Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
At-Tur 52:48–49
52:48Page 525
وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡيُنِنَاۖ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ٤٨
And be patient, [O Muḥammad], for the decision of your Lord, for indeed, you are in Our eyes [i.e., sight]. And exalt [Allāh] with praise of your Lord when you arise
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿اصْبِرْ﴾؛ أي: محمد عليه الصلاة والسلام، والصبر حبس النفس عما لا ينبغي فعله.
وقوله: ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي؛ يعني: اصبر لما حكم به ربك من وجوب إبلاغ الرسالة، وإن أصابك ما يصيبك اصبر لحكم ربك الكوني القدري؛ وهو ما يقدره الله تعالى عليك من هؤلاء السفهاء، من السخرية والعدوان والظلم. ولقد أوذي النبي ﷺ كما أُوذِيَ إخوانه من المرسلين، أوذي إيذاء عظيمًا، جُعِلَ سلى الجزور على ظهره وهو ساجد تحت الكعبة في آمن مكان، رمي بالحجارة حين خرج إلى أهل الطائف حتى أدموا عقبه صلوات الله وسلامه عليه، ولم يفق إلا وهو في قرن الثعالب، يلقون القاذورات والأنتان على عتبة بابه عليه الصلاة والسلام ويقول: «أَيُّ جُوَارٍ هَذَا؟!»[[أخرجه ابن سعد في الطبقات (١ / ٢٠١) من حديث عائشة.]]، وهذا من امتثال أمر الله، حيث قال الله له: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾.
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور ٤٨]؛ أي: فإننا نراك بأعيننا ونراقبك ونلاحظك ونعتني بك، وهذا كما يقول القائل لمن أشفق عليه وأحبه: أنت في عيني، ومن المعلوم أن مثل هذا الأسلوب لا يعني أن مخاطبه حالٌ في عينه، بل المعنى: أنت مني على مرأى وعلى رقابة و على حماية.
* وفي هذه الآية: إثبات العين لله عز وجل، وهي حقيقة، لكنها لا تماثل أعين الخلق أبدًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١].
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور ٤٨، ٤٩]، ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ أي قل: سبحان الله وبحمده، ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ من أي شيء؟ حين تقوم من مجلسك، أو حين تقوم من منامك. المهم هي عامة، ولهذا كان كفارة المجلس أن يقول الإنسان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فينبغي للإنسان كلما قام من مجلس أن يختم مجلسه بهذا: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
52:49Page 525
وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَإِدۡبَٰرَ ٱلنُّجُومِ ٤٩
And in a part of the night exalt Him and after [the setting of] the stars.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [الطور: ٤٩]؛ يعني: وسبح ربك من الليل، لا كل الليل بل (مِن)، و(مِن) هنا للتبعيض، ولهذا لما سمع النبي ﷺ بأقوام من أصحابه قال أحدهم: أنا أقوم ولا أنام، قال النبي ﷺ: «أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١ / ٥) من حديث أنس بن مالك بنحوه.]]، ولذلك يُكره للإنسان أن يقوم الليل كله، حتى لو كان فيه قوة ونشاط فلا يقوم الليل كله، إلا في العشر الأواخر من رمضان؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يحيي ليلها كله[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤ / ٧) من حديث عائشة.]].
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور ٤٩]؛ يعني: وقت إدبارها. وهل المراد إدبار ضوئها بانتشار نور الشمس، أو إدبار ذواتها عند الغروب؟ فالجواب: هذا وهذا، والمراد بذلك صلاة الفجر؛ لأن صلاة الفجر بها تدبر النجوم، وصلاة الفجر وصلاة العصر هما أفضل الصلوات الخمس، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَإِنِ اسْتَطْعَتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣ / ٢١١) من حديث جرير بن عبد الله.]]، والمراد بالصلاة قبل طلوع الشمس صلاة الفجر، وقبل غروبها صلاة العصر. وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٤)، ومسلم (٦٣٥ / ٢١٥) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، والبردان هما صلاة الفجر وصلاة العصر، فصلاة الفجر براد الليل، وصلاة العصر براد النهار. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾.
وبهذا انتهى الكلام بما يسر الله عز وجل على سورة الطور. نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهب لنا منه رحمة؛ إنه هو الوهاب.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences