، أو إن شئت فقل: ذكِّر من أُرسلت إليهم من الجن والإنس.

﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ هذا نفي لما ادعاه المكذبون للرسول ﷺ بأنه كاهن أو مجنون، قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾؛ أي: بإنعام ربك عليك بما أنزل عليك من الوحي لست بكاهن ولا مجنون؛ والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وكانت الكهانة في الجاهلية مشهورة؛ يكون للإنسان رَئِيٌّ من الجن يصحبه ويخدمه، ثم يصعد الجني إلى السماء يستمع ما يقال في السماء، وينزل به على هذا الكاهن، فيكون هذا علم غيب عن أهل الأرض، لكن الكاهن يزيد عليه أشياء كثيرة يتخرصها، فإذا وقع ما سمعه من السماء صار عظيمًا في قومه؛ لأنه أخبر عن شيء مستقبل فوقع.

فالكاهن إذن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما جاء بالوحي ردَّه المشركون وكذَّبوه، وقالوا: إنما جاء به محمد من الكهانة؛ لأن الكهان يخبرون عن الشيء فيقع، ولأن الكهان أيضًا يأتون بكلام مسجوع يشبه القرآن، والقرآن كما تعلمون آيات مفصلة أتى بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولهذا قال النبي ﷺ في كلام حمل بن النابغة الذي قال: يا رسول الله، كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يُطَل؟! فقال النبي ﷺ: «إِنَّمَا هُوَ مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٨)، ومسلم (١٦٨١ /٣٦) من حديث أبي هريرة.]]، من أجل سجعه الذي سجع.

المهم أنهم يقولون: إن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنه كاهن، فنفى الله ذلك، ثم قالوا: إنه مجنون يأتي بما لا يعرف، فكذَّبهم الله، فقال: ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور ٢٩]، هذه الجملة منفية مؤكدة بالباء الزائدة إعرابًا، المفيدة معنًى.

﴿بِكَاهِنٍ﴾ أصلها: فما أنت بنعمة ربك كاهنًا ولا مجنونًا، لكن زيدت الباء توكيدًا للنفي.

52:30Page 524

أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ ٣٠

Or do they say [of you], "A poet for whom we await a misfortune of time"?1

ثم قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾ [الطور ٣٠]؛ يعني: بل أيقولون، و(أَمْ) هذه تُسمَّى عند المعربين منقطعة، لا عاطفة؛ لأن (بل) تأتي عاطفة وتأتي منقطعة، فهنا منقطعة، والتقدير: بل أيقولون شاعر، والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار عليهم.

وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ﴾ الشاعر هو الذي يأتي بكلام مُقَفًّى، ويتضمن شعره أحيانًا حكمًا، ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧) من حديث ابن عمر.]]، فيقولون: إن محمدًا شاعرٌ.

﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ﴾؛ أي: ننتظر به، ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾؛ أي: حوادث الدهر وقوارعه، فيهلك كما هلك الشعراء من قبله ولا يكون له أثرٌ. انظروا -والعياذ بالله- كيف يترقَّبون موت الرسول عليه الصلاة والسلام، يقولون: هذا شاعر من جنس الشعراء يهلك وينتهي أمره!

وقوله: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ قيل: إن المنون هو الدهر، وقيل: إن المنون هو الموت، وهما متلازمان، والمراد بذلك حوادث الدهر المهلكة المبيدة.

52:31Page 524

قُلۡ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُتَرَبِّصِينَ ٣١

Say, "Wait, for indeed I am, with you, among the waiters."

﴿قُلْ﴾ في جوابهم ﴿تَرَبَّصُوا﴾ [الطور ٣١]، والأمر هنا للتهديد والتحدي؛ أي: تربَّصوا بهذا الشاعر رَيب المنون، وانظروا هل يموت وتموت دعوته، أو أنكم أنتم تموتون وتموت معارضتكم؟ إذن ﴿تَرَبَّصُوا﴾ فعل الأمر للتحدي والتهديد أيضًا.

﴿تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾؛ يعني: فأنا منتظر أيضًا، انتظروا أنتم وأنا أنتظر لمن تكون العاقبة، وصارت العاقبة -والحمد لله- للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور ٣١].

52:32Page 525

أَمۡ تَأۡمُرُهُمۡ أَحۡلَٰمُهُم بِهَٰذَآۚ أَمۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٣٢

Or do their minds1 command them to [say] this, or are they a transgressing people?

﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ﴾ [الطور: ٣٢] (أم) هنا نقول: إنها منقطعة، و(أم) المنقطعة تقدر بـ(بل) والهمزة، المعنى: بل أتأمرهم، وهذا انتقال من الأول إلى الثاني.

أتأمرهم ﴿أَحْلَامُهُمْ﴾؛ أي: عقولهم بهذا، فيقولون: إنه مجنون، إنه كاهن، إنه شاعر، هل عقولهم تأمرهم بهذا؟

الجواب: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾؛ أي: بل لا تأمرهم عقولهم بهذا، وكثير منهم يعلم أن محمدًا رسول الله ﷺ حق، لكن غلبتهم الكبرياء -والعياذ بالله- فأنكروا وكذبوا، ولهذا قال: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾؛ أي: معتدون ظالمون، وأصل الطغيان مجاوزة الحد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ﴾ [الحاقة ١١]؛ أي: زاد وارتفع عن عادته، ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾.

52:33Page 525

أَمۡ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ بَل لَّا يُؤۡمِنُونَ ٣٣

Or do they say, "He has made it up"? Rather, they do not believe.

﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور: ٣٣] هذا أيضًا (...) آخر، و(أم) هنا منقطعة بمعنى: (بل) والهمزة، والمعنى: بل أيقولون تقوله؛ أي: اختلقه وكذب به، يعني قسمٌ منهم قالوا: محمد عليه الصلاة والسلام تقوَّل هذا القرآن واختلقه من عنده، وبعضهم يقولون: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣].

﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ يعني: بل هم لا يؤمنون، ولو آمنوا لعلموا أن القرآن لا يمكن أن يتقوَّله بشر؛ لأن كلام الله عز وجل لا يشبهه أيُّ كلام.

52:34Page 525

فَلۡيَأۡتُواْ بِحَدِيثٖ مِّثۡلِهِۦٓ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٣٤

Then let them produce a statement like it, if they should be truthful.

ثم تحداهم فقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤]؛ يعني: إذا كنت أنت تقوَّلته فأنت مثلهم؛ بشر تتكلم كما يتكلمون، وتخطب كما يخطبون، وتقول كما يقولون، فإذا كنت متقوِّلًا له وهو من عندك فليأتوا بحديث مثله؛ لأن البشر يمكن أن يأتي بكلام يشبه كلام البشر الآخر، فإذا كان محمد ﷺ تقوَّله فهاتوا مثله.

﴿فَلْيَأْتُوا﴾ واللام هنا للأمر، والمقصود به التحدي والتعجيز، ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ وهذا غاية التحدي، عجزوا، ما استطاعوا أن يأتوا بحديث مثله مع أنهم أمراء البلاغة وسلاطين الفصاحة لكنهم عجزوا. فماذا يدل عجزهم عليه؟ يدل على أن القرآن ليس من كلام البشر بل هو من كلام الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾، ومع قوة المعارضة وقوة البلاغة والفصاحة عجزوا أن يأتوا بحديث مثله، ما استطاعوا، فدل ذلك على أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يتقوَّله، ولن يستطيع أن يأتي بمثله.

وفي قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ كلمة (حديث) نكرةٌ، والنكرة تدل على الإطلاق، لكن جاء في آية أخرى أن الله قال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس ٣٨]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود ١٣] وجاء في آية أخرى الإخبار بأنه لن يستطيع أحد أن يعارض القرآن، فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء ٨٨] حتى ولو تعاونوا؟ ولو تعاونوا. ولهذا قال: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، تبيَّن الآن بطلان قولهم: إنه تقوله بماذا؟ أن الله تحداهم أن يأتوا بمثله ولكن عجزوا، ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤] أنك تقوَّلته؛ يعني: إن كانوا صادقين في دعواهم أنك تقوَّلته، فليأتوا بحديث مثله.

52:35Page 525

أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٣٥

Or were they created by nothing, or were they the creators [of themselves]?

ثم قال الله تعالى مستدلًّا بربوبيته على ألوهيته، قال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]، (أم) نقول فيها ما سبق بمعنى: بل والهمزة؛ بل أخلقوا من غير شيء، أي: من غير خالق ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾؟

والجواب: لا خُلِقوا من غير خالقٍ ولا هم الخالقون؛ أما كونهم لم يُخْلَقوا من غير خالق فلأن القاعدة العقلية الحسية التي أجمع عليها العقلاء: أن كل مُحْدَثٍ لا بد له من محدِث.

هذه قاعدة اتفق عليها العقلاء، فإذا كان كل حادث لا بد له من مُحْدِثٍ، نظرنا في أنفسنا: نحن حادثون، أليس كذلك؟ قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان ١]، الواحد منا الذي له عشرون سنة، هو قبل اثنين وعشرين سنة ليس شيئًا مذكورًا، ولا يُعْرَف ولا يُدْرَى عنه، إذن نحن حادثون، كل حادث -يا إخوان- لا بد له من مُحْدِث، فهل أنتم خُلِقْتُم من غير محدِث؟ الجواب: لا، هذا جواب عقلي لا يُنْكَرُ. أم هم الخالقون لأنفسهم؟ الجواب: لا؛ لأنهم قبل أن يُوجَدُوا عدمٌ، وكيف يمكن للعدم أن يخلِق؟ لا يمكن هذا.

فإذا تبين أنهم لم يُخْلَقوا من غير خالقٍ، وأنهم لم يخلِقوا أنفسهم؛ تعيَّن أن يكون لهم خالق قادر على إيجادهم. من هو؟ الله عز وجل، لا يستطيع أحدٌ منهم أن يقول: إن الذي خلقني أبي أو أمي، لا يستطيع أحد ذلك أن يقول هذا، فإذا لم يكن كذلك تعيَّن أن يكون لهم خالق وهو الله تبارك وتعالى، وإذا كان لهم خالق وهم مخلوقون مربوبون مُدبَّرون فالواجب أن يخضعوا لهذا الخالق وأن يعبدوه وحده، كما أنه هو الخالق وحده.

هذه الآية سمعها جبير بن مطعم، وكان قد قدِمَ على المدينة وهو مشرك، قدِمَ إلى النبي ﷺ في طلب الفداء لأسرى بدر، أظنه لا يخفى على كثير منكم أن بدرًا انتصر فيها النبي ﷺ وأصحابه والحمد لله، ونصرهم نصرٌ لنا، قتلوا من قريشٍ سبعين رجلًا، وأسروا سبعين رجلًا وجاؤوا بهم إلى المدينة، وانقسموا إلى أقسام: منهم من أطلقه النبي عليه الصلاة والسلام ومَنَّ عليه، ومنهم من فداه بمال، ومنهم من فداه بأسير، إن كان هناك أسير لا أدري، ومنهم مَن فداه بتعليم أهل المدينة الكتابة.

جبير بن مطعم أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام يطلب فداء أسرى بدر؛ لأنه من صميم قريش، والأسرى أيضًا من قريش، ويظهر لي -والله أعلم- أن جبيرًا سمع قول النبي ﷺ: «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا فَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ»[[أخرجه البخاري (٣١٣٩) من حديث جبير بن مطعم.]]. لأنكم تعرفون قصة جبير حين رجع النبي عليه الصلاة والسلام من الطائف أجاره، وصار يمشي معه من حين دخل مكة إلى أن وصل إلى الكعبة، وأمر أبناءه وهم متقلدو السيوف أن يقف كل واحد على ركن من أركان الكعبة؛ حتى لا يعتدي على الرسول أحد، فهو أحسن إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أبوه. هذا الإحسان قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أوفى الناس عليه الصلاة والسلام في كرمه، قال: «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا فَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى». من هم النتنى؟ الأسرى، ووصفهم بأنهم نَتْنَى لأن المشركين نجس، والنتن هو الرائحة الكريهة، «فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ».

جبير ابنه، فلعله -والله أعلم- سمع بهذه المقالة، فجاء إلى النبي ﷺ يطلب فداء الأسرى، «وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ في المغرب بسورة الطور لما بلغ هذه الآية:» ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ «قال جبير: كاد قلبي يطير»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٦٥)، ومسلم (٤٦٣ / ١٧٤)، وابن ماجه (٨٣٢) واللفظ له من حديث جبير بن مطعم.]]؛ لأن هذه حجة ملزمة لا يمكن أن يتخلص منها أحدٌ، قال: «ووقر الإيمان في قلبي»؛ معناه أنه دخل الإيمان في قلبه.

سبحان الله! انظر تأثير القرآن الكريم مع أنه ما دعاه الرسول ﷺ في تلك الساعة، لكن سمع هذه الآية العجيبة العظيمة فكاد قلبه يطير.

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾؟ الجواب بكل سهولة: لا، في الأمرين، لا خُلِقُوا من غير شيء، ولا هم الخالقون، بل لهم خالق وهو الله سبحانه وتعالى، ولا أحد يمكن أن ينكر هاتين المقدمتين، كلاهما حجة قطعية تدمغ كل كافر؛ لأنه إذا قال: نعم وله خالق خلقه، قلنا: إذن لماذا لا تعبده؛ لأنك عبدٌ له مملوكٌ له؟

52:36Page 525

أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ٣٦

Or did they create the heavens and the earth? Rather, they are not certain.

﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور: ٣٦] انتقل من الأدنى إلى الأعلى، خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، انتقل من الأدنى إلى الأعلى، ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؟ الجواب: لا؛ لأن (أمْ) هنا مثل سابقاتها، بل أخلقوا السماوات والأرض؟ والجواب: لا، حتى هم يُقِرُّون بهذا ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، يُقرُّون بهذا لكن مع ذلك ما يعترفون بالرسالة، ولهذا قال: ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور ٣٦]؛ يعني: ليس عندهم إيقان في خلق السماوات والأرض أن الذي خلقهم هو الله؛ لأنه لو كان عندهم يقين لحملهم هذا اليقين على تصديق النبي ﷺ والإقرار برسالته.

هذه الإلزامات العظيمة التي ألزم الله بها قريشًا، كل هذا من أجل إقامة الحجة عليهم، ولو شاء سبحانه وتعالى لعاقبهم بدون أن تكون هذه المجادلة أو هذه المناقشة.

52:37Page 525

أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ ٣٧

Or have they the depositories [containing the provision] of your Lord? Or are they the controllers [of them]?

﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧]، (أم) هنا بمعنى بل والهمزةِ؛ يعني: بل أعندهم خزائن رزق الله عز وجل حتى يمنعوا من شاؤوا ويعطوا من شاؤوا؟

والجواب: لا، ليس عندهم ذلك ولا يملكون شيئًا من ذلك، بل الذي يملك الرزق عطاء ومنعًا هو الله تبارك وتعالى، ولما نفى أن يكون عندهم خزائن الله قال: ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾؛ يعني: بل أهم الذين لهم السيطرة والغلبة والسلطان والكلمة؟ والجواب: لا، فإذا لم يكن لهم شيء من هذا صاروا مربوبين، وصاروا أذلاء أمام قوة الله عز وجل.

52:38Page 525

أَمۡ لَهُمۡ سُلَّمٞ يَسۡتَمِعُونَ فِيهِۖ فَلۡيَأۡتِ مُسۡتَمِعُهُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٣٨

Or have they a stairway [into the heaven] upon which they listen? Then let their listener produce a clear authority [i.e., proof].

ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور ٣٨]؛ يعني: بل ألهم سلم (...) سلم يصعدون فيه إلى السماء يستمعون ما يقال في السماء؟ الجواب: لا، فإنِ ادَّعوا ذلك ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بحُجة بينة ظاهرة على أنه استمع ما يقال في السماء. والجواب: لن يجدوا إلى ذلك سبيلًا.

اللهم إلا الكهنة الذين لهم رِئِيٌّ من الجن، يستمع إلى ما يقال في السماء ثم يكذب مئة كذبة عما سمع، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعها من السماء.

52:39Page 525

أَمۡ لَهُ ٱلۡبَنَٰتُ وَلَكُمُ ٱلۡبَنُونَ ٣٩

Or has He daughters while you have sons?

ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور ٣٩]، وهذا أيضًا بمعنى (بل) والاستفهام الذي للتوبيخ والإنكار؛ يعني: أيكون لله البنات ولهم البنون؟! لأنهم ادعوا أن جنود الله تعالى بنات، وأن لهم البنين، ومعلوم أن من له البنين غالب على من له البنات؛ لأن جنده رجال ذكور أقوى وأحزم وأقدم من النساء، وقد جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا كما قال الله تعالى عنهم ذلك، قال: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف ١٩]؛ يعني: لم يشهدوا خلقهم حتى يقولوا: إنهم بنات، ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾؛ أي: شهادتهم هذه التي هي زور وكذب ﴿وَيُسْأَلونَ﴾.

المهم أن هؤلاء المكذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام من قريش قالوا: لهم البنون وللهِ البنات، قال الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل ٥٧] والذي يشتهونه (...) ﴿بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ (...) مملوء غيظًا وغمًّا من سوء ما بشر به (...).

52:40Page 525

أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٠

Or do you, [O Muḥammad], ask of them a payment, so they are by debt burdened down?

﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠]؛ يعني: بل أتسألهم أجرًا، والاستفهام هنا للنفي، كل استفهام هنا للنفي والتوبيخ؛ يعني: هل أنت يا محمد حين دعوتهم إلى الله عز وجل، هل أنت تقول: أعطوني أجرًا مثقلًا كبيرًا لا يستطيعونه حتى يردوك؟ والجواب: لا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص ٨٦]، فالنبي ﷺ لم يقل لأي واحد: أعطني أجرًا على دعوتي إياك، بل هو ﷺ يبذل المال ليؤلف القلوب، كما أعطى المؤلفة قلوبهم من الأموال شيئًا عظيمًا، وليس يطلُبُ من أحد أيَّ عوض على ما جاء به من الرسالة.

استدل بعض أهل العلم على أنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ أجرًا على تعليم العلم، بمعنى: مؤاجرة، تقول للإنسان: لا أعلمك إلا بكذا وكذا.

لكن هذا فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٥٧٣٧) من حديث ابن عباس.]].

52:41Page 525

أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤١

Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?

﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ما غاب عن الناس ويحفظونه؟ والجواب: لا، ليس عندهم علم الغيب، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه لا يعلم شيئًا من الغيب، يكون (...) دخل ذات يوم والبرمة على النار تغلي باللحم، ولم يعلم ما هو، وحتى إن أبا هريرة كان معه فانخنس منه، ولم يعلم لأي شيء ذهب. فالحاصل أن الرسول نفسه لا يعلم الغيب، فمن دونه من باب أولى. وقد أمره الله تعالى أن يعلن بأنه لا يعلم الغيب، فقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام ٥٠]، وهنا يقول لهؤلاء المكذبين: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾؟ والجواب: لا.

52:42Page 525

أَمۡ يُرِيدُونَ كَيۡدٗاۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلۡمَكِيدُونَ ٤٢

Or do they intend a plan? But those who disbelieve - they are the object of a plan.

ثم قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطور ٤٢] أيريد هؤلاء أن يكيدوا لك يا محمد بإبطال دعوتك وإهلاكك وإماتتك؟ الجواب: نعم، ولكن كيدهم ليس بشيء بالنسبة إلى كيد الله عز وجل؛ قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]، وقد كادوا له أعظم كيد، فإنهم اجتمعوا ماذا يصنعون بمحمد، لما رأوا دعوته تنتشر وأنه لا قِبَلَ لهم بردها، اجتمعوا يتشاورون ذكروا ثلاثة آراء: الحبس، والقتل، والإخراج.

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ أي: يحبسوك، ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠]، فاستقر رأيهم على القتل، لكن من يستطيع أن يقتله؟ لأن بني هاشم سوف يطالبون، قالوا: يجتمع عشرة شبان من قبائل متفرقة من العرب، ويُعْطَى كل واحد منهم سيفًا صارمًا، ويضربون محمدًا ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فتعجز بنو هاشم عن المطالبة. فعلوا ذلك، ولكنهم مكروا ومكر الله والله خير الماكرين، أنجاه الله منهم، ثم أذن له أن يهاجر، فهاجر إلى المدينة.

﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور ٤٢]، الجملة هنا جملة اسمية، معرَّف طرفاها، مفصولةٌ بضمير الفصل، مما يدل على التوكيد والحصر؛ يعني: فالكيد الكيد الكيد لمن؟ للذين كفروا.

وهنا سؤال يقول: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾، لم يقل: أم يريدون كيدًا فهم المكيدون، فماذا يسمى هذا الأسلوب عند علماء البلاغة؟ ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ لم يقل: فهم المكيدون، ماذا يسمى عند علماء البلاغة؟ يُسَمَّى الإظهار في موضع الإضمار؛ يعني بدل أن يقال: فهم المكيدون، قال الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولهذا فائدة بل أكثر، إذا قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معناه: أن هؤلاء كفار، إذا قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معناه: أن من كان كافرًا فهو المكيد وإن كان غير هؤلاء، ففيها فائدة، هاتان فائدتان معنويتان.

الفائدة الثالثة: تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحدٍ ربما ينسجم الإنسان ويغفل، لكن إذا جاء شيء يخرج الكلام عن النسق انتبه.

52:43Page 525

أَمۡ لَهُمۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٣

Or have they a deity other than Allāh? Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.

ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور ٤٣]؛ يعني: بل ألهم إله غير الله؟ والجواب: حقيقةً لا، ادعاءً نعم، لهم آلهة غير الله يعبدونها؛ اللات، العزى، مَناة، هبل، وغيرها من الأصنام المعروفة عند العرب، ولهذا قال: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور ٤٣]، فنزه الله سبحانه وتعالى نفسه عما يُشْرِك به هؤلاء؛ ليبين أن هذه الأصنام باطلة، وأن الله مُنزَّه عن كل شريك.

﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور ٤٣]؟

الجواب: حقيقةً لا، وباطلًا نعم، هم يعبدون غير الله ويقولون: إنها آلهة، ويقولون للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥]، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور ٤٣].

52:44Page 525

وَإِن يَرَوۡاْ كِسۡفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطٗا يَقُولُواْ سَحَابٞ مَّرۡكُومٞ ٤٤

And if they were to see a fragment from the sky falling,1 they would say, "[It is merely] clouds heaped up."

﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]؛ يعني: لو نزل عليهم العذاب، والكسف هو العذاب كما قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الشعراء ١٨٧]، الكسف معناه: قطع العذاب، ﴿إِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾، وهذا يدل على أنهم يرون أنهم على حق، وأنهم غير مستحقين للعذاب، وأن هذا الكِسف النازل قطع العذاب ما هي إلا سحبٌ متراكمة، وهذا كقول عاد حين رأوا الرياح مقبلة عليهم: ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف ٢٤]؛ لأن هؤلاء المكذبين -والعياذ بالله- معاندون يرون أنهم على حقٍّ، وأنهم غير مستحقين للعذاب، فإذا رأوا العذاب قالوا: هذا شيء عادي، ولن نهابه ولن نخافه.

52:45Page 525

فَذَرۡهُمۡ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصۡعَقُونَ ٤٥

So leave them until they meet their Day in which they will be struck insensible -

قال الله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ [الطور ٤٥]: اتركهم ﴿يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾؛ يخوضوا بأقوالهم، ويلعبوا بأفعالهم، ويلهوا في الدنيا، ويرون أنهم على حق، ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ وهو يوم موتهم؛ يعني: اترك هؤلاء؛ فإن مآلهم إلى الموت وإن فروا، وهم إذا لاقوا يومهم الذي يوعدون عرفوا أنهم على باطل، وأن محمدًا ﷺ على الحق.

52:46Page 525

يَوۡمَ لَا يُغۡنِي عَنۡهُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٦

The Day their plan will not avail them at all, nor will they be helped.

﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٦]، فإذا جاءهم الموت ما أغنى عنهم كيدهم شيئًا؛ لأنهم في قبضة الله، وقد انتهى استعتابهم، وليس أمامهم إلا العذاب.

52:47Page 525

وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابٗا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٧

And indeed, for those who have wronged is a punishment1 before that, but most of them do not know.

﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧]، ﴿إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ والمراد بهم الكفَّار، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤].

﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾؛ يعني: دون عذاب الموت؛ وهو ما أصيبوا به من الجدب والقحط والخوف والحروب، وغير ذلك مما كان قبل الموت.

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور ٤٧] بل أكثرهم في غفلة عن هذا، ولا يظنون أن ذلك من العذاب في شيء.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском